أخبار عاجلة

تقنيات الأداء المسرحي لدى “إياد الطائي”: بشار عليوي

المصدر : المدى : نشر محمد سامي موقع الخشبة

يتسم أداء الممثل داخل منظومة العرض المسرحي، باعتمادهِ الكامل على امتلاكهِ لخبرات حياتية ومران جسدي وصوتي ضمن عملية إعدادهِ لدورهِ المسرحي عبرَ تحويلهِ للمدركات البصرية والحسية الى استجابات جسدية تُشكِلَ لاحقاً صورة الأداء التمثيلي .

فقيام الممثل بإشراك طبيعتهِ الروحية والجسدية في عملية الأداء يستلزم وضوح الرؤية الداخلية لهذا الأداء، لأن هذهِ الرؤية تستدعي الشعور بالظواهر المُحيطة بوجود الممثل كإنسان وبالتالي فإن تلك الظواهر لها انعكاسات نفسية على أدائهِ في العرض المسرحي، وهذا ما تجسدَ في أداء الممثلين المسرحيين خلال مسيرة المسرح، إذ غالباً ما يسعى المُمثل الى التقليل من انعكاسات الظواهر الحياتية على أدائهِ ومُحاولة الفصل بين الشكل الخارجي للأداء عن مضمونهِ، وبالتالي فإن تلك الانعكاسات تظهر في صورة افعال جسدية وصوتية تُرافق أداء الممثل، إذ اصبح هذا الأداء الدعامة التي يعتمد عليها في انتقال المفهوم المسرحي الى جميع انواع العلوم الانسانية التي تسعى لفهم احوال وانشطة الممثل ومنها علم الاجتماع وعلم الإنسان وعلم النفس … وغيرها، ولأن المسرح يُعد مرآةً للمُجتمع، لذا فإن الظواهر الحياتية والاجتماعية وبُنية المُجتمع كَكُل لها انعكاسات نفسية على أداء الممثل في العرض المسرحي، ويتمثل ذلك كما يؤكد (ابراهيم غلوم) في كتابه “المسرح والتغير الاجتماعي في الخليج العربي” في ما يلي:
1. إن التجربة المسرحية ليست مجرد انعكاس طبيعي للموضوعات الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية وإنما هي انعكاس موضوعي لها اذ تستهدف الربط بين أداء الممثل، وعلاقات الواقع الاجتماعي في سياق متوافق.
2.  هناك علاقة ما بين الصور والافكار أو الاشكال والمفاهيم بحركة التغير البنائي في المجتمع التي تنعكس نفسياً على أداء الممثل، وتطورها يقود الى جعل الشكل المسرحي ومضمونه ذا اعماق اجتماعية.
إن دراسة دواخل ذات الممثل والانعكاسات النفسية لمُجمل الظواهر الحياتية على أدائهِ من قبل مدارس علم النفس ، يُحيلنا الى ضرورة التعرف على العوامل المؤثرة على هذا الأداء عبرَ حركة تلك الذات وتفاعلها مع مُحيطها الذي تعيش فيهِ وتحديداً العرض المسرحي، وفي المسرح العربي والعراقي، فإن التغيرات السياسية في بعض الدول العربية خلال الأعوام الأخيرة قد كانت لها انعكاسات النفسية على أداء الممثل، فلقد لعبت ثورات الربيع العربي دوراً حاسماً في التأثير على البُنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية ومنها الحركة المسرحية من خلال إحداث عصف فكري ونفسي على مُجمل العاملين في المسرح ومنهم الممثلون الذين أصبح أداؤهم خاضعاً لتلك الانعكاسات النفسية للتغيرات السياسية .
المُتابع لتقنيات الأداء المسرحي لدى الممثل المسرحي العراقي “إياد الطائي”، نجد أن تلك الانعكاسات النفسية لمُجمل ضواغط البيئة العراقية بوصفها حاملة لمظاهر الإرهاب بأبشع صورهِ، قد أدت الى أن يستثمر الممثل “الطائي” مُخرجات هذهِ البيئة عبرَ إعادة دراسة ماهية كُل دور مسرحي يُسند لهُ، فـ(إياد الطائي) يرتكز على تقنيات أدائهِ ما يوظفهِ من خزينهِ الانفعالي الحسي والعاطفي والمُتكون من تجاربهِ الحياتية والتي لها انعكاسات نفسية على أدائهِ رُغم أنهُ وغالبية الممثلين المسرحيين العراقيين، لا يخضعون الى عملية إعداد مُمنهجة ومُنظمة تتكون من نظام تمرين جسدي وصوتي لا وجود لهُ في ظل غياب التقاليد المسرحية في عملية الإعداد تلك، فالخزين الانفعالي لـ”الطائي” مُرتبط أساساً بالواقع العراقي المُتردي اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وأمنياً، وبالتالي فقد عَمِدَ الى تثوير طاقتهِ الجسدية والصوتية بأقصى حالاتها الأدائية، أسعفتهُ الكاريزما الجسدية (القامة الطويلة)، مع معرفة واعية بأستخدام جميع أدواتهِ في هذا المضمار علاوةَ على امتلاكهِ لحس المسؤولية والمُثابرة الدؤوب في تنفيذ مُجمل ما مطلوب منهُ أدائياً من قبل المُخرجين الذين عملَ معهم.  لقد أبهرنا “الطائي” في مُشاركتهِ بعرض (خيانة) لجبار جودي، حينما أدى بكُل تفرد لشخية (الملك لير) وتحديداً مشهد القبض عليهِ بوصفهِ دكتاتوراً، كمُطابقة للواقع العراقي القريب، فأداء “الطائي” هُنا، مبني وفقاً للاستجابات المثيرة للانعكاسات النفسية والمحفورة في الجهاز العصبي عن طريق الخبرات السابقة التي مرت به كإنسان/مواطن عراقي/ جُزء من المُجتمع ومن ثم كانت تلكَ المٌشاهدات هي المادة الاساسية المُلهمة لأدائهِ مرتبطةً بأعمال الذهن والعواطف والانفعالات التي تظهر من خلال ادائهِ في هذا العرض على شكل حركات وايماءات واشارات وتعبيرات تدل كلها على ما في داخل “الطائي” كإنسان من عواطف وانفعالات، فالشيء الأكثر أهمية بالنسبة لهُ هو صدق الأداء بعيداً عن أية انعكاسات نفسية تؤثر بشكل أو بآخر في هذا الأداء، فأداء الممثل “اياد الطائي” هو من الداخل الى الخارج وبالعكس، أداؤهُ من الخارج الى الداخل أي شعوره بالدور، وبالتالي تقديمهُ للشخصية الى الجمهور ولهذا فإن أداء المُمثل محكوم باتجاهين هُما، الاتجاه الداخلي والاتجاه الخارجي، إذ أن هناك عدداً من الانفعالات والخبرات النفسية التي تخصّ الممثل نفسه، واستجاباته تقوم بدورها في عملية بناء الدور المسرحي، وهوَ ما تمثل في تقنيات أدائهِ المُنضبط لشخصية الملك لير في عرض (خيانة)، وبذلك نالَ منا كمُتلقين كُل استحسان وثناء وتقدير.
• مارفن كارلسون، فن الأداء – مقدمة نقدية ، تر: منى سلام ، (القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 2010) .
• مدحت الكاشف، اللغة الجسدية للممثل، (القاهرة : اكاديمية الفنون ، 2006 ) .
• فؤاد علي حارز، دراسات في المسرح ، (عمان : دار الكندي للنشر والتوزيع ، 1999) .
• مؤيد حمزة، مخاضات مسرح الربيع العربي “ملاحظة علمية” ، مجلة المسرح العربي ، ع 12 ، (الشارقة : الهيئة العربية للمسرح ، يونيو 2013) .
• سعد عزيز عبد الصاحب، آليات اشتغال الممثل العراقي في المهرجانات الخارجية، مجلة شانؤ / المسرح ، ع 22 ، س4، (السليمانية : فرقة مسرح سالار، يونيو 2011) .

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.