باليه «ابنة فرعون»: أميرة مصرية ولورد بريطاني في غرام عابر للزمن – مروة متولي #مصر

باليه «ابنة فرعون»: أميرة مصرية ولورد بريطاني في غرام عابر للزمن – مروة متولي #مصر

تم عرض باليه «ابنة فرعون» للمرة الأولى عام 1862 وظل إلى الآن من عروض فرقة البولشوي الأساسية، وهو من الباليهات الكلاسيكية الطويلة والضخمة والمكلفة ماديا، يتطلب إنتاجه مجموعات هائلة من الراقصين والممثلين والديكورات والمناظر، والمجسمات الثابتة والمتحركة، والخدع والمؤثرات، بالإضافة إلى الأزياء والزينة والحلي، وكل ما ينقلنا إلى عالم الأحلام حيث تتعطل قوانين الزمان والمكان والموت والحياة، ويصبح كل شيء ممكنا. في بداية الباليه يكون اللورد البريطاني على أرض مصر في القرن التاسع عشر، يقضي ليلة صاخبة أمام أهرامات الجيزة، لا ينقصها الرقص الشرقي والطعام والشراب والتدخين، فنراه يدخن الشيشة أو الأرجيلة، ويطلب منهم أحد الحراس، أن يخففوا من صخبهم ويخفضوا أصواتهم، حتى لا يزعجوا الأميرة النائمة في تابوتها داخل الهرم، فيهدأ الجميع وينامون، ويغفو اللورد أيضا، ثم يظلم المسرح بالكامل، ويسلط الضوء على تابوت الأميرة في مشهد مهيب يصفق له الجمهور عادة، وتخرج من التابوت ثم تقترب من اللورد لتضع يدها على صدره وتلمس قلبه لمسة سحرية، تقوم بتمصيره تماما، وتبدأ قصة الحب.

في هذا الجزء الأول من الباليه لا نرى رقصا سوى بعض الخطوات القليلة التي تؤديها الراقصات الشرقيات، ويكون الاعتماد على مشاهد التمثيل الصامت، ويكون التعبير من خلال الإيماءات والإشارات بالأيدي، وهذا الأمر سوف يستمر طوال العرض، وبالإضافة إلى وجود مجموعات كبيرة على المسرح لا ترقص، مثل حراس فرعون وحراس القصور والمعابد، فإن بعض أبطال العمل الأساسيين مثل فرعون وملك النوبة والكاهن الأكبر، لا يرقصون أيضا، ولا يتعدى أداؤهم حدود التمثيل الصامت، ولا تخلو هذه البداية من بعض الأخطاء والارتباك والخلط بين الحضارات والثقافات، فنرى المصريين الساهرين مع اللورد يرتدون السلهام المغربي، كما تذكرنا حركات الراقصات وملابسهن والبرقع الشفاف على وجوههن بأجواء ألف ليلة وليلة، البعيدة عن ملامح الرقص الشرقي القديم في مصر، وكذلك عندما تبدأ الأميرة في الخروج من التابوت وتخطو خطواتها الأولى نحو اللورد، ورغم أن الجزء العلوي للراقصة كان فرعونيا خالصا من شموخ الرأس ووضع الذراعين المتقاطع على الصدر، بدت خطواتها يابانية في ثوبها الفرعوني الطويل الضيق، وربما أراد المصمم التعبير عن صعوبة الحركة والإيحاء بأنها لم تتحرر بعد من اللفائف التي تقيد جسدها، لكن بعد الانتهاء من هذه البداية التمهيدية، والانتقال إلى الزمن الفرعوني البحت يتحقق الاندماج مع أجواء مصر الفرعونية بصورة مبهرة.

يمكن القول إن الرقص الجماعي هو البطل البارز في هذا العمل، على العكس من أغلب الباليهات الكلاسيكية التي تتميز فيها الرقصات الثنائية طوال الوقت، والحق أن باليه «ابنة فرعون» يحتوي على كم هائل من الرقصات الفردية والثنائية والجماعية، وهو من العروض التي توفر أدوارا للجميع حتى الأطفال من طلاب معاهد الباليه، ففي إحدى الرقصات التي يشهدها فرعون داخل قصره، نسعد برقص الصغار الموهوبين من الأولاد والبنات، وهم بملابسهم الفرعونية البيضاء، مع المجموعة الراقصة الكبيرة، حيث يتحول الرقص إلى ما يشبه الطقوس التعبدية، وتكثر حركات الركوع والسجود لفرعون، وقد استوحى المصمم الكثير من الحركات وأوضاع الجسد المنقوشة على جدران المعابد والمقابر، التي تصور بعض ملامح الرقص الفرعوني، واعتمد على المجموعات التي تؤدي حركات متعاكسة، وتسير كل منها بخطوات مغايرة لاتجاه الخطوات الأخرى، وهو ما كان يعرف برقص الجدل عند الفراعنة، وكذلك نرى كل حركات الذراعين الشهيرة، مثل ضم الكفين ورفعهما لأعلى نقطة فوق الرأس، والأوضاع الأفقية مع فتح الكفين بمحاذاة الرأس، والوضع المتقاطع للذراعين فوق الصدر، وضم الكفين أمام الصدر أيضا.

ومن أشهر الحركات الفرعونية التي تؤديها الأميرة في هذا الباليه هي، الانحناء بالرأس إلى الوراء، والثبات على ساق واحدة مع رفع الساق الأخرى إلى أعلى نقطة ممكنة، بينما يدعمها الراقص الأول، أو الحبيب الذي يكون راكعا على الأرض، ونحن نرى الراقصات على الجداريات الفرعونية يؤدين هذه الحركة بدون أي دعم، ويكون شعرهن متدليا إلى الأسفل، ولا نعلم هل كانت لديهن هذه القدرة العجيبة على حفظ التوازن بالفعل، أم كان هذا من خيال فنان الجداريات المصري.

نعود إلى قصة الحب والدراما العاطفية، فبعد أول رقصة ثنائية بين العاشقين والسعادة البالغة، تبدأ المواجهة مع القدر والأب الفرعون، الذي يتفق في ما يشبه الصفقة مع ملك النوبة على أن يزوجه ابنته، وتأتي الوصيفات ليقيدن الأميرة بوشاح أبيض طويل ويأخذنها بعيدا عن حبيبها ويدخلن بها إلى القصر، وتحزن الأميرة ويفشل الحبيب في إنقاذها، لكنها تتمكن من الهرب بمساعدة خادمها ووصيفتها، التي ترتدي ثيابها وتغطي وجهها فيظنها الجميع العروس، إلى أن يكشف ملك النوبة عن وجهها، ويكتشف فرعون أن ابنته قد هربت، ويوصلها الخادم إلى حبيبها في بيت صغير مطل على النيل، وهناك نشاهد رقصة ثنائية جميلة يغلب عليها المرح، أمام خلفية رائعة توحي بوجود النيل وطبيعته الساحرة، ثم ينتهي المرح بمجيء فرعون وحراسه الذين يقيدون حبيب ابنته بالأغلال، وعندما يحاولون الإمساك بالأميرة تلقي بنفسها في النيل، وينتقل الباليه إلى أكثر أجزائه خيالا في أعماق نهر النيل، ويتم إنزال الأميرة من أعلى المسرح كأنها تغرق، ويستقبلها ملك النيل وأسرته وحاشيته، وبعد أن تراقص الأميرة معجبيها من الأمراء، لا ترغب في أحد منهم وتقرر العودة إلى حبيبها الذي انتحرت من أجله، وتطلب من ملك النيل مساعدتها فيجعل المياه ترفعها إلى البر، ويتم رفع الراقصة إلى أعلى المسرح وهي تودعهم ويودعونها، وكم هي جميلة الموسيقى التي نستمع إليها مع رقصات أعماق النيل، وموسيقى الباليه بشكل عام هادئة ولطيفة حتى في أقوى مقاطعها، التي تبدو كمارشات عسكرية وتخلو من أي أجزاء مملة.

وبعد هذا الجزء الحالم ننتقل إلى الجزء الأكثر قسوة في الباليه، ونشاهد رقصة الكهنة حليقي الرؤوس، ومراسم إنزال العقاب بخادم الأميرة ووصيفتها وحبيبها المقيدين بالسلاسل، ونرى ذلك المجسم المتحرك لأفعى ضخمة تقتل الخادم على الفور، وقبل أن يأتي دور الوصيفة والحبيب، تظهر الأميرة ويفرح فرعون لعودتها، ويكون إلى جواره ملك النوبة الذي لا يزال يرغب في الزواج منها، فتحاول الانتحار مرة أخرى وتمسك بسكين لكن فرعون يسقطها من يدها، ثم تركض نحو الأفعى ويوقفها أيضا، فتذهب لتبكي على صدر حبيبها المقيد الذي لا يستطيع أن يحتضنها، ويبدو أنه لا يوجد أي أمل على الإطلاق، لكن المستحيل يتحقق ويلين الحجر أو قلب فرعون، ويوافق على الزواج، وهنا نشاهد واحدة من أروع الرقصات الجماعية في هذا العمل، تميزها مشاركة الراقصين في إحداث الأثر الموسيقي، من خلال الصاجات الكبيرة المثبتة في كفوفهم، وتتبادل النساء ضربات الأيدي مع الرجال أثناء الرقص، وهي رقصة الزفاف المبهجة التي تليها رقصة ثنائية بين العاشقين تتخللها القبلات المباحة على مرأى من فرعون، وبعد الزواج يعود الباليه إلى مشهد البداية، ونرى اللورد نائما على الأرض والأميرة تلقي عليه القبلات من بعيد، وتودعه وتعود بحزن وخشوع إلى تابوتها، ويستيقظ اللورد ليجد نفسه وحيدا أمام الهرم الأكبر، ولا يملك سوى أن يرفع يده عاليا ويمدها نحوه ليحاول أن يمسك بحلمه الضائع.

مروة متولي – مصر

(القدس العربي)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح