أخبار عاجلة

العرض المسرحي “جزء من الفانية” يعيد النظر في القوام التراتبي – منار خالد

 

تجزئة الحيوات.. بين النبش في المواضِ والتنبؤ بالصواعق.. العرض المسرحي “جزء من الفانية” يعيد النظر في القوام التراتبي – منار خالد

عندما تُبى العروض المسرحية على فكرة تكوين الثنائيات, تسمح في تأويلها برحابة التفكيك وفتح مجال الوصول لأصول الأشياء من خلالها فربما يصل بنا تفكيك الثنائية إلى الماهية أو الجوهر الخالص للشئ, أو ربما تصل بنا إلى عوالم جديدة متاح فيها التأويل عن أصل الثنائية الجامدة, مما يفيد لوضع كل شئ في سياقه الصحيح, حتى وان باتت الثنائيات تتراوح بين (المجاز/ التورية), أو حتى الثنائية الأشهر على الاطلاق (الوهم/ الحقيقة), فربما تنتج كل منهما ثنائية جديدة ترد كل شئ لذاته , أو ربما تعود لنفس نقطة البداية ويبقى المجاز أو الوهم,… هو الماهية الحقيقية.

ومن بين تلك الثنائيات قام العرض المسرحي الكويتي “جزء من الفانية”, إنتاج فرقة المسرح الكويتي, المشارك ضمن فاعليات الدورة السادسة والعشرين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي, تأليف “مريم نصير”, وإخراج “عبدالعزيز النصار”, في تكوينه السينوغرافي على الشكل الثنائي بين (الزوج/ الزوجة), ولكنه لم يتجه نحو الديو دراما فحسب, بل قدم نموذج أخر مُستنسخ من نفس الثنائية الأصلية يحمل نفس التكوين الشكلي والموضوعي أيضا في أحيان كثيرة وهما (زوج/ زوجة) آخرون, تظنهم في بداية اللعبة ماهما إلا تراوح بين ثنائية (الماضي/ الحاضر), وأن الحياتين لنفس الأشخاص بين ما فات وولى وما هو يحدث الاّن, مما يثير حالة من حالات التماهي المؤقت, إلى أن يحدث التفكيك والولوج إلى ثنائية جديدة تترنح بنا بين (الوجود/ العدم).

تفصل تلك الثنائية عوالم هؤلاء الأشخاص عن بعضهم البعض وتسير بالمتلقي للوصول إلى من منهم انعكاس لصورة الآخر؟, فعلى الرغم من ممارسة كل من الزوجان لأفعال مشينة بين القتل وسفك الدماء وارتكاب أفعال مخالفة لقوانين الإنسانية جميعها بحجة الاستقرار المادي ومواكبة ظروف الحياة المعيشية, لكن كانت للزوجتان شكل أخر مال أكثر إلى المعاناة النفسية الناتجة عن رفضهما لأفعال الزوجين, كما أن هناك فارق طبقي بين كل ثنائية والآخري, جاء لكي يحدث التفرقة ويبرز الاختلاف الطبقي, فالثنائية الأولى تنتمي لطبقة أعلى مادياً واجتماعياً بينما الثنائية الأخرى ماهي إلا خادمة لهؤلاء الأعلى, وهنا يكمن سر التماهي في أن الثنائية الأقل اجتماعياً جاءت لتعكس حال ما كانت عليه الأولى في ماضيها, وفي الوقت ذاته تجعل المتلقي يرى مستقبلها في الثنائية المواجهة لها.

التراتبية على مستوى الفضاء
جاء تكوين الفضاء ملائماً للتأكيد على ذلك, بتوظيف منضدة حديدية متعددة الاستخدامات تملأ فراغ الخشبة, بها اجزاء سهلة القبض والبسط تسمح في توجيه أجزاء منها للأعلى وآخرى للأسفل, ومنها للجلوس ومنها للصعود, مما جعلها كافية بالقدر المطلوب عن أي ديكورات آخرى.
فعلى صعيد المستويات دائما ما احتلت الثنائية الأعلى الجزء الأعلى في أغلب مشاهد العرض, بينما هذا لم يمنع الثنائية الأقل من الصعود إلى المستويات العليا ولكن لكل صعود دلالته الخاصة, فتارات جاء بحكم الفارق الاجتماعي بين (الأعلى/ الأدني), وتارات أخرى وفقاً للفارق الإنساني بين (الأرقى/ الأحقر), ليبرز أن الدونية لم تقتصر قط على المستوى الاجتماعي هي في اساسها قائمة على التفاوت الإنساني, وربما انحاز العرض بعض الشئ لإنسانية المرأة على الرجل, فقدم الرجُلين في أدنى مراتب الإنسانية, بل سمح لي بوصفهم تجردوا منها من الأساس, ووضع لهم مبررات اجتماعية تدور جميعها في فلك المأكل والملبس,..

وربما الزوج صاحب المرتبة الأقل اجتماعياً كادت إنسانيته تظهر في بعض الأحيان خلسة, لكن في سبيل المواجهة بينه وبين الزوج المقابل نرى مستقبله الذي سيجرده من كل معالم الإنسانية, بينما جائتا الزوجتان ليعبرا عن حالة اليأس التى وصل لها ضمير كل زوج, فهما متشابهتان على مستوى التكوين الجسماني, وأيضا في ألوان ملابسهما بين اللونين (الأحمر والرمادي) كلون الدم ولون رماد الحريق, أو ربما للتنقل بين الهدوء وخمدة النار وصحوها ثانية, فعلى الرغم من اختلاف الطبقات واختلاف خامة الملبس التي توضح وبعناية شديدة الفارق الطبقي فيما بينهما, إلا أن المكنون لم يفترق أبدا وهنا يظهر (الوجود/ العدم) بشكل أكثر دقة, نتاج تفكيك ثنائية (الزوج/ الزوجة) عند كل منهما, وتكوين ثنائيات مواجة لبعضهما البعض بين (الزوج 1/ الزوج2), (الزوجة1/ الزوجة2), فالزوجان ما هما إلا مرآتان لبعضهما البعض واحداً حاملاً بين يديه ماضي الأول, والآخر حاملاً بين يديه مستقبل الثاني.

وضعية المرأة
بينما كل زوجة ترى ذاتها في الأخرى فقط الاختلاف في المظهر الخارجي وطريقة تعبيرها عن مشاعرها التي باتت أن تقضي عليها وتحصرها بين الوجود الجسماني والعدم النفسي, فهي على كل شكل وتكوين لها سواء كانت غنية أم فقيرة لا يختلف باطنها في كل الأحوال, بل تحمل بداخلها كل الأعباء التي حاصرتها منذ ماضيها الذي مثلته الأولى وحاضرها الذي تعيشه الثانية.

كما جاءت الإضاءة لتوضح مدى العدمية من كل شئ, فما كانت سوى غبارات ودخان وكأن الحياة المُعاشة ماهي إلا كابوس مخيف ولكن اكسسوار الشمعة المصاحب للزوجتان جاء مُدللاً على بقاء الأمل مهما زاد الكابوس من وحشيته.
وفي أثناء تأكيد العدمية واكتفاء الديكورات بالمنضدة, لم تكتف المنضدة قط بإبراز المستويات فمثلما فرقتهما لتوضح الفارق الطبقي, دمجتهما في مستويات مكانية متقاربة لتوضح التقارب الباطني, فبين عشاء كل منهما على نفس المنضدة أنقسم الحوار ليعطي سبباً لإرتكاب الجرائم, ولكن ذلك المشهد لم يكرر مجدداً ليؤكد على حالة الإحتياج المستمرة التي لا تغني عن أرتكاب الأفعال المشينة في حق الأبرياء بل تم تأكيد الاحتياج في مواضع آخرى مختلفة, ومن ثم أثناء نهاية العرض وقع حدث قتل الزوج لزوجته “الزوجان الأقل مادياً”, مما يساهم في تكدس الدلالات داخل تلك اللحظة المسرحية القصيرة, بداية من تأكيد مبدأ انعدام الضمير لدى الزوج من جهة ووصول دنائته لقتل زوجته, وتكسيره لشمعة الزوجة المؤكدة على انقطاع بصيص الأمل المتمثل في شخصها من جهة أخرى, ولكن الأهم من ذلك هو الفصل التام بين ثنائية (الماضي/ الحاضر) التي بدأ بها العرض وأوشك على أن ينهي بها حدثه, لكنه قطعها تماماً وفجأة دون أي تمهيد, ليُبقى الزوجة الأقل مرتبة في مكانة أعلى إنسانياً على الرغم من دونيتها الاجتماعية, مما يذهب بنا إلى مشهد عشائها في بداية العرض الذي لم يكرر بعد, وكأنه العشاء الأخير لها مثلما حدث مع يسوع/ المسيح, فكل منهما ضحية غادر أو ربما الزوج هو نفسه يهوذا الذي عندما سنحت الفرصة له بالغدر بأحد, غدر بقريب له.

كسر فكرة التعاقب المنطقي
بينما في الواجة الآخرى الزوجة مازالت على قيد الحياة وبعد انقطاع صلة الماضي بالحاضر يفتح باب التوقع على مصرعيه فربما ستستسلم الزوجة لأمرها الواقع حتى لا يسير مستقبلها على نحو مصير ما كانت تعكس ماضيها, أو ربما تنقلب الثنائية وتمثل زوجة الماضي مستقبل الحاضرة الباقية!

مما يساهم في قلب التراتبية ليست الاجتماعية, بينما التراتبيات النفسية والوجدانية والإنسانية, فحسب تتداخل الثنائيات حتى يصل بنا الحال إننا لم نعد ندرك من منهم الأصل ومن منهم الصورة المُستنسخة!
كما أن العرض المسرحي دار في زمن الفلاش باك, وكأنه استعراض لجزء صغير من حياة الزوج “كلاهما”
فبين الماضي والحاضر دائما ما تنحصر أجزاء عدة ليس بالضرورة أن تتمثل في الحياة الرغدة ولا بالضرورة أن تأتي الفانية في النهاية, فربما بين هذا وذاك ينقلب الترتيب وتتجزء الفانية وتلقي بأجزائها في كل مرحلة على حدة تمهيداً لصاعقتها الكبرى.

منار خالد

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح