بيتر بروك: سيكون من الغباء الفادح الاعتقاد بأننا خالدون

بروك
بيتر بروك

بيتر بروك: سيكون من الغباء الفادح الاعتقاد بأننا خالدون

 حاوره: إتيان سورين

ترجمة: عبد الرحيم نور الدين

      المسرحي بيتر بروك هو أيضًا ذلك الشغوف بالموسيقى الذي نشر هذه الأيام تأملاته حول الكلمة والصوت. إنه يستحضر هذا الانتحاء ولكن أيضًا لقاءاته وذكرياته في برودواي عندما كانت في أقصى أوجها.

تقديم:

      خلال فترة الحجر الصحي، لم يبق بيتر بروك، البالغ من العمر 95 عاما، مكتوف الأيدي، لقد تابع العمل، مع الممثلين العالقين خارج فرنسا، على مسرحيات بيكيت. الدراماتورج والمخرج المسرحي اشتغل أيضا مع ماري هيلين إستيان على إعداد مسرحي جديد لمسرحية “العاصفة” (La Tempête) لكاتبه المسرحي الأثير شكسبير، والتي ستنشرها هذا الخريف دار النشر ” آكت سود” (Actes Sud).

في انتظار ذلك، مكتشف مسرح (بوف دي نور/ Bouffes du Nord) عام 1974 رفقة ميشلين روزان والذي أداره لأكثر من ثلاثين عامًا، يُصدر كتاب “الإنصات.. تأملات في الصوت والموسيقى” عن (منشورات أوديل جاكوب).

هي فرصة مثالية للحديث عن برودواي، ترومان كابوت، لورونس أوليفييه وميشيل بيكولي.

نص الحوار:

س: كانت ولادتك سنة 1925. وقضيت الحرب العالمية الثانية في لندن عندما كانت عرضة للقنابل، وكنت في باريس خلال أحداث مايو 1968 … كيف واجهت هذا الوباء؟

ج: بالنسبة لي، لقد جرف الحجر الصحي بكيفية غير عادية كل ما هو غير مفيد. رجعت إلى ما هو أساسي. على عكس رفع الحجر الصحي، الذي صاحبته عودة التعقيدات والخلافات، ناهيك عن نافورة الكلمات والنظريات. “الإنصات” هو كتاب عن الصوت والموسيقى، وكذلك عن الصمت. يحمل أحد الفصول عنوان “صوت الصمت”. دائما ما يعيدني ذلك إلى الفضاء الخالي، وإلى شكسبير، والرد الأخير لهاملت: “الباقي صمت” (The rest is silence). الصمت لا يعني الموت. هناك ألف نوع من الصمت. صمت الملل، وصمت الكاتدرائيات أو الصمت الذي أسمعه خلال نزهاتي في غابة بوا دو بولون. رائع هو حضور الصمت بين الأشجار.

س: هل انتهزت فرصة الحجر الصحي للاستماع إلى الكثير من الموسيقى، والتي تمثل إحدى هواياتك المفضلة؟

بروك3
غلاف كتاب “المساحة الفارغة” لبيتر بروك

ج: نعم. وأنا لا أميز بين الموسيقى الكلاسيكية، كموسيقى موزارت أو باخ، وبين الموسيقى الشعبية الجميلة. اغتنمت الفرصة للاستماع إلى أرليتي (Arletty) وبياف (Piaf) مرة أخرى. العلاقة بين الكلمة والصوت علاقة مثالية. “لا، أنا لست نادمة على أي شيء”، تغنيها بياف، إنه لأمر رائع. إنها كلمات بسيطة، بدون زخارف أدبية، لكنك تنصت خلفها إلى كل حياتك. كلمات لها تأثير مباشر في القلب.

س: تُذكر القراء في كتاب “الإنصات” بذوقك للكوميديا الموسيقية وعملك في برودواي في الستينيات، غير المعروف في فرنسا على عكس إخراجك المتعدد للأوبرا.

ج: أشعر بحب وباحترام عميق للكوميديا الموسيقية. كان لدى بعض الناس نوع من التنفج بخصوص برودواي، ولم يدركوا أنها كانت مدرسة رائعة ومشتلا لمواهب خارقة، حتى لو كان حواليها الكثير من الهراء. توجد في أي حديقة زهور وأعشاب ضارة.

س: في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، أخرجت “بيت الزهور” (House of Flowers)، وهي مسرحية موسيقية كتبها ترومان كابوت استنادا إلى قصة من تأليفه…

ج: كان ترومان كابوت ظاهرة متميزة. مثلي الجنس ثمين ورائع جدا، ذكي ومرح، وذي أنوثة بهية وإغراء كبير في أثناء المحادثة. وكان لنا صديق مشترك هو غراهام غرين. سافرنا نحن الثلاثة إلى هايتي لمجرد الإحساس بالمكان وتذوقه. عبرنا الجزيرة بعيداً عن المدارات السياحية، وحضرنا جلسات الفودو. لقد استوحى ترومان من هذه الرحلة لكتابة “بيت الزهور”، وهو اسم بيت دعارة في ميناء يقع في الكاريبي. حاولنا أن نعطيها شكلًا مسرحيًا وموسيقيًا مع الملحن هارولد أرلين الذي كان صديقًا لمارلين ديتريش. جاءت مارلين لتشجيعه وتقديم النصائح له خلال التدريبات. لسوء الحظ، كان العرض حاذقا ومرهفا للغاية ولم ينجح. بينما كان “الرجال والدمى” (Guys and Dolls ) و”قصة الحي الغربي”  (West Side Story  ) يعرفان نجاحا كبيرا في الفترة ذاتها.

س: أنتقمت لنفسك في برودواي بإخراجك “إرما الرقيقة” (Irma the Sweet)، وهي أوبريت مع كوليت رونار التي اكتشفتَها في مسرح غرامون (Gramont).

ج: كان العرض بسيطًا جدًا، بدون أوركسترا ولكن بأداتين موسيقيتين أو ثلاث فقط لمرافقة كوليت رونار. شعرت بالتحرر من عبء العرض الذي يكلف الكثير، وحيث يشعر المنتج بقلق شديد بشأن الأموال التي استثمرها. في هذا المسرح الصغير، رأينا فرحة الجمهور من دون استثمار كبير. لم يكن هناك ديكور، ولكن الجمهور كان يرى باريس مونمارتر و … البغايا. عرفت الكثير منهن لأجل متعتي عندما كنت شابا، قبل أن يسود الخوف من الأمراض. تأسفت لمنع فتيات الرصيف. عندما كن يبتسمن ويعرضن عليك أن تأتي معهن، تعتريك الرغبة في الجواب بنعم … ولكن كانت الفتيات تخضعن لأولئك الرجال الذين كان عليهن إعطائهم المال للحصول على الحماية، وكان ذلك رهيبا. يروي عرض “إيرما الرقيقة” هذا بتقسيم لطيف للغاية. بيلي وايلدر، الذي أعشقه، نقله إلى السينما إلا أنه للأسف لم يستخدم الموسيقى.

س: بعد ذلك قمتَ بإخراج “أوبرا القروش الأربعة” ( (The Beggar’s Opera مع  لورونس أوليفييه…

بروك4
غلاف الترجمة العربية لكتاب “النقطة المتحولة” لبيتر بروك

ج: “أوبرا القروش الأربعة” جاءت من الشارع. بالنسبة للدور الرئيسي، دور الشرير ماكهيث (MacHeath )، كنت أرغب في استقطاب ممثل شاب مليء بالحيوية يدعى ريتشارد بيرتون. لكن منتج عملي، هربرت ويلكوكس، فضل لورونس أوليفييه، الذي اقترحتُه وكنت أعرفه معرفة محدودة. كان لورونس أوليفييه في أوج مجده، وقد لعب جميع أدوار شكسبير الرئيسية في المسرح والسينما. لم نفهم بعضنا البعض. ولما كان الأمر يتعلق بمنجز غنائي، فقد رأى فيه إمكانية إضافة زهرة إلى تاجه. تلقى دروسا في الغناء، وكان كل تمثيله المتأثر والحاذق، متعارضا مع عالم المتسولين القاسي وطريقتي الارتجالية فوق الركح. كان جديا إلى أقصى الحدود، وكان يعارضني طوال الوقت. عانى الفيلم كثيرا من صراعنا.

س: في عام 1977، بعد وقت قصير من انتقالك إلى “بوف دي نور”، قمت بإعداد ثلاثية “أوبو” لألفريد جاري، لكنك لم تقم أبدًا بإخراج الريبرتوار الفرنسي: موليير، ماريفو، راسين، وفيدو…

ج: كانت “لاكوميدي فرانسيز” وجان فيلار أو جان لويس بارو يقومون بذلك بشكل جيد مع ممثلين رائعين. لم يكن من حقي كأجنبي التطفل. أحب كثيرا فيدو لكني لم أتخيل إخراجه في باريس. كنت أرغب في إنشاء ريبرتوار مختلف مع “منطق الطير” و”ماهابهاراتا” وحتى مع شكسبير، أعمال أخرجتها بطريقتي الخاصة. كانت الفكرة هي الخروج من أغلال المسرح الإنجليزي والذوق الرفيع للمثقفين. لقد سافرت إلى إفريقيا وإلى أنحاء كثيرة من العالم. قدمت ممثلين من بلدان مختلفة للغاية، وهو أمر كان مستحيل التصور في تلك الفترة. ولقد جمعتهم على سجادة بسيطة في قاعة موسيقى مهجورة، في حي سيء السمعة، خلف “محطة الشمال” (Gare du Nord).

س: موريس بينيشو، بروس مايرز أو ميشيل بيكولي الذين وَجهتهم، مثل العديد من الممثلين الذين رحلوا عنا …

ج: كل اللحظات التي تقاسمتها معهم هي أكثر من مجرد ذكريات، فأنا أحافظ عليها بقوة. لا أريد مقارنة موريس بشخص آخر، فلكل واحد فرادته، وعلاقتي مع كل شخص منهم هي علاقة خاصة جدا. كان ميشيل بيكولي أحد هؤلاء الممثلين الذين لا نحتاج حقًا لتوجيههم. كان تبادل النظرات بيننا كافيا…

س: هل تخاف من الموت؟

ج: لا، خفت من أشياء كثيرة، واليوم أخاف من السقوط لأنني في هذه المرحلة من العمر، لم أعد أتوفر على عضلات، وغالبا ما أفقد توازني. أنا أقبل فكرة اتصال الموت بالحياة. سيكون من الغباء الفادح الاعتقاد بأننا خالدون. كل مولود يجب أن يموت. وهذا ليس موقفا أخلاقيًا أو دينيًا أو فلسفيًا، بل هو بداهة.

————–

حاوره: إتيان سورين

جريدة لوفيغارو، عدد 3 يوليوز 2020.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح