الورشة الدولية حول السايكو دراما والمسرح آفاق واعدة نحو عطاء فني هادف ….-عين على المسرح – عــبــاســيــة مـــدونـــي – ســيــدي بــلــعـبــاس – الجزائــر

مدينة سوسة التونسية فردت أجنحتها مؤخرا لاحتضان فعاليات الورشة الدولية للسايكودراما والمسرح ، وذلك بالتعاون والتنسيق مع مسرح الكل للكل بسوسة تحت قيادة الكاتب والمخرج ” محمد العتيري ” و معهد دراما بلا حدود تحت ريادة وإشراف الدكتورة ” دلال مقاري ” ،
المعهد الذي بنى أسسه بدولة ألمانيا يعدّ مبادرة ذات حدود عالمية تسعى في المقام الأول نحو تفعيل وترسيخ قيم إنسانية عبر الفنون ، ويضم المعهد أكاديميين عرب وأوربيين غايتهم رصّ أسس لنهضة بشرية من خلال فنون الدراما لما لها من تأثير على الفرد والجماعة بهدف التغيير الايجابي والفاعل بالمجتمعات البشرية ، ببعد تنموي وحضاري من شأنه بلورة سياسة الحوار بشتى أشكاله وأنواعه لا سيما الفني منه لما للفنون من أثر بالغ في تمرير الرسائل الهادفة وحث البشرية على التغيير والمشاركة الفعالة في دفع دولاب الحراك الثقافي والفني على مر الأزمنة والعصور .

الورشة الدولية التي كانت انطلاقتها الرسمية من مدينة سوسة التونسية جاءت عصارة التعاون والتواصل المثمر بين المعهد ومدينة سوسة ، رأت النور بعد عمل سنوات من التواصل والاحتكاك وطرح التجارب وتبادل الخبرات ، مع دراسة آليات هذا التواصل الذي أثمر بتنظيم تلكم الورشة التي سلطت الأضواء على مجال السايكودراما والمسرح ، لما لذلك المجال من أثر بالغ في النفس البشرية ، فالدراما لا تتمّ دونما ملامسة أغوار النفس البشرية والتوغل في كلّ جوانبها عبر ثالوث زمني يربط بين الماضي ، الحاضر والمستقبل ، مع التركيز الكلي على السلوك الادراكي والمعرفي للإنسان والعمل على نحت ذلك في شكل قوالب فنية والتي أبرزها المسرح أبو الفنون الذي يعرّي الذات البشرية ويطرح دواخلها نحو صياغة عمل فني جدير بالمتابعة والنقد البنّاء والفاعل .

تلكم الورشة التي ركّزت على البعد النفسي لم تأت من العدم بل جاءت نتيجة قناعة تامة ذات صلة وطيدة بالإنسان العنصر الفاعل والفعال بالمجتمع الانساني ، والذي يملك كل الآليات والصلاحيات نحو التغيير الايجابي وفسح المجال للحوار المثمر في ظل الحضارات المتناحرة ، في محاولة جادة لبلوغ مكامن النفس البشرية وحملها على لفظ المكبوتات ، وربطه بعالم الفنون والمسرح بشكل خاص بغية مساعدة الفرد على مواجهة الواقع ومجابهة شتى مخاوفه والعمل على صقل آماله وطموحاته بشكل ايجابي وبمنأى عن العنف والتطرف لتمرير رسائل انسانية هادفة لا يصنعها إلا الفن لغة الشعوب والحضارات ، مع إسقاط ذلك على أكبر قدر ممكن من الأفراد لتوطيد علاقاتهم وحجب كل المعوّقات التي تحول دون تعايشهم السلمي .

على هذا الأساس ، جاء التنسيق والتعاون الايجابي لتأسيس فعاليات تلكم الورشة الدولية بمدينة سوسة والتي جمعت تحت رايتها دكاترة ومهتمين بعالم السايكودراما ، مع مشاركة الدكتورة ” نورة شرقي ” الممثلة الوحيدة لدولة الجزائر بدعوة من الاستاذ ” محمد العتيري، وقد أطّرت الورشة الدكتورة السورية ” دلال مقاري” رئيسة معهد دراما بلا حدود والتي اعتمدت في مراحل تأطيرها على عنصر الفكرة انطلاقا الى النص والإخراج مع اعتماد آليات التمثيل وتقنيات الممثل ، مع التركيز على السينوغرافيا وعناصرها والمرور الى تدريب الجمهور ، وقد ركزت في تلكم التمارين على الأداء النفسي والحضور الذهني والبدني لملامسة فحوى الطاقات واستنهاض القدرات التعبيرية والتلقائية مع الالمام بتقنيات استثمارها ، اذا ما اعتبرنا أن السايكودراما تدريب غير نمطي ومتحرر من سلطة المخرج يفسح المجال للممثل حتى يغدو سيد جسده ،
صوته والركح .

وأسمى الأهداف التي سعت الى تحقيقها الورشة باعتبارها مختبرا مسرحيا حسب ما أفادتنا به الدكتورة ” دلال مقاري” مؤطرة الورشة حصرتها في النقط التالية :

1ـ البحث في فن الممثل ومعناه وأدواته .
2ـ السعي إلى استثمار أساليب مغايرة وحديثة لتدريب الممثل .
3 ـ تطوير علاقة الممثل مع كل عناصر الفرجة المسرحية .
4ـ تجريب المعارف الإبداعية المتباينة التي تكون الفرجة المسرحية ، من النص إالى الجمهور .
5ـ الاهتمام باللغة المسرحية وجوهرها في النشاط الإنساني .
6ـ إعادة الثقة للجسد عبر إنتاجه من جديد وتفجير طاقاته الخلاقة .
7 ـ استخدام الطقس المسرحي بمفرداته البصرية والسمعية وباعتماد الصوفية نموذجا .
9 ـ دفع المشاهد إلى التلقي الفاعل والمتفاعل وإعادة تشكيل مفاهيمه .
10 ـ تحرير الطاقة الكامنة داخل المبدع المسرحي ، بالغوص في أعماقه ومساعدته على إيجاد ممراته الإبداعية
11 ـ التحريض على التقشف التقني وإثراء الأداء الداخلي ولغة الجسد .

وقد اُختتمت الورشة تمارين على الإرتجال التي تحرض على اندفاع الصوت الداخلي والتلقائي المتصاعد ليكتشف الممثل ذاته ويفجر ما في داخله عبر صدمات درامية تقود الى البوح .

وكانت ثمرة الورشة رفع الستار عن العرض المسرحي ” ثورة الموتى ” بلمسة الكاتب المخرج
” محمد العتيري” ، الذي كتب نصه سنة 2013 وكان قد لامس به الوضع بالجزائر عن الارهاب وما آلت اليه العشرية السوداء ليعيد اسقاطه على الوضع بتونس ، لينصبّ في قالب عربي وما تتخبط به الأوطان العربية ، والصوت الداخلي المكمّم لكل عربي الذي يسعى الى التحرر وملامسة الحرية والديمقراطية ضمن نمط إنساني من شأنه حفظ الكرامة وصيانة الحريات وضمان السلام الداخلي بالمقام الأول ليصبغه على السلام بمعناه الشامل والواسع ، إنها حرب ضروس لا نعرف التمييز فيها بين المناضل والخائن ، بين الضحايا الأبرياء والمتستّرين خلف قناع الوطنية ، لعبة معقّدة ومحبوكة الرهانات ضمن حيّز دموي أكبر ضحاياه الضمير الانساني ، وان امتدّ الأمر الى مساحة الفنان وعالمه هنا الثورة لازمة ، فكل الفنانين في عداد الأموات بتضييق الخناق عليهم وقمع حرياتهم وفرض الرقابة المتزمّتة وحملهم على التمرّد ، فان قهر الفنان وحكمنا عليه بالموت البطئ ههنا أكبر الفجائع لتنعكس على موت المجتمع والحضارة وطمس معالم التطور والمضيّ قدما ، فالفنان لغة المجتمع ، ضميرها ورمز حريّته ، وقد قام بتنفيذ السينوغرافيا وتصميم الملابس الدكتورة ” دلال مقاري” بعد عمل متواصل مع الأستاذ ” العتيري” على العرض المسرحي وفتح نافذة الحوار ، وتطبيق كل آليات السايكودراما لنفض دواخل الممثلين وتعرية مكامن ما يعتريه من خوف ، أمل ، غضب ، ثورة ، رغبة جامحة في الحياة وأخرى في الانتقام لمن وكيف وبأي أسلوب تمّ العمل على ذلك بإشراك الجمهور في الحقل الابداعي مع توفير الحافز ضمن سياق جديد لرؤية مسرحية الغاية منها خلق علاقة جديدة مع الجمهور ، مع اعتماد الأبعاد النفسية في الشخصيات التي كشفت الايجابية في تقمص الأدوار ومحاكاة التقلبات للوصول الى الغاية ، كما سيتمّ تبني العمل المسرحي ” ثورة الموتى” من لدنّ معهد دراما بلا حدود بغية تنظيم جولة عربية وأوربية مثل ألمانيا ، بريطانيا ، سلطنة عمان والجزائر .

وقد أفادنا الاستاذ ” محمد العتيري” أن جمعية مسرح الكل للكل تسعى بشكل أو بآخر الى توسيع أنشطتها ومدّ جسورها في المستقبل القريب بهدف الرفع من مستوى الدراما وتحقيق التواصل وتلاقح الأفكار ، مع تفعيل الحوار في أبهى صوره ، في محاولة جادة لفهم الراهن وتحليله مع تقديم أبو الفنون في الواجهة كأهم الأدوات التي من شأنها لفت الانتباه للحلول والبدائل ، وقريبا جدا سيعلن عن رصّ أسس فرع بالجزائر سترأسه الدكتورة ” نورة شرقي ” التي كان حضورها ايجابيا وفاعلا ضمن الورشة الدولية للسايكو دراما والمسرح .

كما تمّ في نهاية الورشة تكريم كوكبة من الفاعلين بها والمهتمين من إطارات وشباب ، كما تمّ التنويه بمجهودات الدكتورة ” نورة شرقي” ومشاركتها بالورشة بتكريمها من لدنّ معهد دراما بلا حدود ، ومن طرف كذلك الأستاذ ” محمد العتيري” على أمل أن يكون التواصل مستمرا مستقبلا مع ربط الصلة مع كل الجهات والبلدان للرقي بالفعل المسرحي .

وعليه ، فإن الورشة الدولية للسايكودراما والمسرح في أولى خطواتها لها أن تقطع شوطا كبيرا مستقبلا لتتّسع الرؤى وتمتدّ الآفاق ، بخاصة وأن معهد دراما بلا حدود من أسمى أهدافه محاكاة التراث وإعادة استنطاقه فنيا بلمسة معاصرة ، مع فتح مجال الحوار وتبادل الخبرات ومنح امتيازات هدفها الاسمى تشجيع الطاقات وتوجيهها .

عن عباسية مدوني

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.