تجارب نسائية في التابو: أسئلة المسرح نفسها

لم تتَح الفرصة لظهور المرأة على المسرح المغربي إلا بعد خمسين عاماً من تأسيسه؛ أي بعد استقلال المغرب في خمسينيات القرن الماضي. أخّرت مشاركتها على الخشبة عوامل تاريخية وسوسيوثقافية تعلّقت بطبيعة المجتمع المغربي، الذي وضع خطّاً بين ممارسة المرأة للعمل الفني، وما يعرّفه بـ “الاستقامة الأخلاقية”.

“القول عن حداثة وجود المرأة في المشهد المسرحي هو مسألة طبيعية لأي مجتمع في طور النمو” كما أوضح المخرج ومدير مسرح “ابّا حنيني” محمد الحر لـ “العربي الجديد”، متابعاً “مغرب القرن الماضي، هو مغرب تقليدي لم يسمح إلا لثلة نادرة من النساء بالتعلم والمشاركة في الحياة السياسية والثقافية والفنية. بالتالي، كان صعباً على المرأة المغربية أن تكون ممثّلة، بل كان ضرباً من الجرأة والتمرّد على الأعراف السائدة. ولكنها أحرزت أول انتصاراتها في مجال التمثيل مع ظهور فرقة مسرح “المعمورة”، إضافة إلى دفعة طالبات المسرح الأولى اللواتي تخرّجن من “المعهد العالي للفن المسرحي” والتي اعتُبرت طفرة تاريخية”.

تجلّت مشاركة المرأة المسرحية مع بروز المؤلِّفات والمخرجات والمتخصّصات في السينوغرافيا والملابس والإدارة المسرحية، بل وظهرت فرق مسرحية نسوية مثل “طاكون” و”أكوار”. هنا، يلفت الحر إلى الغموض الذي يحيط بالنوع المسرحي الذي تقدّمه المرأة؛ هل هو مسرح نسوي، بمعنى أن مَن يقدّمه هنّ النساء أم أنه مسرح مخلص للقضية النسوية؟

يراوح حضور المرأة، اليوم، على خشبة المسرح العربي والمغربي، وفقاً لمدير “مركز دراسات الفرجة” خالد أمين، “بين تكريس الصورة النمطية التي بنى بها النسق الذكوري الأنثى في متخيّلنا الجمعي، واستفزاز تلك الصورة من خلال تشكيل صورة أخرى مغايرة”.

ويشير إلى أن استفزاز الأنماط الجمالية السائدة واعتماد لغات صادمة للحواس وتحويل العري الجسدي إلى عري وجودي ونفسي واجتماعي؛ “كلها رهانات إبداعية وأسئلة وُجدت على خشبة المسرح المغربي، منذ الستينيات، مع نبيل لحلو ومحمد الكغاط وعبد الحق الزروالي”.

أمّا الجيل الجديد، مثل بوسلهام الضعيف وجواد سنني، إضافة إلى الفرق الشابة مثل “دابا تياتر” و”نحن نلعب” و”داها واسا”، فيرى أمين أنه “يراهن على استشكال علاقتنا بالتابو بواسطة “سميأة” الجسد التي تُخلخل النظام الرمزي على الرغم من تعايشها الحتمي معه”، معتبراً أن ما يسمى بـ “المسرح التنموي” أو “الشعبي” هو الأكثر تأثيراً لو استعملَته المنظمات النسوية في تمكين المرأة.

ويفسّر ذلك أن هذا النوع يستمدّ قوته من التفاعل الآتي من المشاركة العامة واستخدام اللغات المحلية؛ لذلك هو أكثر ارتباطاً بالمجال العمومي. وعلاقته بالمجال، هي علاقة الداخل والخارج، بدينامية تفرض نقاشاً اجتماعياً وسياساً أوسع خارج بناية المسرح.

وتعدّ مسرحية “ديالي” للمخرجة المغربية نعيمة زيطان نموذجاً لهذا النوع؛ حيث بدأ التفاعل قبل العرض “على شاكلة استنطاق الجنسانية الأنثوية من خلال ملء الاستمارات وجلسات نقاش مع نساء مغربيات من مختلف الأعمار. وبعد العرض الأول مباشرة، استمر هذا التفاعل من خلال فتح نقاش بين الخشبة والقاعة، وتم تحويل المسرح إلى منتدى حقيقي لتبادل الآراء حول قضايا حساسة تهم المجتمع المغربي بأسره” وفق أمين.

الكاتبة والمخرجة نعيمة زيطان، رئيسة فرقة “أكواريوم” المسرحية، اعتبرت أن وجود “المرأة كممثلة ليس له صعوبات أو تحديات، بل هناك ممثّلات متمكّنات عبّرن عن مستوى عال جداً في أدائهنّ، ويجب تطوير هذه الطاقات بعيداً عن النمطية”.

لكن حضور المرأة يبهت في تخصّصات أخرى، من قبيل الكتابة المسرحية والإخراج والسينوغرافيا؛ حيث أغلب النساء المتخرّجات من معاهد الفنون المسرحية ممن يتخصّصن في السينوغرافيا، يتّجهن في النهاية إلى تصميم الملابس التي هي جزء فقط من السينوغرافيا. ويبقى “الوفاء” للمسرح هو التحدّي القيمي الأكبر الذي تواجهه معظم الممثلات اللواتي يتوجّهن في النهاية إلى التمثيل في السينما، حسب زيطان.

حتى حضورها في مشهد الكتابة الدرامية، أتى بعد أن “سيطر الرجل على الإمكانات اللغوية وممكنات الكتابة الركحية، فواجهتها أسئلة صعبة والإجابة عنها اختزلت في الكتابة ضمن ثنائيات متقاطبة من قبيل كتابة نسائية، في مقابل كتابة رجالية”.

هنا، يتفق المسرحي، خالد أمين مع زيطان، ويقول إن “من اصطنع آليات اشتغال اللغات المسرحية في عالمنا العربي هو الرجل”، ويكمل “لقد كانت المرأة العربية لعدة عقود مجرد طيف لخيال الرجل الكاتب والمخرج، وهي بالكاد، الممثلة التي يكتب نصها رجل”.

مع ذلك، يرى مدير “مركز دراسات الفرجة” أن الكتابة “أصبحت تلك البؤرة التي تمارس فيها المرأة حقها في استعادة اللفظ، ومعه ذاتها اللغوية السليبة، بل أكثر من ذلك، تمارس المرأة من خلال الكتابة حقّها في الوجود والاختلاف، كما تمارس حقها لدحض الثقافة الاستهلاكية التي تروم تسليع النساء”. مع ذلك، يؤكّد “ثمّة حراك حقيقي الآن في عالمنا العربي والمغربي أصبحت فيه مقاربة النوع تحظى بمكانة مرموقة”.

من جهتها، ترى الممثلة، رشيدة نايت بلعيد، أن هناك فرقاً في علاقة المرأة قبل “الربيع العربي” وبعده. توضّح “قبل 2011، دخلت المرأة عالم الكتابة والإخراج كالكاتبتين المغربيتين، نعيمة زيطان وأسماء الهوري. بينما، أخذت علاقتها بالخشبة منحىً جديداً بعد 2011؛ إذ اتسمت باختفاء الرقابة عن المسرح نوعاً ما، واتساع حرية التعبير حول ما تعانيه المرأة، خصوصاً في ما يتعلق بالجسد”.

وتضرب مثالاً على ذلك: “كانت مسرحية “كفرناعوم” للمخرجة المغربية لطيفة أحرار نموذجاً على هذا الصعيد”. وتكمل “يظلّ التحدي الذي تواجهه هؤلاء الفاعلات المسرحيات متعلّقاً بمضمون الأعمال المسرحية التي تتطرّق إلى قضايا المرأة، مثل المساواة والحريات الفردية”.

على الرغم من العراقيل، تميّز النص النسوي المسرحي المغربي بـ “استعادة اللفظ وتأنيث الفرجة المسرحية، بحيث تكون وجهة نظر المرأة في ما يتعلق بمقاربات النوع حاضرة بقوة”، وفق حديث أمين الذي بدا متفائلاً بأن “العودة إلى عصر كانت الدولة تسيطر فيه على كل بيانات التفكير والمجال العمومي انتهت. فالحراك الذي يعيشه المجتمع العربي، على الرغم من التعثرات، يرتبط أساساً بمواجهة تراكم الرقابات التي تسيّج المتخيل الجمعي، وما الرقابة على عوالم الأنثى الحميمية التي حوّلتها إلى بؤر الخجل والخوف، إلا جانباً من هذه المواجهة”.

الرباط ــ وصال الشيخ

http://www.alaraby.co.uk/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.