أخبار عاجلة

اليوم الثاني مهرجان المسرح العربي – الدورة 12

الطويسي يرعى حفل افتتاح مهرجان المسرح العربي الثاني عشر
في السادسة من مساء يوم الجمعة 10/1/2020، كان جمهور المسرح ومحبّوه على موعد في “قصر الثقافة”، مع انطلاقة الدورة الثانية عشرة لمهرجان المسرح العربي الذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح، ورعاه وزير الثقافة الدكتور باسم الطويسي مندوباً عن جلالة الملك عبدالله الثاني.
وشهد حفل افتتاح المهرجان كلمات بروتوكوليّة ولوحات إبداعية وفقراتٍ لتكريم عشرة من الفنانين الأردنيين، ومغناة فنيّة.
واتسمت الكلمات بتأكيدها أهميّة المسرح وتعبيرها عن الفرح، حيث غلبت عليها الشعرية العالية، في حفل حظي بحضور كبير للفنانين الأردنيين والمثقفين والإعلاميين.
واستطاع حفل الافتتاح أن ينقل إلى الحضور كاستهلال صور كامل أعضاء نقابة الفنانين الأردنيين على أنغام موسيقى سريعة تتناسب مع اشتغالات كلّ شخصيّة فنية بالدراما أو الموسيقى أو التمثيل المسرحي أو السينما وخلافه، حيث تفاعل الحضور مع الجزء الأول من الاحتفاليّة على صوت الفنان الأردني هشام هنيدي بلغته الشاعرية المغمّسة بالأدب والانفعال الجمالي.
وحملت كلمة نقيب الفنانين الأردنيين حسين الخطيب تأكيداً لدور النقابة في التعاون المستمر والشراكة مع الهيئة العربية للمسرح منذ تأسيسها، واحتراماً لدور “الهيئة” في تفعيل الحركة المسرحية الأردنية والعربية. وركّزت الكلمة كذلك على محاكاة المسرح للأمة ودورها نحو فن هادف رفيعٍ وجميل.
كما غلب على كلمة الخطيب التعابير الجمالية في خطابه للمسرحيين نحو مشهد الإبداع الذي ينسج من خيوط الشمس ويتدثّر المسرحيون لذلك بالمعرفة والسّمو الإبداعي.
ونظراً لقوّتها وجزالة مفرداتها وتعبيرها عن تاريخ الأردن الأدبي والمسرحي، عدا اهتمامها بالمجاز والصور المدهشة فيها، حازت كلمة أمين عام الهيئة العربية للمسرح الكاتب المسرحي اسماعيل العبدالله على إعجاب الحضور الأردني والعربي، بكل الشرائح المثقفة والنخبوية والإعلامية، وذلك لشمول هذه الكلمة ونزوعها إلى الصور الفنيّة النثرية الآسرة في قالب من الإلقاء المتمكّن والتعريف برسالة “الهيئة” وحضورها العربي.
واشتملت محاور الكلمة على مقدّمة أدبيّة، وإن كان ذلك ظلّ خلال الكلمة بأسرها، ثمّ استعادة لرواد المسرح الأردني، مثل انطون الحيحي، وفؤاد الشوملي، وروكس العزيزي، وهاني صنوبر، وأديب الحافظ،.. وآخرين، إضافةً إلى تأكيد أمين عام الهيئة على جيل الشباب وإبداعاتهم، في قالب جمالي.
وتحدث عبدالله في كلمته عن المكان الأردني في الشمال والجنوب ومحطات التاريخ، مستعيراً أشعاراً عذبة وذات دلالة خدمت النصّ البليغ الذي حمل “تايكي”، و”راحوب”، في استذكار الشاعر “عرار”.
وتناولت الكلمة أهمية المسرح كفعل تنويري وأوطان حرّة في إنسانها الواعي، كما أشادت بالرعاية الملكية لحفل الافتتاح، وهو ما يقابله الدعم الكامل للثقافة والمسرح والإبداع من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الاتحاد، الرئيس الأعلى للهيئة العربية للمسرح.
ومما توقّف عنده الجمهور والنخبويون والضيوف إعلان أمين عام الهيئة العربية للمسرح عن”رابطة أهل المسرح”، من خلال تأسيس أول مراحل عملها وأقسامها “صندوق الرعاية الاجتماعية للمسرحيين”، كرابطة تتكفل بتطوير وترسيخ الوعي والجهود في العمل الجماعي للمسرح.
ومن القضايا المهمّة التي وقف عندها أيضاً أهمية المسرح الذي يقام في عمان، ودوره التنويري، باعتباره “سنام الثقافة” و”أبو الفنون”، وكذلك قيمته في جمع الكفاءات والعاملين فيه وحمل الثقافة العربية من خلاله.
واستطاعت الكلمة أن تطوّف بكل أعلام المسرح في الوطن العربي، وهو ما وجد تفاعلاً ينمّ عن إعجاب بالإحاطة بهؤلاء الرواد، مثلما كانت أشعار أمين عام الهيئة التي ألقاها من نبض الشعراء الأردنيين سبباً في المزيد من الإعجاب والثناء.
واشتملت الكلمة، كذلك، على قراءة لمعنى شعار هذه الدورة “المسرح معمل الأسئلة ومشغل التجديد”، وحث المسرحيين على إنجاح التظاهرة الثقافية المسرحية، وتبيان البرنامج الثري للمهرجان في مؤتمراته الصحفية وبرنامجه الفكري وندواته التطبيقية وعروضه المسرحية وشموله الإبداعي واستضافة بعض ضيوفه في محافظات أردنية، وذلك لتلبية التلقي الإبداعي الأردني والعربي.
كما عرّف عبدالله في كلمته بإنجاز الهيئة العربية للمسرح بجهود متظافرة طوال عام 2019، من خلال ما يزيد عن ثمانين عرضاً مسرحياً عربياً جديداً، وإنجاز استراتيجية تنمية وتطوير المسرح المدرسي في الوطن العربي لأهدافها في التدريب والتأهيل على امتداد الوطن العربي ونجاحها في وضع أول منهاج متكامل للمسرح مطبق على أرض الواقع في جميع المدارس الحكومية بدولة الإمارات إضافة إلى النشر والتوثيق وتأسيس العمل على إنشاء مراكز للفنون الأدائيّة في أربع دول عربية.
وأهابت الكلمة في ختامها أيضاً بالجهود المخلصة لتوسيع رقعة المسرح والإخلاص له وتقوية دوره في نقل القضايا المحلية والعربية والإنسانية، وتأكيد اهتمام الشباب بالمسرح وحفزهم عليه، كما جاءت الكلمة على قلاع الأردن ومدنه ومعالمه التاريخية ومدينة البترا وعين غزال كأوابد مثيرة إبداعياً، لتختتم الكلمة بالشعر الذي جعلها بياناً ثقافياً وفكرياً وإبداعياً حاز إعجاب الجميع.
“النص المسرحي: بين الصوت والصورة”
وتحت عنوان “النص المسرحي: بين الصوت والصورة”، جمعت كلمة الهيئة العربية للمسرح التي ألقاها ضيف المهرجان، المسرحي متعدد الإنجازات في الكتابة والتمثيل والإخراج والأديب أيضاً خليفة العريفي، أكثر من قضية فكرية وإشكاليّة في المفاهيم المعيشة، خصوصاً وأنّ العريفي تطرق إلى النص المسرحي والكلمة والحركة والحوار والصور الثابتة، معايناً التمرد على أشكال قديمة على الخشبة.
وأرّخت الكلمة للمسرح وما مرّ به من قيود دينية، خصوصاً وهو فن عريق يعود إلى حضارات عديدة، مطوّفاً بمراحل كتابة النص للصوت لا للصورة، معرجاً على “مسرح الجوالين”، والعروض الفكاهية، نحو عصر النهضة الذي أفاد المسرح بنهضة الآداب والعلوم والفنون، وظهور المسرح القائم على الحركة والموسيقى والغناء، وهو فن الباليه، كفن قائم على الموسيقى والرقص الإيقاعي الجميل. كما مرّت الكلمة على مسرح شكسبير وكورني وراسين وأبسن وموليير وغيرهم من كتاب المسرح، كنصوص موجهة للحركة والحوار.
وأرّخت الكلمة لعصر المخرجين من بعد ذلك برؤاهم الفنية والفلسفية وإمساك المسرحي بخيوط العمل في اختيار الممثلين وترتيب المناظر وغير ذلك من العناصر، متطرقاً إلى مجيء ستانسلافسكي في اشتغاله على إعداد الممثل كركيزة أساسية لأي عرض مسرحي. ومن ثمّ التعبير بالجسد الذي بات يغني عن الحوار في جو من إمتاع المتلقي، حتى مجيء المخرج “أنتونين آرتو” الذي اصطحب معه “مسرح القسوة”، فمزج بين الصوت والتعبير الجسدي للمثل، فكانت الشراكة التي أطاحت بمركزية النص المسرحي، فلم تعد نصوص شكسبير مثلاً نصوصاً مقدسة، حيث سار على درب هذا المخرج مخرجون آخرون مثل جروتوفسكي و”المسرح الفقير”، كعلامة مميزة وجدية في المسرح الحديث. وتطرق العريفي إلى كتاب مسرحيين عرب كبار مثل توفيق الحكيم ومحمود دياب وعبد الرحمن الشرقاوي وألفرد فرج والطيب العلج وعبدالكريم برشيد وقاسم محمد وعز الدين المدني وعبد العزيز السريع وإسماعيل عبدالله وغيرهم ممن كتبوا للصوت والحركة، بل إنّ بعضهم كتب للصوت فقط، فظل النص العربي يكتب للصوت والحركة، حتى مجيء الطيب الصديقي المخرج المغاير الذي حول كتب التراث العربي إلى مسرحيات، كالمقامات مثلاً، فتبعه كثير من المخرجين الشباب المعنيين بالتجريب في المسرح. ولفت العريفي إلى مخرج اهتم كثيراً بمسرح الصورة هو الدكتور صلاح القصب.
وأخيراً وقفت كلمة الهيئة العربية للمسرح عند زمن الصورة، في التلفزيون والسينما ومواقع التواصل الاجتماعي وصور النصوص والصحافة، ومن ذلك يجب على المسرح أن يعنى بالصورة ليواكب تطورات المسرح العالمي، برؤية المخرج الفنية والفلسفية والجمالية. فهي دعوة إلى تحويل النص المسرحي التقليدي إلى سيناريو مسرحي أسوةً بسيناريو الدراما التلفزيونية أو السينمائية، وبذلك نخرج من نمطية كتابة النص المسرحي التقليدي، كخطوة لتحرير الفكر المسرحي من قيد الثبات والجمود.
وفي تكريم المهرجان للفنانين الأردنيين العشرة: باسم دلقموني، ومجد القصص، وخالد الطريفي، وحاتم السيد، ويوسف الجمل، ونبيل نجم، وحابس حسين، وعبدالكريم القواسمي، ونادرة عمران، وعبدالكامل خلايلة، كان تفاعل الجمهور واضحاً لاستحقاقهم وتنوّع عطائهم ومشوارهم الطويل بين الممارسة الفنية والناحية النقدية الأكاديمية. وأضفى على حفل الافتتاح جمالاً ما أبدعه عريفا الحفل الفنانان أمل الدباس ومحمد واصف في الانتقال من فقرة إلى فقرة بسلاسةٍ وإبداع.
كما تفاعل الجمهور مع “مغناة السنابل”، التي حملت صوت الفنان الراحل ياسر المصري، ورقصات تنوّعت بين الحركات الصوفيّة الرشيقة والغناء للوطن بحضور الفنانة ليندا حجازي وشباب فرقة “رف” الذاهبة باتجاه الإبداع والتي أشّرت على مستقبل واعدٍ وجميل.

بالإضافة إلى مؤتمر صحفي لشخصية المهرجان الذي يلقي كلمة حفل افتتاحه المخرج المسرحي والأديب البحريني الفنان خليفة العريفي.

انطلاق المؤتمرات الصحفية بقراءة ثلاثة عروض مسرحية
وكان المهرجان وفي صباح يوم الافتتاح، وضمن مؤتمراته الصحفية التي يعقدها للوقوف على العروض المشاركة فيه، عاين ثلاثة من العروض هي: “رهين” الجزائرية، و”سماء بيضاء” التونسية، و”صبخة الكويتية”.

“رهين”.. صرخة إنسانية للحرية بمنظور مختلف
وناقش الحضور مع مخرج المسرحية الجزائرية شوقي بوزيد وكاتب النص محمد بويش، ثيمة العمل المبني على مقاومة كل ما هو مفروض، والتمرد كصرخة إنسانيّة، مفادها أنّ الإنسان خُلق ليكون حرّاً، كنص محمّل بالرمزية الجميلة والمضامين الذكية التي تعبّر عن ثنائيّة الوطن والتمسّك بمطلب الحريّة بالرغم من كلّ الظروف.
وتحدث المخرج أبو زيد عن رؤيته الإخراجيّة والمتعلّقة بتفصيلة الصراع بين الحاكم والمحكوم، كمفهوم عام، لا يختصّ بالجزائر وحدها، محاولاً نقل حراك الشارع إلى الروح، مناقشاً جدوى الشعارات وباحثاً في هذا الحراك الذي بات هاجساً لكلّ الشعوب المضطهدة بالضدّ من أنظمتها، كشعوب عالم ثالث لم تستوعب بعد العلاقة مع نظام الحكم، أو ما هو النظام الذي يسقط أو النظام الذي يبقى. وقال بو زيد إنّه اشتغل على فكرة” إذا آمنا بإسقاط النظام، فهل الطريقة لإسقاطه هي في الخروج إلى الشارع؟!”.
وكجانب فني قال بو زيد إنّه اشتغل على “رهين” بتقنية الصورة، استفادةً من عصر الصورة التي نعيش، واعتماداً على أنّ هذه الصورة باتت تشكل خطراً في تعاملنا اليومي معها في الهواتف أو الشاشات أو الإنترنت.
بدوره، تحدث الكاتب محمد بويش عن نص العمل، سعيداً بالتواجد في هذا الفضاء المسرحي، مؤمناً بثيمة الحريّة وأمانة الشعوب العربية، ومعرباً عن تقديره وطاقم العمل لأن يفتتحوا مهرجاناً كبيراً بحجم مهرجان المسرح العربي الذي تقيمه الهيئة العربية للمسرح في عمان. وشرح بويش أنّ النص يدعو إلى كتابة جديدة على الخشبة، على اعتباره صاحب نصوص شاعريّة يثق بجدواها في كتابة المسرح الحديث.
وقال بويش إنّه تعامل مع مخرج يدرك جيّداً شيفرة النص؛ معتمداً على دلالة اللفظ ومساحة التأويل وتفكيك الجملة بطريقة إخراجيّة، وهي المساحة التي رأى المخرج فيها مسرح الصورة كنمط في الاشتغال على النص.
وأضاف أنّ “رهين” حالة نشترك فيها كشعوب عربيّة في بحثنا الدائم عن الحريّة بمفهومها العام، كمحاولة للتناغم مع الحياة بالبحث الدؤوب عن الإنسان العربي من منظور هذه الحرية، وهو الإنسان الذي تكالبت عليه الظروف القاسية ويستحق أن تنقل صورته عبر المسرح، ولذلك فنحن مرهونون، وكان ينبغي أن نفكّ قيد التفكير الجاثم منذ قرون على المجتمعات العربية.
كما تحدث الممثل في العرض محمد طاهري، مؤكّداً قيمة الثيمة والنص الذي يحمل الكثير من تضاريس يتعب بها الممثل، في مفرداته وتركيبته وحتى في نوعيّته، باعتباره أكبر من قصّة تُحكى، ويفرض نوعاً من الصخب الداخلي والعميق في تفكير الشخصية، ولذلك فقد كان العمل جماعياً يحمل همّ الممثل ومدى قدرته على أداء الرسالة.
وبخصوص إسقاطات العمل، قال الممثل طاهري إنّه ينسحب على جميع الدول العربية، فهو صراع بين “الفارض” و”الرافض”، كمفاتيح لأن ننسجم مع قيمته كنص يتم الاشتغال عليه للمسرح، مؤكّداً ديمقراطيّة المخرج في تعامله مع الجميع وتقبله كل ما يخدم العمل ولإيمانه في الوقت ذاته برؤيته الإخراجيّة.
وتناولت مداخلات الحضور مفهوم العمل ورسالته وحالة الخروج من الشرنقة التي تعيشها البلدان العربية كمتنفس لحلم جديد، نحو التصالح مع الذات ومستقبل مشرق لهذه الشعوب المتلهفة للجديد.
وفي ردّه على أسئلة الحضور، فيما إذا كان مهجوساً بمرحلة ما يسمى بـ”الربيع العربي” قال المخرج بو زيد إنّه لا يؤمن بكلمة الربيع العربي أو خزعبلات هذا المسمى، وإنّما هو مهجوس ببناء الأمّة كلٌّ بحسب طريقته، ولذلك أنجز “سيدة المقام” لواسيني الأعرج، واليوم يشتغل على نص “لفافة وطن”، متناولاً الكيفية التي يتم بها تناول العمل، بالرغم من تحديات التمويل والتقنيات الفنية أمام مطلبه في خدمة المسرح، فلم يكن يفكر بالربيع العربي أو مشتقاته الخريفية أو الشتائيّة، بل إنّ الفكرة هي أنّ الإنسان ولد حرّاً على هذه الحياة، مشدداً على أنّ ما يحدث في الجزائر ليس له علاقة إطلاقاً بما يسمى “الربيع العربي”، والدليل أنّه تعامل مع فكرة الحرية بسؤال “لماذا الآخر أحسن مني، بالرغم من توفر عناصر التفكير والآفاق والرؤية لدينا جميعاً هنا أو هناك؟!”. وقال بو زيد إنّ المشكلة أكبر من حاكم ومحكوم، موضحاً أنّها في هذه الولادة الحزينة للإنسان، وهي إشكاليّة يجب أن تطرح.
ورأى الكاتب بويش أنّ نصّه كدلالة لفظية ودلالة صورة، محمّل بالرمزية ويعتمد كثيراً على قراءة الدلالة اللغوية والنصوص الحديثة في النقد والتداول، باعتباره كاتب نص مفتوح ومشحون بفضاءات التأويل.
وفي تعليقه، أشاد الفنان غنام غنام من إدارة المهرجان، بالمسرح الجزائري الجهوي الذي لعب دوراً مهماً في تقديم عروض تنادي بحرية الإنسان، منوّهاً بأنّ الخشبة هي المحكّ الحقيقي وأنّ المؤتمر الصحفي هو فقط للوقوف على رؤية الكاتب والمخرج وفريق العمل من الناحية الجمالية والفنية، مؤكّداً أنّ الندوات التطبيقية ستقرأ العمل في جو تفصيلي من النقاش والمساءلة الجماليّة والفكرية والنقدية.
وناقشت المداخلات أيضاً إشكاليّة المصطلح المسرحي وتفكيك الأسئلة ومرحلة الصورة والتفاعل مع الممثلين بالإضافة إلى عناصر الموسيقى والسينوغرافيا والإضاءة في قراءة العرض وحركة الممثل، على اعتبار أنّ “الممثل هو من يطوّع المخرج بإبداعه”.

“سماء بيضاء”.. إبداعات تونسية تنفتح على التأويل
المؤتمر الصحفي الثاني كان حول العمل التونسي “سماء بيضاء”، حيث قدّمت الفنانة والناقدة مارغو حداد في إدارتها لمجريات المؤتمر، تصوراً حول المستوى الإخراجي والتقنية الجديدة لدى المخرج وكاتب النص وليد دغسني، وفرقة “كلاندستينو” التي انطلقت عام 2011، مبيّنةً أنّ العمل يندرج ضمن إطار بحثي للفرقة التي قدّمت مشاريع: انفلات، والتفاف، وثورة دونكيشوت، وشياطين أخرى، وقالت حداد إنّنا سنخوض مع “سماء بيضاء” مغامرة بمستويات إخراجية وتقنية جديدة، خصوصاً في ظلّ التقهقر للمسرح أمام وسائل التواصل الاجتماعي وعصر “الميديا”، والسؤال النقدي دائماً عن خطاب المسرح في ظلّ هذا الوضع.
وفي قراءته للمسرح الذي ينبغي أن يجلب جمهوراً نخبوياً ومهتماً يبني ويصنع الحضارة والفكر، أكّد مخرج “سماء بيضاء” هذا التحدي والرهان الكبير في وطننا العربي، مهتماً بتبيان كيفية إحداث لغة أخرى مختلفة إلى حدٍ ما، مؤكداً عمق السر المسرحي وتخلّص المسرح من جانبه الاجتماعي ليندرج في عمق آخر فلسفي، في العودة للأساطير الموجودة في الشرق القديم مثلاً وأن نستفيد من الشعر القديم أيضاً وكذلك الشعر المعاصر، على اعتبار أنّ المسرح يشهد انفتاحاً كبيراً وهو ليس مغلقاً بل في مواجهة أمام كلّ آليات التعبير، فهل نساعد المسرح لكي يتخلص من ثوبه القديم ليساءل نفسه ومحيطه وواقعه الاجتماعي والسياسي؟!.
وحول “سماء بيضاء” قال المخرج دغسني إنّ العمل قد يبدو في ظاهره تجريبياً، ولكنه في عمقه يستلهم كثيراً من شكسبير والخرافة الإغريقية والبابلية وكل ما يهم الأسطورة في شكلها العام بطابع مسرحي جمالي مضبوط، فكانت تجربة مختلفة لأن يتعامل مع نص آخر مختلف يفارق النصوص التي اشتغل عليها، لكنّه يعبّر عن مرحلة أخرى من عمر الفرقة التي تظل تعتمد البحث والتجريب بكل مستوياته، لكي تعطي المسرحية انطباعاً عن صفاء موجود، لتكون التعبيرات الجسدية واللغوية والتشكيلية صافية، وليس لها أية أبعاد ميكانيكية وادعائيّة أو “تلفيقية”، فكنا أمام ارتجالات وحركات جسدية بين النص والعرض كرؤيتين منسجمتين.
وعبّر فريق العمل عن سعادتهم بالتشاركية فيه، كتجربة رابعة لبعضهم، وكفعل تراكمي، بالرغم من تحديات عديدة، معتمدين على طاقتهم الإخراجية والأدائيّة كفريق متكامل، فكان الحلم والتجربة الإنسانية للجميع.
وصرّح مخرج العمل بأنّه جاء إلى الإخراج من عالم القصّة القصيرة، وكان محمّلاً بعوالم الرواية والشعر، فكانت مراحل تالية في اكتمال النص والأفكار وتوجيهات الممثلين الذين يعرفون أدوارهم المنوطة بهم ويبدعون فيها، لذلك فهو ميّال للنص ولا ينقص من أهميّة الإخراج، متحدثاً عن مسرح ما بعد الدراما وهيمنة المخرج على الكاتب التقليدي، نافياً أن يكون كاتباً تقليدياً، مؤكداً لعبة النص والإخراج كعصب للعمل المسرحي، بالرغم من الجدل الذي قد يثار حول هذا الموضوع، وهو ما يجعله مهتماً بالأسئلة أكثر من البحث عن حلول.
وتحدث المخرج دغسني عن العنوان عتبة للمسرحية، مؤيداً حق كلّ متلقي لأن يفسّر “سماء بيضاء” من منظوره الأدبي أو الفكري الخاص به، ولذلك فهو مفتوح على التأويل.
كما ناقش الحضور قضيّة “موت المؤلف” ومسرح ما بعد الحداثة، ومدى الانتصار للنص أو للمخرج، وفي ردّه على هذا المحور بيّن المخرج أنّ هناك حدوداً لم تفرض بعد، فيمكن للمخرج أن يكون مؤلفاً في الآن ذاته، خصوصاً في ظلّ إبداع الممثل وتجلياته واندماجه في العرض.

وتحدث الفنان غنام غنام عن جهود كلاندستينو كنموذج من نماذج المسرح الشبابي الواعد بقوة في المسرح التونسي، الذي نصفه بأنه رأس قاطرة يسحب خلفه العديد من الاتجاهات الفكرية والجمالية في الوطن العربي، مؤكداً أنّ الشباب العربي المسرحي يمتلك رؤى ومنطقاً يدفع للتغيير، مؤكداً قيمة الجرأة في طرح الآراء الفكرية والجمالية أمام هذا التلاقح الفكري والنقدي المنشود بعد مشاهدة العروض.
وقال غنام إنّ مناقشات قبل العرض هي بيانات شفوية لمسرحيين مهمين أنجزوا مشاريعهم ولولا جودة مشاريعهم لما كانوا بهذا المحفل العربي، منوهاً بأنّ الهيئة العربية للمسرح جهة تستضيف ومهتمة بجودة المسرحيين أنفسهم، فلهم الفضل أولاً في إبداعهم، الذي تحاول الهيئة أن تخلق له المناخ الصحي والحيوي في زمن التفرق والتشتت والخلاف والانقسام، فهم من يصنعون الغد المبدع والمُشرق للمسرح العربي.
“الصبخة”.. حفر اجتماعي ناقد بفضاءات كويتية
وفي المؤتمر الصحفي الخاص بالعرض الكويتي”الصبخة” قدّم المخرج وكاتب النص الدكتور عبدالله العابر العرض على أنّه عمل تراثي باللهجة المحلية، المُبسّطة، كاهتمام بالتراث الذي هو موضع احترام لكل البلدان والشعوب العربية، إضافة إلى حرص طاقم العمل ورؤيتهم أن يكون تراثهم حاضراً في المحافل العربية من خلال المسرح.
وعرّف الدكتور العابر بالمشاركين في العمل ما بين أكاديميين ومحترفين، مشيراً إلى دور المعهد العالي للفنون بالكويت وراء هذه الكفاءات.
بدوره، تحدث الدكتور القحطاني الذي اشتغل كدراماتورج للعمل، عن قلة الاشتغالات الدراماتورجية في الوطن العربي، متناولاً المسرح الخليجي بشكل خاص، وقال إنّه رغب أن يشتغل على النص لأنّه لن يصطدم بنرجسيّة لدى زميله المخرج عبدالله العابر أو محاولة منه لفرض رؤية، مهتماً بالتوافق بين العاملين والانسجام الذي يؤدي حتماً إلى إنجاح العمل.
وانطلق القحطاني من أهمية وجود الدراماتورج، خصوصاً حين يكون المخرج هو ذاته المؤلف، شارحاً أنّ دوره هو في أن لا يطغى دور المخرج على المؤلف في هذه الحالة، خصوصاً وأنّ الدكتور عبدالله العابر قليل في الكتابة ويغلب عليه الإخراج، ونوّه القحطاني إلى تفهّم زميله لهذا الأمر بوعي وحكمة، واصفاً العابر بأنه يشتغل على البروفات ويعدّل على ضوئها حين يكتشف أنّ أموراً كانت غائبة، خصوصاً وأنّ لأي مخرج أحقيّة أن يشتغل على النص، فكيف لو كان المخرج هو نفسه صاحب النص.
وحول طبيعة العمل، قال القحطاني إنّ “الصبخة” تناقش قضايا اجتماعية وتحفر فيها، وأنّ في العمل جرأة مغلّفة بشكلٍ راق، بما تطرحه من قضايا اجتماعية في المجتمعات العربية، ولكن بشكل مغاير، شارحاً عنوان المسرحية بأنّه الأرض التي لا تنبت أو التي لا حياة فيها.
وتحدث الدكتور فهد المذن عن مفهوم الصورة في العرض ومفهوم الانتقاء كسينوغرافيا، مفصّلاً في عناصر الإضاءة والأزياء والممثل والموسيقى، والديكور المتحرك دائماً والاشتغال على تصميم الأزياء بانحناءات وخطوط حادة، واستثمار التراث الكويتي في “الشبابيك” والأبواب وخلافه. وقال إنّ العرض اعتمد على الأزياء غير المحكومة بالزمان أو المكان، بل ذهب إلى ثيمة عربية وخليجية في موضوع الصورة، باهتمام واضح للأبعاد على الخشبة في الانتقالات من داخل البيت إلى خارجه.
ولفت إلى أنّ الحالة الاجتماعية التي تقدمها مسرحية “الصبخة” هي حالة سوداوية يمثلها اللون الأسود، متحدثاً عن الملمس والتكوين واختيار الخامات والأقمشة والإضاءة لتأكيد التأثير المنشود.
وتعلقت النقاشات بجوانب مدى صلاحية اللهجة المحليّة ومدى فهمها كوسيط بين أقطار الوطن العربي، ومدى الحاجة إلى “لهجة بيضاء” مفهومة من قبل الجميع، ومدى التأويل في عنوان المسرحية أو تنافذ العرض على أبعاد أخرى من خلال البعد الاجتماعي، وأهمية الدراماتورج في العمل الكويتي والعربي بوجهٍ عام، ومدى إفادة المسرحية من التراث أو إفادة التراث من المسرحية، والكفاءات المسرحية والأدبية في الكويت وإمكانية الاستفادة منها.
وفي ردّه، قال الدكتور العابر إنّه لا مشكلة لديه في اللهجة، بل هي فرصة للتعرف على اللهجات العربية، تماماً مثل بقية اللهجات، وخصوصاً لهجات بلاد المغرب العربي، مؤكداً أنّ نجاح الأعمال هو في انطلاقها من تراثها، كنقطة صعبة، خصوصاً وأنّ الكويت تتوفر على تراث يخدمها وأهازيج وعناصر تراثية مهمة ينبغي الاستفادة منها والتعريف بها، فإذا كان الغرب يفخر بتراثه فلماذا لا نفتخر نحن بتراثنا الخليجي الذي هو جزء من تراثنا العربي في نهاية المطاف.
أما الدكتور فيصل القحطاني فتحدث عن لغة نفهمها جميعاً، وهي اللغة المسرحية، والفهم من خلال الصورة والسياق، منوهاً إلى أنّ اللهجة ليست بديلاً عن الفصيحة، بل إنّ بعض الأعمال لا يمكن أن يتم توصيله للجمهور إلا من خلال اللهجة، لافتاً إلى عنوان العمل “صبخة”. وأشار القحطاني إلى موضوع ملائمة النصوص للمسرح، مؤكداً خصوبة النص المسرحي الكويتي، متطرقاً إلى كفاءات ورواد كويتيين في هذا المجال.
وناقش متداخلون مواضيع النسق اللغوي والصورة وارتباك المفهوم والمصطلح في ميدان المسرح واشتباكات التلقي وفضائه وكون التراث حلقة وصل بين المسرح والجمهور.
وفرّق الفنان غنام غنام بين اللغتين: الفنية والمنطوقة، متسائلاً: ما مفهوم اللغة في العرض المسرحي؟!، داعياً إلى أن نتكلم كمسرحيين لا كأناس خارج المسرح، لافتاً إلى لغات عديدة منها: الإضاءة كلغة لها مفرداتها، والجمل المنطوقة والمرئية والسمعية، فالمخرج صانع العرض يقدم اللغة التي يريد ويدحر اللغات الأخرى كالمنطوقة العامية أو الفصيحة، وقال إنّ الفصيحة يجب أن تكون بليغة وعلى العامية أن تكون بليغة كذلك، في التوصيل والمعاني والصور.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح