تتنافس على جائزة القاسمي لافضل عرض لعام 2016 مسرحية يارب تتوهج بمضمونها وشكلها وأدائها واخراجها المغاير المثير للجدل/والثلاثاء خريف صميم حسب الله في جولة جديدة للابداع المسرحي العراقي

المسرحية يتخلص الخطاب فيها من مأساته ويتركها على الأرض ليعانق الجمر المعلق في السماء

الجزائر – وهران – عبد العليم البناء
شهدت قاعة المسرح الجهوي (عبد القادر بن علولة ) في الليلة الرابعة من ليالي الدورة التاسعة من مهرجان المسرح العربي (دورة عزالدين مجوبي) توهجا جديدا لابداعات المسرح العراقي وهو يحط رحاله المثقل بالمغايرة شكلا ومضمونا عبر مسرحيته المثيرة للجدل (يارب) التي استحقت أن تنال وعن جدارة دخول حلبة المنافسة على جائزة اللقاسمس لافضل عمل لعام 2016 مع مجموعة من المسرحيات العربية المتميزة وقد أثارت جدلا مهما بطروحاتها ومقترحاته الفكرية والاخراجية التي جاءت في سياق مفهوم العرض البارد وجدلية العاشق والمعشوق في مقاربة مسرحية درامية طاولت الساعة والنصف من الزمن الذي قسمه المخرج افتراضيا ليقد هذه الرائعة المسرحية التي حاول البعض ممن يتصيدون في المياه العكرة وتكلست أفكارهم داخل الدوائر المغلقة التي لا تتيح للبشر ان يطالبوا رب العالمين مايرونه استحقاقا طبيعيا في العلاقة بينهما بين الخالق والمخلوق وطبيعة هذه العلاقة المبنية على الاعتراف بالحقيقة الإلهية وعدم الخروج او التجاوز عليها كما حال البعض من هؤلاء اقحام النص والعرض أو اضاء هذه الصبغة عليه دون ان يتمكنوا من الغوص في حقيقة وحجم الألم والمعاناة المعجونة بالالام المتنوعة والحرائق المتوالة والفقدانات والضحايا الأبرياء الذين طرزوا المشهد العراقي والعربي عموما بفعل قراءات وموضاعات فكرية إعتادت أن تلوي الحقيقة وتبعدها عن مسارها الصحيح لتحقيق فرضيتها الزائفة والمشوهة لجوهر الدين الإسلامي واتباع نهج التكفير والتخوين لتفرض نفسها بإعتبارها “ظل الله في الأرض”.
لقد استطاعت المسرحية ان تقدم قراءة منطقية غير مألوفة لعلاقة الانسان بالخالق في زمن القهر والجمر والصمت والمعاناة والعبث والتلاعب بمصائر البشر دون وجه حق برؤى ومعالجة سايكولوجية تجريبية لتعكس نداء الأمهات في وطن يجري من تحته الجحيم ومن فوقه الجحيم وفي ثناياه يسري الرعب المزمن الذي لازمه من قبل ومن بعد فكانت المسرحية كشفا وجردة حساب لحجم وكم المعاناة والخسارات الفادحة لابناء الوطن الذين غادروا مقتولين لا ميتين لقد كانت (يارب) – كما أكد كاتبها علي عبد النبي الزيدي – “عرضاً عراقياً جريئاً يتجلى فيه الواقع العراقي والعربي بشكل كبير ،وهي قراءة للجحيم اليومي الذي نعيش تفاصيله الآن ..” مؤكدا :” هذا رهاننا الكبير ومع رهانات اخرى مهمة وهي وعي المخرج مصطفى الركابي بأننا أمام تحدٍ مسرحي يقف في صدارته كبار المخرجين العرب ، والرهان الاخر .. العرض قاده نجوم المسرح العراقي بتأريخهم ومنجزهم الابداعي متمثلا بالدكتورة سهى سالم والاستاذ فلاح ابراهيم اضافة للممثلة زمن الربيعي ، وشارك فيه كادر تقني محترف أيضا كان له الدور المهم في العرض “.
ولابد من الإشارة الى أن نص ( يا رب ) هو ضمن مشروع الزيدي في الكتابة للمسرح أطلق عليه ( نصوص الإلهيات ) وكانت فرصة كبيرة يقول الزيدي ” لأن يختبر هذا المشروع مع وجود نخبة من مفكري المسرح العربي ، وأرى عن كثب ردود أفعالهم أزاء هذه الافكار وآليات اشتغالي مع المقدس ، بمعنى أن النص والعرض معا سيخضع للمشهد المسرحي العربي الذي لم يعتد على هكذا افكار من جهة ، وآليات جديدة اشتغل عليها المخرج خاصة في الايقاع وعلاقته بالتلقي ، والعرض في مهرجان الهيئة هو امتداد لما قدمته سابقا في مسابقات التأليف المسرحي “.
وقد برز إضافة الى الوعي والقراءة والمعالجة الاخراجية التي أبدعها المخرج مصطفى الركابي ذلك الأداء المتفوق والمبهر والرائع لثلاثي المسرحية الذين قدموا أفضل مالديهم من أداء تجاوزوا فيه ماقدموه في عرض بغداد على خشبة المسرح الوطني بعزيمة استمدوها من احساسهم وشعورهم العالي بأهمية تمثيل المسرح العراقي ومبدعيه في مثل هذه المهرجان بما ينطوي عليه من أهمية ومكانة رفيعة والذي خلق العرض العراقي في اجوائه ردود أفعال كبيرة ومهمة بدأت مع انعقاد الندوة التطبيقية الي أقيمت فور انتهاء العرض وتعقيب الناقدة الدكتورة ليلى بن عاشة التي أضاءت بقراءة نقدية من أروع مايكون كل نقاط القوة الإبداعية في العرض ليمتد هذا التأثير والاعجاب والتلقي الواعي الى مختلف جنبات المهرجان ووسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمقروءة من داخل وخارج الجزائر والممثلة لمختلف البلدان العربية .
” يا رب” تعيد إلى المسرح العراقي كينونته وعمقه
و هنا أورد ماقاله الناقد المسرحي العربي لطفي العربي السنوسي بحق المسرحية والبعض من المعترضين :”المسرحية العراقية ” يا رب” تعيد إلى المسرح العراقي كينونته وعمقه الذي ضيعه منذ أكثر من عشريتين ، وقد تهرأ خطابه الذي توغل في النحيب ، وفي إعادة إنتاج المأساة العراقية تماما كما هي في واقعها الواقع ، مسرح يحصي القتلى والضحايا والمغدورين ويعيد تصفيفهم بفجاجة النحيب العالي :ما جدوى المسرح إذا ما اكتفى بإعادة انتاج المأساة الانسانية دون أن يسائلها ؟ وما جدوى الفن عموما إذا ما اكتفى بإعادة ترديد أسئلة العوام وبسطاء الناس ؟ وما جدوى الفن ما لم يرتق وما لم يصعد الى السماء حيث الجمر معلق لا فوق الأرض ولا تحتها ؟في مسرحية “يارب” يتخلص الخطاب من مأساته ويتركها على الأرض ليعانق الجمر المعلق في السماء …حيث الله مطلقا والأنبياء مطلقون والسماء رحبة ومطلقة .لم يكن موسى نبيا على المسرح العراقي ، ولم تكن الذات الإلهية مدعوة إلى العرض ، لقد كانت الاستعارة واضحة في مناجاة تنزع نزوع المتصوفة ، في علاقتهم المباشرة بالرب الأعلى وهي قريبة من مناجاة الشعراء القدامى ، وهم يصلون للمحبة .يارب …أي وجيعة هذه؟وكل هذا الدم المهدور على مذابح التكفير …يارب …الم تخلق الانسان في أحسن تقويم ؟ فأي اعوجاج هذا؟..يا رب ، هل نحن في حاجة إلى عصا موسى لانهاء المهزلة …يارب هل يلزمنا معجزة لترميم الوريد المقطوع ؟لم تكن الذات الالهية ولا الانبياء محل جدل أو سخرية كما ذهب عدد من النقاد الأريكيين، وهم يضمرون الخبث في التأويل ، بل إن السؤال الأساسي في هذا العرض ، هو كم يلزمنا من نبي ، وكم يلزمنا من موسى ، وكم يلزمنا من معجزة لا نهاء المأساة البشرية على أرض الله الواسعة ، الله جلت محبته وجلت رحمته وقد تجلت عميقا في هذا العقل البشري البهي ، نعمة الله وهبته الى خلقه .لنا الله جميعنا والأنبياء ، ولا أحد يصادر حق الخلق في مناجاة الذات الالهية …وهل يخشى الله أن يناجيه البشر عبادة وإيمانا عميقا ، فأتقوا الله في العرض العراقي ” يا رب”.
( خريف ) صميم حسب الله غدا الثلاثاء
( خريف ) صميم حسب الله غدا الثلاثاء
وستشهد مكتبة ميدياتيك (مكتبة بختي بن عودة ) في وهران الساعة الثامنة مساء الثلاثاء عرض العمل المسرحي العراقي (خريف) المشارك ضمن العروض العامة للمهرجان والتي أعدها وأخرجها لحساب منتدى المسرح التجريبي في دائرة السينما والمسرح ،الدكتور صميم حسب الله عن (رقابة مشددة) للكاتب الفرنسي جان جينيه وعن مسرحية (سرداب) للكاتب العراقي حيدر جمعة،وتمثيل الفنانين:يحيى ابراهيم، علي السوداني، حيدر جمعة، هشام جواد، بهاء خيون، وساعد في الاخراج جرير عبد الله، تنفيذ الموسيقى للفنان اكرم عصام .والسينوغرافيا لعلي السوداني وتنفيذ بيان نبيل، بشار عصام، ليكون جمهور المهرجان مع جولة جديدة من الابداع المسرحي العراقي الذي كان حاضرا بقوة وتنوعت مشاركات مشتغليه بصور واشكال إبداعية مختلفة سنسلط الضوء عليها في رسالة قادمة بعونه تعالى .

المصدر/ محمد سامي مجلة الخشبة

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.