بحث تحليلي معاصر  للتراجيديا.. في مسرحية أوديب ملكاً سيجموند فرويد كان مخطئاً في عقدة أوديب –  د . راجي عبد الله

2
أوديب ملكا (بالإغريقية: Οἰδίπους Τύραννος)‏

بحث تحليلي معاصر  للتراجيديا.. في مسرحية أوديب ملكاً سيجموند فرويد كان مخطئاً في عقدة أوديب –  د . راجي عبد الله

– 1 –

 في البدء يقتضي التنويه إلى أن  الهدف من هذا البحث هو تسليط الضوء على أهم الميزات الرئيسية للتراجيديا اليونانية القديمة , التي أثرت تأثيرأً كبيرا ً في عموم نشأة الحركة المسرحية وتطورها اللاحق وما زالت تؤثر حتى يومنا هذا ,  على الرغم من أن هذه النشأة تعود إلى عدة قرون قبل الميلاد , نظرا ً للموضوعات الدرامية التي كانت تتناولها تلك المسرحيات المعروفة التي كتبها أسخيلوس وسوفوكليس ويوربيدوس  .  لكن الأسئلة التي تطرح نفسها في هذا البحث  , هل أن التراجيديا قد توقفت في حدود الزمان والمكان المعينين ؟ وهل أن موضوعاتها قد كتبت  لتصلح إلى الزمن القديم وليست لها علاقة بالزمن المعاصر الذي نحن فيه  ؟ وكيف يمكننا التعامل مسرحيا ً مع نصوص إستمدت خصوصيتها من بيئة مختلفة عن بيئتنا في الوقت الراهن ؟ وأن تكون مقاربة للنصوص المسرحية الحديثة التي تعرض على خشبة المسرح الآن في بلدان مختلفة من العالم ؟  من جانب آخر لقد تطورت التراجيديا تطورا ً كبيرا ً من مرحلة تاريخية إلى أخرى , لكن من أهم تلك المراحل هي مرحلة تطور التراجيديا إبان عصر النهضة على يد شكسبير الذي كتب لنا تراجيديات مختلفة ما زالت تؤثر فينا تأثيراً بليغاً  وكأنها كتبت لنا في العصر الحديث . غير أن المسألة الهامة التي سيتم تحليل جوانبها في هذا البحث هي مدى العلاقة بين التراجيديا الكلاسيكية القديمة وبين التراجيديا الشكسبيرية من  خلال إختيار أربع مسرحيات كنماذج بحثية , هي  أوديب ملكاً وأنتيجونا لسوفوكليس و هاملت وعطيل لشكسبير  :

         1- أوديب ملكاً :

ملكا
أوديب ملكا – إخراج ممدوح عقل

تعتبر هذه المسرحية من المسرحيات الهامة في الأدب المسرحي قاطبة , ليس لأنها تشكل تأسيساً للمسرح اليوناني القديم , ولا لكونها تتناول موضوعة تراجيدية هامة , بل لكونها مادة تراجيدية تتكرر باستمرار على امتداد العصور . صحيح أن هنالك العديد من التراجيديات التي آثرت فينا نحن أبناء العصر الحديث , تلك التي ورثناها من آداب الأمم والشعوب القديمة, لكن الذي يميز هذه القطعة الفريدة في الأدب اليوناني ( أوديب ملكاً ) هو أنها أصبحت متداولة بشكل واسع منذ أن كتبت في حوالي  400 سنة قبل الميلاد ولحد الآن , بحيث أن الكثير منا يكررون دائماً ذكر تلك المأساة وتناولها علماء النفس بطرق مختلفة طبقا ً للتحليلات التي وردت في هذا المجال .

ولأنني تناولت  العديد من البحوث التي تختص بالعمل المسرحي على مستوى التأليف والتمثيل والإخراج بالإضافة إلى التقنيات المسرحية المتعددة التي تتميز بها المدارس المسرحية المختلفة , فإنني أدعو من خلال هذا البحث  إلى العودة للموضوعات القديمة  من أجل إحياء هذا التراث الإنساني القديم  وتقديمه من جديد  بطريقة فنية عصرية تعتمد على التجديد والإضافة , وتعتمد أيضاً على الرؤية الفنية الجديدة لموضوعات مسرحية في غاية الأهمية .

وقبل تناول البناء الدرامي للمسرحية أجد من الضروري التطرق إلى البيئة الفنية الإبداعية التي أنتجت هذه المسرحية , إذ  لا يمكن تناول أية مادة أدبية دون النظر إلى  عمق جذورها وأصولها , و البحث في الظروف الآنية التي أنتجت  تلك  الأعمال المسرحية  , التي مازالت بين أيدينا والتي وردت إلينا من مبدعين عاشوا قبلنا في هذه الدنيا ثم رحلوا عنها تاركين لنا إرثا ً فكرياً ً وفنيا ً عظيماً ً . 

 العودة إلى الجذور :

إن السؤال الذي  يطرح نفسه: هل أن الأعمال الأدبية تنفصل عن الحركة الأدبية السائدة في  العصر أو الزمان الذي كتبت فيه ؟ وهل أن الكاتب أو الشاعر الدرامي قد ظهر إلى حيز الوجود دون أن تكون هنالك حركة أدبية شاملة أثرت فيه وساهمت أيضاً ً في نشأته وتطوره ؟ و للإجابة عن هذين السؤالين يمكن القول  أن الإبداع حالة خاصة و نادرة جداً, لا يتساوى فيها اثنان من المبدعين  ولا يتشابهان على الإطلاق, لكن أحدهما  يكمل الآخر,  وهما لا ينفصلان عن اللذين سبقوهما أو عن أولئك الذين سيأتون بعدهما ولو بعد آلاف السنين, لأن الأدب الإنساني  فعل تعبيري شامل حتى وإن كانت له  خصوصيته ولغته وأدواته التعبيرية.

من هذا المنطلق سأتناول بالتحليل الظروف الموضوعية المكملة التي أنتجت هذه التراجيديا  بشيء من التفصيل وبما تسمح به مساحة النشر,  وعليه يمكنني الإشارة إلى ما يلي :

 أولا ً – العقائد اليونانية القديمة :

 لقد لعبت العقائد اليونانية القديمة دوراً هاماً في نشأة وتطور المسرح والأدب اليوناني القديم , و أعني بتلك العقائد , العلاقة السائدة آنذاك في نظرة الإنسان القديم إلى الوجود والكون وإلى تعدد الآلهة في تلك الفترة الغابرة من الزمان , وهنا أصبحت الطقوس التي كانت تقام هناك وهناك جزءً لا يتجزأ من الممارسات  الجماعية التي كانت تقام في تلك الآونة , ومن ثم تطورت بعد ذلك شيئاً فشيئاً إلى أن أصبحت  تقام سنوياً في فصل الربيع احتفاء بأعياد الإله اليوناني ( ديونيسوس )  .

 لكن الشيء الملفت للانتباه  أن تلك الطقوس اليونانية تقترب كثيراً من الطقوس الفرعونية القديمة ومن الأساطير التي كتبت عن (إيزيس) و ( أوزوريس ) بما يقابلها من الأساطير التي كتبت عن ( انانا ) و ( دموزي )  عند السومريين أو ( عشتار ) و ( تموز ) عند البابليين . هكذا  كان هذا التشابه بين تلك الأقوام القديمة , وهكذا أصبحت الطقوس التي كانت تقام في أعياد الربيع عبارة عن طقوس يمكن أن تكون متوارثة  عن  سابقتها , أو أنها تكون قد ولدت مع فكر الإنسان ونمط علاقته مع الطبيعة والوجود على حد سواء .

وبالعودة إلى الموضوع الذي نحن بصده ,  فإن تلك الأعياد كانت تقام في الليالي القمرية , حيث الرؤية الواضحة التي تتيح للجمهور الكبير  متابعة تلك الاحتفالات والعروض المختلفة في الملاعب الكبيرة  , ومنها العروض المسرحية التراجيدية للمؤلفين اليونانيين القدماء , أسخيلوس , سوفوكليس  و يوربيدوس .

إن الفاصل الزمني بين الكتاب الثلاثة  كبير جداً , وهذا يعني أن الطقوس الاحتفالية استمرت لمئات السنين وكانت تقدم في الهواء الطلق  لمرات عدة قبل أن يتم تدوينها على هذا الشكل الذي وصل إلينا . كما أن هذه الأعمال المسرحية تطورت شيئاً فشيئاً لتقدم المسرحية الواحدة وما يتلوها من قصة  أو أحداث في ثلاثة أو أربعة  أيام متتالية ,   بما يسمى بالعروض ( الساتاريه )  , ولا غرابة في الأمر إذ قلنا بأن المسرح اليوناني القديم قد تميز عن غيره في تقديم سلسلة من العروض المتواصلة للمادة الدرامية الواحدة  التي تحتوي على  بناء درامي محكم تماماً  حتى وإن تمت تجزئتها على هيئة مسرحيات عديدة .

وهنا نجد هذا التواصل الدرامي في الحكاية الواحدة بين مسرحيات سوفوكلس ابتداء من مسرحية ( أوديب ملكا ً ) مروراً  بمسرحية ( أوديب في كولونا  ) التي  تناول فيها المؤلف  خاتمة حياة أوديب بعد أن نفي من وطنه طريداً تقوده إبنته أنتيجونا ثم  انتهى به المطاف في قرية صغيرة تدعى كولونيا , تقع في الشمال الغربي من مدينة أثينا . وكذلك مسرحية ( أنتيجونا )  التي تتناول حياة  إبنته وموتها بعد أن حكم عليها الملك كريون بالسجن مدى الحياة لأن خالفت أوامره بدفن أخيها  .

ومع ذلك , فإن لكل مسرحية من هذه المسرحيات  بعد درامي متكامل على الرغم من تواصلها في نوع الحكاية وحبكتها مع المسرحية الأخرى . و هنا  تجدر الإشارة إلى أن سوفوكلس  تمكن من تأليف مادة تراجيدية  , لم يستطع أي كاتب مسرحي  الوصول إلى ما وصل إليه في فن صياغة تسلسل الحكاية  الواحدة التي تتجزأ إلى عدة مسرحيات  , دون أن يكون هنالك ضعف في البناء الدرامي  لأية مسرحية  منها على الإطلاق .

إذ ربما تكون تلك الحكاية المتسلسلة كانت معروفة عند اليونانيين الأقدمين , ومن ثم جاء سوفوكليس ليعيد صياغتها من جديد على شكل  عمل تراجيدي محكم بعد ذلك , لكن هذا الاحتمال لم يؤكد  حتى الآن لعدم وجود الوثائق الأدبية التي تدعم هذا الرأي , غير أن الشيء الأكيد في كل هذا وذاك , هي تلك القدرة الفائقة لدى المؤلف التي استطاع من خلالها تقديم أعمال تراجيدية رفيعة المستوى . 

ثانياً – المناخ الأدبي السائد :

ما من شك بأن المناخ الأدبي اليوناني القديم السائد، قد ساهم كثيراً في بلورة فكرة المسرح وكتابة  نصوص مسرحية ذات المستوى المتميز  , تلك التي سميت فيما بعد بالنصوص الكلاسيكية القديمة , حيث لعب الشعر اليوناني القديم دوراً رئيسياً في فن لغة الحوار المسرحي الرفيع الذي تمتاز به جميع هذه النصوص المسرحية المختلفة للمؤلفين الإغريقيين . فالبلاغة الأدبية وقوة الوصف والاختيار الدقيق للمفردات المكتوبة كان لها الأثر البالغ في نشوء وارتقاء تلك النصوص ومن ثم بقائها وتواصلها مع الجمهور حتى يومنا هذا . فهي نصوص محكمة , دقيقة الوصف , قوية البناء , ولا توجد فيها أية مشاهد ضعيفة على الرغم من أنها كتبت في بدايات ظهور فن التأليف المسرحي آنذاك .

كما أنني سأؤكد أيضاً عند  تناولي مسرحية ( أنتيجونا ) , على  أن هذا المناخ الأدبي السائد هو الذي أدى إلى وجود حالة من التواصل والتطور في فن الحكاية المسرحية وفي طريقة كتابتها , وبدون ذلك تصبح كل تلك المحاولات الكبيرة عبارة عن  محاولات  فنية وأدبية ظهرت بمحض الصدفة ولن تتكرر , لكننا نجد أن تلك المحاولات المسرحية أخذت أبعاداً تكاملية من كاتب تراجيدي يوناني قديم إلى كاتب آخر قد جاء بعده . كل هذه الأدلة الدامغة تؤكد على وجود نهضة أدبية ومسرحية يونانية قديمة قد ساهمت مساهمة فعالة في نشوء الحركة المسرحية وتطورها .

من جانب آخر أن البعد الزمني بين ظهور الملاحم اليونانية القديمة ( الإلياذة ) و ( الاوديسا ) المنسوبتين إلى ( هوميروس )  كان بعداً شاسعاً كما ذكرت سابقاً , وفي هذا البعد لابد أن تكون هنالك تحولات كبيرة قد حصلت في نمو وتطور صياغة الأسطورة أو الحكاية ومنها الحكاية المسرحية ,  وهذا يعني  في نفس الوقت , أن  تواصل تلك الأعمال الأدبية والفنية قد أثر في نفوس اليونانيين القدماء تأثيراً بليغاً وجعلهم يعتزون بتراثهم وبنفائسهم الأدبية والمسرحية , مما ساهم ذلك بشكل متبادل في تطور الحركة الأدبية والفنية اليونانية القديمة  , وساهم أيضاً في تطوير الحركة المسرحية ,  إذ أن بدون هذا التواصل بين المؤلف أو الشاعر والكاتب المسرحي وبين الجمهور لا يمكن أن تكون هنالك نهضة أدبية و مسرحية  على الإطلاق .  

عقدة أوديب :

يتداول الكثير من الناس في عصرنا الراهن مصطلح ( عقدة أوديب ) , وهذا المصطلح  من المصطلحات الهامة التي وردت في علم النفس باعتباره يشكل عقدة نفسية تتكرر باستمرار في حياتنا السابقة والراهنة, وهي مفهوم أنشأه سيجموند فرويد واستوحاه من أسطورة أوديب الإغريقية، وهي عقدة نفسية تطلق على الذكر الذي يحب والدته ويتعلق بها ويغار عليها من أبيه ويكرهه وهي المقابلة لعقدة اليكترا عند الأنثى .

 إن هذه المسرحية هي التي مهدت لظهور وتداول  هذا المصطلح لأول مرة في تاريخ البشرية منذ حوالي 400 عام قبل الميلاد  من خلال عمل تراجيدي مسرحي. لكن المشكلة التي وقع فيها الكثيرون عند  تكرارهم لهذا المصطلح و استخدامه ,  هو عدم التطرق إلى الحالة القدرية التي أدت إلى زواج (أوديب الملك) من أمه دون أن يعرف أنها أمه على الإطلاق  حسب ما ورد في المثولوجيا اليونانية, وليس كما نراه نحن في عصرنا الراهن الذي  قد يعتمد  المفكرون فيه على عاملي الصدفة والمصادفة في تحليل هذه الحالة .

فرويد
سيغموند فرويد (1856م – 1939م)

وهنا لا يجوز قطعاً  إلقاء اللوم على رجل لم يعرف أبداً أن زوجته هي ( أمه ) وإن أولاده وبناته هم ( أخوته وأخواته ) فهي حالة قدرية كما ذكرت وفيها ظلم كبير لشخصية تاريخية وردت في الأدب المسرحي، لا علاقة لها من قريب بشخصية أوديب,  ولا يجوز قطعاً  تعميم هذا المفهوم السائد الذي أطلقه فرويد على رجل لم يعرف أبداً أنها أمه لكي يغار عليها حتى من والده أو أن يكرهه لهذا السبب.  ولهذا فإن أوديب الملك لا علاقة له بهذا المفهوم  وليس له أية صلة بهذا التعميم أو التفسير النفسي الذي أطلقه فرويد على الإطلاق  في هذه المسرحية, فالفعلة تختلف وتختلف ظروفها وأسسها وتختلف أيضاً عاقبتها من شخص إلى آخر .

إنها  حالة قدرية  بالمفهوم اليوناني , غيبية الأبعاد وواقعية التأثير علينا  نحن أبناء العصر الحديث, وهنا تكمن حالة الفصل بين ما هو متعارف عليه في تناول هذا المصطلح وتكراره في حياتنا العامة, مما أحدث ذلك خلطا ً واضحا ً دون وعي لكلا الحالتين ,  حتى  أن البعض أخذ يتصور دون معرفة ,  أن تعلق الابن بأمه   إلى درجة كبيرة له علاقة بهذا المصطلح  , وإن كان هذا التعلق  إنسانياً وعفوياً يرتبط في العلاقة بين الابن وأمه منذ اللحظات الأولى لولادته وحتى النهاية  .

لقد عاقب (أوديب) نفسه عقوبة كبيرة عندما فقأ عينيه ما أن عرف أن القدر هو الذي  حتم عليه أن يكون زوجاً لأمه , وعندما فقأ عينيه أراد أن يطفئ النور الذي يرى فيه كل صور الحياة المأساوية التي أدت به إلى هذا المؤدى , وهو بفعلته هذه لم يعد يريد أن يبصر شيئاً بعد أن تزوج أمه وقتل أباه دون أن يعرفهما قط من قبل .

هذه هي الحالة الحقيقية لمأساة الملك أوديب كما وردت في النص  المسرحي الذي في متناول يد القراء والذي نحن بصدده الآن  , وليس كما ورد في تحليل سيجموند فرويد وإطلاقه هذا المفهوم الذي أصبح سائداً بعد مدة , إلا إذا كان فرويد قد اطلع على نص آخر كتبته سوفوكليس غير هذا النص , لكن هذا الأمر تنقصه الأدلة الدامغة التي تثبت صحته  من خلال وجود نص مكتوب يدعم هذا الرأي  . كما أنني عدت إلى الأساطير اليونانية القديمة ولم أجد باللغة الإنكليزية سوى هذه المسرحية التي أطلق عليها أسطورة أوديبوس أيضاً .

تلك هي الحكاية التراجيدية التي وردت إلينا من عصور قبل التاريخ , وظلت تعيش بيننا طيلة كل هذه الفترة من الزمان ,  حتى أخذنا نكرر هذا المصطلح بوعي أو من دون وعي نتيجة حالات عديدة ومختلفة تحدث في حياتنا المعاصرة المليئة بالاضطراب والاغتراب معاً .

فهل  كان أوديب  مذنباً أو فاحشاً بمحض إرادته ؟ وهل أن تعلق الأبناء بأمهاتهم مشابه تماماً لفعلة أوديب ؟ كلا على الإطلاق , خاصة في  الحالة الثانية التي تؤدي إلى عواقب وخيمة  . وبالمقابل فإنه يتوجب على الباحثين العلميين في كل مكان إعادة الإعتبار إلى رجل بريء ظلم كثيراً بتحليل خاطيء , وكان الأجدر بفرويد أن يفرق بين التعلق الفطري الذي يمكن أن يحدث في الحياة دائماً بين إبن وأمه , إن كان بإراده أو دون إراده , وهنا نقطة الخلاف الجوهرية التي سيطرق هذا البحث إليها في تفصيلاته .

وعندما نعود إلى نص المسرحية ,  نجد أن   فعلة اوديب  ( القدرية) كانت خارجة عن وعيه وإدراكه ومعرفته بما ستؤول إليه الأمور منذ ولادته  , إذ أنه قبل أن يولد أنذر وحي الإله    (أوبولون) أباه الملك لايوس بن لبدكوس الذي كان ملكاً على ثيبة من أنه سيقتل بيد ابن يولد له , وبالفعل فقد ولد له صبي بعد فترة, فأمر الملك بطرحه في العراء على جبل  يدعى (كيتيرون) , وسله إلى راع لكي يقوم بذلك , لكن الراعي أشفق على الصبي وأعطاه إلى  أحد رعاة مدينة أخرى تدعى ( كورنتوس ), وهؤلاء الرعاة أعطوه إلى ملكهم الذي رباه حتى أصبح شاباً , ثم قصد مدينة طيبة  بعد ذلك , وفي الطريق التقى برجل كبير في السن وحدث بين أتباع الملك وأتباعه قتال  , حيث قُتِلَ في هذه المعركة أبوه  دون أن  يعرف أوديبوس أنه أباه الحقيقي , ثم سار في طريقه  إلى أن  وصل إلى مشارف المدينة , لكنه  ما أن دخل مدينة ثيبة  حتى عرف بأن هنالك حيواناً غريباً مهلك يقطع طريق المارة  , إذ  يلقي على أحدهم لغزاً ومن لم يستطع حله يفترسه , وعلم أيضاً  أن  ( كريون ) وصي الملك  قد أعلن  أن الذي يخلص المدينة من هذا البلاء سيكون ملكاً على المدينة  ويتزوج الملكة  , وعندما أقبل هذا الشاب الغريب  ( أوديبوس ) على الحيوان حتى ألقى عليه  اللغز  , فحل اللغز وتهاوى الحيوان صريعاً , وبهذا أصبح ملكاً على ثيبة وتزوج من الملكة وولد له منها العديد من الأبناء والبنات . 

تحليل البناء الدرامي للمسرحية :

تبدأ المسرحية بمشهد إستهلالي أمام قصر الملك , وهو المنظر والمشهد الوحيد في المسرحية بكاملها الذي يشكل وحدة المكان في المسرحيات الكلاسيكية القديمة قاطبة . في هذا المشهد نجد أن هنالك وباء  قد عم  في مدينة ثيبة  , وإنها تهتز هزاً عنيفاً بفعل هذا الوباء الذي لا يعرف سببه ,  وهي تهوي الآن في هوة عميقة  وقد أحدقت بها الأخطار الدامية ,  و إنها تهلك بما فيها من بشر وحيوان , وما أصاب نساءها من إجهاض عقيم .  وباختصار أن الوباء المهلك قد أتى على المدينة ,  هذا ما جاء في المشهد الاستهلالي  الذي كان الكاهن  يخاطب  فيه أوديبوس الملك  أمام حشد كبير من سكان ثيبة  بحوار طويل * :

الكاهن : ….. لقد أرشدك الإلهة فيما مضى فكن اليوم كما كنت بالأمس , فالخير أن تحكم المدينة معمورة  لا مقفرة . ما قيمة الأسوار, وما قيمة السفن إذا خلت ولم يوجد من يلوذ بها ويحتمي من ورائها ؟

إذن . أن سكان ثيبة يبحثون عن الخلاص من هذا الوباء ولا يعرفون له سبباً , وهم جاءوا  إلى مليكهم لكي ينجيهم من هذا الوباء الذي يفتك بهم  بعد أن أنجاهم من ذلك الحيوان المفترس. فيخبر الكاهن بأنه أرسل  ( كريون) الوصي على العرش إلى معبد الإله( أبولون ) ليعرف منه السبب . وبعد مدة  يأتي كريون ويخبر أوديبوس  بما أنبأه به الإله أوبولون ( 1 ) :

كريون   : سأقول إذن ما سمعته من فم الإله . إن الإله  أبولون يأمرنا أن ننقذ هذا الوطن من رجس  ألم به, وألا نسمح لهذا الرجس أن يبقى حتى ينمو ويصبح شفاؤه عسيراً .أوديبوس : بأي نوع من أنواع الطهر ؟ وإلى أي نوع من أنواع الشر يشير الإله ؟

كريون   : أما الطهر فأن ننفي مجرماً وأن نقتص من القاتل بالقتل , فإن الإجرام والقتل هما أصل الشر في ثيبة .

أوديبوس : عن أي قتيل يتحدث الإله ؟

كريون   : أيها الملك . لقد حكم هذه المدينة لايوس قبل أن يصير أمرها إليك .

أوديبوس : أعرف ذلك . أنبئت به لكنني لم أر هذا الملك قط .

كريون   : أما وقد قتل فإن الإله يأمر بعقاب قاتليه مهما يكونوا .

أوديبوس : أين هم ؟ كيف نقص آثار هذه الجريمة القديمة ؟

كريون   : قال الإله إنهم في هذا الوطن . من بحث عن شيء وجده , ومن أهمل الشيء أفلت  من يده .

إن هذا الحوار يؤكد  أن  قتل الابن لأبيه حدث دون معرفة أو عن قصد مبيت , فهي معركة حدثت في الطريق أو في البراري  بين مجموعتين , وربما يكون فعل القتل  دفاعاً عن النفس. بالإضافة إلى ذلك إن هذا الحوار يوضح كلية بان أوديب لا يعرف من هو القتيل  ويحاول القصاص من قتلته . وفيه هذا إجابة صريحة على ذلك  المفهوم  الخاطئ الذي أشرت إليه آنفاً.

وهنا يبدأ الفعل الدرامي بالتصاعد كثيراً منذ الوهلة الأولى , حيث يجد المشاهدون أنفسهم أمام فعل تراجيدي حدث قبل عدة سنوات ويجهلون من هو فاعله , لكنهم يعرفون من خلال ما يجري أمامهم أن هذه المدينة قد أصابها الدمار وحل بها الوباء , ليس لأن القتيل هو الملك السابق لهذه المدينة , بل لأن هنالك رجساً قد حل بها  وأوصلها إلى الهاوية . فالإله ( أوبولون ) يطالب بالقصاص من القاتل لكي يعيد إلى المدينة أمنها وهدوئها , وهنا نجد هذا التواصل المباشر بين الآلهة اليونانيين وبين الناس مثلما نجد نفس التواصل بين الآلهة الفراعنة أوالآلهة السومريين , ولا عجب إذا وجدنا أن الآلهة القدماء يتصرفون كالبشر في جميع الحضارات الغابرة على حد سواء . لكن السؤال الذي يطرح نفسه , لماذا لم يخبر الإله ( أوبولون ) كريون بجميع التفصيلات التي ذكرتها  آنفاً ؟ وبمعنى آخر , لماذا لم يكشف هذا الإله كل تفصيلات الجريمة ؟

.jpg
سوفوكليس (496 – 405 ق.م)

إن سوفوكليس لا يمكن أن يكشف كل خيوط البناء الدرامي وحكايتها دفعة واحدة, ولا يمكن على الإطلاق أن يقدم للجمهور مادة تراجيدية غير قابلة للتطور منذ الوهلة الأولى, وفي هذا خير دليل على أن هذا الكاتب العظيم , كان يجيد التعامل مع البناء الدرامي في كتابة المسرحية ,  على الرغم من أنه   كتبها في مطلع تأسيس الحركة المسرحية وفن التأليف , وبمثل هذه الحالة قد ترك المشاهد  المسرحية واحداً تلو الآخر تتصاعد بالتدريج لتصل  إلى الذروة و تشكل الحد الفاصل بين جميع الأفعال الدرامية ونهاية المسرحية  .

من جانب آخر , تجدر الإشارة إلى أن ما يميز المسرحيات الكلاسيكية هو طول الحوار , أي ( الديالوج ) سواء كان على لسان الشخصية الواحدة أو على لسان الجوقة بكاملها . وحينما نقرأ هذه المسرحية فإننا نجد أن هذه اللغة الرفيعة التي كتبت فيها , لا تنفصل قطعاً عن قوة الحدث التراجيدي الذي تصوره وعن بلاغته ومعانيه الكبيرة , وعلى هذا الأساس ظل عامل التواصل مع الجمهور قوياً في كل المراحل  التي عرضت فيها  .

 حيث تتحول حالة البحث عن القتلة إلى حالة من البحث عن الحقيقة الصعبة , إذ أن أوديبوس لم يهدأ له بال في البحث عن الجناة من أجل القصاص منهم , فيخبره رئيس الجوقة أن عرافاً يدعى تريسياس هو الذي يمكن أن ينبئه بحجب الغيب  , ويرى ما وراءها كما يراها أبولون نفسه  ( 2 ) :

تريسياس : ….. أنا أعلن إليك إن الرجل الذي تبحث عنه موعداً منذراً لأنه قتل

          لايوس مقيم هنا على إنه غريب وسيعرف الناس أنه من أهل ثيبة ,

        ولن يستمتع بهذ الاكتشاف, إنه يرى ولكنه سيفقد بصره .إنه عظيم الثراء,

            ولكنه سيسأل عن القوت ليعيش , وسيسعى على قدميه إلى منفاه

            متلمساً طريقه بعصاه . سيعلم الناس أنه في الوقت نفسه أب و أخ

             للصبية الذين يعيشون معه , وابن للمرأة التي ولدته , وإنه قد اقترن

              بزوجة أبيه بعد أن قتل أباه .

ويبدأ الشك يساور أوديبوس بعد أن سمع كلام العراف , وتبدأ رحلة البحث من جديد ولكنها تأخذ منحى ً تراجيدياً بالغ التأثير , وفي أثناء ذلك يسأل زوجته يوكاستيه عن المكان الذي قتل فيه , فتخبره به ويتذكره , لكنه لم يحزم أمره بعد , فيلتقي بالراعي الذي سلمه طفلاً صغيراً لرعاة مدينة ( كورنتوس ) شفقة بهذا الطفل , ثم يصل بعد ذلك إلى مرحلة اليقين الكامل من أنه هو الذي قتل أباه وتزوج أمه .

وتقتل يوكاستيه نفسها لأنها لا تستطيع قط تحمل تلك الفظاعة التي قادتها إلى هذه الحالة المأسوية . إن حوار الخادم الذي يصف اللحظات الأخيرة قبل قتلها لنفسها يعد من أهم الحوارات في المسرحية بكاملها , ففيه حالة إنسانية تعبيرية عن تلك اللحظات الصعبة التي يعيشها الإنسان قبل قتله لنفسه , وهو حوار فيه من البلاغة وقوة التصوير على الرغم من أنه حوار إخباري ولا يجري على خشبة المسرح .

وهنا تستوجب الوقفة السريعة حول هذه النقطة الهامة  التي تتميز بها التراجيديات الإغريقية , ألا وهي الابتعاد كلية عن تمثيل مشاهد القتل أو المشاهد المؤلمة  أمام الجمهور على سبيل المثال لا الحصر  , ويتم الإخبار عن تلك المشاهد عن طريق الحوار أما على لسان إحدى الشخصيات أو على لسان الجوقة , كما حدث في هذه المسرحية عندما قتلت يوكاستيه نفسها وعندما فقئ أوديبوس عينيه  , وخرج من قصره فاقد البصر , تقوده ابنتاه وأختاه في نفس الوقت أنتيجونا وأسمينا نحو المنفى الذي يموت فيه طريداً وشقياً.

د.راجي عبد الله – العراق

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح