أخبار عاجلة

تقرير نهائيّ وشامل عن فعاليات برنامج خارج الأسوار في الحمامات حاتم التليلي/ تونس

 

تقرير نهائيّ وشامل عن فعاليات برنامج خارج الأسوار في الحمامات

حاتم التليلي/ تونس

امتدّت فعاليات العروض الفنّية المبرمجة خارج الأسوار،  لمهرجان الحمامات الدولي في دورته الثالثة والخمسين، على مدى أسبوع كامل منذ اليوم الثامن من شهر جويلية إلى اليوم الرابع عشر من نفس الشهر، متراوحة بين الموسيقى والمسرح، كان قد سبقها في اليوم الأوّل من اشتغالها استعراض احتفالي وسط المدينة، بينما شهدت مواكبة جماهيرية مكثّفة بحكم الفضاء المخصص لها والذي يعدّ قبلة متساكني الجهة لما له من خصوصية جغرافية ومناخية تخوّل لهم التواجد فيه، إذ بقدر شساعته يطلّ على شاطئ البحر أين ينتهي جحيم الحرّ، ما خوّل لتلك العروض أن تلقى نجاحها من حيث العدد الغفير لمشاهديها، ثمّ إنّ تعدّدها ورّط المتواجدين بحضورهم الدائم غرارا على تنوّعها ونوعيتها، ففي اليوم الأوّل كان ثمّة العرض الموسيقيّ « Sahad & The Nataal Patchwork » وفي الثاني كان ثمّة عرض موسيقي آخر للمجموعة المغربية « Aywa »  بينما شهد اليوم الثالث عرضا موسيقيا أيضا بعنوان «Hlib el Ghoula » في حين توّج اليوم الرابع بعرض مسرحي كوريغرافيّ للمخرج التونسي حافظ الزلّيط وحمل عنوان “عروق الرمل” ليشهد الخامس عرضا موسيقيا لصاحبه حيدر حمدي ليفسح المجال إلى عودة الفنّ المسرحيّ في اليوم السادس ليكون ثمّة عرض “طرطوف” للمخرج العراقيّ فاضل الجاف من انتاج مشترك بين المعهد العالي للفنّ المسرحيّ والمركز الثقافي بالحمامات، في حين شهد الاختتام عرضا موسيقيا تحت عنوان « Les Montagnes Chantent Semmama ».

سنحاول في هذه الورقة التي تلقي اهتماماتها حول هذه العروض، طرح جملة من الاشكاليات النقدية المتعلقة باشتغالها، سواء كان ذلك من جهة قراءتها فرجويّا وفنّيا أو من حيث مدى نجاعتها ووظيفتها الاجتماعية والسياسية والجمالية أيضا من حيث علاقتها بالأفضية المفتوحة خارج الأسوار، وبمعنى آخر: ما تأثيرها على الجماهير؟ وما مدى قدرتها على توريط المشاهد العادي ليكون له الحدّ الأدنى من الوعي بنجاعة ما هو فنّي ضمن راهننا؟ وهل من الممكن الالتفات مستقبلا إلى تشغيل السؤال عن غياب الحياة المسرحية والثقافية في سلوك المواطن العادي البسيط؟ وهل فعلا لها من النجاعة ما يجعلها تكنس الأفكار الأصوليّة والعدميّات المعاصرة الملقاة الآن في شوارعنا وقد خيّمت على العقول فتحلّ محلّها ليكون ثمّة فيما بعد سلوك مواطنيّ خارج نزعات التقاتل والاستقطاب إلى الموت؟ هل فعلا لهذه العروض ميزة من شأنها أن تعيد الحياة ككينونة ملتصقة بذات الانسان خارج اغترابه واستلابه؟

*الضدّ والضدّ النّوعي : المسرح أنموذجا

لقد وضعت الاحتفالات الجماعية تعبيرات الإنسان الأولى وتمثّلاته ورؤاه الممعّنة للعالم، لحظة تَعقْلُنِ الفكر البشري، وخروجه من حريم الأسطورة ومرحلة الدين البدئي إلى صالونات الفلسفة، مولودها الذي أطلقت عليه اسم المسرح، بما هو ضدّها النوعي، لكن يبدو أن الراهن الحاليّ يكشف عن ترهّل هذا الجنين، فقد شاخ بدوره وعمّر طويلًا؛ ما يدفع إلى التساؤل عن ضدّه النوعي ووليده هو الآخر، وما إذا كان يحبل بجنين يدمجه في أشكال فنّية جديدة؛ إذ كفّ قرينه –الشّعر- منذ حقبة طويلة نسبيًا عن اشتغاله وفق الجانب الميثيولوجيّ. وإذا كنّا نتّفق أنّ ما يسود عصرنا الحاليّ لا يتعدّى “اضطراب العالم” بعبارة “جون بودريار”، فإنّ مهمّة الشاعر لا تتعدّى بحثه عن خلاص ذاتيّ، كأن تصبح الكتابة وجودًا لغويًّا يقول ما لم يفصح عنه العدم، أو لنقل قد حدث نوع من الطلاق بين المسرح والشعر، منذ نهاية التمثّل الأسطوريّ للعالم، فلم يعد ثمّة ذلك التراجيديّ الذي يسرد كينونة النوع البشريّ، بقدر ما نحن الآن ندخل طور “صناعة الثقافة” بعبارة “أدورنو”، حيث لا يوجد غير حظيرة من الأسواق والتجّار، انتحلوا صفة المسرحيين والشعراء؛ ما دفع “والتر بنيامين” إلى الإعلان عن تداعي هالة الفنّ.

لقد كانت عملية ولادة المسرح الأولى مقترنة بانتفاخ بطن الأشكال الفرجوية (الخصب الباخوسيّ) تجاه الأشياء والعالم، حيث نشيد المزارعين ضدّ الجدب، وهم يقدّمون قرابينهم إلى سيّد الكروم: ذلك القديم من التمثّل الأسطوري لراهنهم، ثمّ تزاوجها -فيما بعد- مع تراجيديات الشعراء الغابرين، وفلاسفة دفعوا الفكر الآدمي إلى ضرورة منطَقة الأشياء، أمّا أن يضع مولوده الخاص، فذلك مقترن بمحاولة تشغيل دماء حضارتنا الآنية: ما الذي يكتبه شعراء هذا العصر الذي تسوده خيام الموت ونزاع الهويّات؟ أيّ قصيدة تكتب الآن في حضرة المسرح، يمكنها إعادة ضخّ السلوك الإنسانيّ فينا؟ وهل ثمّة شعراء حقيقيّون يقيمون في قرى الإنسانيّة بدل “أرذال الجيوش”؟ وهل ثمّة مسرحيون يمتلكون بدائل جديدة في هذا العالم عوضًا عن سلوكهم البافلوفيّ ضدّ وحشيته، أو انخراطهم في معادلة أسواقه؟ أم هل علينا النظر إلى حياتهم باعتبارها أثرًا فنّيًا في حدّ ذاته: وهكذا سيتسنّى لنا الضحك تجاه خصوماتهم الإنتاجيّة وتفاهة رثاء بعضهم لبعض، أمام يافطات ذلك الكائن الميتافيزيقي “عزرائيل”، كلّما أخذ أحدهم؟ مَنْ مِنْ هؤلاء يمكنه مسرحة هذا العنف الكوني بترجمته لغويًّا، ثم زراعته في أوصال اللحم المسرحي؟ ما المسرح الذي نبحث عنه، وأيّ نصّ يمكن أن يسكنه، ثم في أيّ فضاء يمكننا قذفه، وبوجه من؟

* الرّاهن: أسئلة تشغيل القديم أو لماذا الضدّ النوعي

ندرك تمام الادراك أنّ راهننا اليوم وبعد الانفجار الاجتماعي الذي تمّ خصي روحه الثورية بعد أن ساد بدلا منه الفعل السياسي، لم يعد يتحرّك إلا في غير أصفاد من حديد خاصّة بعد سيطرة الظلاميين وزحفهم بأقدامهم من فولاذ. في هذا الاطار وبعد انتشار خيام الموت ورائحة الدم والعمليات الارهابية ظلّ الفنانون أبعد ما يكون عن التغيير الاجتماعي، فتخلوا عن دورهم الريادي كما لم إن معظم أعمالهم الفنيّة الموسيقية والمسرحية والأدبية حتّى ظلّت تفتقد إلى جمهور شاسع ومن شرائح مختلفة. لقد تمّ توزيع تلك العروض والأعمال في أمكنة أبعد ما يكون عن جماهيرها، اما الجمهور الوحيد الذي وجد فرصته كي يتابعها فهو الجمهور الفني، بمعنى: لقد أصبح المسرحي يقدّم عروضه لنفسه.

وحتى أنه ولدت رغبة كبرى في مواجهة الارهاب فنّيا، ظلّ الفنان عاجزا على ذلك، إذ أقصى ما فعله أنّه أنتج أعمالا تدين المقدّس وتعلي من غضبها تجاهها، أو هو يتحرّك بأعماله تلك إلى الجمهور الذي ضربه الارهاب: وهذا سلوك ينمّ عن أخطاء كثيرة. لقد كان الأجدر به أن يجعل من الراهن يشهد حياة ثقافيّة تهندس العقول وتربي الأرواح وتجعل من أفراد المجتمع على دراية شاسعة بخطورة الفعل الارهابي، حتى يصعب استقطابهم فيما بعد وإدماجهم في حظيرة القتل.

الارهاب هنا: أسبق زمنيا من الفنّ، ما حوّل هذا الأخير إلى سلاح قائم على ردّة فعل بافلوفيّة، في حين أنه كان من المفترض العكس.

ليتواضع إذا هذا الفنّان، وليلتصق بالكيان الاجتماعي، وليقدم احتفاليته بحبّ الحياة مع الجماهير وفي صلبها، لا أن يتعامل معها ككائن فوقيّ. لقد كان قديما يجد كرنفاله جنبا إلى جنبا مع عامة الناس، إلا أنه الآن غريبا عنهم، ما يحيل إلى ضرورة هدم هذا التصوّر وضرورة فكّ الارتباط مع الحدود المرسومة له سلفا، كي تكون إقامته الآنية مع سيل الجماهير المتعطشة إلى الحياة.

* الفرجة والتناسج الثقافي

يتأكد لنا بعد متابعة جملة العروض، المقدمة خارج الأسوار في مهرجان الحمامات الدولي، من زاوية الافصاح على نجاعتها من حيث علاقتها بالجمهور، أنّها نجحت إلى حدّ كبير في مرماها، حتى أنّه كان ثمّة نوع من التفاعل المشترك يكشف بشكل أو بآخر عطش تلك الجماهير إلى حبّ الحياة وثقافة المساءلة عكس ما تريده لها ثقافات الموت والخراب.

لقد مثّل على سبيل المثال لا الحصر العرض الموسيقي المغربي لمجموعة (Aywa) نوع من إعادة تشغيل ثقافة قديمة تسكن أذهان الجمهور واستنطاقها في ثوب جمالي جديد، مؤكدا أنّه ثمّة نوع من تناسج ثقافات الفرجة بين الشعبين المغربي والتونسي، إذ بقدر ما تمّ استنطاق موسيقى الكناويين (قناوة) من قبل أفراد العرض كان الجمهور جاهزا ليدخل رحابها من باب البحث عن نوع من التخمّر الصوفي الذي يعرف عن تلك الموسيقى، بما هي تمثّل مزجا من الطقوس الاحتفالية للمعتقدات الأسطورية الإفريقية والأمازيغية القديمة، أما المصطلح فيعود في الأصل إلى جذور أمازيغية، ولكنه أصبح يحمل تركيبة مغربية صرفة، بعد أصبحت هذه الموسيقى معروفة في بلاد الأطلس، حيث تمّ تدارسها لتكون ضربا من ضروب استقطاب العديد من الفنانين. وهي بالرغم انتسابها الجغرافي الحالي للبلاد المغربية، وانعدامها أو انقراضها في مالي والنيجر وعديد البلدان الإفريقية الأخرى، إلا أن الكلمات التي تصاحبها ظلت محافظة على الكثير من المفردات والكلمات الإفريقية.إن طقوس الكناوة شهادة تثبت تأثير ثقافة غرب إفريقيا على المغرب، ولقد استطاع المغربيون، أن يضفوا على هذه الموسيقى طابعا صوفيا وروحيا، ممّا يجعلها حكرا على تجربتهم، أو مطبوعة ببصمتهم الفنية، ذات الأصول الدينية في منحاها الروحاني والصوفي. أمّا عن المشترك بينهم وبين باقي أنواع الموسيقى في القارة الإفريقية، فهو تلك الأهازيج وطقوس الرقص والإماءات الجسدية، التي تبيح التخمّر والجذبة والانفلات من العالم المادي، بجعل الجسد يحلّ في الغياب، وتشويش حواسّه، ممّا يجعل منها أشبه بالسحر والسفر في دروب الروحانيات.في البدء كانت هذه الموسيقى حكرا على الهامشيين، والعبيد، والسود، ولكنّها الآن تستقطب جلّ الشرائح الاجتماعية، بل وخرجت من حقلها الجغرافي الضيق، لتسافر دون جواز سفر إلى العالم، وتنافس العديد من أنواع الموسيقى العالمية، وربّما أفضل دليل على ذلك، هو أنّ الغرب، فرنسيون وألمان وأمريكيون يشترون آلات الكمبري، ويجرون العديد من الدراسات حولها، ويتنافسون من أجل تعلمها، فلقد سافر عدد كبير من الفنانين إلى المغرب، ومن بينهم راندي ويستون وجيمي هندريكس وكات ستيفنس، بهدف الدّخول وتعرّف عالم هذه الموسيقى الاستثنائية والمختلفة، لما تمثله من أبعاد دينية، تأتي كطاقة استشفائية من خلال تخليص الإنسان من اكراهات العقل وأزمات العلم وحالات الاغتراب والاستلاب. كما أن كل من الفنانين بوب مارلي وبيتر غابرييل وكارلوس سانتانا، كانوا قد اشتركوا بعزف الموسيقى مع مجانين الكناوة وعشاقها. وهو ما حلّق بها إلى المستوى العالمية.

ولأن الكناويين انحدروا في الأصل، ومنذ القرون الوسطى، من السودان ومالي والنيجر، حين كانوا عبيدا تمّ جلبهم إلى شمال إفريقيا، وتحديدا إلى جنوب المغرب، تمكنوا من إنشاء زوايا لها طابع علاجي، باعتبار أنهم ادعوا الانتساب إلى بلال مؤذن الرسول، وفي ذلك ما يضفي الشرعية على قداسة زواياهم. ونجاحهم في ربط سلالتهم الأولى بهذا الجانب القدسي، جعل منهم على صلة قوية بما هو روحي. وتقول العديد من الدراسات بأن لهم قدرة خارقة في التأثير على حياة الناس والتحكم بمستقبلهم، فهم يروا أنه من الضروري أن تنشأ مصالحة ما بين عالم الإنسان وعالم الجان. تكمن وسيلتهم في شفاء المرضى عبر هذه الموسيقى التي عرفوا بها، حيث تقول المعتقدات بضرورة خروج الموسيقيين ليلا، كي يدقوا الطبول ويرددون الأناشيد الدينية، ثم يتشكل المشهد الفرجوي بعد تجمع الكناويين للرقص والقيام بحركات بهلوانية، ومن ثمّة يطلق البخور وسط الهتافات والأغاني واعتماد الألوان في الملابس التي يرتدونها.

إن أوّل ملاحظة نستطيع أن نسوقها حول هذه الموسيقى، هو أن جذورها روحانية ودينية، كما أنها تتغنى وتولد من رحم البسطاء والعبيد والمهمّشون، قبل أن تعلو إلى مرتبة العالمية، لذلك لن نحاول الكشف عن نجاحها الإنساني، لأن هذا الأمر بسيط وسطحي يستطيع أيّا كان معرفته، بل سندفع بهذا البحث القصير عن عالم الغرابة التي يصلها بعالم الميتا-فوق والأرواح. فقد كان لزاما على الكناوة من كسر بعض المحرّمات وتقويضها، وذلك كمرحلة تبيح لهم الاتصال بتخوم الجان، والماورائي الذي يحرّم المقدّس الديني الإسلامي الخوض فيه. ومن تجلّيات ذلك أن يلبسوا الأردية الملوّنة، والتحوّل في شكل مواكب دينية إلى مكان ما، على إيقاع قرع الطبول التي تمكّنهم من طرد الأرواح الشرّيرة، وتنصبهم كملائكة.عادة ما تحضر الشموع في الطقس الفرجوي للكناوة، تحملها النساء والأطفال، وفي أيديهم أيضا كؤوسا امتلأت بالحليب، وعراجينا من التمور كهبة وقرابينا للأرواح. ولاكتمال هذا الطقس المرفوق بعوالم الدهشة والسحر، تبدأ آلة الكمبري في العزف، وتنشأ التذاكير، والابتهالات، ثم يكون الرقص، كعلامة على تذويب الجسد، ورحيل الروح إلى الأسلاف الأوائل. وانّ كلّ شيء هنا يذكرهم بعالم البدء، في أزمنة ما قبل العبودية، قبل الوقوع في الأسر.

في هذا المناخ الفرجوي، يضمحلّ الزمن الدنيوي، ويحلّ محلّه الزمن المتافيزيقي- النفسي، فتتسنّى للروح أن تبرأ من تعب الجسد، وتسافر إلى موطنها الأوّل. فالمشاهد يستطيع أن يرى العجب العجاب، إذ تظهر الراقصات في حالة غياب وتخمّر وجذبة، ويعمّ اللوز الأزرق الذي يحلّ في رمزية السماء صفاء وبدايات ووحيا، وعادة ما يرى أيضا سقوط راقص ما، فيتمّ رشّه بعطر الورود، أو يرى، أحدهم يرقص مستعملا سكينا ببراعة، دون أن يجرح نفسه. وفي الأثناء تكون الأنغام قد تمكّنت بالجميع، وكأنّ الأمر أشبه بلحظة شطح صوفية.عادة ما تسيطر النساء على ساحة الرقص زمن الطقس الفرجوي، ويصاحبهن في ذلك اللون الأصفر، والإضاءة الخافتة، حيث تتساقطن الواحدة تلوى الأخرى، عبر حركاتهن المنتشية، وشعرهن المتطاير. ومن حولهن نساء أخريات وصلن إلى درجة الانخطاف والاتحاد بالذات الإلهية أو المطلق. ومن هنا يتعافى المريض باسم المقدس، على خلاف المؤسسة الدينية الرسمية. وتنتهي الطقوس الفرجوية بالأكل، الذي يغلب عليه لحم الماعز والزيتون والخبز. كلّ هذا من شانه أن يثير حفيظة الدين لأنه في جانبه المؤسساتي يرفض رفضا قاطعا كل أساليب السحر.إن الكناويين وبالرغم من أنهم يعتبرون أنفسهم مسلمين، وبالرغم من أن أغانيهم تتضمن العديد من الآيات القرآنية، إلا أنهم واجهوا نقدا لاذعا من قبل الإسلاميين، الذين اعتبروا في كثير من الأحيان، أن الكناوة تلقى دعما يهوديا، ومرجعيتهم في ذلك، أن روّاد هذه الموسيقى على دراية شاسعة بالأرواح الإفريقية واليهودية وحتى المسيحية، وأنه لا يجوز توظيف القرآن في الأغاني والموسيقى. وعلى العكس من ذلك فقد ذهب الكناويون بالقول أن الموسيقى والفن، تتناغم فيهما كل الحضارات الإنسانية والثقافات المختلفة.

تلك بعض محامل هذا العرض لا كلّها، ولكنها فعلا نجحت في خلق نوع من التفاعل المشترك.

* تشغيل الرّوافد

في هذا السياق يمكننا أن نأخذ مثالا عن العرض الكوريغرافي “عروق الرمل” للمخرج التونسيّ حافظ الزليط، فقد سمح للجمهور الذي يجد إقامته الفنيّة عادة في الوسائط الافتراضية بعد غلبة عصر التقنية والديجتال، إلى أن يتعرّف على ثقافة جديدة كان الأجدر به أن يكون متمثّلا إيّاها، ألا وهي الرواية العربية والليبية بعد تشغيل ابراهيم الكوني ورواياته كأيقونة من خلالها تمّ اقتباس هذا العرض الكوريغرافي.

مثلما نجح هذا العرض في استنطاق جغرافية الصحراء، نجح أيضا في لفت انتباه الجمهور إلى هويّات جديدة وتراث جديد، حتّى أنّ العديد من المتابعين اشتدّ بهم السؤال عن الروائي ابراهيم الكوني، ما يؤكّد أنّه ثمّة نوع من العودة إلى الحفر في أعماق الذات نحو إعادة نحت ماهيتها الخاصة.

أمّا على المستوى الجمالي فقد دفعنا هذا العرض إلى القول بأنّه بدل أن يسقط المسرح في استثمار المقدّس أو استفزازه، وكأنّ لا مناخ له غير الحلبة البافلوفية، بدافع الخديعة السياسية والمغالطة السائدة، ثم في ما بعد يقدّم لنا نفسه على أنّه ضحيّة الرقابة، عليه محاولة استنطاقه، إضاءة أغواره، إعادة تشغيله، وتذويبه في النسيج الكوني لحاجتنا الأنطولوجية الملحّة.

لقد تحوّلت فعلا ألسنة المسرحيين منذ فترة  إلى سيوف وسكاكين تهجو الطبري وابن تيميّة، وتصبّ جام سخطها على يافطات عزرائيل وبيارق الله، فإذا بها تحوّلت إلى سلاح محض، خردة ابداعية لا مساحة جمالية لها غير الابتذال الجدانوفيّ، ولنتفق أيضا، أنّها تناست عن جهل، وهذا واضح، ابن عربي والحلاج والسهروردي والغفّاري والنفّري وابن رشد والغزالي، كعوالم مضيئة من شأنها، لو تتمّ عمليّة مسرحتها، أن تضيء فراغنا الروحي في أزمنة القحط والنار والحديد هذه، وفي هذا الاطار نحن نشهد تجربة مع “عروق الرمل”، إذ هي تضيء كونا انسانيا آخر خارج أطر الحديد والنار.

لا حوار بين القضايا الكونية الكبرى، بين الميتافيزيقي والوثني، ثمّة فقط الذوبان، الإقامة في النسيج، الجسد العالمي برمّته، مرئيّا كان أم لا مرئيّا.

* التراجيدي: كون انسانيّ/ تشغيل مأساة ذئب البوادي

يمكننا في هذا العنصر التركيز بشكل ملحوظ على العرض الأخير، والمعنيّ بمعالجة قضيّة الارهاب في جبال سمامة وغيرها، والذي بقدر تصنيفه كعرض موسيقيّ توفّر على جلّ مقومات الفرجة فيه، ودون شكّ نستطيع القول إنّه من أكثر العروض التي شدّت انتباه الجماهير، بل وورّطتها لتسكن عوالمه ومتونه، حتّى أنّ أغلبها أقدم على الرقص.

ليس رقص الجماهير عنوان فرح وحبّ، بقدر ما هو تشغيل للبعد التراجيدي الذي يسكننا، إذ تفصح الأنثروبولوجيا عن كوننا كلّما حطّت علينا المصائب نغنّي، ومصيبة اليوم التي يتغنّى بها هذا العرض هي مصيبة أولئك الهامشيون الذين يعيشون في الجبال فإذا بالارهاب يهاجمهم ويجعل من الصخر محفوفا بلون الدم.

يعرف عن الارهابي اليوم أنّه ذلك الذئب المنفرد، ويعرف أيضا عن البدويّ أنّه ذئب آخر، أي أنّه ذلك النموذج البشريّ الذي خذلته الحضرة والمدينة فإذا به يتناغم والطبيعة، أمّا مأساته فهي قادمة نتيجة توحّش الأوّل.

هذه المأساة لم تعد وحدها المناطق الداخلية تحملها في تخومها، إذ نكتشف أنّ الجماهير المتابعة للعرض برمّتها وجدت مأساتها هناك أيضا: غن كل فرد بهذا الشكل يشغّل مأساته الخاصة، ويرقص إزاءها نكاية في أوجاعها، وبمثل هكذا تصرّف تتم عمليّة شطب الفكر الظلامي بنوع من البحث عن الفرح المفقود.

* محصلة نقديّة

يمكننا بعد تسليطنا الضوء على أغلب هذه العروض الخروج بجملة من الاستنتاجات الملحّة والمهمّة والتي نلخّصها في النقاط التالية:

– راهننا اليوم، بقدر ما يحتاج إلى أعمال فنّية رفيعة، يحتاج أيضا نوع من النشاط الفنّي صلب الجماهير بغاية سحب البساط من تحت أقدام الظلاميين والأصوليين.

– تشغيل الكرنفال خارج الأسوار، يلفت انتباه الجماهير نحو امكانية إعادة تدريبها على الفعل النقدي والحسّ الحواريّ.

– تشغيل العروض في أفضية مفتوحة من الممكن أن يلفت الانتباه نحو امكانية خلق حياة ثقافية دائمة لا موسمية فحسب.

– حضور عروض فنيّة مختلفة وقريبة من اهتمامات الجمهور، يعدّ مساءلة للذّات في حدّ ذاتها، من خلال اعادة بناء تصوراتها حول مفهوم الهويّة والخصوصية.

– حضور عروض أجنيّة خارج الأسوار من شأنه أن يعطي القابليّة والفاعلية نحو تفاعل ثقافيّ وحضاريّ بين مجمتعات مختلفة.

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.