مسرحية طائر البحر

تشيخوف بين برودة الحدث وحلم الشخصيات

1 – طائر البحر (النورس):
كتب تشيكوف مسرحية (طائر البحر= النورس) قبل مسرحية (الخال فانيا) بثلاث سنوات، ومثلت مرتين، في المرة الاولى لاقت فشلا ذريعا في 17اكتوبر عام 1896، والمرة الثانية التي قام بأخراجها ستانسلافسكي، نجاحا باهرا في 21 تشرين الاول من نفس العام.
وهو كما في مسرحيته (الخال فانيا) كان في هذه المرة ايضا، خاضعا لنزعته الطبيعية، يستقي عناصر مسرحيته الاساسية من الناس الذين يحتك بهم ويتعامل معهم، اذ مثلما استفاد فيها من قصة الحب التي عاشها مع (ليديا افلوفا) ووظفها في شخصية (يلينا) التي أحبها الكل، كذلك فأنه عاد ليوظف الجزء الآخر الذي عاشه معها في هذه المسرحية بالاضافة الى القصة التي عاشها مع (لايكا) موظفا اياها في شخصية (لينا).
تتكون هذه المسرحية التي تضم ستة ادوار رجالية وثلاثة نسائية من اربعة فصول تجري احداثها في الحديقة الواقعة ضمن ممتلكات سورين الذي يعيش معه في منزله بالاضافة الى اخته الممثلة (اركدينا) (وهي تحب الحياة واقامة العلاقات الغرامية) ابنها الشاب (تربليوف) الذي لا يملك المال والموهبة الحقيقية في كتابة القصص والنصوص المسرحية، حيث يحب (نينا) بطلة المسرحية التي أعدها، فتتذمر منه والدته، لأنه لم يسند هذا الدور اليها، وتعمد الى السخرية من المسرحية أثناء عرضها، وهي بذلك تجرح مشاعر ابنها الذي يأخذ قضاء معظم اوقاته قرب البحيرة بعيدا عنها.
ويتضح قلق نينا وترددها من حب تربليوف، اثناء ابداء رأيها لماشا وهي ابنة (شامراييف) وكيل مزرعة سورين، وتحب تربليوف ولا يبادلها نفس المشاعر بمسرحية تربليوف التي مثلت فيها في كونها غير مثيرة، وانجذابها الى (تريغورين) وهو كاتب معروف وله تجربة طويلة، ظنا منها بأنه سيحقق امنياتها بالوصول الى قمة الشهرة والمجد في ادائها على خشبة المسرح، فتتزوجه، ويتخلى عنها، بعد ان تنجب منه طفلا ويموت، وفي آخر لقاء مع تربليوف تعترف له بأنها كانت تحب (تريغورين) وماتزال اكثر منه، فينتحر، وهو الانتحار الثاني له، بعد انتحاره الفاشل الاول، واستمد تشيكوف هذه الواقعة من الانتحار الفاشل للرسام (بوتا نبكو)، وما يصيب به من ضعف بعد هذا الانتحار، الذي أحب (لايكا) وغدرها بالتخلي عنها، كما تخلى تريغورين عن لينا في المسرحية.
اذا كان تشيكوف في (الخال فانيا) قد اشتغل على المفردات الشعرية المتمثلة بحالات الجو والطقس والمؤثرات الصوتية، فأنه اتبع نفس الاسلوب في هذه المسرحية، ولكن ليس بحجم وكثافة الخال فانيا، معززا إياه باسلوب آخر، وهو التعويل على النبرة الحوارية للشخصيات، هذه النبرة التي بوسعها عبر لمزاتها وغمزاتها، اشاعة الجو النفسي محل الحدث في المسرحية، اوكما يقول هنري ترويا: (أهمية المسرحية تكمن في نبرة الحوار المكتوب بدقة وبأيماءات واستطرادات غير معبر عنها، اكثر مما تكمن في حبكتها العادية جدا. لقد أحل فيها الجو النفسي محل الحدث، ولم يكن الانفعال في الحركات والصراخ، بل في سر الافئدة، ان تطور المشاعر الصامت هو الذي سيمسك بأنفاس النظارة، لاتقلبات المواقف، وبأختصار فأن المؤلف لم يكن يسعى الى أن يصعق الاخرين وانما يسحرهم.)(1)
ولعل عدم فهم (كاربوف) لها وهو مخرجها، على هذا النحو، فشلت في عرضها الاول، وبهذا الخصوص يقول تشيكوف.
(احلم انهم يزوجونني من إمراة لا أحبها، وانهم يشتمونني في الصحف). ان كاربوف مدير المسرح، الذي كان يقوم بالاخراج لم يستطع فهم شئ من دقائق المسرحية، كان الممثلون الذين لم يحسن كاربوف ادارتهم، يتكلمون بتشدق يصدم دون المؤلف الذي كان يحجب الاعتدال، فكان يكثر من مقاطعتهم، ويرجوهم ان يكونوا طبيعيين اكثر الا انه عندما حضر تدريبات العرض الثاني الذي اخرجه ستانسلافسكي، شعر ان الممثلين فهموا مسرحيته، وعند المراجعة الثانية، اقترح بعض التعديلات على التمثيل، وطلب ان يحل ستانسلافسكي محل الممثل الذي يؤدي دور تريغورين)(2)
وبهدف ان تسير المسرحية في هذا المنحى المبني على الحوارات الداخلية للشخصية وليس على الحوارات الخارجية، ليكون بوسعها ان تقول في السر اكثر مما تقوله في العلن، او كما يقول ترويا: (الناس هنا يتركون ارواحهم تتكلم عوضا عن ان يتصرفوا)، فأن أول ما تبدأ المسرحية، تبدأ بالجمل التي توحي الى اليأس، وتطلقها (ماشا) في قولها: (انني تعيسة) في حوارها مع (مدفيدينكو)، وللايماءة الى عدم حبها له الذي تتزوجه فيما بعد نسيانا لحب (تربليوف)، وتستمر هذه النبرة في حوارات كل الشخصيات، الا انها تبدو اكثر وضوحا في حوارات سورن، خال (تربليوف)، مرة من عدم ملائمة حياة الريف، ومرة اخرى شكواه من نباح الكلب، والمرة الثالثة اعترافه بولعه في قراءة الكتب.
1- سويرن: ان حياة الريف لا تلائمني بشكل ما يا بني، من الواضح انني لن اعتاد عليها ابدا.
2- سويرن: هذا يعني بأن الكلب سيواصل النباح مجددا طوال الليل، الغريب في الامر هو أنني لم أعش في الريف بتاتا بالطريقة التي تحلو… ولكن حالما اصل الى هنا حتى يبدأ الناس بأزعاجي بكل انواع التفاهات..)
3- سويرن: علي ان اعترف بأنني مولع في الكتاب يابني، اتعلم؟ منذ سنوات كان لدي امران ارغب بهما بحماس. كان الاول يقضي بأن اتزوج، والآخر بان اكون روائيا، لكنني لم انجح في اي منهما، أجل، حتى ان تكون كاتبا قاصرا هو امر لطيف نوعا ما، حين يكون كل شئ قد قيل ونفذ…).
وهذا ما يحدث لشخصيات هذه المسرحية، اذ ان كل الشخصيات تفشل في حبها وفنها.
وهذه النبرة الموحية الى اليأس، تتصاعد تدريجيا، كلما تقدمت المسرحية بخطوة الى امام، وتتجلى بوضوح في الحوار الدائر بين تربليوف ولينا:
نينا: ما هذه الشجرة؟
تربليوف: انها شجرة البق.
نينا: لم هي مظلمة هكذا؟
تربليوف: لقد تأخر الوقت، فكل شئ يصبح الآن مظلما.. لاتذهبي.. أتوسل اليك…
ويعلق الاراديس نيكول على هذا الحوار قائلا:
(في بداية المسرحية نجد مدفيدينكو يسأل ماشا:لماذا تصرين على لبس السواد دائما.؟ وهذه الاشارة الى ثوبها الاسود ليست كما يتبادر الى الذهن تمهيدا رمزيا لموضوع يتصل بالمأساة، فأنها تجيب قائلة: انا في حداد على حياتي، انا شقية..وهذا يظهرنا في الحال على الحالة النفسية التي يراد منا ان نشهد المناظر المقبلة، فالامر جد ولكنه ليس الجد الذي يدفع الى المأساة )3
ان اقتران جملة (لقد تأخر الوقت)، بـ (كل شئ اصبح مظلما الآن) لاتوحي ان العرض سيبدأ بعد قليل، وعليه ستنطفئ الاضواء في القاعة، وتتحول الى ظلمة، بل الى هذيان رجل حالم، يرى في منامه كوابيس، تنبؤه بمستقبله الحالك، أما كيف تنبأ تربليوف بذلك، فهذا ما لايخبرنا المؤلف به، ذلك ان الشخصيات عندما تتحاور، فأنها لا تهتم بما تقوله للشخصية المقابلة، بقدر اهتمامها بما تلقيه هي من حوارات مع نفسها. ولعل إجابة تربليوف على سؤال لينا المتعلق بصعوبة التمثيل في مسرحياته، أدل نموذج على ذلك، وهو يقول:
– شخصيات حية، لسنا مضطرين لتصوير الحياة كما هي، او كما ينبغي ان تكون، وانما كما نراها في احلامنا.
وترد عليه نينا: بالكاد يوجد حدث في مسرحيتك، فهي تقتصر على الكلام…
كما ان الابيات التي تلقيها أركدينا من مسرحية هاملت، ويكملها تربليوف، تعبر عن نفس المعنى، وتؤكد ان هذه المسرحية تبحث عن سر الافئدة وليس عن تقلبات المواقف.
اركدينا: اوه يا هاملت كف عن الكلام انك تجعلني أنظر بعيني الى صميم روحي وهناك ارى مواضع سوداء ومتجزعة كما لو انها لاتريد التخلي عن لونها .
تربليوف: دعيني استميل قلبك لأن هذا ما سأفعله. اذا كان مكونا من سدود قابلة للاختراق.
وهي بالاضافة الى ذلك ايماءة الى العلاقة القائمة بين هاملت ووالدته في مسرحية (هاملت) شكسبير، التي تزوجت من عمه، بشأن خيانتها المعروفة لزوجها، وقلقه جراء ذلك، هذا القلق الذي يقوده الى الشك بكل المحيطين به، بما فيهم حبيبته (اوفيليا) مخاطباً اياها بالجملة المشهورة: (اذهبي الى الدير وترهبي)، اشارة الى قلق تربليوف وخيانة لينا. واذا كانت هذه النبرة الموحية تتكرر في اكثر من مكان، فأن اطلاق نينا على نفسها بـ ( النورس) في الحوار الدائر مع تربليوف، من اكثر الحوارات الدالة على الجو النفسي الذي تعيشه هذه الشخصية من جهة، والمصير الذي تؤول اليه من جهة اخرى، وذلك عبر تشبيه عشقها للمسرح بعشق نورس للبحيرة، اشارة الى ربط حياتها بحياته، اذ كليهما يقتلان على يد تربليوف، النورس بطلقة رصاصته، ونينا بعدم موهبته.
نينا: لايسمح والدي وزوجته بأن آتي الى هنا، انهما يقولان بأن هذا المكان بوهيمي… ويخافان صعودي على خشبة المسرح، في حين انني انجذب الى هذا المكان، والى هذه البحيرة، كما لو انني نورسا.
وتربليوف هو الاخر يتحدث بالصيغة التي تتحدث فيها لينا، وبشكل مباشر، ويربط حياته بما آل اليه النورس، بقتل نفسه:
تربليوف: لقد كنت حقيرا بما يكفي كي اقتل هذا النورس اليوم، أنني أضعه عند قدميك.
نينا: مابالك؟ (تلتقط النورس وتنظر اليه)
تربليوف: (بعد وقفة قصيرة) سأقتل نفسي قريبا بالطريقة نفسها.
وماشا، وان لم تلجأ الى قتل نفسها، فهي بزواجها من مدفيدينكو الذي لا تحبه، ولم تعد تعرف الى اين تنتمي، وليس لديها هدف في الحياة، انما تقتل نفسها بطريقة اخرى، ربما هي اكثر قساوة من طريقة نينا وتربليوف.
ماشا: سوف اتزوج مدفيدينكو
تريغورين: أتعنين المدرس؟
ماشا: أجل
ترغورين: لا ارى الغاية من وراء هذا الزواج.
ماشا: ماهي غاية الحب بدون أمل.. وانتظار وقوع أمر ما… لايعرف المرء ماهو.. انما حين يتزوج لن يكون هناك وقت للحب وستمحي الاهتمامات الجديدة… وعلى كل سيعد ذلك تغييرا…
وتتصاعد صيغة هذه اللغة التي تتسم باليأس والحلم، وصولا الى شخصية اركدينا وهي تخاطب تريغورين: فليدخلوا، لا أخجل من حبي لك (تقبل يديه) يا محبوبي العزيز الطائش… انت لي .. لي .. هذا الجبين هو ملكي، وهاتين العينين، وكذلك هذا الشعر الحريري الجميل.. كلك ملكي.. انت موهوب جدا وحاد الذكاء، أنت الافضل من بين كل الكتاب العصريين، وأمل روسيا الوحيد…
لم يستخدم تشيكوف في هذه المسرحية المفردات الدالة على حالات الجو والطقس والمؤثرات الصوتية، بحجم وكثافة مفردات الخال فانيا، ولكنه مع ذلك اعتمد عليها، للتوكيد على الاسلوب الخاص الذي يتمتع به اولا، وايحاء الى علاقات الحب ثانيا. اذ جاءت المفردات الدالة على الطقس والجو سبع مرات موزعة بنصيب مرتين في الفصل الاول ومرة واحدة في الفصل الثاني واربع مرات في الفصل الرابع، اما المؤثرات الصوتية المتمثلة (بالصفير) و (الضرب على اللوح الخشبي) بدلا من (ضرب العصا بالارض) في الخال فانيا، فقد جاء الاول مرتين على التوالي في الفصل الثالث فقط، والثاني مرتين في الفصل الرابع.
1- المفردات الدالة على الجو والطقس.
ماشا: انها قريبة، ستقع عاصفة رعدية الليلة على ما أظن، أنت دائما إما تتفلسف أو تتحدث عن المال.
وهذه الجملة اشارة الى عدم حبها لـ مدفيدنيكو من جهة، والى ماتحدث من خصومه بين أركدينا وابنها تربليوف.
أما مفردة الطقس، فتجئ على لسان بولينا، لاستمالة دورين الطبيب اليها: لقد أمسى الطقس هنا رطبا في الخارج، ارجوك ان تعود وتنتعل كلوشيك.
ويرد عليها، بأنه يشعر بالحر، اشارة الى عدم الاستجابة لها. والجو حار من قبل أركدينا للملل من الريف، والطقس المروع من قبل مدفيدنيكو الى انتحار تربليوف.
ويأتي تريغورين بمفردتي الطقس والرياح العاتية، للعودة الى الماضي، وبالايماءة الى النهاية المحزنة للحياة بشكل خاص ونهاية شخصيات هذه المسرحية عامة: ان الطقس لايحييني بلطف ، اذ تعصف رياح عاتية، واذا هدأ غدا صباحا، فسأذهب لأصطياد السمك عند البحيرة، اضافة الى ذلك، اريد ان القي نظرة حول الحديقة، وأن ارى المكان حيث تم تمثيل مسرحيتك، أتذكر؟ لدي موضوع قصة، ولا اريد سوى تنشيط ذاكرتي حول المشهد، حيث يفترض أن يقع الحدث.
اما على لسان بولينا، تأتي مفردة الطقس للدلالة على عدم قدرة الانسان الضعيف على امتطاء الحصان: (متنهدة) تمشي في مثل هذا الطقس.. (تجلس امام طاولة لعب الورق) تفضلوا رجاء ايها السيدات والسادة.
ويعزز هذا المعنى قول شامراييف: يستطيع أن يسير كما يجب فهو ليس بقائد.
2- المؤثرات الصوتية:
جاء الصفير ولمرتين على التوالي فقط في الفصل الثالث، شأنه شأن الخال فانيا للتعبير عن الدهشة والتذمر، في الحوار الدائر بين سورين واركدينا:
1- سورين: (يشرع بالصفير) اظن فعلا بأن افضل حل سيكون بأن تعطيه القليل من المال…
2- سورن: (يشرع بالصفير) .. هكذا اذن اعذريني، لاتتضايقي، انني اصدقك.. انت امرأة كريمة وطيبة القلب.
اللوح الخشبي جاء تعريفه في نهاية المسرحية على النحو التالي: في السابق، كان من العادة ان يقوم رجل بالتجول حول ملكية ما وهو يضرب على لوح خشبي بواسطة عصا بهدف إخافة اللصوص المحتملين). موظفا المرة الاولى لأحتمال تجوال تربليوف في المزرعة، ايحاءً للقاء لينا.
ماشا: (تنادي).. قسطنطين (تنظر حولها) لا من احد هنا، لاينفك العجوز يسأل اين كوستيا؟ اين كوستيا؟… انه لايستطيع العيش بدونه.
والمرة الثانية للتأكيد على معنى المرة الاولى على لسان ماشا ايضا: ان قسطنيطين يرتاح اكثر في العمل هنا، ويمكنه الخروج الى الحديقة متى شاء ويستطيع التفكير هناك.
ان هذه المسرحية كما يقول ترويا: (تشهد على عبث الحياة الانسانية، ذلك ان سورين الذي كان يخشى ان تفوح منه رائحة العفونة، مثل مشرب سجائر عتيق يتعفن في زاوية، لم يعد غير رجل محبط. ماشا التي كانت تحب تربليوف في سرها تزوجت معلما تافها وراحت تشرب حتى تنسى اوهامها، و تريغورين غارق اكثر منه في اي وقت مضى في ضرب من الادب التقليدي يجعله يشعر بالخيبة اما نينا التي هجرها الكاتب فقد فقدت الطفل الذي رزقته منه، ولانها لم تصادف اي نجاح في المسرح، فانها تعمل الان مع فرقة صغيرة. ان الطريق العريض الذي كانت تحلم به ضاق وتقلصت ابعاده. ومع هذا فانها ترفض الاعتراف بهزيمتها، وحين يقابلها تربليوف من جديد، يؤكد لها انه مايزال يحبها، وبما أنه ترفضه، فانه ينتحر، لكنه لايخفق هذه المرة في انتحاره.)(4
المصادر.
……..
1- تشيخوف: تأليف: هنري ترويا .
2-نفس المصدر السابق
3-المسرحيات العالمية : الاراديس نيكول / الجزء الرابع
4-تشيخوف: هنري ترويا.
 
 
2- الخال فانيا:
مسرحية الخال فانيا
الخال فانيا، واحدة من المسرحيات الأربع الطويلة التي كتبها القاص والمسرحي الروسي الكبير انطوان تشيكوف، الى جانب مسرحياته الثلاث الاخرى المعروفة: طائر البحر، بستان شجرة الكرز، والشقيقات الثلاث وقد عرضت هذه المسرحية بموسكو في الخامس والعشرين من شهر تشرين الاول عام 1889، وقام بأخراجها المنظر والمخرج المسرحي الروسي الذائع الصيت قسطنطين ستانسلافسكي. وكتب عنها مكسيم غوركي عندما شاهدها للمرة الثانية: (دائماً الخال فانيا..دائماً، وسأعود لمشاهدتها حين أحجز مكاناً… المسرحية تفيض افكاراً ورموزاً ويجعل شكلها منها عملاً أصيلاً تماماً غير قابل للمقارنة)(1)
وفي الطرف المقابل، كان تولستوي يحتقرها شأن احتقاره لمسرحيات شكسبير وينتقد ميوعتها ولا اخلاقيتها لافتقارها الى (المأساوية ومراوحة الحدث في مكانه)(2)
وبمعزل عن رأي الكاتبين العملاقين، فأن مسرحية (الخال فانيا) هي أعظم ما كتب تشيكوف، لانها تصلح أن تقدم في كل زمان ومكان وفي كل المجتمعات والعصور والأزمنة، لسبب واضح وبسيط جداً، وهو غلبة النماذج الرديئة فيها من البشر على النماذج العظيمة، وسحق انسانيتها ونبلها، وهذا ما يحدث الان، وحدث في الثلاثين سنة من حكم صدام، وكل الحقبات التأريخية التي مرت بها روسيا و العراق.
(واذا عرفنا ان انجذاب (استروف) الطبيب لـ(يلينا) في هذه المسرحية، هو جزء من حياة تشيكوف التي عاشها في فترة معينة من مرضه، وان الاسم الحقيقي لها هو (ليديا أفيلوفا)، فستزداد متعة قراءتها وبالتالي مشاهدتها على خشبة المسرح.)3
تتكون هذه المسرحية من أربعة فصول، لا يتجاوز طول كل فصل منها على عشرين صفحة، وتدور حوادثها في ملكية (سربرياكوف) الذي ورثها عن طريق زوجته المتوفاة والدة (صونيا)، تحديداً حول انتقال هذا الاستاذ الجامعي والمثقف الدعي مع زوجته (يلينا) للعيش في هذه الملكية، لأنه لم يعد يتحمل العيش في المدينة.
ويتضح من الفصل الاول ان (فانيا) وهو خال (صونيا) اي شقيق امها المتوفاة، يكره (سربر ياكوف) لأنه يجلس في مكتبه من الصباح حتى المساء ليكتب عن الفن، وهو لا يفقه شيئاً عنه، وطوال عشرين سنة لم يفكر الاّ بأفكار الآخرين حول الواقعية والمذهب الطبيعي وكل هذه التفاهات، مع انه كان مبهوراً به وبأعماله في السابق، وكان يحرم نفسه من المال من اجل ارساله اليه، ووصل الان الى قناعة بأنه كان مخدوعاً بهِ.
واذا كان الخال فانيا يكره (سربر ياكوف)، الاّ انه كان يحب زوجتهِ الجميلة (يلينا)، وقد أعترف لها بذلك بيد انها تصدت له وأحبت (استروف) الطبيب من خلال اعجابها بحديثه ومهنيتهِ واهتمامهِ بالثروتين النباتية والحيوانية وبجمال الطبيعة، وقد أغرمت به (صونيا) كذلك الا انه لم يشعر بحبها.
طوال فترة مكوث (سربر ياكوف) وزوجتهِ في الملكية، يتوقف الكل عن العمل وتنال (يلينا) اهتمامهم إبتداءً من الطبيب الذي يهمل اهتماماتهِ، ومرورا بالخال فانيا الذي طفق يلاحقها وانتهاء بصونيا التي أخذت تترك عملها لتتكلم معها، وفي أحد الايام يقرر (سبرياكوف) بيع الملكية فيباغت فانيا بهذا الامر لأنه لا يعرف الى اين سيذهب بعد بيعها مع والدته وصونيا، وأثر مشادة كلامية يخرج سوبرياكوف غاضباً ويتبعه فانيا ويسمع دوي طلقات في محاولة فاشلة لقتل سربر ياكوف الذي يقرر الرحيل مع زوجته من حيث أتى لتعود الحياة الى طبيعتها في الملكية كما كانت في السابق.
من يظن أن حدث هذه المسرحية يدور في مكانه، فهو على خطأ، والأصح أنه يلفه الغموض ومن الصعب هضمه بقراءة واحدة، أو حتى قراءتين ، ذلك أن انتقال الحدث المألوف الى غير المألوف بحاجة الى مفردات شعرية تُفضي الى التقليل من شأنه، أو تعمل على برودته، وهذه المهمة ليست هينة، وأصعب من كتابة نص مسرحي تقليدي كونها عملية فنية بحتة وبمنآى عن الاجناس الادبية والفنية الاخرى التي لا تدخل ضمن العملية المسرحية وهي اقرب الى كتابة سيناريو تنشطر فيه الفصول والمشاهد الى خطة اخراجية متقنة. ولتحقيق هذا الهدف يستخدم تشيكوف في هذه المسرحية ثلاث مفردات هي:
1 – المفردات الدالة على الجو النفسي
2- المؤثرات الصوتية
3- تدخل الشخصيات الثانوية في المواقف المشحونة.
تأتي المفردات الدالة على الجو النفسي كحالات الجو والطقس اكثر من عشر مرات في الفصول الثلاثة الاولى، ما عدا الفصل الرابع موزعة بنصيب ثلاث مفردات للفصل الاول وأربع للثاني وخمس للثالث وهي: الجو حارٌ، ياله من يوم جميل، في يوم كهذا، هبت الريح، ستمطر الآن، عاصفة تهب، انحسرت العاصفة، الغيوم، الشمس، الخريف،الشتاء، والعاصفة الرعدية.
تَرِدُ جملة (الجو حارٌ) على لسان (فانيا) لتمنح معنيين في آن، فالمعنى الاول هو اشارة الى تذمره من (سربرياكوف) والثاني اعجابه بـ(يلينا) زوجة (سربر ياكوف)، فانيا: الجو حارٌ، ويقبض الصدر، بينما يرتدي رجل المعرفة العظيم معطفه وينتعل حذاءيه المطاطين، ويحمل مظلته وقفازيه.
استروف: من الواضح انه يعتني بنفسهِ.
فانيا: كم هي جميلة لم أرَ في حياتي إمراة اكثر جمالاً منها؟!
أما جملة (يا له من يوم جميل) تأتي على لسان (يلينا) لتغيير الحديث الدائر بين صونيا وفانيا ومارينا من جهة ولفت انتباه (فانيا) اليها من جهة اخرى، فيجيب عليها(فانيا) بنفس النبرة الموحية: ( سيكون من المفرح أن يشنق المرء نفسه في يوم كهذا، قاصداً شنق نفسه من أجل (يلينا).
ولعل توغل تشيكوف بهذه الرمزية في تصعيد لغته في الحوارات التالية، يكسب هذا المشهد منحيين، شاعري وتهكمي، متمثلا المنحى الشاعري في الحوار الدائر بين يلينا وفانيا، والتهكمي في تشبيه الدجاج وفراخها بـ(يلينا) والغراب بــ فانيا.
يدوزن تليغين أوتار القيثار وتمشي مارينا ذهاباً واياباً بالقرب من المنزل منادية الدجاج: تشوك..تشوك…
صونيا: اية دجاجة تنادين؟
مارينا: المبقعة، لقد ذهبت الى مكان ما مع كتاكيتها، قد تنال منهم الغربان.
وفي الفصل الثاني، وبعد أن تشعر (يلينا) ان زوجها في ذروة يأسه، تغلق النافذة بقوة وتقول: لقد هبت الريح..ستمطر الآن ..لا أحد ينتهك حقوقك.
وللاشارة الى عدم رغبة (سربر ياكوف) بقاء (فانيا) معه يبادر الاخير من خلال جملة (ان عاصفة تكاد تهب) ايصال مغزاها الى المتلقي قبل ان ينطق بها (سربر ياكوف).
فانيا: ان عاصفة تكاد تهب (برقة) أرأيتم هيلين وصونيا، اذهبا الى فراشكما لأحل مكانكما.
سربر ياكوف: (متنبها) لا لا ! لا تتركاني معه، لا تفعلا ذلك، سيقتلني بكلامه.
ويستخدم (فانيا) مفردتي العاصفة والرعد في حوار مع نفسه (المونولوج الداخلي)، وذلك بعد أن ترفضه يلينا وتتركه لوحده: فربما كانت أيقظتنا هذه العاصفة، ولو كانت خافت من الرعد، لكنت أخذتها بين ذراعي وهمست لا تخافي انني هنا، يا لها من فكرة، كم هي ساحرة.
ولعل قول (يلينا) وهي تفتح النافذة: لقد أنحسرت العاصفة، يا له من يوم جميل، اشارة الى اشتراكها مع صونيا في حب (استروف) الطبيب، مع رفض استروف لـ حب (صونيا).
وفي احد حوارات استروف، تحديداً في الفصل الثالث، تأتي اكثر من خمس كلمات، وهي تعبر عن حالات الجو، وهي: الطقس، الغيوم، الشمس، الخريف، والشتاء، لابراز النزاع الدائر بين فانيا وسربر ياكوف على المزرعة، وفضه في النهاية: ليس الطقس سيئاً للغاية اليوم يا عزيزي، لقد كانت السماء ملبدة بالغيوم عند الصباح، كما لو انها ستمطر، ولكنها مشمسة الآن، يجب الاعتراف، بأن الخريف قد ظهر، انه جميل جداً، وبأن فترة الشتاء واعدة جداً (يلف خريطته)، كل ما في الأمر أن الايام تقصر.
وجملة: ارقصي يا كوخي، وارقصي يا ناري، ليس السيد في أي مكان ليرتاح، أيقظتني العاصفة الرعدية، يا لها من بقعة مطر طاهرة! كم الساعة الآن؟ التي تأتي على لسان (استروف) وهو ثمل، هي امتداد للمشهد السابق. حيث يندب (فانيا) حظه العاثر مع (سربر ياكوف) المخدوع به، لتصعيده الى ذروته، وابراز الجانب الآخر لشخصية استروف.
ولو راجعنا هذه المفردات، وقمنا بصياغتها في جمل وعبارات، بهدف الوقوف على مغزاها، لتبين انها المتن الحكائي للمسرحية وعلى النحو التالي:
.الجو حارٌ : إستياء فانيا من سربرياكوف واعجابه بـ يلينا.
.يا له من يوم جميل: لفت يلينا انتباه فانيا والرد عليها بنفس النبرة.
.لربما كانت العاصفة قد أيقظتنا : العودة الى الماضي.
.انحسرت العاصمة : رفض استروف لـ حب صونيا واستئثار يلينا بحبه.
.الطقس، الغيوم، الشمس، الخريف، والشتاء: النزاع الدائر بين سربرياكوف وفانيا.
أما المفردة الثانية المتمثلة بالمؤثرات الصوتية فقد وظفها بأربع صيغ هي:
الصفير، العزف، ضرب العصا بالارض، وقرع أجراس الاحصنة، بنصيب، مرتين للاول والثالث، ولكل منهما، والثاني سبع مرات، والرابع ثلاثاً، اي بمجموع (أربع عشرة) مرة في المفردات الأربع. وقد جاء الصفير مرة في الفصل الاول، ومرة اخرى في الفصل الثاني، بهدف ابراز التذمر والدهشة في الاولى، وتشبيه (سربر ياكوف) بالكلب في الثانية.
1-
استروف: هل سيبقون هنا مدة أطول؟
فانيا: (يصفر) لعلها ستكون مئة عام ! لقد قرر الاستاذ الاستقرار هنا.
2-
يلينا: لا تضرب بالعصا فالسيد ليس بخير.
صوت الحارس: انني أهم للذهاب (يصفر) انت هناك! كلب جيد تعال كلب جيد
وجاء العزف في نهاية كل الفصول تقريباً وما بينها، للتعبير عن حالتي الحزن والفرح، واكتفي بضرب نموذج واحد، كما هو في هذا المشهد من الفصل الثاني:
استروف : اعزف لنا شيئاً
تليغين: لقد آوى الجميع الى الفراش
استروف: هيا أعزف
(يعزف تليغين)
استروف: (يكلم فانيا): هل انت هنا وحدك؟ ما من سيدات
(يضع يديه على خاصرته، ويغني بهدوء)،إرقصي يا كوخي وارقصي يا ناري، ليس السيد في أي مكان ليرتاح.
بينما أقترن توظيف مفردة ضرب العصا بالارض، إمتداداً للحالة المبثوثة، بهدف مضاعفة تأثيرها، في الفصل الثاني فقط، فقد جاءت في المرة الاولى لكشف أنانية (سربر ياكوف) واستياء زوجته منه.
سربرياكوف: اذا نطقت بكلمة واحدة يشعر الكل باليأس، فحتى صوتي يقززهم، حسناً، اظنني مقززاً وأنانياً….
يلينا: ما من احد يحاول انتهاك حقوقك (تغلق النافذة بقوة)…
(ستمطر الآن…لا احد ينتهك حقوقك).
(وقفة قصيرة، يضرب الحارس الليلي بعصاه ويأخذ بالغناء).
والمرة الثانية، تعبيراً عن السعادة والأمل المرتقب.
صونيا: انني سعيدة للغاية
يلينا: عليَّ ان اعزف شيئاً…
صونيا : (تعانقها) ..لا استطيع النوم…
يلينا: …….
صونيا: ساذهب…
(يضرب الحارس بعصاه في الحديقة)
والمرة الثالثة، تمهيداً لتصعيد المفردة الثانية الا وهي (الصفير).
ووظفت مفردة قرع اجراس الأحصنة مرة للحزن ومرة للفرح والمرة الثالثة للاستقرار،حصراً في الفصل الرابع:
1-فانيا: فليرحلوا أما انا فلا. لا استطيع، انني حزين، لابد أن اشغل نفسي بعمل ما حالما استطيع…
(وقفة قصيرة، ثم تسمع قرع اجراس الأحصنة)
2-استروف: كم ان الجو هاديء، فريشات الكتابة تصر صريراً حفيفاً، والهدهد يغني، انه دافيء وحميم، لا أشعر برغبة في مغادرة المكان.
(يسمع قرع اجراس الاحصنة)
3-فانيا: (يكتب) الثاني من شباط، زيت بزر الكتان، عشرون باونداً، السادس عشر من شباط، زيت بزر الكتان مجدداً. عشرون باونداً..الحنطة السوداء..
(وقفة قصيرة يسمع قرع اجراس الاحصنة)
ان توزيع المؤثرات الصوتية على الفصول الاربعة، بما ينسجم مع التطور الدرامي للمسرحية، لم يأت بشكل عابر، وانما بحرفية، وفهم عميق لبناء معمارية الفن المسرحي الذي تجلى تحديده بمفردة (الصفير) في الفصل الاول والثاني، حيث يبدأ التذمر، ومفردة (الضرب بالعصا) في الفصل الثاني إذ تجتمع كافة صفات الانسان الطيبة والسيئة، و(العزف) في الفصول الاربعة وما بينها، لمرور الانسان بحالتي الحزن والفرح في حياتهِ، ومفردة (قرع اجراس الاحصنة) في الفصل الرابع، حيث يعم الحزن والفرح وعدم الاستقرار واللا استقرار.
ان فك شفرة كل مفردة من هذه المفردات، يقودنا الى نتيجة مؤداها، ان كل واحدة منها أتخذت مسارها الصائب، واحتلت موقعها السليم، لتصعيد الفعل الدرامي بشكل تدريجي، ومنتهى البرودة الى النهاية، ويقر تشيكوف بتبنيه لهذا الاسلوب، عندما يقول: (كلما كان الكاتب اكثر برودة، كانت حكاياته اكثر حساسية وتأثيراً، فليبكِ القاريء او القارئة اذن عند قراءة مسرحياتي فالفن هو هذا.) (4) كما ان غوركي يكتب اليه وبهذا الخصوص، تحديداً حول مسرحية الخال فانيا ما يلي: (انك تعامل الناس ببرودة ابليسية، أنت لا أبالي مثل الثلج، مثل العذاب)(5.
اذْ يبدأ من الفصل الاول عبر تذمر كل الشخصيات من سربرياكوف، وتتوضح تفاصيل معاناتها وصراعاتها معه في الفصل الثاني والثالث، وتحل العقدة في الفصل الرابع، من خلال قرع اجراس أحصنة سربرياكوف ، وهو وزوجته يغادران المزرعة، اشارة الى عدم الاستقرار، وبقاء فانيا ومارينا وصونيا في المزرعة، دلالة على الاستقرار.
وأعتمد في المفردة الثالثة على تدخل الشخصيات الثانوية في المواقف المشحونة، كشخصية تيليغين، ومارينا، وصونيا، وذلك للتخفيف من حدة توتر هذه المواقف، والتقليل من شأن الحدث وبرودته وعدم بروزه بشكل واضح، واستخدمه بحدود عشر مرات، مرة لإيقاف صونيا خالها فانيا الحديث عن معاناته وهي تقول له: (هذا ممل).وفي المرة الثانية بمخاطبة جدتها وخالها: (أتوسل اليكما).
واذا كانت هذه المفردة قد جاءت لمرتين في الفصل الاول فقط، فأنها جاءت سبع مرات في الفصل الثالث وهي: ردع ماريا لـ فانيا الكف عن اهانة سربرياكوف بمناداة اسمه : جان!، وتوسل تليغين بقوله: لا تفعل ذلك، ويتكرر هذا التوسل بأضافة: لا احتمل ذلك، وايعاز يلينا له ايقاف اهانته لسربرياكوف: ايفان بتروفتش، أصر على ان تتوقف…أتسمعني؟، وقول تليغين! لا أستطيع احتمال هذا، وماريا: اقبل كما يقول اسكندر، وصونيا متوسلة بمرضعتها، لفض النزاع الحاصل بين فانيا وسربرياكوف وهي تصرخ!ناني !ناني! وفي حوار آخر تقول لوالدها! لابد ان تتحلى بالشفقة، خالي فانيا، وبتكرار توسلات صونيا بمرضعتها وهي تقول: ناني! واذا أمعنا بالمفردات الشعرية الموظفة في هذه المسرحية، والبالغ عددها اكثر من ثلاثين مفردة والموزعة على اربعة فصول بنصيب سبع او ثماني مفردة لكل فصل، لوجدنا انها تقوم مقام الحوارات الدائرة بين شخصيات المسرحية، اي مقام اللغة وبأقل عدد من الكلمات، اذ أن أقصى ما تبلغه المفردة الواحدة لا تتجاوز ثلاث كلمات. ما معناه، ان مسرح تشيكوف بالاضافة الى ما يتحلى به من الرمزية، فأنه يتمتع بصفة الأختزال والتكثيف، وهي ابرز واهم سمات الأدب والفن. ولعل شرح استروف لـ فانيا ما جرى من احداث في الفصل الثالث بأربعة أسطر، ومقرونة بخمس مفردات لحالات الجو و الطقس، أثبت دليل على ذلك.وعلى الرغم من ان المسرحية تعود في نهايتها من حيث بدأت من خلال شروعها وختامها في الحوار الدائر بين مارينا واستروف حول شرب الشاي:
*بداية الفصل الاول:
مارينا: (تسكب فنجانا من الشاي)-هاك-تناوله يا عزيزي.
استروف: (يأخذ الفنجان على مضض). لا اشعر برغبة في شربه.
ماريا: العلك ترغب في كأس من الفودكا؟
*الفصل الرابع:
مارينا: هل أنت راحل اذاً قبل ان تشرب الشاي؟
استروف: لا اريد شيئاً ايتها المرضعة.
مارينا: لعلك ترغب في تناول كأس الفودكا؟
الا انها لاتعتبر من النصوص الدائرية، وانما تنتمي الى النص المفتوح، ذلك لتعدد الاصوات الزاخرة بالرموز والقابلة للتأويل والتفسير فيها، كشخصية (سربرياكوف) المصابة بمختلف الامراض، والمكروهة من قبل الكل، والشبيهة بقياصرة روسيا المنبوذين من الشعب، و(يلينا) التي أحبها الكل الرامزة الى الوطن الذي اغتصبه (سربرياكوف). و(استروف) المنجذب لجمال (يلينا) التي احبته، رمزاً (للمنقذ)، وفانيا الممثل الحقيقي للشعب الروسي المثقف والطيب، و(صونيا) و(تليغين) و(مارينا) الى عامة الشعب.
وهنا تطرح عدة اسئلة نفسها بألحاح:
*ترى لماذا اكتفى تشيكوف، حصر ميل استروف تجاه يلينا في حدود الانجذاب اليها، ولم يطوره الى حب؟ هل لأنه في هذا المنحى كان يصنع شخصية ثورية؟ خصوصاً اذا عرفنا انه وكما يقول هنري ترويا: ( كان ينتقد علناً في كتاباته وأحاديثه عمليات القمع الوحشي التي تمارسه الحكومة)(7)
ولعل هذا السؤال يقودنا الى سؤال آخر لا يقل عنه أهمية، وهو:
*هل من المعقول ان يعتذر فانيا لـ سربر ياكوف؟!
سربر ياكوف: أقبل اعتذارك بسرور، وأطلب منك ان تسامحني ايضاً، وداعاً (يتعانقان) هو وفانيا ويقبلان بعضهما ثلاث مرات.
يقول الروائي الكبير هنري ترويا: ( كانت شهرة تشيكوف المتزايدة تدفع بمجهولين للجوء اليه، لا من اجل مساعدة مالية، أو نصيحة حول أسلوب أو توصية لناشر حسب، ولكن ايضاً لسؤاله عن مشاكل الساعة، وكان هذا النوع الاخير من الاسئلة يُعكر مزاجه، فقد رفض طيلة حياته ان يتخذ موقفاً من الاحداث السياسية والاجتماعية…)(8)
ويقول في مكان آخر: (انه لم ينتم الى اشتراكية غوركي النضالية، كانت الحركات الشعبية تخيفه، وكان هو الليبرالي العنيد، يشجب العنف، أجاءَ من أعلى، أم من أدنى.!؟ كان من رأيه، ان ما يحقق تطوراً ملائماً في روسيا ليس عمل الجماهير، بل عمل بعض الرجال الوحيدين والأصلاء…)(9)
ان اعتذار فانيا لـ سربرياكوف بدوره، يعيدنا ثانية الى السؤال الاول للصلة الوثيقة القائمة بينهما، ترى هل أنه أراد عدم تطوير هذه العلاقة الى علاقة حب، لأنه هكذا عاشها في حياته مع (ليديا أفيلوفا) وعلى ارض الواقع؟
وقبل الاجابة على هذا السؤال أقول، انطلاقا من قراءتي لرموز المسرحية وتآويلها، وليس من وجهة نظر تشيكوف، ان اعتذار فانيا لسربرياكوف هو بمثابة تنازل الثقافة الحقيقية في روسيا للثقافة المزيفة، ان لم اذهب اكثر وأقول انه في مصاف خضوع الشعب الروسي لحكومة القياصرة، كما ان استمرار سربرياكوف تلقي المبلغ بانتظام من حصته في المزرعة التي يعمل فيها فانيا وبقاء الاخير كما كان في السابق هو العودة الى نقطة الصفر لكن لقاء فوز فانيا على الطمأنينة وراحة البال والاستقرار وخسارة سربرياكوف لكل هذه الامتيازات من خلال مغادرته وزوجته للمزرعة: الرحيل.
أعود وأقول، هل أراد تشيكوف عدم تطوير هذه العلاقة لانه هكذا عاشها في حياته، على ارض الواقع؟
يجيب هنري ترويا على هذا السؤال فيقول: (في مسرحية النورس، أقترح تشيكوف بعض التعديلات على التمثيل وطلب ان يحل ستانسلافسكي نفسه محل الممثل الذي يؤدي دور (تريغورين) وكان ستانسلافسكي الذي يقوم بالاخراج ايضاً، يمتلك فهما دقيقاً لفنه. وكان في نيته أن يجلب للكواليس ضفادع تنق وكلابا تنبح حتى يصور جو الريف بشكل حقيقي. هذا الحرص على الواقعية أضحك تشيكوف كثيراً وقال بصوت عال: (ان للمسرح مواصفاته الخاصة ليس فيه جدار رابع وفوق ذلك فأن المسرح فن، انه يعكس زبدة الحياة ولذا يجب الا يدخل عليه اي شيء مصطنع.)(10)
وللعودة الى السؤال الاول فأن يلينا هي الشخصية الحقيقية لـ (ليديا أفيلوفا) التي كما يقول ترويا: (لم يكن يريد تشيكوف القبول بحبها ولا التخلص منه نهائياً فبعد الزيارة التي قامت بها الى عيادة الدكتور اوستروف حيث كان مريضاً هناك، استمرت هذه الشابة في توجيه الدعوات اليه بقصد رؤيته واتهامه بجفاف قلبه) (11)
وقد كتب اليها يقول في (10تموز 1898): اذا كانت رسائلي قاسية وباردة جداً أحياناً، فلأنني لست جادا)(12). وينقل عدم جديته هذه على لسان تليغين في الحوار الدائر بينه وبين استروف وفانيا في الفصل الاول من المسرحية وعلى الوجه التالي.
استروف: هل هي وفية للاستاذ؟
فانيا: آسف على القول بأنها كذلك.
استروف: لكن لم عليك ان تأسف
فانيا: لأن هذا النوع من الوفاء غير صحيح…..فأن تكون غير مخلصة لزوج عجوز لم تحبه سيكون عملا غير اخلاقي، أما ان تقوم بأقصى جهدها لتخنق في نفسها كل شبابها وحيويتها وقدرتها على الشعور فليس بعمل غير اخلاقي!
تليغين: (دامعاً) ..فانيا لا يعجبني الامر حيث تقول هذا الكلام. فعلا…!
فكل من يقدر على خيانة زوجة أو زوج هو شخص غير جدير بالثقة وقد لا يتأخر عن خيانة وطنه ايضاً!
الا ان الحوار الدائر بين يلينا واستروف في الفصل الثالث لا يوحي بأن تشيكوف معجباً بها وحسب، وانما كان يحبها أيضاً، وهذا ما يفهمه ستانسلافسكي في اخراجه لهذه المسرحية الذي يعتبره تشيكوف في رسالته الموجهة الى اولغا (زوجته) خطأً، بتبرير ان الحديث الصادر من استروف والموجه الى يلينا (ليس الاّ قضاءا للوقت)(13) وانطلاقا من إبداء رأيه فيها صراحة في كونه (منجذباً لجمالها في الفصل الاخير، وهو يحدثها بلهجة تشبه لهجته عندما يخبرها بالحرارة السائدة في افريقيا ويقبلها مشتت البال)(14).
ان المعلومة الاخيرة لترويا صائبة، فيما يتعلق بتقبيل استروف لـ يلينامشتت البال في الفصل الاخير، ولكن معلومته بخصوص حديثه معها بلهجة تشبه لهجته، عندما يخبرها بالحرارة السائدة في أفريقيا، غير صحيحة، اذ ان هذا التشبيه يأتي وكما هو مدون في النص مع مارينا وفانيا/ هكذا:
مارينا: لعلك ترغب في تناول كأس من الفودكا؟
استروف: بتردد (ربما)
استروف: (بعد وقفة قصيرة) لقد أصبح واحداَ من أحصنتي أعرجاً لسبب ما ، لاحظت ذلك البارحة عندما أخذته بتروشكا ليشرب.
فانيا: عليك ان تغير حدواته.
استروف: سيتوجب عليَّ ان استدعي الحداد. لا يمكن تجنب ذلك (يتوجه نحو خريطة افريقيا وينظر اليها.) أظن انه هناك في افريقيا، لا بد أن يكون الحر شديداً الآن!
 
المصادر
1- تشيخوف تأليف: هنري ترويا ترجمة: خليل خوري مراجعة: الدكتور على جواد الطاهر
2- نفس المصدر السابق
3- المسرحية العالمية : الاراديس نيكول – الجزء الرابع
4-(4-14) تشيخوف تأليف: هنري ترويا ترجمة: خليل خوري مراجعة: الدكتور على جواد الطاهر
 
 
3- الشقيقات الثلاث:
 
مسرحية الشقيقات الثلاث
اذا كانت مسرحية (طائر البحر = النورس) قد مثلت قبل مسرحية (الخال فانيا) بثلاث سنوات، فأن مسرحية (الشقيقات الثلاث) التي نحن الان بصدد تناولها مثلت بعد (الخال فانيا) بـ سنتين، أي عام 1901، (واستقبلت بهتافات هستيرية في أول عرضها لها، وحدث هذيان حقيقي، عندما ظهر المؤلف على الخشبة في الفصل الرابع.) 1
وهي من اكثر مسرحيات تشيكوف صعوبة في الاداء، كونها على حد زعم الممثلين الذين اجتمع بهم تشيكوف في اول قراءة لها (مجرد اشارات) لا وبل (ليست مسرحية)، و (فيما اذا كانت ملهاة أو مآساة؟!) (وغادر تشيكوف الاجتماع، غير قادر على احتمال المزيد، الا ان ستانسلافسكي استطاع ان يهدئه، ليستعيد شجاعته، مصححا، وهو معتزل في غرفة الفندق، الفصلين الاولين تصحيحا كاملا… ولم يحدث في الفصل الثالث غير لمسات، الا انه اعاد كتابة الفصل الرابع بعمق.) 2
تدور حوادث هذه المسرحية ببلدة ريفية في منزل آل بروزوروف الجنرال العسكري الذي ترك بعد وفاته ثلاث بنات وولدا، (اولغا – ماشا – ايرينا، واندريه)، وكانت الشقيقات الثلاث بالاضافة الى شقيقهن قد ولدوا في موسكو، ويتلهفن العودة اليها، الا ان حلول فوج عسكري بهذه البلدة الذي راح بعض افراد من ضباطه يتردد الى منزلهن، بحكم العلاقة التي كانت تربطهم بوالدهن، أدى الى الحد من بعض الاوهام التي كن يعشن فيها، باتجاه عقد علاقات عاطفية مع اثنين منهم، بأستثناء اولغا الشقيقة الكبرى دائمة الكابة، اذ بالرغم من أن (ماشا) كانت متزوجة عن حب بـ (كوليغين) وهو معلم، الا انها تنجذب لـ(فرشنين)، و(أيرينا) اصغرهن الى (توزبناتش). ولكن شريطة أن يأخذها الى موسكو، بينما هي في الحقيقة لاتحبه، وهو يعرف هذا، وتحب شخصا آخر صورته مرسومة في خيالها. غير ان انتقال الفوج بعد فترة قصيرة الى حامية اخرى، ومقتل خطيب ايرينا في مبارزة مع (سوليني)، يؤديان الى أن يفقن الشقيقات الثلاث من اثر هاتين الصعقتين، بعد نشوة عاطفية وجيزة، لممارسة حياتهن كالسابق.
ان مسرحية (الشقيقات الثلاث) مثلما هي اكثر مسرحيات تشيكوف صعوبة في الاداء، هي كذلك اكثر مسرحياته غيابا للحدث، لا لأنها تفيض بالرموز والدلالات الموحية، وتزخر بالمفردات الدالة على التوتر النفسي كحالات الجو والطقس، والمؤثرات الصوتية، اكثر من مسرحيتي النورس والخال فانيا، وانما بالاضافة الى ذلك، اتباع اسلوب المونتاج السينمائي في تصاعد افعالها الدرامية، سعيا لسير الحدث بشكل بطيء وتدريجي، والكشف عن مكنوناته بقطع الانفس، ومراحل عدة، من خلال ايلاء اهمية متميزة الى الامور الاعتيادية اليومية والمألوفة في حياة الانسان، وتحويلها الى معاناة كبيرة، وبالتالي الى ماساة حقيقية، يجد المرء نفسه عاجزا عن حلها.
1- الرموز والدلالات الموحية:
لقد اشتغل المؤلف على عدد كبير منها، الا ان ما استطعت تشخيصه بلغ بحدود الثلاثين موزعا بنصيب خمسة للفصل الاول وسبعة للفصل الثاني، وستة للفصل الثالث واربعة عشرة للفصل الرابع.
وتأتي في مقدمة هذه الرموز، الوان الثياب التي ترتديها الشقيقات الثلاث، لتعبر عن شخصيتهن، (فأولغا) ترتدي الثوب الكحلي لمعلمة مدرسة ثانوية، اشارة الى تعلقها بمهنتها من جهة، ولما تتسم به من الكآبة لعنوستها من جهة اخرى، و (ماشا) التي ترتدي الثوب الاسود الى تمردها على زوجها وانجذابها الى المقدم (فرشنين)، و (ايرينا) الثوب الابيض ، الى عفويتها واوهامها وحبها للحياة.
أما جملة (لا تبرز اية اوراق على اشجار البتولا) التي تأتي على لسان (اولغا) بالرغم من دفئ الطقس، فهي اشارة الى قبح القرية التي يعيشون فيها، وتؤكد على هذا المعنى، ورود كلمة (موسكو) في حديثها اللاحق:
عين والدنا قائد لواء منذ أحد عشرة سنة، ثم غادر موسكو وصحبنا معه، اذكر تماما كيف كان كل شيء في موسكو مزهرا، في مثل هذا الوقت.
وتتردد كلمة (موسكو) على امتداد المسرحية وهي رمز لحلم الشقيقات الثلاث، كما في هذه الجملة لاولغا: شعرت برغبة شديدة في العودة الى المنزل في موسكو. وايرينا تقول: لو أمكننا أن نعود الى موسكو. وماشا: انه لمن الغريب ان نجتمع مع رجل من المدينة بشكل غير متوقع (تقصد مدينة موسكو)
ويأتي قول (توزبناتش لـ سوليوني): لقد نسيت أن اخبرك بأن فرشنين آمرية سرية مدفعيتنا الجديد سيعرج عليك اليوم. (يجلس بجانب البيانو)، اشارة واضحة الى معنيين، المعنى الاول هو دخول شخص ثالث الى جانبهما بالانجذاب الى احدى الفتيات، والثاني بهدف معرفتهن المسبق بهذه الزيارة، ولعل سرور اولغا بسماعها هذا الخبر وطرح ايرينا بسؤالها حول سنه، اثبت دليل على ذلك. اولغا: انني مسرورة جدا لسماع ذلك.
ايرينا: هل هو كبير السن؟
من المعروف ان (ماشا) كانت تريد عدم حضور حفلة شقيقتها (ايرينا) لتغادر الى المنزل، ولكنها بعد ان عرفت بحضور (فرشنين) تخلع قبعتها وتقول: (سأبقى لتناول الغذاء). وهي اشارة واضحة بانها ستنجذب اليه.
أما إنتقالها الى كرسي آخر وهي تقول: توجد اضواء اكثر هنا، اذ بدون ان تلفظ هذه الجملة، معناها، ايماءة للقبول بحبه.
ماشا (تضحك بهدوء): حين تكلمني على هذا النحو، لا استطيع بطريقة ما أن امنع نفسي عن الضحك مع انني خائفة في الوقت نفسه. لا تقل ذلك مجددا ارجوك (بصوت مسموع جزئيا) حسنا.. لا.. استمر.. لا أمانع.. (تخفي وجهها بيديها) لا أمانع.. أحدهم قادم.. فلنتحدث عن شئ آخر .. ورد (فدوتيك) في حواره مع ايرينا: (لن تذهبي الى موسكو)، بعد ان تقول له (سنصل الى موسكو) ايماءة الى صواب رأي (فدوتيك)، حيث تنتهي المسرحية بعودة الشقيقات الثلاث لممارسة عملهن في القرية بدون ان يتغير شيئا في حياتهن.
ولعل انفجار (ماشا) بوجه (انفيسا) غضبا ليس بسبب انزعاجها من هذه المرأة العجوزة، وانما بسبب مغادرة (فرشنين)للمنزل.
فرشنين: (بصوت منخفض) لقد تجرعت زوجتي السم مجددا، علي أن أذهب، سأرحل بدون ان يروني كل هذا كريه جدا (يقبل يد ماشا) يا فتاتي العزيزة والطيبة واللطيفة.. سأخرج من هنا بهدوء.. (يخرج)
أنفيسا: الى اين يذهب وقد أحضرت له الان القليل من الشاي؟ يا له من رجل غريب الاطوار!
ماشا: (انفجرت غضبا) دعيني وشأني ! لم تستمرين في ازعاجي، لم لا تتركيني بسلام … لقد سئمت منك ايتها العجوز الحمقاء!
وينسحب غضبها هذا على (ايرينا) و (تشبوتيكن) وهي تقول لايرينا: اذا كنت سيئة المزاج فلا تكلميني لا تلمسيني!
ولـ (تشبوتيكن) بعد أن يضحك: قد تكون في الستين من العمر، لكنك تنطق دائما ببعض التفاهات اللعينة، او ماشابه ذلك، تماما كالاطفال.
وقول (توز نباتش) لـ( سوليوني): انت دائما تشعرني بوجود خطب ما بيننا. أنت شخصية غريبة الاطوار، لاشك في ذلك، اشارة الى كونه غريما له في حب (ايرينا).
ومخاطبة (سوليوني) لـ (ايرينا) بقتل الشخص المنافس له في حبها، تأكيد لحواره السابق مع (توزنباتش) وجدية تنفيذ ما يقوله:سوليوني: لم أكلمك يوما عن حبي في السابق، أنه يجعلني أشعر كما لو أنني أعيش على كوكب مختلف (يحك جبينه) لاتكترثي لذلك، من الواضح انني لا استطيع إرغامك على حبي، غير أنني لا أنوي الحصول على منافسين ناجحين، لا أقسم لك بكل ما أقدسه بأنه أذا كان يوجد شخص آخر فسوف أقتله…
وفي الحوار الدائر بين توزنباتش وكوليغين وايرينا، حول احياء حفلة تعزف فيها ماشا، يقترحه توزنباتش، ويدعمه كوليغين بأن ماشا تعزف بشكل رائع، وترد عليهما ايرينا، بأنها نسيت العزف، ولم تعزف منذ ثلاث او اربع سنوات، ان هذا الرد ايماءة الى الخمول السائد في القرية التي يعيشون فيها، واشارة الى ان هذا العزف كانت ماشا قد تعلمته في موسكو، ولعل تأكيد توزنباتش على رأيه السابق وهو يقول: لا أحد يفهم الموسيقى في هذه البلدة ولا حتى شخصا واحدا، وأؤكد لكم تماما بأن (ماشا) تعزف بشكل رائع يأتي هذا الرأي وبشكل مفصل واوضح على لسان اندريه في نهاية الفصل الرابع: ….. (لقد مضى على وجود هذه البلدة مئتا عام، ويعيش فيها مئة الف نسمة، وما من أحد فيها يختلف عن الاخرين! لم يسبق ان وجد عالم، أو فنان، او قديس في هذا المكان، ولم يسبق ان وجد رجل واحد بارز بشكل كاف ليجعلك تشعر بشغف بأنك تريد أن تنافسه، لا يفعل الناس هنا شيئا سوى الاكل والشراب والنوم.. ثم يموتون، ويأخذ آخرون أماكنهم فيأكلون ويشربون وينامون بدورهم… ولكي يدخلوا القليل من التنوع الى حياتهم، حتى يتجنبوا ان يصبحوا حمقى تماما من الملل، يطلقون العنان لأشاعاتهم المثيرة للاشمئزاز وللفودكا وللقمار، وللدعاوى القضائية…) وهو بالاضافة الى ذلك، توضيح لمسوغات الشقيقات الثلاث، في عدم بقائهن في البلدة ومغادرتها، وعيشهن في موسكو، والاستقرار فيها. ان الرموز التشيكوفيه الدالة على الفواجع كالموت مثلا، يمكن قراءتها بسهولة، ذلك ان المؤلف يمنحها مساحة اوسع، وهو يختار مفرداته بدقة، اذ تبدأ الضربة الاولى لهذه الدلالة، أي مقتل توزنباتش بالمبارزة مع سوليوني، من استيقاظ توزنباتش من نومه وهو يقول (لابد انني متعب)، مرورا وكأنه يحلم بـ (ايرينا): (انت شاحبة) وانتهاء.. (فلنذهب بعيدا ونعمل معا). وفي الحوار الثاني تبدأ من (وداعا انني ذاهب ) مرورا (توجد في عينيك دموع).. وانتهاء بالضربة الاخيرة: (اوه، لو أمكنني فقط أن أقدم لك حياتي!) وهذا ما يفعله تماما. والثعلبية التشيكوفيه واضحة في جملة ماشا، وهي تسأل زوجها عن سبب عدم ذهابه الى المنزل، وهي خلوها على راحتها مع فرشنين، ولعل عودة كوليغين من المنزل وبحثه عنها غاضبا وهو يقول: اين ماشا؟ اليست ماشا هنا؟ اشارة الى إرتيابه بها.
ويمتد شبح موت توزنباتش امام ايرينا الى المشاهد التالية، وينقلب الى حقيقة مؤكدة، لا لأنها تبكي بصوت مرتفع، وتطلب من الكل الخروج من غرفتها، بل لأن موته هذا، سيحرمها من مغادرة البلدة الى موسكو:
انني في الثالثة والعشرين من عمري، وقد كنت أعمل طوال هذا الوقت، واشعر كما لو ان دماغي قد نضب. أعرف بأنني ازددت نحافة وبشاعة وعمرا، كما وانني لا اجد اي نوع من الرضى في أي شئ، والوقت يمر، واشعر كما لوانني ابتعد عن اي امل في حياة صادقة وجيدة، انني ابتعد اكثر فأكثر واغرق في نوع من اللج، اشعر بأليأس، ولا أعرف لم ما زلت حية، ولم لم اقتل نفسي…
وتتعاقب الدلالات الرامزة الى موت (توزنباتش) الواحدة تلو الاخرى:
فدوتيك: لاتقولي الى اللقاء (اي ان لا تقول ايرينا لـ توزنباتش) بل قولي وداعا، لن نلتقي مجددا!
وفي حوار ايرينا مع تشبوتيكن التي تبدو قلقة لليلة الماضية بشأن أمر ما، ويخبرها بمضايقة سوليوني لـ توزنباش الذي نفذ صبره وقال له كلاما اهانه، لتأخذ ايرينا في الحوار اللاحق، تحلم بزواجها من توزنباتش وانتقالها الى المباني الحجرية، وعملها في المدرسة، ثم فجأة تشرع بالبكاء من شدة الفرح وهي تقول: (سيأتي الحمال بعد قليل لنقل امتعتي).
ان هذا الحلم. بالاحرى، الهذيان، ماهو الا احد اساليب تشيكوف المراوغة لأعطاء عكس النتائج، عبر استنطاق الشخصية من الداخل، لنأيها عن تأثيرات الفعل الخارجي ذات الطبيعة الواقعية المفرطة، واقترابها من المشاعر والعواطف النبيلة والخلاقة، للتعبير عنها بصدق ودون تصنع او تكلف.
وتؤكد الحوارات الجارية بين ماشا وتشبوتيكن، بصدد المبارزة بين توزنباتش وسوليوني، مصداقية إرتياب ايرينا بمقتل خطيبها، وعدم انتقال امتعتها، بعكس ما كانت تحلم. اذ ان اشارة تشبوتيكن الى ان هذه هي المبارزة الثالثة لـ سوليوني، وعدم الرد عن تجربة توزنباتش بهذا الخصوص، تؤكد هذه النتيجة.
تشبوتيكن: يتصور سوليوني نفسه كـ لرمنتوف. هو في الواقع، يكتب قصائد، انما اذا تكلمنا بجدية فهذه مبارزته الثالثة.
ماشا: المبارزة الثالثة لمن؟
تشيوتيكن: لسوليوني
ماشا: وماذا عن البارون؟
تشبوتيكن: حسنا، وماذا عنه (وقفة قصيرة)
ماشا: كل افكاري مشوشة.. ولكن ما اقصد قوله هو انه لا يجب ان يسمح لهما بالقتال. قد يجرح البارون او حتى يقتله.
ويتكرر اسلوب تشيكوف المراوغ هذا في رد توزنباتش على سؤال ايرينا عن سبب شرود ذهنه، اذ يبدأ هو الاخر بالهذيان: ساصحبك بعيدا يوم غد، سوف نعمل، وسنكون اغنياء، ستتحقق احلامي مجددا، وانت ستكونين سعيدة…
وتتواصل هذه النبرة الموحية الى الموت على طريقة تشيكوف في الحوارات التالية، توزنباتش: فعلا بانني مبهج تماما، اشعر بأنني ارى اشجار التنوب والقيقب والبتولا لأول مرة في حياتي، يبدو بأنها كلها تنظر إلي بنظرة فضولية، وتنتظر شيئا، يالها من اشجار جميلة، وكم هو جميل حين تفكرين بها، على الحياة ان تتمتع باشجار كهذه! (تسمع صرخات). (آو! هاي هو!)
علي ان اذهب، فلقد آن الاوان.. انظري الى تلك الشجرة انها جافة بالكامل غير أنها لا زالت تتمايل بفعل الريح مع باقي الاشجار وبالطريقة نفسها، يبدو لي بأنني اذا مت سيتبقى لي نصيب في الحياة بشكل ما أو بأخر وداعا يا عزيزتي (يقبل يديها) ان اوراقك تلك التي اعطيتني اياها موجودة على مكتبي تحت الروزنامة.
2- المفردات الدالة على التوتر النفسي.
لقد اشتغل المؤلف على سبع عشرة مفردة من المفردات الدالة على حالات الجو والطقس في الفصلين الاول والثاني، وعوض عنها بمفردات اخرى في الفصلين الثالث والرابع والتي سنأتي على ذكرها، بنصيب احدى عشرة مفردة للفصل الاول وست للفصل الثاني.
ففي بداية الفصل الاول فقط، تحديدا في الصفحتين الاولين، يشتغل على ست منها وهي:
1- اذكر بأن الطقس كان باردا
2- وبأن الثلج كان يتساقط
3- لقد كانت تمطر بغزارة
4- كانت تمطر
5- الطقس دافئ جدا اليوم
6- ياله من طقس جميل اليوم
7- اتعلم كم أتوق الى تناول شراب بارد في الطقس الحار.
8- لقد آن الاوان هناك سحابة رعدية هائلة تتقدم فوقنا
9- وهنالك عاصفة قوية قادمة لأنعاشنا
10- الطقس بارد هنا ويوجد الكثير من البعوض
11- الطقس رائع اليوم.
12- عصفت الريح في المدفأة هكذا تماما
13- انظري الى الخارج، انها تثلج.
14- يالها من ريح!
15- ماذا كان الفصل هو الصيف
16- أم الشتاء
17- أظن بانني ماكنت لاكترث للطقس لو كنت اعيش في موسكو.
3- المؤثرات الصوتية:
لقد اشتغل على خمسة وعشرين منها، موزعة بين (الصفير)، (العزف) (الدق على الارض) و (الغناء)، بنصيب مرتين للاول، وتسعة للثاني، وعشرة للثالث واربعة للرابع.
اذ جاء الصفير في الفصل الاول فقط ولمرتين وعلى التوالي من قبل ماشا والعزف مرتين ايضا والغناء مرة والدق على الارض مرة واحدة لكل منهما. اما في الفصل الثاني فأن الغناء والعزف يأتي مرة واحدة لكل منهما، والدق على الارض مرة واحدة لكل منهما، وفي الفصل الرابع مرة واحدة لكل من الغناء والعزف وضرب القدم على الارض. في الفصلين الثالث والرابع، وبشكل خاص الرابع، لم يشتغل المؤلف على المفردات الدالة على التوتر النفسي والمؤثرات الصوتية بحجم وكثافة الفصلين الاولين، لتركيزه على الرموز والدلالات الموحية، والاستعانة بمفردتين شعريتين، وهما في الحقيقة مفردة واحدة تحت تسميتين، وهما (تعيسة، ومتعبة) وذلك بهدف أن تخرج هاتان المفردتان الحدث من جموده بأتجاه بروزه على السطح، اذ جاءت في الفصل الثالث عشر مرات، والفصل الرابع اربع مرات.
1- اولغا: … كم ان كل هذا مريع ! وكم انا متعبة.
2- اولغا: … وزعيها كلها.. انني متعبة جدا.
3- اولغا: اجلسي لبرهة يا ناني.. انت متعبة.
4- ناتاشا: ماشا نائمة.. فهي متعبة تلك المسكينة
5- ناتاشا: انت متعبة ياعزيزتي المسكينة!
6- كوليغين: انني متعب جدا يا عزيزتي اوتشكا
7- توزنباتش: (يستيقظ من نومه) لابد انني متعب
8- ايرينا: انها متعبة دعها ترتاح لبرهة يا نيديا
9- ماشا: وانا مللت كثيرا مللت مللت
10- كوليغين: انت متعبة. استريحي هنا وحسب لبعض الوقت
11- ايرينا: اوه انني تعيسة جدا
12- ايرينا: اشعر بالياس
13- توزنباتش: اجل مملة للغاية ايضا
14- تشبوتيكن: انني متعب جدا.. انا مرهق كثيرا..
4- المونتاج:
اذا كانت عملية التقطيع في الفن السينمائي، هي آخر ما يقوم به المخرج من لمسات على شريطه فانها في المسرح لا تأتي الا ضمن سياق كتابة مجموعة العناصر التي تضمها العملية الفنية، ويعتبرها البعض الركيزة الاساس لنجاح الشريط السينمائي، بأعتبارها لا تقل أهمية عن العناصر السينمائية الاخرى، ان لم تكن اكثرها اهمية، ولهذا فأن القلة من المسرحيين يمنحون المونتاج في نصوصهم، الاهمية الممنوحة للفن السينمائي ما عدا بعض الاستثناءات، وتشيكوف هو واحد منهم، وفي الصدارة، مستخدما الوسائل التالية: انتقال الحوار من مجموعة الى مجموعة اخرى، قطع الحوار بجمل وعبارات ساخرة، دقة الجرس، الصفير، الدق على الارض، وقفة قصيرة، صمت، العزف، بالاضافة الى دخول وخروج الممثلين.
وتأتي في مقدمتها قطع (سوليوني) للحوار الدائر بين الشقيقات الثلاث حول مشاركة ماشا احتفال عيد قديسة ايرينا، وعدم ذهابها الى المنزل، بجمل وعبارات لا علاقة لها بفحوى النص، القصد منها تأخير ماشا من المغادرة، لحين وصول فرشنين، لأهمية هذا الجمع بينهما، حيث يؤدي الى انجذابهما للآخر، وتمرد ماشا على زوجها.
واذا كانت أهمية هذا القطع تكمن بتأخير ماشا للقائها بفرشنين، الا ان الاكثر اهمية منه، هو، ما قام به من تأثير في الشقيقات الثلاث عبر تحويل احزانهن الى افراح لا توصف، مضاعفا سعادتهن في الاحتفال بعيد قديسة ايرينا، ومانحا مساحة واسعة لهذا المشهد، بهدف ابراز توقهن لمغادرة البلدة والعيش في موسكو، ذلك ان فرشنين قد قدم منها ، اي ان هذا القطع، ماهو الا لحظة تحذير وتنبيه للمتلقي، لالتقاط لحظات كبيرة وذات اهمية:
– توزنباتش: لقد قدم (فرشنين) من موسكو.
– ايرينا: من موسكو؟ هل قدمت من موسكو؟
– فرشنين: اجل من موسكو. لقد كان والدك آمر سرية مدفعية هناك، وقد كنت ضابطا في اللواء نفسه (يكلم ماشا) يبدو أنني اذكر وجهك قليلا.
ماشا : لا اذكرك على الاطلاق.
ايرينا: اوليا، اوليا، (تنادي باتجاه قاعة الرقص) اوليا.. تعالي (تدخل اولغا..)
يبدو ان المقدم فرشنين قادم من موسكو
اولغا: هل انت قادم من موسكو؟
فرشنين: اجل لقد درست في موسكو…
ايرينا : وانت قادم من موسكو! حسنا، يالها من مفاجأة!
اولغا: سنعيش هناك.
ايرينا: نأمل ان نكون هناك مع حلول الخريف، انها مسقط رؤوسنا، فقد ولدنا هناك.. في شارع ستارايابا سمانايا.
ماشا: انه لمن الغريب ان نجتمع مع رجل من المدينة بشكل غير متوقع
ايرينا: احد عشر عاما، لم تبكين الان.. ستدفعيني الى البكاء ايضا.
ماشا: لست ابكي.. ما كان اسم الشارع الذي عشت فيه؟
فرشنين: شارع ستاراياباسمانايا
اولغا: لقد عشنا هناك ايضا
وبعد هذا الحوار بثلاث صفحات، يأتي القطع ثانية على لسان سوليوني بمزحة صغيرة وهي (اعرف السبب) ولكن الشقيقات يتواصلن في حوارهن مع..
فرشنين: عرفت والدتكن.
تشبوتيكن: كانت امرأة صالحة، فليبارك الله ذكراها!
ايرينا: دفنت في موسكو
اولغا: في دير نونو ديفتشيه
ماشا: لقد بدأت انسى كيف كانت تبدو، أظن بأن الناس سينسوننا بالطريقة نفسها، سوف يتم نسياننا.
والقطع الاخر يتم عن طريق قرع جرس الباب، في الحوار الذي تلقيه ناتاشا على ايرينا بشأن مشاركتها في غرفة اولغا لحصول (بوبك) وهو ابن ناتاشا على غرفتها، اذ تتقدم الخادمة وتهمس في اذن ناتاشا، بأن بروتو بوبوف يطلب منها ان تخرج معه في جولة، يقرع جرس الباب مجددا، وتقول ناتاشا للخادمة: (قولي بأنني سأنزل بعد لحظة) دون ان نعرف رد ايرينا على طلب ناتاشا، ونعرفه في الحوارات اللاحقة، فأن هذا القطع لم يأت ليبين عن حماقة ناتاشا بتجاوزها على شقيقتي زوجها، بإرغامهما التخلي عن احدى غرفتيهما لابنها فحسب، وانما ايضا لكشف خيانتها لزوجها، بالاضافة الى الجمل والعبارات المتشائمة التي تأتي على لسان الشخصيات لاحقا، وقبل نهاية الفصل الثاني بصفحتين:
كوليغين: هل رحلت ماشا ايضا؟ الى اين ذهبت، ولم ينتظر بروتو بوبوف خارجا في تريوكة؟ من ينتظر؟
(لاحظ ربط كوليغين، بين رحيل ماشا، وانتظار بروتوبوبوف القائم على الشك لزوجته من جهة وناتاشا من جهة اخرى).
ايرينا: ارجوك الا توجه إلي اسئلة، لقد سئمت.
اولغا:…. لقد تعبت تماما… ان رأسي يؤلمني.. آوه رأسي..
كوليغين: انني متعب، لا أظنني سأذهب، انني متعب، هل ذهبت زوجتي الى المنزل؟
ايرينا: لا أظن ذلك.
ايرينا: (وحدها).. لقد ذهبوا جميعا.. لم يبق احد.
ناتاشا: سأعود بعد نصف ساعة سأذهب في جولة صغيرة فقط.
ايرينا :(وحدها، وبتوق شديد) موسكو! موسكو! موسكو!
ويأتي قطع كوليغين الحوار الدائر حول مضايقة سوليوني لـ توزنباتش الذي فقد صبره واهانه في بداية الفصل الرابع، تمهيدا لكل المشاهد التالية لطرحه بين فينة واخرى، ليوسع للشخصيات طرح يأسها على شكل شهقات، اي بشكل متقطع، وفي محطات ووقفات قصيرة وسريعة، كما في شهقة ايرينا التي تاتي مباشرة مع انتهاء حوار كوليغين الذي لا علاقة له بفحوى النص، وصرخة (هاي هو) المنطلقة من الناحية الخلفية للمسرح: يبدو أن كل شئ يفاجئني اليوم (وقفة صغيرة) لقد جهزت كل شئ ايضا، سوف ارسل امتعتي بعد الغذاء سنتزوج البارون وانا…الخ
وشهقة ماشا التي تؤكد على صحة ماذهبنا اليه في طرح يأسها بشكل متقطع وعلى دفعات صغيرة: حين تضطر لنيل سعادتك بشكل متقطع، وعلى دفعات صغيرة كما افعل، ومن ثم تخسرها، كما خسرتها تصبح قاسيا وغاضبا بشدة تدريجيا، (تشير الى صدرها) يغلي شئ ما في داخلي هنا… هو ذا اندريه اخونا العزيز.. لقد اختفت كل آمالنا الوضع شبيه بالوقت الذي يحمل فيه الالاف جرسا ضخما الى اعلى برج، يتطلب عددا لا يحصى من العمال والاموال، ومن ثم يسقط فجأة ويتحطم. يسقط فجأة بدون نظام او منطق…
اولغا: لن يبقى غدا ضابط وجندي واحد في البلدة.. سيكون كل ذلك مجرد ذكرى، وبالطبع ستبدأ حياة جديد لنا هنا (وقفة صغيرة) لا يحدث شيئا ابدا كما نرغب، لم اشا ان اكون مديرة ومع ذلك فأنا الان واحدة، وهذا يعني بأننا لن نعيش في موسكو…
 
المصادر:-
تشيخوف .تأليف: هنري تروياترجمة: خليل خوري
4- بستان شجرة الكرز:
مسرحية بستان شجرة الكرز
لا تختلف صنعة مسرحية (بستان شجرة الكرز) عن صنعة مسرحيات تشيكوف الطويلة الثلاث الاخرى والمعروفة، الا بقدر تقليص حجم وكثافة المفردات الموظفة فيها من أربع الى اثنتين، وهما الرموز والدلالات الموحية، والمفردات الدالة على الجو النفسي، وغياب بقية المفردات منها كالمؤثرات الصوتية والمونتاج.
تدور حوادثها في ملكية (ليوبوف أندريفنا) العائدة من باريس، بعد غياب خمس سنوات، مع ابنتها (أنيا) والمربية الالمانية (شارلوتا) وخادمها (ياشا)، لتباغت انها لا تتمكن من تسديد فائدة ملكيتها المعرضة للبيع.
ولكون (لوباخن) وكيل أعمالها ورغبة منه لإنقاذ الملكية من المزاد العلني، أو (هذا ما يبدو عليه في الظاهر)، يقترح عليها تقسيم بستان اشجار الكرز والارض المجاورة لها الى قطع صغيرة لتشيد عليها مساكن صيفية شريطة أن تهدم كل ما فيهما من منازل واشجار، لتقوم بتأجير القطع، وتنال ربحا سنويا منها، ويوعدها بتأمين القرض، الا انها لاتقوم بتنفيذ هذا المقترح على أمل أن تتلقى الدعم من عمتها الكونتيسة التي تعيش في الخارج، ولأن المال الذي تنتظره لايصل، وحتى ان وصل، فأنه لايكفي لسد تأمين القرض، فأن لوباخن يصبح صاحب الملكية، لانه يقوم بشرائها.
لقد أختلف الكبيران تشيكوف وستانسلافسكي على معنى هذه المسرحية، وكان في اساس هذا الخلاف كما يقول ترويا: (تضاد رئيسي في تفسير الاثر من الناحية السايكولوجية) فتشيكوف تصور بستان الكرز وخطط لها وكرر قول ذلك عشرين مرة الى انها كوميدية بل هزلية تقريبا، اما ستانسلافسكي فكان يرى فيها مأساة اجتماعية تطرح موضوع زوال طبقة النبلاء الريفيين امام الاثرياء الجدد المتصلبين والمغامرين من العامة.1
وما يؤكد على ان هذه المسرحية كوميدية، هي الرسالة التي يبعثها تشيكوف الى زوجته (اولغا) يقول فيها: (سيكون الفصل الاخير مرحا، او بالاحرى ستكون المسرحية كلها مرحة وعابثة)2
ويرى ترويا: (ان الانفعال الذي تسببه بستان الكرز متأتٍ من التضاد بين التراجيديا الصامتة التي ينطوي عليها الموضوع، والجانب المضحك الى حد ما في الشخصيات)3
ان هذا الخلاف سبق وان نشب بينهما في مسرحية الخال فانيا، اذ ثمة الكثير من الادباء والفنانين، وقبل ان تصدر اعمالهم، يصفونها تحت تسميات ومصطلحات لا تمت في معظم الاحيان الى مضامينها بصلة. وهذا الكلام يقينا، ليس موجها الى تشيكوف ذلك انه ليس بحاجة لمثل هذا التصنيف، هذا الرجل العظيم، الذي هو اكبر منا، ولكنني لا ادري لماذا اجد نفسي منجذبا الى قراءة ستانسلافسكي اكثر من قراءة تشيكوف، وكانت لي على ما اظن نفس القراءة للخال فانيا، ولعل مرد ذلك يعود الى عملية المزج وليس التضاد كما يقول ترويا، بين التراجيديا الصامتة التي ينطوي عليها الموضوع، والجانب المضحك الى حد ما في الشخصيات، بحيث يصبح هذا الجانب اكثر تراجيدية من التراجيديا الصامتة، ويمكن ان نلمس هذا الجانب في معظم شخصيات المسرحية الثانوية، كدونياشا، ويبهودوف، وبشتشيك. فليس من المنطق والمعقول التصدي لثيمة كبيرة، كخيانة الوطن من قبل الطبقتين، ومعالجتها بطريقة كوميدية، (وانتقدت صحف اليسار بعض المؤثرات المضحكة في هذه (المأساة الاجتماعية) ولم يرد احد ان يرى في بستان الكرز الملهاة التي كان تشيكوف يتحدث عنها).(4)
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا وبالحاح:
– ترى هل ان هذه المسرحية ثورة على طبقة النبلاء او لنقل الجيل الجديد على القديم، أم خيانة من قبل الفريقين للوطن.؟ وهذا ما سأحاول الاجابة عليه عبر التقنية التي استخدمها المؤلف في مسرحيته هذه.
1- المفردات الدالة على الجو النفسي:
تضم عشرين مفردة، موزعة بنصيب ثماني عشرة مفردة، وبشكل متساو على كل من الفصل الاول والثاني والرابع، وبنصيب مفردتين للفصل الثالث.
وتأتي اول مفردة من هذه المفردات على لسان (بيهودوف). كضربة اولى، لطرح موضوع بيع البستان، وعدم الرغبة بالبقاء في الملكية: الصقيع في الخارج يصل الى ثلاث درجات واشجار الكرز مغطاة بالازهار، لا استطيع ان استحسن مناخنا هذا.. (يتنهد) كلا لا استطيع، انه لا يفيد…
والمفردة الثانية التي تأتي بأربع منها (دونياشا) في جملة واحدة، التي هي: تثلج، الطقس، باردا، والربيع,تعبر عن شخصيتها المتفائلة وفرحها بلقاء (آنيا): رحلت في فترة الصوم الكبير، وكانت تثلج، وكان الطقس باردا حينها، اما الان فهذا فصل الربيع.
أما في حوار آنيا مع اختها فاريا، فترد مفردة الطقس مرتين، وكانت (تثلج) مرة واحدة، اشارة الى تذمرها في المرة الاولى من (شارلوتا)والثانية من عيش امها بباريس في الطابق الخامس.
(واصبح الطقس دافئا) وفاريا، تفتح النافذة بهدوء، لقد اشرقت الشمس، انظري يا امي، ياله من هواء لطيف، طيور الزرزور تغرد، عشقا بالبستان وتشبثا للبقاء في الملكية.
وعودة (ليوبوف اندريفنا) الى طفولتها، وهي تنظر الى البستان عبر النافذة! وكنت استيقظ تماما كما هو الان، لم يتغير شئ. (تضحك بسعادة) كله، كله ابيض، اوه يا بستاني! بعد فصل الخريف المعتم والعاصف، وبعد الشتاء البارد، تكون شابا وسعيدا مجددا، لم تتخل الملائكة عنك…
ومفردة العاصفة من قبل (يبهودوف) ايحاءً لحظه السيء: ولكنني اشعر بأنه علي ببساطة أن افسر القدر، اذا جاز التعبير، يعاملني بالتأكيد بلا رأفة، كما تعامل العاصفة مركبا صغيرا.
وتلفظ (دونياشا) مفردة (الطقس بارد هنا نوعا ما) نتيجة إرتباكها وردا لقول بيهودوف لها: هل لي ان اكلمك؟
وتأتي مفردة (الطقس بارد جدا) على لسان (فيرز) اشارة الى اخلاصه لـ (اندريفنا وشقيقها غايف): هلا ارتديت المعطف رجاء ياسيدي. بينما ينطق المتشرد مفردة: (انه الطقس جميل اليوم) لأن اندريفنا تمنحه قطعة نقود ذهبية: انني ممتن لك كثيرا ياسيدي (يسعل) انه لطقس جميل اليوم (أوه، يا اخي المعذب!.. تعال الى الام فولغا التي كانت تاوهاتها…) (يكلم فاريا) هل لمواطن روسي جائع يا آنسة، أن يزعجك لأعطائه القليل من النقود النحاسية
لوباخن (يغضب) لكل شئ حد بالفعل.
اندريفنا: (في حالة ضياع ولاتعرف ما عليها فعله) خذ.. هذه.. خذ (تبحث في حقيبتها) لا املك نقودا فضية.. لا تأبه لذلك، اليك بقطعة نقدية ذهبية…
وتتكرر مفردة (الطقس رائع) مرتين من قبل آنيا وترفموف دلالة على انجذابهما للآخر، ارينا: كم تحسن الكلام (وقفة قصيرة) الطقس رائع هذا اليوم.
ترفموف: اجل الطقس رائع.
(ويحل الشتاء) يقولها (تروخموف) للتعبير عن المعاناة التي عاشها. وعلى لسان (شارلوتا) مرة: الطقس رائع تماما، ومرة على لسان الصوت و مرة اخرى، دلالة على الفرح.
لوباخن: لقد حل تشرين الاول، لكن الطقس لايزال مشمسا وهادئا كما لو انه فصل الصيف، انه طقس جيد (ينظر الى ساعته، ومن ثم ينظر الى الباب) لاتنسوا ايها السيدات والسادة، بأنه لم يتبق سوى ست واربعين دقيقة قبل موعد انطلاق القطار، ما يعني بأنه علينا الانطلاق قبل عشرين دقيقة اسرعوا…ان استخدام اكثر من مفردة في حوار لوباخن هذا معناه واضحة وهي تعبر عن سعادته في امتلاكه للبستان، الا ان نظره الى ساعته ومن ثم الى الباب تعمق قوة هذا المعنى وبالتالي تمنحه ابعادا اكثر، وهو استعجاله في رحيلهم، ومن ثم الارتياب بمدى مصداقيته.
وقول اندريفنا: الوداع ايها المنزل العزيز، يا منزل جدي، سيرحل فصل الشتاء، وسيحل فصل الربيع من جديد، وعندها لن تكون هنا، سوف تهدم. ايماءة واضحة الى اضمحلال طبقة النبلاء التي كانت تمثلها وحلول طبقة او جيل جديد بدل الطبقة القديمة فالشتاء هو الطبقة القديمة، والربيع هو الجيل الجديد.
اما مفردة الطقس الرائع يلفظها (بشتشيك) ففيها ثعلبية تشيكوف، اذ يتألم (بشتشيك) لمغادرة اندريفنا للملكية، ولكنه رغم ذلك، ولأنه لا يملك اي قوة لردعها، يلفظها لئلا يظهر ضعفه امامها: وحين تسمعين بأن نهايتي قد اوشكت فكري فقط بحصان وقولي في أحد الايام كان يوجد رجل مثلك، بينما الحوار الدائر بين لوباخن وفاريا، الذي يعرج فيه لوباخن الى العام الماضي وتساقط الثلج فيه، مقارنا به لهذا العام، حيث الطقس صاف ومشمس، اشارة واضحة الى سعادته قياسا بالعام الماضي، لأبتياعه البستان من جهة، وانفراده بالملكية من جهة ثانية، وعدم زواجه بها اي بـ بفاريا من جهة ثالثة، الا ان رد فاريا عليه بالاسلوب التشكيوفي الثعلبي والمراوغ في جملة: لم أنظر (وقفة قصيرة) بالاضافة الى ذلك فأن ميزان الحرارة لدينا قد انكسر (وقفة قصيرة) تكشف عن شخصية لوباخن غير المبدئية بما لا يقبل الشك، وانتهاء كل شئ ما بينهما، العاطفية والاجتماعية في آن.
تقول أندريفنا: حين نغادر لن تبقى روح واحدة في هذا المكان يرد عليها لوباخن بجملة، حتى فصل الربيع .
مانحة معنيين في آن، فهو إما يقصد ان الملكية غدت مهجورة وبلا حياة، او انه سيعود في الفصل القادم لاعادة الروح فيها.وتتكرر نفس المفردة بعد حوارين او ثلاثة على لسانه وهو يقول: وهكذا حتى فصل الربيع. هيا ايها السيدات والسادة الى اللقاء يخرج…
2- الرموز والدلالات الموحية:
تحتوي على اكثر من ثلاثين رمزا موزعاً بنصيب عشرين على الفصل الاول وخمس لكل من الفصل الثاني والثالث، ورمزا واحدا للفصل الرابع، ابتداء من وصول اندريفنا مع ابنتها وخادمها بالقطار، وانتهاء بمغادرتها معهم بالقطار ايضا، ايحاء الى بدء الحياة بالسعادة وانتهائها بالالم، مرورا بالحوادث الجارية للمسرحية في البستان الرامز الى روسيا، انتهاء بأول جملة يشرعها لوباخن، وهو يتحدث عن اندريفنا، تاركا انطباعا جيدا عنها لدى المتلقي، وهو يصفها بالانسانة الجيدة والهادئة والبسيطة، الا انه يرجع ليقول، (انه لايعلم كيف تبدو الان)، وهي جملة تشيكوفية، الهدف منها كشف النقاب عن الوجه الاخر لـ لوباخن، كما ان حوار لوباخن هذا هو مقدمة ضرورية لمعرفة المتلقي انتماء كل منهما، فأذا كانت اندريغنا تنتمي الى طبقة النبلاء الريفيين، فأن لوباخن ينتمي الى طبقة الاثرياء الجدد، ورغم ما له من المال، غير انه مازال فلاحا، ويغفو عندما يقرأ كتابا ولايفهم منه شيئا، والجملة الاخيرة تنطوي على نفس معنى الجملة التشيكوفية الاولى من حيث دلالتها في كشف النقاب عن الوجه الاخر لـ لوباخن، لأنتهازية الفلاح، واستخدام كافة الوسائل الخسيسة، سيما وهو لايحب الكتاب للوصول الى اهدافه، وهي جمع الثروة والمال.
لوباخن: مضت على وجود اندريفنا في الخارج خمس سنوات، ولا اعلم كيف تبدو الآن، اذكر ان والدي الذي كان يملك محلا صغيرا في القرية آنذاك، ضربني على وجهي وجعل انفي ينزف. اخذتني اندريفنا التي كانت لاتزال شابة ونحيلة الى المغسلة وقالت لاتبك ايها الفلاح الصغير. ومع ذلك… فأنا الان غني ولدي الكثير من المال. ولكن يمكن لاي شخص ان يلاحظ بأنني مجرد فلاح، وان يتكبد عناء التفكير بي وازعاجي. لقد كنت اقرأ هذا الكتاب ولم افهم منه كلمة واحدة. لقد غفوت وأنا اقرأه.
ان عدم استحسان مناخ البستان لـ يبهودوف، يغيض لوباخن ويطلب ان يدعه وشأنه، ذلك ان مثل هذا الشعور، يحفز بقية اهالي القرية لمغادرتها وبالتالي بقاءه وحيدا، وهذا ما يحصل فعلا في نهاية المسرحية،
يبهودوف: يحدث لي كل يوم شئ سئ، انما لا أستطيع التذمر، فقد اعتدت على ذلك، حتى انني اسخر منه.
واكتفاء لوباخن بكلمة (آه) ردا على رغبة دونياشا اطلاعه على سر وهو طلب يبهودوف يدها للزواج، دلالة على ربط هذا الزواج بزواجه من فاريا، ورفضه.
والحوار الدائر بين فاريا وآنيا حول عرض الملكية للبيع واكتفاء آنيا بالرد على هذا الخبر بـ (ياالهي) ومن ثم تغيير هذا الموضوع باتجاه طلب او عدم طلب لوباخن يد فاريا للزواج منها، يؤكد عدم رغبة آنيا البقاء في الملكية، والميل باتجاه بيعها.
وان التغير الذي يحدث في نبرة صوتها، يوحي الى ان فاريا تحب لوباخن، ولكن زواجها منه لن يتم، لانه كثير الانشغال، ولا وقت للتفكير لديه، بها، وهذه لمزة اخرى الى تركيز جل تفكيره بمسألة واحدة فقط، وهي جمع المال، ولأن فاريا من اكثر شخصيات المسرحية براءة، ونقاء، وحبا للاخرين، ووصلت الى قناعة انها لن تتزوج لوباخن، فقد انصرفت تحلم بزواج اختها انيا برجل غني من جهة، وبرحيلها هي الى الاماكن المقدسة الموجودة في روسيا، لتصبح راهبة.
فاريا: بينما اجول في المنزل ياعزيزتي، وانا اقوم باعمالي الغريبة، لا اتوقف عن الحلم، لو امكننا فقط ان نزوجك رجل غني… وكنت لارحل بعيدا، متوجهة في البداية الى دير ، ثم الى كيف، وبعدها الى موسكو.. وأنا اسير من مكان مقدس الى آخر، كنت لاواصل مسيري أواه، يالها من حياة جميلة!
وقول لوباخن (الوقت يمر) واجابة غايف عليه بغباء وبتجاهل (ماذا) ومن ثم تغيير الموضوع من قبله ومن قبل آينا، بالاضافة أندريفنا اشارة الى عدم امكانية سد القرض.ولعل عدم رد اندريفنا على اطراء لوباخن لها بخصوص ما فعلته له في السابق ويحبها كما لو كانت اخته. ايماءة تشيكوفية، لعدم ثقة اندريفنا بـ لوباخن: الامر الوحيد الذي ارجوه منك هو ان تثقي بي كما كنت تفعلين سابقا، يا الهي الرحيم، كان والدي يعمل كرقيق لدى والدك وجدك ايضا، لكنك فعلت الكثير في الماضي، بحيث أغفر كل شئ، واحبك كما لو كنت اختي.. واكثر من اختي.
اندريغنا: لا استطيع البقاء جالسة، انني لا استطيع ذلك بكل بساطة! هذه السعادة كثيرة علي. يمكنكما ان تضحكا علي.. فأنا حمقاء.. يا خزانة كتبي العزيزة (تقبلها) يا طاولتي الصغيرة.
ووصف غايف مقترح لوباخن، تقسيم بستان اشجار الكرز والارض المجاورة للنهر الى قطع صغيرة لتشييد مساكن صيفية، بالتفاهات، وعدم فهم هذا المقترح من جانب اندريفنا، تدل الاجابتان على اتكاليتهما وتوفيقهما، وبالاعتماد على الاخرين في حل مشاكلهما، وفوضوية وعبثية الحياة التي يعيشونها، اذ حتى عندما يحاول (فيرز) الدفاع عن مقترح لوباخن يردعه غايف بجملة: (اسكت يا فيرز).
فيرز: في السابق، اي منذ اربعين او خمسين سنة كان الكرز يجفف ويحفظ وينقع ويصنع منه المربى احيانا… واحيانا كانت ترسل عربات محملة بالكرز المجفف الى موسكو وخاركوف…
اندريفنا: واين هي تلك الصنعة الان؟
وتأتي جملة لوباخن: (لست محظوظا اليوم) لا لأن شارلوتا لم تسمح له بتقبيل يدها، بل لأنه لم يستطع إقناع اندريفنا في تسديد قرض الملكية وتقسيم ارض بستان شجرة الكرز.
ويأتي ربط بشتشيك نوم وشخير لوباخن، واستيقاظه مجددا، بطلب قرض مئتين واربعين روبلا من اندريفنا، على الرغم من وصفه بأنه رجل رائع جدا.. هذا ما تقوله إبنته داشنكا ايضا.. وهي تقول مختلف الامور.. (لاحظ الجملتين الثعلبيتين الاخيرتين).. (هذا ما تقوله ابنته).. وهي (تقول مختلف الامور).. اي انه يقول لوباخن انه رجل رائع لا على لسانه وانما على لسان ابنته، اشارة واضحة الى عدم نومه طوال الليل، خوفا من سرقة نقوده، وانه ليس بالرجل الرائع.
ورؤية اندريفنا امها تمشي في البستان مرتدية ثوبا ابيض اللون، هو رد على غايف الذي يقول: (اجل والان سيباع البستان لتسديد ديوننا، لأدانة بيع المزرعة من قبل امها وتذكير لحبها لهذا البستان، ولمضاعفة هذه الادانة وتعميق هذا الحب، تقرن مشيتها بوجود شجرة بيضاء صغيرة وهي تنحني وتبدو كأمرأة.
غايف: والان سيباع البستان لتسديد ديوننا
اندريفنا: انظر تلك هي امي تمشي في البستان، مرتدية ثوبا ابيض اللون (تضحك بسعادة) انها هي!
فاريا: بوركت امي العزيزة.
اندريفنا: ما من احد، لقد تخيلت ذلك فقط، هناك اتريان الى اليمن، عند منعطف المنزل الصيفي توجد شجرة بيضاء صغيرة وهي تنحني.. انها تبدو كأمرأة.
(وهو ايحاء جميل الى قتل هذه المرأة ببتر الشجرة)
وتتضح الثعلبية في اسلوب تشيكوف اكثر من اي مكان اخر في هذه المسرحية، عندما يصل غايف الى قناعة، وبعد تفكير عميق، بأنه لا يوجد حل لتسديد قرض الملكية سوى لو ترك لهم احدهم القليل من المال، او تزوجت انيا من رجل غني، او لو ذهب احدهم الى ياروسلافل وجرب حظهم مع العمة العجوز الكونتيسة الغنية، وترد عليه فاريا: (ان الله وحده يساعدنا)، اشارة الى هراء ما تتفوه به.
ولا يكتفي بأظهار غايف على هذا النحو المبتذل، وانما يدفعه الى ان يقسم بشرفه على بيع الملكية ليثبت تشيكوف، بأن غايف لا شرف له وانه كلما امعن في مراهناته على عدم بيعها يزداد كذبا ورياء: سندفع الفائدة انا متأكد ذلك (يضع قطعة حلوى في فمه)، اقسم بشرفي بما تشاءان، بأن الملكية ستباع (متحمسا) سأخاطر بسعادتي! ها هي يدي. يمكنكما ان تدعواني كاذبا تافها اذا سمحت بأجراء المزاد، اقسم بروحي!
وقائمة برموز ودلالات طويلة، وسأكتفي بالاشارة اليها فقط:
• في الحوار الدائر بين لوباخن واندريفنا وغايف، والحاح الاول على موافقة او عدم موافقة اندريفنا على تأخير ارضها للغلل، واجابتها عليه، باجابة لا علاقة لها بسؤاله.
• اصطحاب اندريفنا الفرقة الموسيقية الى المنزل، في الوقت الذي تفتقر فيه الى المال لسد قرض الملكية، اشارة الى فوضى حياتها وعبثيتها.
• في الحوار الدائر بين اينا وتروخموف، تلميح جلي الى زوال طبقة النبلاء، عبر عدم رغبتهما البقاء في الملكية ومغادرتها.
• والاسلوب التشيكوفي المخفي وراء قول بشتشيك لـ تروفيموف:
يمكنك أن تبيع حصانا.. ولكنه لا يكمل هذه الجملة، وهو في الحقيقة يريد ان يقول: يمكنك ان تبيع حصانا ولكن لا يمكنك ان تبيع بستانا، او ارضا.
• وحب اندريفنا للمنزل، وعدم استطاعتها تخيل الحياة بدون بستان اشجار الكرز وبيعها معه، وهو حب المكان والعودة الى الطفولة.
• وطلب ياشا من اندريفنا اخذه معها الى باريس اشارة الى رغبة الكل في مغادرة الملكية.
• حديث لوباخن الطويل بعد شراءه للملكية الدال على اللف والدوران.
• (يسمع من بعيد صوت فأس يضرب شجرة) وما تزال اندريفنا في البستان اشارة الى عدم احترام لوباخن لسيدته.
• والحوار الدائر بين لوباخن وفاريا اشارة الى نهاية الحياة في هذه الملكية.
وفي معرض تصديه لهذه المسرحية يقول الاراديس نيكول: (ولايتطرق الى الذهن أن مثل هذا الكلام الذي يقوله تروفيموف يجعل منها مسرحية ذات غاية يدعو اليها المؤلف، فليس هنا مجال للافكار العقلية او الذهنية المجردة بل نرى كل شئ مصمغا بالعاطفة مجسما بالخيال)(5)
فأن تكون هذه المسرحية مفعمة بالشاعرية، رأي لاغبار عليه، أما انها بدون غاية، وليس هناك مجال للافكار العقلية والذهنية المجردة فيها، فمثل هذا الرأي لا يتفق مع النجاح الذي حققته بأخراج ستانسلافسكي الذي (أقنع الممثلين ان يمثلوا فيها باتجاه ابكاء الجمهور أمام انهيار عالم سحري محكوم عليه بضرورات الحاضر الاقتصادية، وليس ان يضحك او يبتسم)(6)
وقد دون تشيكوف بأقتناع: (ما من مكان فيه سلطان ساحق مثلما هي لدينا نحن الروس، نحن المهانين بعبوديتنا السحيقة، والذين يخافون الحرية.) (7)
 
المصادر
1- تشيخوف: تأليف هنري ثرويا
2- نفس المصادر السابق
3- نفس المصادر السابق
4- نفس المصادر السابق
5- المسرحية العالمية: الاراديس نيكول/ الجزء الرابع
6- تشيخوف: تأليف هنري ترويا
7- تشيخوف: تأليف هنري ترويا
 
 
5-إيفانوف:
ААНТОН
تشيكوف
تختلف هذه المسرحية عن مسرحيات تشيكوف الأربع الطويلة الاخرى والمعروفة، إختلافاً كبيراً، وان كانت هي الاخرى مثلها مسرحية طويلة، وتتكون من أربعة فصول، وتضم عدداً لا بأس به من الشخصيات، تربو على أربع عشرة شخصية، من بينها خمس نساء. وأبرز وجه الاختلاف معها، هو خروجها عن النهج المتبع في مسرحياته اللاحقة والمعروف بالبطل الجماعي الى البطل الفردي، لدوران احداثها حول شخصية واحدة فقط، هي شخصية (ايفانوف)، او كما يقول الدكتور احمد علي الهمداني: (يقوم البناء الدرامي في مسرحية ايفانوف على اساس ان الشخوص الاخرى التي ترتبط بأيفانوف من هذا الجانب أو ذاك تساعد على ان يتفهم القاريء او المشاهد هذه الشخصية، صفاتها المهمة وطباعها وتمكنا من الاقتراب من عمق هذا البطل الاجتماعي والنفسي)(1) أما الاختلاف الثاني، فهو على حد تعبير ف. برميلوف، (خلوها من وحدة فنية، وتطورها في شكلين مختلفين، من جانب الدراما من جانب آخر..الفودفيل) (2)
ويصف الأراديس نيكول، الناقد المسرحي العالمي المعروف هذه المسرحية، (بأنها فاشلة من كل الوجوه، لغيابها من روح تشيكوف الحقيقة، كما أنها لا تلائم الطريقة التي يعبر عن طريقته، وتدور قصتها حول رجل ضعيف الشخصية، يتزوج من يهودية، ثم يجد أن حبه لها تبخر ويقع في النهاية في غرام جارة له)(3)
كما ان الناقد صبري حافظ يعيب (مشاهدها المنفصلة التي يكاد كل منها أن يكون وحدة مستقلة، وإعتمادها على حدث غير المباشر).(4)
تدور حوادثها حول شاب اسمه (ايفانوف)، يتزوج من فتاة يهودية، بعد أن أحبته وتركت أهلها وغيَّرت دينها من اجله، وتموت بمرض السل. وهو خلال السنوات الخمس التي عاشها معها، كان يعاملها بشكل سيء، وبلغت درجة اساءته لها حداً. انه لم يتوان أن يبلغها بعدم حبه لها، وأصابتها بمرض السل والارتباط بعلاقة حب مع (ساشا) وهي ابنة صديقه (ليبديف) رئيس المجلس الأقليمي. وكان الشخص الوحيد الذي يدافع عن زوجة ايفانوف (سارا) طبيبها (لفوف) لحماية صحتها وعدم تدهورها، لذلك فقد كان في صراع دائم مع ايفانوف. وفي حفل الزفاف المزمع إقامته لمناسبة زواج ايفانوف وساشا، يقوم لفوف بأهانة ايفانوف، ويهدده بفضح أمره في المعاملة السيئة التي كان يستخدمها مع زوجته المتوفية، الا أنه لا يحرك ساكناً، فتبادر ساشا للدفاع عنه، موبخةًّ لفوف، لتدخله في حياة ايفانوف، وتلويث سمعته، وتأخذ بيد ايفانوف ليرحلا معاً، غير انه يرفض، ويسحب مسدسه ويطلق النار على نفسه.
جرى العرض الاول لها بموسكو عام 1887، ويصف هنري ترويا أثناء العرض تشيكوف وعائلته والممثلين على هذا النحو:
(وقد دهش- ويقصد تشيكوف-عن رؤية نفسه هادئا قبل رفع الستارة، وبعد أسابيع من التوتر العصبي، وكانت العائلة كلها، وهي شبه ميتة من القلق، قد تكومت في مقصورة، في حين جلس تشيكوف نفسه في الكواليس، على مقربة من خشبة المسرح في قعر خلوة شبيهة بمخبأ. وكان الممثلون وقد أمرضهم التهيب، يتجولون أمامه وهم يرسمون علامة الصليب ليطردوا الحظ السيء، ثم رفعت الستارة في مواجهة وهدة القاعة حيث كان جمهور كبير يتململ.
وجرى الفصل الاول بشكل طبيعي، مع ان الممثل كيسيليفكي قد أتجه اتجاها مزعجاً للإرتجال حتى تردم الثقوب ذاكرته. وحدثت كذلك في الفصل الثاني أخطاء أكثر عدداً أرتكبها الممثلون الثانويون الذين كانوا لا يحفظون أدوارهم، فيجلجلون. بيد أياً من المشاهدين لم يلاحظ ذلك. وفي نهاية الفصل الثالث صفق الجمهور وطلب المؤلف، فهل كسبت الجولة؟ كان تشيكوف على وشك تصديق ذلك، منتظراً البقية وقلبه يخفق. لكن الفصل الرابع أفسد كل شيء بكل أسف. ذلك ان الممثلين الذين أحتسوا خمرة أثناء توالي العرض راحوا يهرجون على خشبة المسرح، وكان كيسليفسكي (الثمل مثل كندرجي) يتلعثم ويبالغ ويؤشر بوجهه. وقد صدم إنتحار ايفانوف بعض المشاهدين، وأثار ضحك بعض الآخر. وكانت الفوضى في القاعة آخذة بالتفاقم. وكانت أصوات الصفارات تجيب على التصفيق والسخرية على الاطراء، وأشتبك بعض المشاهدين بالأيدي. واضطرت الشرطة الى التدخل لأخراج بعض المشاغبين. وكاد يغمى على شقيقة تشيكوف التي أفزعها انطلاق هذا الهيجان. وأضطر أحد أصدقائه الى مغادرة المسرح ركضا، وقد أصيب بالخفقان)(5)
الا أنها لاقت نجاحا كبيرا بعد عرضها بعامين، مع ان تشيكوف كان مشكوكا بنجاحها، وأعتبرها ليلة الافتتاح لعبة خاسرة سلفاً، لمشاهدته لتدريبات الممثلين. اذ عاد الى موسكو، كما يقول ترويا، (وهو فزع من النجاح الذي لم يكن يتوقعه. كان يرغب حسب قوله-أي قول تشيكوف-في ان يختبيء في ثقب).(6)
وقد لاقت هذا النجاح في عرضها الثاني، نتيجة التعديلات التي أجراها عليها، ورسالته الى سوفورين في 19 كانون الاول عام 1888 تؤكد ذلك: (ان مسرحيتي ايفانوف غدت حاليا اكثر قابلية للفهم. ان صغيرته ساشا غدت برأيه، بعد أن أعاد النظر فيها وصححها، شخصية جديدة كل الجدة، انها احدى تلك النساء اللواتي يحببن الرجل في ساعة السقوط. أما ايفانوف فأن انتحاره لم يعد مستنداً الى السبب السابق، أي الغمزات والشتائم التي تعرض لها جهاراً بل لأنه وصل الى نهاية الطريق)(7)
ان ملاحظة الدكتور الهمداني جديرة بالأهتمام، في تصديه للبناء الدرامي القائم على اساس ارتباط الشخصيات الثانوية بالشخصية المحورية، ذلك ان هذه الشخصيات لا تلعب دوراً ايجابياً وفعالاً ومؤثراً في سير أحداث المسرحية، وبالتالي تقدمها الى الامام وتطورها، مثلما تلعبه الشخصيات الثانوية في مسرحياته اللاحقة. وإذا توخينا الدقة فأن هذا المصطلح، يكاد أن يمحو منها، كشخصية (فيرز) في مسرحية بستان شجرة الكرز مثلا، أو شخصية (مارينا) في الخال فانيا. اذ تبدو شخصيتي (شابيلسكي) و(بوركن) في هذه المسرحية، قياسا بالشخصيتين الآنفتي الذكر، غير مجديتين، لحواراتهما التي تتسم بالثرثرة، وزوغانها حول المشكلة التي يعاني منها ايفانوف، ولم يوظف سلوكهما وتصرفهما الداخلي لتصوير معالم وأبعاد شخصيتيهما، بقدر ما وظف لأبراز شخصية ايفانوف وتركيبتها المعقدة. وينطبق هذا اكثر على شخصية (بوركن) ذلك ان لجوء (شابيلسكي) الى ماضيه والخروج من روح الفكاهة أحيانا، واطلاق بعض الجمل التي تتصف بالحكمة والعقل، يجعل معالم وأبعاد شخصيته اكثر وضوحاً، وهو بالأضافة الى ذلك يقوم بأنجاز مهمة أخرى في المسرحية، وهي تصوير مناخاتها وجوها العام، بينما لا تظهر ملامح شخصية بوركن ووظيفته في المسرحية، حتى وهو يتحدث بأقصى درجات الجدية، قائلاً: (هكذا هي الحياة..انها أشبه بوردة تزهو بفرح في ارض خضراء، فتأتي معزاة ةتأكلها، فينتهي كل شيء)(8) بالاشارة الى موت سارا زوجة ايفانوف، ولكن علينا الاّ ننسى ان الجملة التي يطلقها بوركن في بداية المسرحية لها علاقة بأنتحار ايفانوف في النهاية، عندما يصيب المسدس نحو وجهه ويخيفه، ويأسف لفعلته ويقول: (هل ستأسف لوفاتي جداً؟) (9)
وفي نهاية المسرحية لا يموت هو، وانما ايفانوف. وفي نفس الوقت ان هذه الجملة تحوم حول ايفانوف، ولها صلة بشخصيته، وليس شخصية بوركن، لتمنح معنى لمعطيين متناقضين، أحدهما سلبي وهو الثاني، والاخر ايجابي وهو الاول. ولو أجرينا مقارنة بين شخصيتي مسرحيتي الخال فانيا وبستان شجرة الكرز، وبين شخصيتي هذه المسرحية، لوجدنا أن شخصية (مارينا) المرضعة في الخال فانيا، تساهم في البناء الدرامي للمسرحية من بدايتها الى نهايتها، وذلك على الرغم من حواراتها القليلة، وندرة ظهورها ضمن الاحداث، لا وبل ان المسرحية تبدأ وتنتهي من خلالها، وهي تستقبل سربرياكوف الطبيب وتودعه بفنجان من الشاي، محتوية بذلك لب المسرحية، وموضوعها الاساس، وهو رحيل سربرياكوف.
ونفس الشيء يمكن ان نقول عن شخصية (فيرز) الخادم والبالغ ثمانين عاماً في مسرحية (بستان شجرة الكرز)، اذ ان الجملة الاخيرة التي تأتي على لسانه، توحي، بأنه دون بقية الشخصيات، يرمز الى البستان، أو انه مالكهاِ، لا لأنهم نسوه برحيله، بل لأنه وحده لم يعد قادراً على رعايتها، وبحاجة الى من يساعده لأعادة الحياة فيها، ولكن ما ان يسمع صوت فأس يضرب شجرة بعيداً في البستان، حتى تسدل الستارة اشارة الى بدء العمل فيها.
ويأخذ الدكتور الهمداني رأي ف. برميلوف، بصدد عدم وجود وحدة فنية في المسرحية في الحسبان بالرد عليه قائلاً: ( تشيكوف في هذه المسرحية لم يبتعد عن المهرجين، فأستخدم بوركين وشابيلسكي وباباكينا وكوسيخ لهذا الغرض، هذه الشخصيات التافهة التي لا تمتلك افقا إنسانيا واسعا تساعد على خلق مأساة البطل وتقدم الى القاريء والمشاهد حقيقة الوسط الذي عاش فيه ايفانوف..تشيكوف في الحقيقة لم يلتفت الى هذه الشخصيات من الناحية الفنية الاّ بقدر ما تساهم في خلق الفقر الروحي والخواء الفكري المرتع في محيط ايفانوف في المقاطعة، ولهذا الجأ الى تصوير هذه الشخصيات وتوظيفها كاريكاتورياً.)(10)
ولعل تشيكوف يذهب نفس الرأي، وهو يروي لأخيه الكسندر كيف أنه قاد مسرحيته بيسر الى خاتمتها الجيدة: ( ان الحبكة معقدة، الا أنها ليست بعيدة. إنني أختم كل فصل على غرار ما أفعل في قصصي: الفصول كلها تدور بلطف، وهدوء، ولكنني في الختام، اضرب فم المشاهد. لقد ركزت طاقتي على بضعة مقاطع قوية حقاً ومهمة. وبالمقابل فأن الجسور التي توحد هذه المشاهد في ما بينها ليس معنى، انها على اختلافها مائعة وتافهة.)(11)
الاّ ان الاختلاف الاكثر بروزاً بين هذه المسرحية والمسرحيات اللاحقة، هو خلو هذه المسرحية من عنصر الجو النفسي، المتمثل بحالات الطقس والمناخ، كالحرارة والبرودة وفصول السنة، وان جاء في بعض الحوارات ، غير أنه لم يأتِ بقصد إشاعة مثل هذا العنصر، ويبدو أن عدم توظيفه، يعود الى كتابة هذه المسرحية قبل مسرحياته اللاحقة، لعدم إهتداءه الى هذا الاسلوب في البناء الدرامي وقتذاك.
وملاحظات الناقد الكبير الاراديس نيكول، بحاجة الى وقفة، وهو يصف هذه المسرحية مرة بالفاشلة، ومرة أخرى في كون بطلها رجل ضعيف، وثالثة، بوقوعه في غرام جارة له، لافتقارها الى الدقة، وإتسامها بالرأي السريع، سيما وهو يعيبها بشكل عام، ويحكم عليها بصورة مطلقة، لذلك سأحاول ان أتصدى لملاحظته الثانية والثالثة دون الاولى لعدم تحديدها، وسأبدأ من الثالثة حيث يقول: ( ويقع في غرام جارة له)، والأصح ان الجارة وهي (ساشا) أبنة صديقه (لبيديف) هي التي تقع في غرام ايفانوف، بدليل انها تبادر الى مفاتحته بحبها له، وتمر هذه المبادرة بثلاث مراحل. في المرحلة الاولى عن طريق اللعب بالكلمات والجمل التي توحي الى حبها له، والثانية بالجمع بين الهزل والجد، والثالثة بشكل علني وصريح.
1-ساشا:….انت تحتاج لمن تكون معك وتحبها، لمن تستطيع فهمك، وحده الحب يمكنه أن يحييك من جديد.
2-ساشا! (بمزاح وباكية) لنهرب الى أمريكا
3-ساشا: (بحماس) أحبك بجنون…انت كل بهجتي..بدونك لا معنى لحياتي ولا فرح بالنسبة لي. أنت كل شيء…
مثلما لم يستوعب ايفانوف حوارها الاول، كذلك فقد فاته فهم الحوار الثاني، الاّ لأنه في الثالث يصبح كل شيء واضحاً، فيستجيب لحبها، وهكذا!
1-ايفانوف! سيكون الحدث الاخير اذا بدأ عجوز مثلي علاقة غرامية جديدة، اللهم أحفظني من أي سوء كلا يا صغيرتي الذكية، ليست علاقة غرامية ما أنا بحاجة اليه…اخبرك امام الله انني استطيع تحمل أي شيء، القلق والحزن الروحي والانهيار المالي، وخسارة زوجتي، ولكنني لا استطيع تحمل الاحتقار الذي أشعر به تجاه نفسي…
2-ايفانوف: أشعر بأنني كسول جداً لأمشي حتى ذلك الباب، وتتكلمين عن أمريكا، من ذا الذي يمكنك الزواج به هنا؟ الامل الوحيد لاصطحابك بعيداً هو لملازم عابر او لطالب.
أما ملاحظته بصدد كون ايفان رجلا ضعيفا، فأغلب الظن انها متأتية نتيجة اطلاعه على نص المسرحية قبل تعديله من قبل تشيكوف، وليس بنسخته الاصلية والنهائية، ذلك ان تشيكوف أعاد كتابته لسبع مرات، ويذكر في رسالته الى سوفورين في 19 كانون الاول عام 1888 التغييرات التي أحدثها فيه، فبالأضافة الى ان انتحار ايفانوف لم يعد بسبب الغمزات والشتائم، فأنه صحح وأعاد النظر في شخصية (ساشا) واصفاً اياها، احدى تلك النساء اللواتي يحببن الرجل في ساعة السقوط، مما يؤكد تفنيد زعم الاراديس نيكول على ان ايفانوف وقع في حب ساشا.
فليس من المعقول ان تكون الشخصية المحورية والتي تتحدث وتهتم كل شخصيات المسرحية بها وعنها وفي مشاكلها ضعيفة، بدليل ان الدكتور الهمداني يقارن شخصية ايفانوف ب شخصية هاملت وهو يقول: ( ان ايفانوف هي الشخصية الهاملتية المترددة التي تسعى بالقول الى التغيير، وتعجز عن العمل في سبيله، فتطحنها الحياة. ايفانوف لا يحمل أذى الى احد، بيد أنه في الوقت نفسه لا يستطيع ان يدفع مكروهاً عن نفسه ولا يقوى حتى على رد الأهانة أو مجرد الاحساس بوقوعها على نفسه)12
أما الدكتور صبري حافظ، فيقارنها بشخصية (ميرسو) في رواية الغريب لألبير كامي، وهو يصفه بالمتردد المغترب الأبدي من المجتمع، ويعتبره احد الانماط الادبية الشائعة في الادب الروسي، ويدعو القارئ الى مراجعة رواية جونتشاروف الشهيرة (ابلوموف) التي ظهرت عام 1859، ليتيقن من ذلك، وقدمت في بطلها ابلوموف شخصية هاملتية من الطراز الروسي بصورة فنية رائعة اصبحت معها هذه الشخصية علماً على اتجاه فكري باكمله دعي بالابلوموفية…
المصادر:

1- مسرحيات تشيخوف: من بلاتونوف الى بستان شجرة الكرز, الاستاذ الدكتور احمد علي الهمداني.
2- المسرحيات العالمية: الاراديس نيكول(الجزء الرابع)
3- نفس المصدر السابق
4- مسرحيات تشيخوف: الدكتور صبري حافظ.
5- تشيخوف : هنري ترويا.
6- نفس المصدر السابق.
7- نفس المصدر السابق.
8- نص مسرحية ايفانوف.
9- نفس المصدر السابق.
10-مسرحيات تشيخوف من بلاتونوف الى بستان الكرز الاستاذ الدكتور احمد علي الهمداني.
11-نفس المصدر السابق.
12-نفس المصدر السابق.

——————————————-

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.