أخبار عاجلة

بيتر بروك يقول: ليس هناك أسرار – عبد الغني داوود

بيتر بروك
بيتر بروك

بيتر بروك يقول: ليس هناك أسرار – عبد الغني داوود

في هذا الكتاب الصغير الحجم الكبير الأهمية « ليس هناك أسرار”  لبيتر بروك –  ترجمة : (غريب عوض) من منشورات (كتاب الصواري) بالبحرين (هذا المسرح الذي شارك في تأسيسة رواد التجريب في مسرح البحرين ومن بينهم المبدع (عبد الله السعداوي، وخالد الرويعي)، ومن المعروف ان (بيتر بروك) هو واحد من ابرز مخرجي المسرح في العالم، وقدم الكثير من العروض المسرحية من أبرزها الشكسبيريات من امثال :- « الملك لير»، « هاملت»، «العاصفة»  وغيرها، وكذلك :” مارصاد»، و”الزيارة”،و”مشهد من فوق الجسر” وتجاربه الرائدة في تقديم عرض « منطق الطير»، «لفريد الدين العطار»، و” الملحمة الهندية “المهابهارتا” وكان قد اصدر كتابين هامين في علم المسرح هما «المساحة الفارغة» 1968، و» النقطة للمتحولة» 1987، اما هذا الكتاب الثالث «ليس هناك اسرار»  فيناقش (بروك) التزاوج المحير بين الغموض والبراعة، وبين الإلحاح والتقاليد الضرورية لتحقيق افضل الاعمال على المسرح . وينقسم هذا الكتاب الي ثلاثة عناوين هي : (سر الضجر)، (السمكة الذهبية)، (ليس هناك اسرار)، وهو عنوان الكتاب، ويذهب فيه الي وصف خبرته – مٌقدما عرضا نادرا لخطواته في مسار عملة من خلال اخر نتاجاتة في ذلك الوقت وهو عرض « العاصفة»  لشكبير، وقد يبدو هذا الكتاب صغيرا (103) صفحة، ولكن هناك الكثير من الالهام، والكثير من المتعه، والكثير من الاستثارة، في (محاضراته الثلاث مجتمعه) اكثر مما في مجلد ضخم، ونشير هنا أن ( بيتر بروك) ليس مجرد باحث ضليع ولكنه ايضا مخرج ممارس، وشخص يسعده ان يشارك غيرة بالدرس والتجريب التي تعلمها من اخطائة – تماما مثل سعادته بمشاركته في متعته وانجازاته ..

(فبيتر بروك) مخرج في حركة مستمرة.. قلق.. ذو روح استفهامية وعالم دقيق وفيلسوف حرفي، ومستكشف لا يعرف التعب بحثا في غموض الابتكار البشري وهذا الكتاب يقدم (بروك) في أفضل أحواله، وهو التكملة الطبيعية لكتابة «المساحة الفارغه»، وهو هنا يقدم  تجربته فى تقديم عرض مسرحية « العاصفة»  القائمة على التجربة والخطأ والمصادفة، وعلى أسابيع طويلة من التمارين الصوتية والارتجال قبل نطق كلمة واحدة (لشكسبير) وهو بذلك يعد اكثر المخرجين استمرارية فى التجديد فى مسارح الغرب، باحثا عن ذلك التدريب في بيئة العرض التي سوف تشجع الممثلين على التخلي عن الاحتماء تحت التكرار والابتذال، ومن ثم يطلقون العنان لإبداعهم الحقيقي، ونشير الي ان (بروك) يتحدث عن اربعه اتجاهات في المسرح فى كتابة « المساحة الفارغة» وهي (المسرح المميت، المسرح المقدس، المسرح الخشن، المسرح المباشر).

وفي الباب الاول من الكتاب وعنوانه «سر السفر» يشير الي ان محاضرته فى جامعه انجليزية بانها كانت مرتكزات كتابة «المساحة الفارغة»، ويعترف بانه لم يستطيع أن يجد الاسلوب الطبيعي للنفاذ الي عقول الناس، ولحسن الحظ اكتشف انه لابد من العمل على خلق مساحة فارغة بعد أن شارك فى تأسيس (المركز الدولي للابحاث المسرحية) في باريس .. لان (المساحة الفارغة) تجعل من الممكن لظاهرة جديدة ان تظهر للحياة وأنه يستطيع ان يأخذ ايه مساحة فارغة ويطلق عليها خشبة مسرح جرداء، وبذلك تصبح كل بلاد العالم قادرة ان يكون لديها كل ما يحتاجون اليها لإنشاء مسرح، ويذكر انه (في مطلع السبعينيات من القرن الماضي بدأنا في المركز الدولي للأبحاث المسرحية بتجارب خارج ما كان يعتبر (مسرحا)، وفي السنوات الثلاث الاولي بدأ بالقيام بمئات الأعمال المسرحية في الشوارع وفي المقاهي وفي مواقف السيارات في امريكا، وفي ثكنات الجنود وبين المقاعد في الحدائق العامة في المدن، وادرك ان الفراغ بشترك فية الجميع، وان المساحة الجيدة هي المساحة التي تتركز فيها كل هذه الطاقات المختلفة..

وقد بدأ تجاربة ولم يكن هناك مدارس او اساتذة يحتذي بهم، ولا يوجد مثل أعلي، لم يكن أي احد يعير أي اهتمام للمسرح الالماني، ولم يكن (ستانسلافسكي) معروفا تماما وكان (بريخت) مجرد اسم، ولم يكن ( انطونين ارتو) بهذه الشهرة، ولم تكن هناك نظريات، لذلك كان العاملون بالمسرح ينزلقون طبيعيا من مشهد إلى اخر، وكان باستطاعة الممثلين العظام الانتقال من عمل شكسبيري الي عمل هزلي أو لأي عمل كوميدي موسيقي، وكان المتفرجون والنقاد يتابعون هذا بكل بساطة، ويضرب مثالا بانه في تلك الفترة اضطر الممثل الكبير (بول سكوفيلد) ان يشارك في هزلية رخيصة حتي يتمكن من إطعام طفليه –  لان المسرح هو الحياة وان الحياة هي المسرح، وأن المرء يذهب الي المسرح بحثا عن الحياة ..ذلك لانها في المسرح اكثر وضوحا وأكثر حيوية  عنها خارج المسرح –  فالحياة فى المسرح حياة مكثفة واكثر تركيزا، ويمكن ان تري هذا بوضوح فى الأساليب الواضحة لكل من (بيكيت او بيتر او تشيكوف )..

ويضرب مثالا (بتشيكوف) فى ان كل كلمة، حتي لو بدت انها بريئة، فهي ليست كذلك لانها تتضمن في داخلها وفي السكون اللاحق بها تعقيدات كاملة غير منطقية)، ومثالا اخر (بشكسبير)  الذي أدخل النثر في أعماله الشعرية.. كي يوحي لنا بأعمق الانفعالات النفسية والحسية والروحية الدفينة في شخصياته في آن واحد، ويرى ان المهم في العرض المسرحي هو الشرارة، وأن شرارة الحياة هذه يجب أن تكون حاضرة في كل ثانية، ويصرح بانه لا يوجد إلا القليل جدا من روائع الأعمال في عالم المسرح، وأن المُشاهد يمكنه ببساطة شديدة ان يقضي أمسية كئيبة يشاهد فيها شيئا توفر فيه كل شيء ما عدا الحياة، و(أن المهم هو حضور الحيوية الذي لا يٌقاوم).

وفي سياق حديثة عن (العمل المسرحي) يقرر ان هناك شيئا واحدا فقط يحتاجه المرء .. أنه عنصر الإنسان، وهذا ليس معناه بان ما يتبقي ليس مهما، وان الحوار (ثلاثي الاتجاه) وهو سر العمل المسرحي، وأن ما نحتاجه هو نقل الشيء العادي الي مستوى الشيء المتميز.. مثل فطرة الممثل الياباني في (مسرح النو) التي تأسرنا أكثر من خطوة الممثل في مسرح آخر، فأنة لا شيء يكون بلا مبرر، أو الشرود في المسرح هو العدو الماكر العظيم، وان الممثل يجب أن يتصف بالذكاء اليقظ والشعور الحقيقي والجسد المتزن، المنضبط –  لأنه العنصر الجوهري في كل الأجناس على كوكبنا هذا، ويشيد المؤلف بأجساد اليابانيين وأنها أجساد  مكتملة النمو وتتحرك ليصبح الإحساس ودقة التفكير مترابطين، ولكن ليس معني هذا ان يتدرب الممثل كمن يتدرب الراقص –  إذ يجب علية ان يمتلك جسدا يعكس سماته –  بينما يكون جسد الراقص محايدا…  فالإحساس معناه إن يكون الممثل في جميع الأوقات في اتصال بجميع أجزاء جسمه، وهذا نابع من قيامة بعمل فراغ خال من الخوف، داخل نفسه ويقول : (أفضل العمل مع ممثلين من الذين يستمتعون بكونهم مرنين)..

و(أنه لا شيء غير الدقة فى التدريب وتكراره، وأن تجارب العروض، هي التي تتيح أن توضح للممثل، بأنه إذا لم يبحث المرء عن الأمان، فإن الإبداع الحقيقي هو الذي يملاء  الفضاء)،وعن (الارتجال )، يشير (بروك) أنه (حتي ينجز المرء لحظات من الإبداع الحقيقي، في الارتجال، اثناء التدريب أو خلال العرض، هناك دوما خطر، هو تشويه او تدمير البناء البازغ، الماثل أمامنا، وأن المرء يحتاج إلي الأعداد، وذلك من اجل أن  ينبذه، نبني لكي نهدم، وانه لا يوجد أي  قرار تتخذه إلا لكي يهدم، وعن الديكور يقول : اذا وجد الديكور  تكون المساحة غير فارغة، وعن (مجموعتنا الأجنبية الصغيرة) في باريس فإنها (تمسرح)، اكثر من أي شيء –  اكثر العناصر حيوية، ويضرب مثالا (بالتعازي الشيعية)  التي شاهدها مع فرقته في ايران هناك كانوا، وان الممثلين يعرضون بنفس الطريقة، التي كانوا يعرضون بها عملهم في قريتهم، ويضرب مثالا (بمسرح الكابكوي) في اليابان أو مسرح ( الكاتاكالي) في الهند، في محاولة للوصول لي (المقدس)  عن طريق نقاوة التفاصيل..

ويري ان غياب الديكور يُعد من متطلبات عمل الخيال-  لان التخيل يملاء الفراغ، وأن الفراغ في المسرح يسمح للخيال ان يملأ الثغرات من الناحية الظاهرية، وأنه سيلعب بسعادة هذا الطراز من الالعاب شريطة ان يكون الممثل في فراغ دون عنصر واحد من عناصر الديكور، وبهذه الطريقة يمكننا ان نسلم بان الفنية هي(الصاروخ)، وانها ستأخذنا الي لقاء شخص حقيقي على كوكب الزهرة، وأن العروض التي قاموا بها في هذا المجال بدأت في السبعينيات من القرن العشرين وأطلقوا عليها (عروض قطعه السجاد).. خلال رحلاتهم إلي أفريقيا وأماكن اخري من العالم والتي اكتشفوا فيها الاسس التقنية لمسرح (شكسبير) الذي كان يُكتب لمساحة لامتناهية ضمن زمن غير محدود – فإن المرء ليس مقيدا بوحدة المكان، او بوحدة الزمان –  اذا كان (التأكيد) يقع علي ابراز العلاقات البشرية –  (إذ لكي يكون هناك فرق بين المسرح واللامسرح، وبين الحياة اليومية والحياة المسرحية –  هناك حاجة الي تكثيف الزمن الذي لا يمكن فصلة عن تكثيف الطاقة)، هكذا يتم خلق صلة قوية مع المترج، وربما يكون المسرح من اعظم الفنون صعوبة، لان هناك ثلاث مسافات يجب ان تنجز في وقت واحد، وبانسجام تام، (الارتباط بين الممثل، وحياته الداخلية، وبين الممثل وشركائه وبين الممثل والمشاهدين) .

وعن (الضجر) في المسرح يقول ( يبدو الضجر، مثلة مثل مكر الشياطين، يمكن ان يظهر في لحظة، لأبسط الأشياء، وتراه قد امسك بك، أنه ينتظر، وهو شرس، أنه دوما، يكون على استعداد ليتسلل ويشرع فى العمل أمام إيماءة أو عبارة، وحالما يدرك المرء ذلك، فإن كل ما يحتاجه المرء هو ان يثق في مقدرته المخزونة فى داخلة على ان يصبح ضجرا –  فإذا شعرت بالضجر الآن فلابد ان هناك أسبابا لذلك ).. ويكتشف ان المقياس الكبير في تجنب الضجر هو مقدار الصمت بين الجمهور..
ونعود الي تجربته عن زيارته  وفرقته لإيران  عام 1970 –  إذ وجد نفسه مع (الخمسة الغرباء) أي أعضاء الفرقة  في عرض «التعازي الشيعية» في إحدى القرى الإيرانية وقد أدمجوا تماما في مجموع المشاهدين من أهل القرية، وكان (الدين) هو جذور هذا العرض، وان الايمان به ينبع من خلال الاستجابة الداخلية، وإدراك اننا يجب ان نتذكر ان الناس هم من صنع المسرح، وهم من نفذة كعمل عن طريق احداثهم المتاحة الوحيدة . وعن عرض « منطق الطير»  لفريد الدين العطار يصرح بانه كان يكره  (الاقنعة) لكن فريقة تعلم التعامل مع الاقنعه من احد الممثلين ابناء هذه البيئة – فقد استعمل القناع كما يفعلون فى تقاليدهم، ويشير الي اول استعراض رأه في حياته (لرقص الكتاكالي ) فى مدرسة الدراما في كاليفورنيا، وعن تجربته عن عرض «كارمن» الذي وضع لها شكلا جديدا تماما بعد اربع أو خمس سنوات قبل ان تشعر الفرقة بانها وصلت الي اقصي مداها لكن  نفس المسرحية تٌعرض اليوم أي منذ سنوات طويلة في باريس او في بوخاريست، أو في بغداد.. ستكون مختلفة في الشكل، سيكون لكل من المكان، والمناخ الاجتماعي والسياسي، والفكر والثقافة السائدين، تأثيرة على ما يقيم الجسر بين المادة والمعروضة والمتفرجين، أو ما يؤثر في الناس..

ويقارن بين عرض « العاصفة»  لشكسبير الذي قدمة في انجلترا وبين ذلك العرض الذي قدمة في باريس بعد ثلاثين عاما بمجموعة دولية من الممثلين (اثنين من اليابان وايراني، وافريقيون ) وكلُ يستوعب النص بطريقة مختلفة عن الاخر، وقد خبروا التعايش مع بعضهم البعض من خلال تجارب مختلفة، وينتقل الي (النص المسرحي) أي “ العاصفة” ويري ان هناك سوء فهم كبير مرارا وتكرارا (يشل) العمل في المسرح، وفحواة الاعتقاد بأن ما يكتبة المؤلف او معد المسرحية والعمل الدرامي –  على الورق هو شكل مقدس، ويقول : ( نحن ننسي ان المؤلف عندما يكتب حوارا فأنة يعبر عن ارهاصات مدفونه عميقا في الطبيعه البشرية، وعندما يكتب تعليمات منصة العرض فإنه يقترح تقنيات انتاج مبنية على طبيعه المسرح فى عصرة وانه من المهم ان نقرأ ما بين السطور)، ويضرب مثالا (بتشيسكوف) الذي يصف حدثا داخليا او خارجيا بالتفصيل الدقيق –  لانه بعد موته ظهر الي الوجود شكل جديد من المسرح –  وهو ( المسرح الحر) وإذن فإننا لا نعرف ان (شكسبير) على سبيل المثال –  أي شكل مسرحي كان في مخيلته، اذ لا يوجد هناك حد للأشكال الإفتراضية التي توجد في نص عظيم.ز

ويضرب مثالا بعرض «كارمن « وان الشيء الوحيد الذي اتفقوا عليه هو ان الشكل الذي استحضرة (بيزية) مؤلف النص – هو الشكل الذي قد يستحضره الان، لذا ففي عرض (بروك) استغني عن كل الديكور حتي يحافظ على العلاقات المأساوية  القوية .. لذا فهو ينحاز الي مسرح صغير في مدينة لندن يتمتع بسمعه طيبة، ويصر على وضع الفرق بين الثقافة الحية وبين الثقافة التي انتشرت في العالم، وانتشار العلاقة بين العرض والممول .. لذل يجب توعيه الممولين.

ويوضح (بروك) عن قصدة (بالمسرح المقدس)، و(المسرح الخشن) وانهما يتحدان فى كل شكل اطلقت عليه اسم (مباشر) بالنسبة (للمسرح المقدس)، وأن الشيء المهم ان تعرف ان هناك عالما خفيا يحتاج ان نجعله مروعا، وهناك عدة طبقات من التخفي، نحن في القرن العشرين )، ( وعلينا الان ان ندرك اننا في القرن الحادي والعشرين) أن نعرف جيدا الطبقة النفسية، وان هذه المنطقة المظلمة بين ما هو معبر عنه، وما هو مسكوت عنه – فإن جميع المسارح المعاصرة تقريبا تعرف مكان عالم (فرويد) التحتي العظيم، خلف الايماءة او الكلمات، يمكن ان تكون المنطقة الخفية للأنا، الأنا العليا واللاوعي..

من هنا فإن (المقدس) إما ان يكون موجودا على مدي العصور أو انه لم يوجد، أنه من الحماقة ان نعتقد ان المقدس موجود على قمة الجبل وليس في الوادي، أو في يوم السبت او يوم الاحد وليس في باقي ايام الاسبوع .. إذن  ففي الف من الأشكال غير المتوقعة يمكن ان يظهر غير المرئي والذي قد يظهر في ابسط الحاجيات اليومية . أما (المسرح الخشن) فهو مسرح شعبي، وهو شيء أخر، أنه الاحتفال بكل انواع السبل المتاحة، ويحمل معه التدمير لكل شيء له علاقة بالظواهر الفنية الجميلة، وقولهم  انهم لا يملكون ما يساعدهم على تقديم عروضهم، وعن (المسرح المباشر) الذي اسهب في الحديث عنه في كتابة « المساحة الفارغة « يطلب الا يأخذ القارئ كل شيء في هذا الكتاب على انه عقيدة، وان كل شيء عرضة للصدفة والتغيير، ولهذا السبب لا توجد هناك وصفات جاهزة، وأنه يجب ان نسير إلي الأمام دائما، وان أساس مهنة المسرح تكمن في إنتاج علاقة فعالة بالمشاهدين من عناصر أساسية جدا.

وعن (الممثل والممثلين) يري أن الممثل الذي سرعان ما يستاء من معاملته كطفل، لذا فعلى المخرج ان يكون سابقا لافكار الممثل حتي لا يعود الممثل الي اخذ الافكار من على السطح، يجب على المخرج ان يطرح افكارا تتضمن التحديات الحقيقية وتكون مفيدة للعمل، وأن على المرء ان لا يبدأ بالكلمات ولا الافكار، وانما بالجسد، وأن الجسد الحر إما ان يعيش كله او يموت كله، ويشير الي العلاقة بين التركيز والانتباه والاستماع والحرية الفردية، وان التفكير والتركيز يتحصلان بالسكون، ( وان الانطباع لابد ان ينبعث من وضعك الجسماني، وذلك ان تترك الإيماءة تنمو وتصبح اكثر اكتمالا من خلال تعديل طفيف في الحركة)، وان الممثل الحقيقي هو الذي يأتي من الخارج وما يؤتي به من الباطن ..، وان الممثل الهاوي يملك ميزة لا توجد لدي الممثل المحترف، بما انه يعمل أحيانا و كلية ًمن اجل المتعه، فحتي لو لم تكن لدية الموهبة، فلدية الحماس، وان الممثل المحترف يحتاج إلي إعادة تنشيط إذا أراد أن يتفادي الفاعلية المحبطة للاحتراف، لكن يظل الممثل المحترف قادرا على أن يستحضر في نفسه الانفعالات العاطفية.

وعن النصوص المسرحية  يقرر أن اكتشاف  النص بأسلوب ديناميكي وحيوي هي طريقة غنية لدراسة النص دراسة أولية، وأن العمل حول المائدة أي (بروفة الترابيزة) يعطي التحليل نشاطا ذهنيا وتنشيط الحدس، وأن الجودة تكمن في التفصيل، وان (المسرح المقدس) هو الذي يتجلي في غير المنظور، ويضرب بجذوره  في ذلك السكون، الذي تظهر منة كل أنواع الإيماءات المعروفة وغير المعروفة، وأن التعرف على الغموض مهم جدا، عندما يفقد الإنسان إحساسه بالرهبة، ولكنه يري ان وظيفة المسرح القديمة يجب أن تكون دائما محترمة، ولكن ليس ذلك النوع من الاحترام الذي يبعث على النوم،  هناك يوجد دوما سلم نتسلق عليه، ينقلنا من مستوى من الجودة الي اخر، ولكن اين يمكن العثور على هذا السلم ؟ ان درجاته مفصلة، صغيرة التفاصيل، لحظة بلحظة، إن التفاصيل هي الصناعة التي تقود الي قلب الغموض.

وفي (المحاضرة الثانية) من هذا الكتاب وعنوانها «السمكة الذهبية» يتحدث (بروك) عن (اللحظة الآنية) في المسرح، وأننا سنجد انه لا توجد حركة، إن كل لحظة هي كامل كل اللحظات الممكنة،  وما نطلق عليه (الزمن) يكون قد اختفي –  فكل لحظة فى الزمن مرتبطة باللحظة التي قبلها واللحظة التي تليها-  فالعرض المسرحي هو تدفق له منحني بياني صاعد وهابط، لكي نصل الي لحظة ذات معني عميق، ويفضي بنا إلي الذورة، ويضرب مثالا بصياد السمك وهو يصنع شباك صيده لان هؤلاء الذين يربطون (العٌقد) هم أيضا مسئولون عن جودة اللحظة التي هي في النهاية صيد شباكهم، ويضرب أمثلة بعروض مثل ذلك المسرح الذي يقوم على نقاش بين أناس مهذبين معتمدين على الصوت والكلمة، واللون، والحركة بلمس  زر إنفعالي والذي بدورة يبعث ببعض اهتزازات عبر الفكر، وهناك مسارح خليعة تهدف بقصد أن تقدم سمكا قد تكدست أحشاؤها بالسم –  وعندما نحاول اصطياد السمكة  فإننا  لا نعلم كيف أتت من مكان ما يعتقد أنها من ذلك اللاوعي الجمعي الاسطوري، ولكي نعمل مسرحا يجب أن نعيش معه طول الزمن، ويري انه لا يوجد في تاريخ المسرح ويعبر بشموله عن هذا التناقض الظاهري مثل ما عبرت عنه النبي التي وجدناها في أعمال شكسبير، وأن الظفر بلحظة حقيقية يتطلب وحده أفضل الجهود لدي كل من الممثل، والمخرج والمؤلف، ومصمم الديكور، ولا يمكن لاي واحد منهم أن يقوم بذلك منفردا، وأننا في ممارستنا الروحية تأخذنا نحو العالم اللامرئي، وتساعدنا على الانسحاب من عالم الانطباعات والدخول إلي الجمود والسكون.ز

ومع ذلك فإن المسرح ليس شبيها بالانضباط الروحي، ويري (بروك) أن أكثر الأشكال تعقيدا، هو الإنسان –  لكن في لحظات معينة من الممكن للفنانين أن يجمعوا بين المرئي واللامرئي، ويتساءل عن معني الشكل ) ويضرب مثالا بالمسرحيين فى العالم الثالث الذين تناولوا أعمالا لمؤلفين أوربيين مثل (بريخت) او (سارتر)، وكثيرا ما يعجزون عن إدراك ما يهدف إليه المؤلفون هؤلاء المؤلفين الذي عملوا ضمن نظام معقد من الاتصالات (يلائم) زمنهم ومكانهم، وفي مضمون مختلف كليا )، وأن مسرحي العالم الثالث عندما حاولوا البحث في ماضيهم، ويحاولوا تحديث أساطيرهم، وطقوسهم، وفنونهم الشعبية –  ولكنهم لسوء الحظ كثيرا ما تكون النتائج عبارة عن خليط ضعيف لا هو سمك ولا هو دجاج في ظل حكومات شمولية وديكتاتوريات – حيث تتجمد الثقافة ولا تملك إمكانية البقاء، ويقدمون الأشكال الثقافية  المعترف بها على أنها مأمونة وجديرة بالاحترام، وقد أنشُأت لها المؤسسات بينما اعتبرت جميع الأشكال الاخري مشكوك في مراميها، وقد أجبرت على ان تمارس نشاطها في الخفاء، أو أنها قمعت كليا – رغم أن المسرح حاجة إنسانية أساسية.

وينتهي الي أن التجربة المسرحية التي تعيش في الزمن الحاضر يجب ان تكون قريبة من نبض الزمن وان تحتوي على جوهر ومعني –  لان المسرح  يعطي معني للمعني –  فالفن مغزل يدور، يلف حول مركز ثابت لا يمكننا أن نمسك به أو نحدده، وأن هناك في المسرح لغة الجسد، ولغة الصوت، ولغة المشهد، ولغة الإضاءة، وانه لا يوجد شيء أكثر ضرورة إلي ثقافة المسرح في العالم من العمل الجماعي لفنانين من مختلف الأجناس والبيئات، ويوصي بأنه لا يجب أن يكون المسرح مملا، ولا يجب أن يكون تقليديا، يجب ان يكون غير متوقع، فالمسرح يقودنا إلي الحقيقة من خلال المفاجئة، ومن خلال الإثارة، ومن خلال الألعاب، ومن خلال المسرح، انه يجعل من الماضي والمستقبل جزء من الحاضر، يعطيك البعد مما يحيط بنا، ويمحي المسافة فيما بيننا، وبين ما يكون عادة بعيدا عنا- انها حقيقة (اللحظة الراهنة) التي لا يمكن أن تظهر إلا حين تشد الوحدة وثائق الترابط بين الممثل والمتفرجين –  لتأتي بنا إلي هذه اللحظة الوحيدة التي لا تتكرر عندما يفتح الباب وتبدأ تحولات الرؤية عندنا.

والمحاضرة الثالثة والأخيرة من هذا الكتاب الصغير الحجم الكبير الأهمية بعنوان (ليس هناك أسرار – ويركز فيها علي الأداء التمثيلي، وينصح  فيها بعدم حضور الآخرين (من غير فريق العمل ) أثناء التدريبات، وأنه أصبح مهتما بالعلاقة الغريبة المحيرة بين الدماغ والذهن، ويري أن (شكسبير) هو دائما النموذج الذي لا يتخطاه أحد، فأعماله هي دائما مناسبة ودائما معاصرة، ويروي ذكرياته عندما قام بعمل ورشة عمل مع ممثلين من عدة ثقافات عام 1968  في باريس، وهو الذي أفضي إلي خلق(المركز الدولي للمسرح)، واختار في التدريبات أيامها مشاهد من مسرحية «العاصفة»  كمادة خام، والتي منها تطورت عروضه الارتجالية، وكانت مسرحية «العاصفة» هي المفتاح لحل مشكلة هذا الفريق المتنوع، ولحل معضلته في البحث عن الموضوع المناسب لهذا الفريق من الممثلين، ويكتشف أيضا انه أولا وقبل كل شيء لا يمكن التعامل مع مسرحية لشكسبير إلا إذا اقتنع المرء بان لديه الممثلين المناسبين..

ويكتشف أيضا آن التجارب أظهرت مرات ومرات بان القرارات التي يتخذها المخرج ومصمم الديكور قبل بدء التدريبات تكون بالتأكيد اقل شأنا من القرارات التي تتًخذ بعد بدء العمل بكثير لأنه حينها لن يكون المخرج ومصمم الديكور بمفرديهما مع تصورها الشخصي ورؤيتهما الفنية، وان أسلوب العمل الحقيقي بتضمن فعلا دقيقا متوازنا ليس له أحكام والذي يتغير كل مرة، ويسرد كيف تناول نص مسرحية «العاصفة» مُعتمدا ًعلى شكل سلسلة العاب أو (اللعب) وابسط الأساليب، وان المبدأ الأساسي وراء توزيع الأدوار من ممثلين قد عملوا مسبقا فى المركز الدولي –  لإعادة تفسير المسرحية في ضوء الثقافات التقليدية  وأنهم قاموا أولا بتدريب أجسامهم، وبعدها قاموا بتدريب أصواتهم، وكان الهدف الوحيد منها هو تنمية الاستجابة السريعة حول اتصال اليد والأذن والعيون وتجديده باستمرار، لتجمع بين الأفراد المنفصلين ونشكل منهم فريقا مرهف الإحساس، ليس بالأجسام فحسب، وإنما الأفكار والمشاعر جميعها..

 يجب أن تكون في اللعبه وتبقي متناغمة، وهذا يستدعي تمارين للصوت والارتجال في كلا اللونين الكوميدي والجاد، وانه من الخطأ ان يبدأ الممثلون عملهم بنقاش فكري، لان الذهن المتعقل ليس بتلك الفاعلية أو الإقناع كأداة اكتشاف مثل ملكات الحدس الأكثر سرية، وأن دور المخرج هو أن يحافظ على مسار ما تم اكتشافه، ولأي عرض تم اكتشافه، ويري (بروك) انه لا يوجد نص يمكنه أن يتحدث عن ذاته، وان الطريق إليها هو دوما الطريق الذي يصعب العثور عليه، وأنه يجب على المخرج ان يبقي ناقدا قاسيا لمحاولاته حيث يتدخل، ويقول : ( ولهذا ابتكرنا، وجربنا، واستكشفنا، وناقشنا)، ويري أيضا إن (النص) لا تأتيه الحياة إلا من خلال التفاصيل، والتفاصيل هي ثمرة الفهم، ويشير إلي أن شكسبير في كتاباته لمسرحية «العاصفة»  كمسرحية خيالية كان راغبا في المحافظة على خفة اللحن إلي آخر المسرحية، مثل (الحكواتي الشرقي )، الذي  يتحاشى اللحظات المكثفة (بالتمسرح) الذي يتضمن أعمالة التراجيدية .

ويحدثنا في النهاية عن اكتشافه بان الأطفال أفضل بكثير وأكثر تحديدا من اغلب الأصدقاء والنقاد المسرحيين، فإنهم لا يتحيزون، ولا يملكون نظريات، ولا أفكار مسبقة، أنهم يأتون ولديهم رغبه بالاندماج الكامل في ما يتعرضون له من تجارب، ولكن إذا لم يُستثاروا، فهم لا يخفون تبرمهم وضجرهم، وعن تجربته في عروض «منطق الطير» مستخدما مع فريقه جميع العناصر التي تدربوا عليها، واقتصرت حركتهم ضمن حدود (قطعه السجاد) وان المسرحية استفادت فائدة عظيمة عندما تم تصغير مساحة العرض، وحين أصبحوا أكثر كثافة، ليعودوا ينتشرون على جدران المسرح، وان ما كان قد بدا غير منطقي في المكان الكبير استعاد معناه الطبيعي  الآن –  لذا فهو يشير إلي أن الفوضى او العشوائية لا تكون مفيدة إلا عندما تفضي الي النظام.

وأخيرا يقرر كي يصبح دور المخرج واضحا: (يجب أن يكون لدي المخرج من البداية ما أطلقت عليه اسم (حس باطني لا شكل له)، وهذا معناه، حدس معين  قوي ولكنه خيالي يشير الي الشكل البدائي ليكون  المصدر الذي منه ينبعث صوت المسرحية، الصوت الذي ينادي مخيلة المخرج  وبحثه وإصغاءه، إن أكثر ما يحتاج المخرج أن ينميه في عملة، هو الإحساس بالإصغاء يوما بعد يوم وهو يدخل ويرتكب الأخطاء، أو يراقب ما يحدث على المسرح فإنه في الباطن يجب أن يصغي، يصغي إلي الحركات السرية للعملية الخفية، انه بإسم هذا الإصغاء سوف يكون غير راض باستمرار، وسوف يستمر في القبول والرفض حتي تسمع أذنه فجأة الصوت السري الذي تتوقعه وتري عينة الشكل الفني الداخلي الذي كان يتحين الفرصة ليظهر، ومع ذلك يجد أن جميع الخطوات على السطح صلبة وعقلانية، أن قضايا مثل الرؤية والسرعة،والوضوح، والفصاحة، والحيوية، والموسيقى، والتنوع، والإيقاع-  كل هذا يحتاج للملاحظة بطريقة عملية صارمة وبطريقة مهنية، أن العمل هو عمل صانع ماهر، فلا مكان للغموض الزائف او الأساليب السحرية والزائفة، أن المسرح حرفة، والمخرج يعمل ويصغي، ويساعد الممثلين على ان يعملوا.

هذا هو الدليل، وهذا هو السبب في ان العملية المتغيرة  باستمرار ليست عملية مضللة  ولكنها عملية نمو، هذه هي السماء، وهذا هو السر، وكما ترون، فلا توجد هناك أسرار.

عبد الغني داوود – مصر

(مسرحنا – العدد 682)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح