مشهد من مسرحية «عطسة» الكويتية

تشيخوف الكويتي على مسرح أردني

د. ضياء نافع – مجلة الفنون المسرحية 

أهدى لي أحد الأصدقاء قبل أيام العدد الاخير من مجلة (العربي) الكويتية العتيدة ( العدد 711 الصادر في فبراير / شباط 2018 ) , وقال لي , إنه يعرف حبي القديم لهذه المجلة العتيدة , وقد شكرته جزيل الشكر على هذه الهدية القيّمة الجميلة , وبدأت رأسا – وبكل شغف وحب – بالتعرّف على فهرسها, كما كنت أفعل في الأيام الخوالي , واستوقفني عنوان غريب في هذا الفهرس عن مسرحية (العطسة)، التي قدمتها فرقة مسرحية كويتية على خشبة المسرح الدائري في المركز الثقافي الملكي بالعاصمة الاردنية, أقول (استوقفني) هذا العنوان, لأنه ذكّرني رأسا بقصة معروفة كتبها تشيخوف بعنوان – (موت موظف) , وهي قصة مشهورة جدا لدى القراء في العالم العربي , إذ تم ترجمتها عدة ترجمات وعن اللغات الروسية والفرنسية والانكليزية على مدى السنوات الثلاثين الاخيرة (انظر مقالتنا بعنوان– حول قصة تشيخوف القصيرة موت موظف), والتي تتحدث عن عطسة موظف بائس أثناء عرض مسرحي على شخص كان يجلس امامه, وكيف أدّت هذه العطسة اللعينة الى موته في نهاية القصة تلك , ولكني طرحت على نفسي سؤالاً محدداً وهو– لماذا جاءت هذه التسمية, اي العطسة , إذا كانت هذه المسرحية مقتبسة من قصة تشيخوف (موت موظف)؟ وهكذا بدأت أقرأ تلك المقالة مسرعاً لمعرفة الإجابة عن سؤالي هذا , ووجدت الجواب فعلاً , وقلت مبتسماً لصديقي الذي أهدى لي المجلة – سأكتب مقالة حول ذلك بعنوان – تشيخوف الكويتي على مسرح أردني ( وها أنا ذا أحقق ما وعدت به صديقي !), لأنني أتابع الادب الروسي وانعكاساته في الحياة الثقافية العربية , وأعتقد جازماً , إن الموضوعة الروسية في آدابنا تستحق هذه المتابعة الدقيقة من قبل المتخصصين في كلا البلدين , لأنها تعني دراسة التفاعل الثقافي والفكري بين روسيا والعالم العربي , و لأني اعتقد جازماً أيضاً أن الثقافة أفضل سبيل للتفاهم بين الشعوب. 

وبعد مطالعتي لتلك المقالة , وهي بقلم الباحث الأردني رسمي الجراح , فهمت , إن مخرج هذه المسرحية الاستاذ عبد الله التركماني قد اختار تقنية ( المسرح داخل المسرح ) , وعرض مسرحية تشيخوف المعروفة – ( الدب ) , ولكنه أثناء عرض تلك المسرحية , جعل أحد ممثليها يعطس على مؤخرة رأس أحدهم , ونتيجة لهذه العطسة , يتوقف عرض مسرحية ( الدب ) , وتصبح العطسة محور العرض , وهكذا يمزج المخرج الأحداث اللاحقة لعرضه بجوهر قصة تشيخوف – ( موت موظف ) , ويحاول استخدامها بشكل ذكي جداً وابداعي , إذ انه يتحدث عن خوف ورعب الناس البسطاء أمام السلطة ( في بلداننا طبعا !) بغض النظر عن كونهم ليسوا مذنبين أمامها , وهو نفس الهدف الذي طرحه تشيخوف في قصته بشكل ساخر جدا وغير مباشر, ولكن المعالجة الابداعية للمخرج جعله ينطلق في أخرى , رغم أنه استخدم نفس العناصر التشيخوفية , مثل موقف زوجة العطاس ورعبها من هذه العطسة, أو تفكير العطاس بالاعتذار عن عطسته , أو ضرورة ارسال رسالة اعتذار بالبريد للشخص الذي عطس على مؤخرة رأسه …الخ تلك التفصيلات الصغيرة والنموذجية طبعاً , التي تعكس الخوف والرعب الذي يعاني منه الإنسان البسيط الاعتيادي في مثل هذه المجتمعات .

تحية للفنانين المسرحيين في الكويت على هذا المزج الفني الابداعي لمسرحية تشيخوف ( الدب ) مع القصة القصيرة ( موت موظف ) لنفس هذا الكاتب , وتحويرها بهذا الشكل الجميل والرائع , وجعلها تعالج مشاكل مجتمعاتنا , هذا التحوير الذي يدّل – بما لا يقبل الشك-على تفهّم الفنانين الكويتين لأعماق الادب الروسي وروحيته.

ختاماً , أود أن أهدي مقالتي الوجيزة هذه الى زملائي المتخصصين الروس , الذين يدرسون – وطوال سنين كثيرة – موضوع انتشار الادب الروسي خارج روسيا , ويؤكدون دائما على دول الغرب , ولا يلاحظون ما يجري في بلداننا في هذا الخصوص , وقد سبق لي أن كتبت حول هذا الموضوع المؤلم بالنسبة لنا , وأقول ( المؤلم ) لأننا لا يمكن أن نبرر هذا الموقف من قبلهم , لدرجة , إن بعض الزملاء العرب المتخصصين في الادب الروسي بدأوا يتحدثون عن هذه الظاهرة , معتبرين أن موقف الزملاء الروس هو موقف متعمد . دعونا نأمل أن ذلك الموقف هو نتيجة لعدم معرفتهم فعلا لما يجري في بلداننا من دراسات وترجمات وكتابات حول الأدب الروسي , وإن علينا أيضاً تقع مسؤولية أعلامهم بذلك .

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية