أخبار عاجلة

بدايات المسرح السوداني – محمد عبد الرحيم قرني

إن الفرجة والمشاركة الجماهيرية من السمات الراسخة لدى الشعب السوداني، فقد رسخ الجمهور السوداني فن الفرجة وتذوق الفنون عبر أفراحه وأتراحه، الشعب السوداني يقابل الحياة بأشكالها وتقلباتها بالرقص والغناء، فسمة التجمع والتجمهر والفرحة وحب المشاركة طبيعة راسخة لدى السودانيين، في الشمال والجنوب والشرق والغرب، حيث يتجمع السودانيون على مختلف عاداتهم وتقاليدهم في مناسبات الاحتفالات الصوفية الدينية في حلقات الذكر والطقوس وحلقات المصارعة والعرضة و(البطان) وليالي السمر وحلقات الحكي الشعبية، وتشير دراسات واكتشافات الحضارة السودانية القديمة الممتدة إلى 9 آلاف سنة إلى جذور راسخة لفنون ذات أبعاد درامية .

وأثبتت بحوث ودراسات عن أصول درامية لممارسات طقوسية خاصة بأهل السودان القديم، وتتوالى البحوث في المناطق الأثرية السودانية التي تعتبر من أوائل الحضارات الإنسانية في تاريخ الجنس البشري .

من بين الإشارات الأولية المهمة للدلالة على وجود ممارسة مسرحية تشتمل على عرض متكامل وجمهور متلق محققة العلاقة التفاعلية بين مؤدٍ ومتلقٍ يتداولان رسالة (نص) وردت في بدايات القرن العشرين في مدينة رفاعة جنوب مدينة الخرطوم 1903 في احتفال المولد النبوي الشريف، حيث تم تقديم نص مسرحي بواسطة الشيخ بابكر بدري، قد سُخّر عائد العمل لمصلحة بناء مدرسة لتعليم البنات قامت فعلاً على يديه بحلول العام 1907 وحتى 19010 . يصف بادئاً بذلك تاريخاً طويلاً وكفاحاً مريراً من أجل تعليم المرأة مكرساً نفسه عبر مسيرة طويلة لإنشاء جامعة الأحفاد للبنات، وصار المسرح نشاطاً خلال هذه المسيرة الطويلة بل إن جامعة الأحفاد للبنات تتفرد من بين أكثر من 20 جامعة في السودان بالالتزام بنشاط مسرح .

وهناك إشارة جديرة الذكر سبقت إشارة بابكر بدري 1903 وهي:

في العام 1899 بعد أن دان السودان للمستعمر 1898 تم عمل احتفال حضره السودانيون يسمى عرض التاتو، وهو عرض عسكري درامي يصوّر انتصار جيوش الغازي على الوطنيين، ولا يخلو العرض من دلالة هي استخدام الشكل الدرامي الفني في أول مواجهة بين جمهور سوداني وعرض فني لترسيخ دلالة الانتصار واظهار الخضوع .

غير أن العقل السوداني استوعب هذه الفكرة وأعاد إنتاجها واستخدامها في ،1903 عند بابكر بدري وفي 1909 في مدينة القطينة جنوب الخرطوم على النيل الأبيض بواسطة المأمور المصري عبدالقادر مختار، حيث كتب وأخرج مسرحية تكتوت مسخراً ريعها لمصلحة بناء مسجد، وهو أول نص مكتوب يتم عرضه وتداوله بواسطة سودانيين، والجدير بالذكر أن هناك نشاطاً مسرحياً راتباً ومؤسساً مورس في السودان ما بين 1905 1915 عبر أندية وتجمعات الجاليات الأجنبية آنذاك (الشامية الإنجليزية المصرية) .

يعتبر المسرح نشاطاً ثقافياً معروفاً لدى هذه الجاليات، ولم يشاهد بواسطة عامة الجمهور السوداني إلا للمنتمين للمؤسسة العسكرية آنذاك من السودانيين أمثال علي عبداللطيف قائد ثورة 1924 فيما بعد بحكم أنه كان ضابطاً في الجيش، وقد أثبتت إرشادات وتوجيهات علي عبداللطيف الفنية في ما يخص المسرح للفنانين السودانيين الذين أداروا نشاطاً مسرحياً خارج نطاق الجاليات عبر نادي الخريجين 1918 (خريجو كلية غردون) الأندية الرياضية التي مارست نشاطاً مسرحياً في العشرينات والثلاينات من القرن العشرين مثال:

نادي الزهرة الرياضي أم درمان وكان لنادي الخريجين خريجي كلية غردون نشاطاً راتباً يؤمه جمهور منتظم لحضور عروض المسرح والنشاط الأدبي عموماً، بيد أن عروض المسرح التي كانت تقدم بواسطة فرقة منتظمة بقيادة صديق فريد 1887 ،1941 وعرفات محمد عبدالله الذي كان ممثلاً وناقداً وصحافياً وعضواً في جمعية اللواء الأبيض مفجرة ثورة ،1924 ضد الاستعمار ومؤسساً لمجلة الفجر صاحبة الريادة في المطبوعات الصحافية السودانية، حيث مارس من خلالها نقداً مسرحياً رصيناً أسهم في نشر وتذوق وترسيخ فن المسرح وبيان أهميته لدى جمهور المتلقين آنذاك .

وقد أسس نادي الخريجين فروعاً له في كل المدن الكبرى في السودان بواسطة الخريجين المنتشرين في كل دولاب العمل في السودان، بالتالي شاهد هذا النشاط جمهور واسع من قبل مسرحيات مثل صلاح الدين الأيوبي والتي لقيت استقبالاً هائلاً صادف صدى لدى الجمهور الرازح تحت نير الاستعمار مستدعياً ذاكرة تاريخية يمثلها صلاح الدين الأيوبي ضد الصليبيين، وتوالت سلسلة مسرحيات مرسخة للذائقة المسرحية لدى جمهور واسع في العاصمة والأقاليم موطنة المسرح في الثقافة السودانية من أمثال المسرحيات المعربة: تاجر البندقية يوليوس قيصر عطيل أو المسرح العربي كالعباسة محمد علي الكبير ومسرحيات أخرى أمثال أمير الأندلس والتوبة الصادقة (شارل وريتشارد) . وفي سبيل التاج . . هذا النشاط أزعج السلطة الاستعمارية ما أدى إلى إقفال النادي وحظر نشاطه الفني بحلول ،1929 وهو العام الذي شهد مسرحية المفتش والمأمور ورجل الشارع والتي قام بتأليفها عبيد عبدالنور الذي تخرج في الجامعة الأمريكية، وهو مؤسس وعميد لمدارس بيت الأمانة الثانوية وأول مذيع سوداني في الإذاعة السودانية عام 1940 .

احتوت المسرحية على نقد صريح ومباشر للاستعمار البريطاني، وقد تم حظر عرض هذه الأعمال بواسطة قلم الاستخبارات البريطاني آنذاك، وتعرض الفنانون للمساءلة والتوقيف، رغم ذلك فقد انتشر وهج المسرح وعم الأندية الرياضية في أم درمان وبرز نادي الزهرة الرياضي في أم درمان عبر نشاط الرائد المسرحي خالد أبو الروس 1908 1986 تلميذ بابكر بدري الفني، حيث كتب ومثّل وأخرج العديد من الأعمال منذ مطلع الثلاثينات مستفيداً من تجربة نادي الخريجين والمسرحيين السودانيين الأوائل مثل بابكر بدري وصديق فريد وعرفات محمد عبدالله وعبيد عبدالنور وخالد عبدالرحمن أبو الروس، وعرف كشاعر غنائي أسهم في نهضة الغناء السوداني منذ الثلاثينات، وقد أسس ما يسمى بالمدرسة الفنية الغنائية الأولى وله أغنيات مشهورة تغنى بواسطة كبار فناني السودان حتى اليوم، وألّف أكثر من 7 مسرحيات (بالشعر القومي) وألّف كذلك في فن المنلوج وجارى رباعيات الخيام بالشعر الشعبي وألّف الأغاني وكتب في الحكم والمواعظ، ومن أعماله المسرحية المشهورة لدى جمهور واسع في السودان (تاجوج)، وهي مأخوذة من القصص الشعبي في شرق السودان (توازي قيس وليلى) وخراب سوبا وابليس وغيرها، وجدير بالذكر أن خالد أبو الروس طاف بأعماله هذه الخرطوم والأقاليم في رحلات منتظمة وحقق طيفاً واسعاً من المتذوقين لفن المسرح على مساحات واسعة من قرى وأقاليم وعواصم مدن السودان في ذلك الوقت، وفي الفترة ذاتها نشط شاعر غنائي معروف هو إبراهيم العبادي وعدد من الشعراء الذين اقتدوا بتجربة أبو الروس والعبادي، فشهدت الأندية الرياضية والتجمعات الأدبية الوليدة نشاطاً ملحوظاً في انتشار فن المسرح، لكن يبقى إبراهيم العبادي يمثل مكاناً عالياً في تاريخ المسرح السوداني باعتبار مسرحية المك نمر قد تركت أثراً واضحاً لدى جمهور واسع من الشعب السوداني، وحفظت كثيراً من مقولات المسرحية الشعرية التي لقيت هوى لدى جمهور المتلقين حيث حفظ الملايين مقولة:

جعلي ودنقلاوي وشايقي ايه فايداني

غير ورثة خلاف خلت أخوي عاداني

خلو البينا يسري مع البعيد والداني

يكفي النيل أبونا والجنس سوداني

هكذا قال إبراهيم العبادي في مسرحيته الخالدة (المك نمر) في أوائل الثلاثينات من القرن العشرين وقد أثبت أن الفنان المسرحي السوداني قادر على استيعاب الظاهرة المسرحية وإنتاجها والغوص عميقاً في تراث شعبه والخروج بأمثولة وعبر ترسل إشاراتها بعيداً مستحثاً جمهوراً متسعاً عبر الزمان والمكان، بل متعدياً حدود الجغرافيا وسط شخوص المسرح العظيمة والهادئة نحو قيم السلام والمحبة والعدل، هكذا كان الفنان وكان الجمهور الملتف حول المسرح مستمتعاً بالنسق الشعربي (الشعبي) .

هذه هي بدايات المسرح السوداني الذي لبّى طموحات وأشواق المواطنين والشعب مانحاً إياهم متعة ووعياً في ظرف تاريخي خفت فيه صوت السياسي وعلا صوت المبدع .

نهضة

تعتبر الثلاثينات من القرن العشرين هي فترة نهضة وانتشار فن المسرح السوداني تأليفاً وإخراجاً وتمثيلاً عبر الأندية الرياضية وحركة الرواد الأوائل أمثال خالد أبو الروس وإبراهيم العبادي وآخرين في أم درمان بؤرة النشاط الأدبي والثقافي والسياسي والفني، والذي امتد إلى أقاليم السودان المختلفة عبر رحلات منتظمة طابعها رياضي ولكن يصاحبها الغناء والمسرح، وقد انتظم كثير من فناني الجيل الأول من السودانيين في سلك الأندية الرياضية، وكان من أشهرهم فنان السودان الأول كرومة الذي مارس الرياضة عبر نادي الهلال المعروف، وفي العام 1934 أنشأ معهد بخت الرضا على النيل الأبيض جنوب الخرطوم، وهو معهد يعمل على تخريج معملي المدارس الأولية الوليدة، وكان من أكبر معاهد التربية في القارة الإفريقية والوطن العربي آنذاك استقطب السودانيين بالدرجة الأولى وحتى من دول الجوار الإفريقي والعربي آنذاك، وقد كان المسرح نشاطاً راتباً بهذا المعهد فتحول إلى جامعة الآن فانداحت دائرة المسرح عبر المدارس كنشاط متزامن بالنشاط الأكاديمي، وقد كانت المدارس هي شعلة التعليم ومنارة الثقافة في أصقاع السودان .

ومن بخت الرضا خرجت فكرة كلية الفنون الجميلة والتطبيقية مع الإنجليزي قرينلو ،1946 ولاحقاً أسهم الفكي عبدالرحمن مع آخرين في إنشاء معهد الموسيقا والمسرح 1968 .

في نهاية الثلاثينات من القرن العشرين تحرك الساسة السودانيون عبر مؤتمر نادي الخريجين بقيادة الزعيم التاريخي إسماعيل الأزهري ورفاقه من قدامى خريجي غردون الذين يشكلون الطبقة المستنيرة والمثقفة والسياسية، وتم رفع مذكرة شهيرة سميت بمذكرة المؤتمر مقتدين بذلك بنهج المهاتما غاندي مطالبين بجملة مطالب سياسية وملوّحين بالاستقلال، وبرز المستعمر مرة أخرى ليلعب دوراً حاسماً في تشكيل السودان .

على أن المسرح في الفترة ذاتها شهد مداً جديداً وصحوة فنية امتدت إلى ربوع السودان عبر فرقة السودان للتمثيل والموسيقا والتي استوعبت كل تراث الأجيال السابقة من المسرحيين السودانيين، ودشنت مسرحاً وداراً مستقلة لعروضها وتدريباتها عبر مؤسسها وقائدها ميسرة السراج رائد المسرح الحديث ،1924 الذي بنى في ما بعد استديو إذاعياً خاصاً كان يمد الإذاعة الوليدة ،1940 بالمواد الدرامية والتمثيليات في قفزة نوعية للفنان المسرحي السوداني هذا بجانب أعضاء مجموعة (استديو الممثل) التي من خلالها خرج ممثلون كبار حملوا شعلة الفن في المسرح والإذاعة والتلفزيون فيما بعد كالرائد الممثل عوض صديق تلميذ ميسرة السراج ويعتبر صاحب أكبر مساهمة في حقل التمثيل حتى رحيله في عام 2004 .

ويذكر للرائد المسرحي ميسرة السراج أنه يجانب إنشاء فرقة السودان للتمثيل والموسيقا وبناء مسرح خاص أنشأ مجلة فنية باسم الأفق 1948 . وسعى لتسجيل فرقته الفنية في وزارة العدل 1946 وأعاد تسجيلها عام 1950 في سابقة فنية متقدمة في تاريخ العمل الفني كما أنه كوّن فروعاً لفرقته في مدينة عطبرة (شمال السودان) وأنشأ فرعاً آخر في العاصمة الخرطوم بحري، وعلى يديه صعدت أول امرأة سودانية في الأربعينات خشبة المسرح، وهي سارة محمد ما عرّضه لحملة شعواء في أم درمان لسنوات إلا أنه استمر يقدم العديد من الأعمال مثل مسرحية غرس الأحرار ،1940 زوجتان ،1945 ضحايا الغرام 1952 وانتقام وغرام في عام 1959 .

شهد العام 1958 استيلاء العسكر على السلطة فتغيّر المناخ السياسي وصدرت قوانين مقيدة لعمل الأحزاب والحريات العامة من قبيل التجمهر والتجمع وبالتالي طالت الحياة السياسية الثقافية انتكاسة توقف على اثرها النشاط المسرحي وانزوى كنشاط في المدارس والأندية يلتمس الترويح والسمر لتجديد روحه المعنوية وانقطع الرواد الأوائل للمسرح عن العمل واندغموا في تيار الحياة الجارف رغم أن الحكم العسكري أشاد بدور الرياضة وأنشأ للمرة الأولى في السودان مسرحاً قومياً .

*جزء من ورقة مُقدمة إلى ملتقى الشارقة السابع للمسرح العربي

محمد عبد الرحيم قرني

(الخليج)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح