«بكاء العربي» والـ «سيمفونية».. مسرحيتان تنتصران للحياة ونقد التاريخ

 (الشارقة) – قد يسقط من التاريخ سهواً حدث ما وذلك لعدم وجود من يسجل هذا الحدث أو هذه الواقعة في ذاك الوقت، ولكن لا يمكن أن تسقط مدينة دون تسجيل ماذا حدث في ليلة سقوطها، ومع ذلك لم يكتب التاريخ عن تلك الليلة إلا القليل، ليلة نهاية تاريخ وبداية تاريخ آخر، إنها ليلة سقوط غرناطة آخر الممالك التي سقطت من الأندلس.
في سياق إنساني تاريخي، عرض أمس الأول على مسرح معهد الشارقة للفنون، مسرح دبا الحصن ضمن عروض أيام الشارقة المسرحية الـ 30، مسرحية «بكاء العربي»، من إخراج وإعداد مهند كريم. تدور أحداث المسرحية عن ماذا يريد عبد الله الصغير آخر ملوك الأندلس أن يحدث؟ وما الذي حدث؟ «في سياق إنساني تاريخي لتقدم قصة سقوط الأندلس بطريقة فنتازية. حيث انقسم العمل إلى جزأين «واقع وحلم»، فهو يحلم بأن يكون قوياً ومسيطراً وعادلاً في غرناطة، ولكن الواقع مختلف تماماً، لذلك فإن العرض يستند للتضاد بين الحلم والواقع.
تتحدث المسرحية عن الفترة الأخيرة من حكم المسلمين للأندلس في غرناطة. وهي لا تركز على فكرة السقوط التاريخي للمدينة، ولكن تسلط الضوء على الجانب الإنساني لأبي عبد الله الصغير، بعيداً عن الحروب والمشاكل، وقصته مع مستشاره الذي كان صديقه منذ الصغر. والعرض لا يبرر فكرة السقوط أو يقدم مسوغات لها، ولكن يوضح مسرحياً بعض التفاصيل التي لم تكن واضحة في السرد التاريخي للقصة، ليكون المتلقي هو الحكم الذي سيقيس ويحدد الأمور من زاويته.
«بكاء العربي» عرض تجريبي مليء بالعلامات جمع بين عدة مستويات منها الروحاني والتاريخي والتراثي، والنفسي، ليس له علاقة بالدين أو السياسة، يعمل على الحالة الداخلية للشخصية والصراع الداخلي. تبنى المخرج تقنيات جديدة ومبتكرة لخلق حالة مسرحية مُغايرة، إذ كان الديكور يتميز بالثبات أما السينوغرافيا فتميزت بالتحول والتفكيك والتركيب والتعدد، وفي هذا الجانب برزت عدة علامات ودلالات على خشبة المسرح، فالمرآة حضرت في المسرحية لترويض المتلقي وإشراكه كعنصر من عناصر العرض، فمن اللحظة الأولى نشاهد مسألة انعكاس المرآة للمتفرج وهو يدخل لصالة العرض، وهذا جزء لا يتجزأ من النسيج الدلالي لهذه المسرحية، كما أن المرآة لا تعد فقط عنصراً يمارس فيه الشخص نرجسيته، حيث أصبحت وثيقة، وشاهدة تكشف الخلل الموجود بيننا، كما أن حضور المهرج (بهلول) ليس حضوراً جديداً، فهناك الكثير من الأعمال المسرحية يتواجد فيها المهرج، فالمهرج يمثل الضحك الفلسفي، كما انه هنا يرتبط بالتأمل في المسرح المعاصر، فالمهرج يرقص على حد السيف بين الجد والهزل، بالإضافة إلى المجال الحركي أو الفضاء الحركي واستطاع الممثل أن يشغله بجسده، وعلى أساس هذه المعطيات، فإن المسرحية ليست مسرحية تاريخية ولكنها تتعامل مع التاريخ من أجل نقد هذا التاريخ، والسخرية واستشراف قضية وضياع الحكم في الأندلس وليلة سقوط غرناطة، كما استطاع المخرج بجماليات أن يمزج بين العلامات بتشكيلات من الأصوات والموسيقى والرقص التعبيري، حتى سقطت راية غرناطة.

إصرار على الحياة
الجمال نقيض القبح والتطرف والعدم، وجمالاً بلا ماهية أو جوهر هو والعدم سواء، ولأن للمسرح أثره المباشر في كسب تأييد الفكر، جاءت أسئلة مسرحية «سمفونية الموت والحياة» عميقة وصارمة، تستفسر عن معاني كثيرة منها ما هي علاقة التفكير بالتكفير؟، وكيف نواجه التطرف والإرهاب بالفن؟
حيث شكل هاجس الموت والمتمثل في التطرف والإرهاب، وصورته عبر مرآة الحياة والمتمثل في الفن وجماليات الموسيقى على وجه الخصوص، الثيمة الرئيسية التي تحرك فيها عرض «سمفونية الموت والحياة»، التي تم تقديمها أمس الأول على قاعة قصر الثقافة بالشارقة، ضمن العروض المشاركة في أيام الشارقة المسرحية 30، من تأليف إسماعيل عبدالله، وإخراج محمد العامري، وإنتاج فرقة مسرح الشارقة الوطني.
هذا العرض في هذه الفترة بالذات المحفوفة بسيرة الموتى، جاء ليؤكد على ضرورة أن يكون هناك إصرار على الحياة والوجود، فالمسرح هنا يفتح على طرق أخرى في الشاشات الكبيرة، التي كانت على جانبي خشبة المسرح، وهي كانت بمثابة الطريق الذي يفتح للتوسع في عمق المسرح، وصوت القطار القادم من تاريخنا وحضارتنا، والذي يستمر في المسير باتجاه الوصول ولكن لا يصل.
كلها مشاهد تجعلنا نتساءل، إلى أين نحن ذاهبون، فالقطار محمل بالحياة ومحاط بالموت والسواد من كل اتجاه، والطريق ضيق، لكنه دائما الفن والثقافة هما وحدهما القادران على أن يشقا الظلام.
تدور أحداث المسرحية حول مواجهة الإرهاب والتطرف بالفن والجمال، وكيف يتم غسل العقول وبث الأفكار السلبية المشوشة وتجنيدها لاعتناق الإرهاب وممارسة الخراب، والفرقة الموسيقية المسافرة بتكليف من قيادات الجيش لإحياء حفلات ترفيهية للجنود المرابطين على الجبهة، واعتراض وهجوم هؤلاء الإرهابيين على القطار وأسر الفرقة، واتهامها بالفسق والكفر، ومحاولة التخلص منها. لتأتي المواجهة بين الآلات الموسيقية والمدافع، وانتصار الفن من خلال الموسيقى على السلاح والإرهاب، للتأكيد على أن الفن والجمال هما الباقيان في الأرض، وأن الحياة المتمثلة في الجمال تنتصر على الإرهاب والتطرف المتمثلان في الموت والدم والدمار.
هناك جرأة كبيرة على مستوى النص الذي يلامس الحياة، فكلنا محاصرون بالموت ليس بالحروب والدمار والانقسام والتطرف ولكن بالأمراض والمعتقدات الغريبة، كما أن النص فيه معالجة درامية قوية، ولغة تساعد الممثل إلى الدخول في الشخصية من خلال الحوارات، ولا توجد جمل معزولة عن مسيرة العرض المسرحي. واستطاع العرض أن ينتصر للحياة بهزيمة الإرهاب. واستطاع المخرج أن يصنع في عرضه حالة من الدهشة من خلال استخدام العناصر والديكور المتحرك والسينوغرافيا والاضاءة والشاشات الموجودة وتحريك هذه الشاشات التي تتحول إلى كائنات في بعض الحالات، وكذلك الانتقال من الكوميديا إلى التراجيديا باقتدار، الأمر الذي ساهم في جعل الجمهور مشدوداً لتفاصيل العرض من البداية والنهاية.. هذه المسرحية ترسم صورة حقيقية عن مدى تطور المسرح الإماراتي.

محمد عبد السميع

(الاتحاد)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح