أخبار عاجلة

” توبيخ ” واللغة الجديدة في العرض المسرحي – طه رشيد #العراق

 

    ” توبيخ ” واللغة الجديدة في العرض المسرحي طه رشيد الفن المسرحي مثل اي فن اخر يحتاج إلى الذكاء والفطنة بجانب المعرفة والخبرة، مثل لعبة كرة القدم التي أول ما تحتاج للمتانة والقوة الجسدية، ولكن الذكاء أثناء اللعب يشكل عاملا أساسيا للفوز! وجدت ملامح الذكاء عند الفنان انس عبد الصمد، وهو مايسترو مسرحية ” توبيخ” تاليفاً واخراجاً وتمثيلاً! لقد كان “أنس” ذكيا باختياره هكذا انواع من العروض التي تعتمد على” الجسد” باعتباره اللغة المشتركة بين كل الأجناس والأعراق ولا يمكن أن نخطئ بفهمها، ونستطيع أن نعدد عشرات من الحالات الإنسانية التي يتشابه بها البشر، والغضب والفرح والحزن والخوف وغيرها من المشاعر. إذن لغة الجسد هو المفتاح الصحيح الذي وجده انس عبد الصمد في عروضه المسرحية لكي يخلق جسرا لغويا بينه وبين المتلقي من اي بقعة جاء. فلا غرابة أن يحقق انس نجاحات باهرة، ليس في وطنه فحسب، بل في بلدان مختلفة مثل تركيا وفرنسا واليابان وإيران وهولندا وسويسرا وكوريا الجنوبية وتونس والمغرب.

    ليس هذا فحسب بل قدم، بعض المهتمين بالدراسات المسرحية دراسات واطاريح للدراسات العليا بالإنجازات المسرحية لانس عبد الصمد في جامعات بابل والبصرة وبغداد والموصل وفي جامعة السوربون الفرنسية. ترى ماذا قدم انس في عمله “توبيخ” الذي عرض مؤخرا على المسرح الوطني؟! الستارة مغلقة وعلى يسار المشاهد يجلس ” شخص” أدار ظهره للجمهور، الذي بقي في شك هل الشخص الجالس ذكر ام انثى؟! ويتكرر هذا الشك في مشهد اخر وهو مشهد الولادة الذي يجري لاحقا في مقدمة المسرح! الجمهور لا ينتظر حوارا في هذه المسرحية لمعرفته المسبقة بأعمال انس عبد الصمد، وهذه المعرفة المسبقة واضحة لغير المتابع ايضا، لان إعلان المسرحية” الفليكس” يعطي توضيحات بهذا الجانب، فالجمهور هنا ينتظر المؤثرات الصوتية او ” الموسيقى ” التي ستكون عنصرا أساسيا في العمل واحد ابطال المسرحية الذي لا غنى عنه! ترتفع الستارة لتكشف عن سينوغرافيا موزعة بكتل مختلفة موزعة على كل جوانب الخشبة التي تمتلئ بالحركة دون أن يضعف هذا التنوع من المتعة البصرية! واول هذه الكتل هو وجود صورة مكتب كبير في عمق المسرح معلق بين سماء الخشبة وارضيتها حتى يبدو ” الانسان” صغيرا جدا ينسحق باقدام البيروقراطية بغض النظر عن جنسه وهو ما حققه المخرج بخدعة بصرية طريفة.

حيث يتبادل الرجل والمرأة سحق أحدهما الاخر! تنطلق المؤثرات الصوتية بطنين ” حشرات ” يورق الممثل البطل ويتسرب رويدا رويدا إلى بقية الممثلين والجمهور على حد سواء، ويتبعه تسجيل صوري لحشرات وهي تتلاقح، يرادفها فعل قريب منه على الخشبة بين البطل والبطلة ” انس عبد الصمد وعلا علاء”.. وهذه الأفعال المرادفة والمتضادة، في أحيان أخرى، تتكرر دون رتابة أو ملل، فمن جهة يلبس البطل العاري ملابسه بينما تقوم الممثلة المحجبة بخلع ملابسها في الجهة الأخرى من الخشبة. تتناسل الحشرات في المقطع السينمائي وفي أعلى عمق المسرح نرى غرفة تشير إلى أنها صالة ولادة من خلال ملابس وحركات الممثلين، بينما تجري على الخشبة حركات لجمهرة من الممثلين احسن المخرج بقيادتهم وبتوزيع الحركات الفردية والجماعية بشكل يثير الاعجاب، من مشهد الاستنساخ لهذه المجاميع إلى مشهد ” الشمسيات” الذي نُفّذ بشكل جميل. العرض يتحمل أكثر من تفسير لان الاشتغالات على الجسد لم تكن حركات مباشرة سهلة التفسير، وحاول العرض ان يقدم مجموعة من الرسائل التي يمكن أن يستلمها المتلقي ويفسرها حسب ثقافته وهواه، مثله مثل اللوحة التشكيلية التخيلية التي تتحمل تفسيرات عدة. ولكن في مشهد المرأة “المنقبة” إشارة واضحة للوقوف في وجه الارهاب من جهة، ودعم قضية المرأة من جهة أخرى، وربما هي الرسالة الوحيدة التي لا يختلف عليها المتلقون. العمل في مفاصل عدة ذكرني برواية كافكا ” المسخ” حيث يتحول البطل إلى حشرة..

وفي ” توبيخ” نرى العقوبة الأولى للإنسان تبدأ حين يلد ويخرج صارخا من رحم امه، ويتفق بعض علماء النفس على أن هذا الصراخ هو دلالة الجزع من الحياة وشوق لحاضنته الأولى “رحم” والدته. انتقال الممثلين، من جهة إلى أخرى، تتم بمشية مثنية الركبة وبحركة الية تشبه حركة انسان “النيادرتال” الذي تطور من جده القرد وفق نظرية “دارون”! هذه الالية تنم عن الرتابة في الحياة المليئة بالازمات وبالصراعات التي ظهرت وتظهر من قبل هذا المخلوق الإنسان. وهذه الحركة لم تستثن أحدا من الممثلين حتى ” الطفل ” الذي جسد دوره بشكل مبدع ينم عن موهبة مقبلة تبشر بأن ارض العراق لم تكن ولادة للأزمات فقط بل هي أيضا ولادة للطاقات والكفاءات الشابة التي تسعى لكي يمشي الإنسان بقامة مرفوعة في وطن يسوده السلام.. كادر المسرحية، وغالبيتهم من الشباب، قادر على فعل ” المستحيل” من أجل رفع راية الفن العراقي الراقي الذي تحاول القوى المتخلفة، والمنسلخة من روح العصر، على محاربته من أجل ترسيخ قيمهم البالية وتسطيح الوعي لكي يتحول ” المجموع ” إلى قطيع وهو ما حاول العرض المسرحي ” توبيخ ” أن يعالجه ويرفضه في نهاية المطاف..

المصدر : طه رشيد

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح