بعد مسيرة إبداعية ثرّة .. المُعلم “الطيب الصديقي” بديع زمان مسرحنا العربي

بعد مسيرة إبداعية ثرّة .. المُعلم “الطيب الصديقي” بديع زمان مسرحنا العربي

بشار عليوي

الكتابة عن شخصية مسرحية عربية استثنائية كـ”الطيب الصديقي ” , يحتاج منا التوقف بُرهة والاستعداد مُبكراً للخوض في غمار مسيرة إبداعية ثرة قضاها رجلنا المسرحي سائحاً بين خشبات المسرح المغربي ومن ثُم الفرنسي وصولاً الى العربي . فقد قُدرَ لهذا الطيب , أن يمتلك من الثقافة وسِعة العلم والدراية بمكنونات العملية المسرحية مالم يُتح لغيرهِ من المسرحيين العرب , وبالتالي فإن الكتابة عن الطيب الصديقي , يعني أنكَ تختزل تأريخ المسرح العربي المُعاصر حينما تركزت أكثر تلك الجهود في مطلع سبعينات القرن الماضي داعيةً الى إيجاد هوية حقيقية للمسرح العربي والعودة الى التراث كمنبع ثر يُمكن استلهامهِ في إعادة تشكيل هوية مسرحنا العربي , فبرزت الاحتفالية المسرحية بوصفها تُشَكِلْ ( وفقاً لجماعة المسرح الاحتفالي ) هوية هذا المسرح .
لقد رحلَ أبرزَ المسرحيين العرب .. رحلَ المُعلم “الطيب الصديقي” .. المسرحي المغربي .. رائد المسرح الشعبي العربي .. فهو الذي أصبحت أعماله المسرحية , علامة فارقة في مسرحنا العربي المُعاصر , وإليهِ يرجع الفضل في إشاعة المسرح الشعبي وتكريس هذا الاتجاه داخل حياتنا المسرحية العربية , وكما هوَ معروف فإن جميع هذهِ الأشكال المسرحية المُستمدة من التراث العربي الشعبي , قد سبقت تعرّف المُجتمع العربي على الفن المسرحي بوصفهِ فناً وافداً الى البلاد العربية وبالتالي فإنها اتخذت من الفضاءات المفتوحة كالشوارع والميادين العامة , مكاناً لتقديم عروضها حينما استمدت محمولاتها الفكرية من واقع الحياة اليومية للناس بمُختلف شرائحهم . ففي المغرب , نجد ان الاشكال المسرحية الشعبية كانت تقدم في الساحات والميادين العامة كنوع من “الفرجة الشعبية” المسرحية لكن المغرب اشتهر بتقديمهِ للمسرح الاحتفالي الذي قدمَ بعض عروضه خارج مسرح العلبة الإيطالي في الساحات والملاعب والاسواق والشوارع وجميع الاماكن المفتوحة .
فجاءت تجربة مخُرجنا المسرحي “الطيب الصديقي” لتُكرس عروض المسرح الشعبي عربياً , فتلك العروض قد امتازت بأهميتها الاستثنائية بفضل عملهِ بدايةً مع مبلور فكرة المسرح الشعبي على المُستوى العالمي ونقصد تحديداً المخرج الفرنسي “جان فيلار” , واستلهامهِ لمُجمل مُعطيات الدرس الشعبي تنظيراً وتطبيقاً من قبل أُستاذهِ ” فيلار” , حينما عملَ معهُ في عدد من أعمالهِ المسرحية التي قدمها في فرنسا , وحينما عاد ” الصديقي” الى بلدهِ المغرب , وظفَ تلك الخبرات النظرية والعملية التي استقاها من مُعلمهِ في عروضهِ المسرحية المُغايرة عما هوَ سائد ومألوف , فلهُ يرجع الفضل في تكريس تيار المسرح الشعبي على المُستوى العربي .
لقد عُرفَ عن “الصديقي” اهتمامهِ بنقل العرض المسرحي الى اماكن جديدة على المتفرج في مُجمل تجاربهِ المسرحية التي اتخذت من المسرح الشعبي اتجاهاً لها , بالإضافة الى أن “الصديقي” قد استثمر عمله مع نقابات الشغل , وقامَ بتشكيل فرقة مسرحية , تهدف الى تقديم عروض مسرحية لفئة العمال , وعمِدَ الى توظيف المظاهر الاجتماعية المغربية والعربية مثل (الحلقة , البساط , الحكواتي , المقامات) في أعمالهِ المسرحية تلك , وبذلك فإن “الطيب الصديقي” قد عملَ على إعادة روح الاحتفالات الشعبية للمسرح , عبرَ توظيفه لاعداد هائلة بشرية وغير بشرية في عروضه المسرحية , إذ ان عروض “الطيب الصديقي” , تندرج تحت مُسمى ( المسرح الشعبي ) وتهدف الى تحقيق التواصلية مع الجمهور وبشكل مؤثر فيه بما يجعلهُ يتفاعل سريعاً مع الخطاب الفكري والجمالي لتلك العروض التي تُنادي بعودة المسرح للشارع والساحات العامة , وعروض “الصديقي” تندرج ضمن هذا التوصف , وبناءً على ذلك قدمَ مسرحية (وادي المخازن) المأخوذة من تاريخ المغرب وقد عرضت المسرحية في ملعب لكرة القدم واشترك فيها ما يقرب من خمسمئة شخص معظمهم من الجيش المغربي كما قدمَ مسرحية (جامع الفنا) و (مولاي إدريس) ومسرحية (الخراز) التي اشتركت فيها الجماهير في التمثيل كما تبدو في تجربة التأليف الجماعي.
الإحالات //
• مهدي هندو , ( طقوس عاشوراء الدرامية واشكالية التنظير المسرحي) , كربلاء : مكتبة احمد حسون , 2008.
• أحمد شرجي , (المسرح العربي من الاستعارة الى التقليد ) , بغداد:دار ومكتبة عدنان,2012 .
• مخلد نصير بركة الزيود وعلي فياض الربيعات ,(الاحتفالية في أعمال المخرج المغربي الطيب الصديقي), عمان: جامعة اليرموك ,2011) .
• الموسوعة الحُرة (ويكيبيديا) .

 

/http://www.almadapaper.net

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.