أخبار عاجلة

الواقع والعبث في العرض المسرحي “دراما”

سوزان المحمود  – مجلة الفنون المسرحية

 

يراهن الدراماتورج والمخرج المسرحي الدكتور أسامة غنم، الأستاذ في قسم النقد المسرحي في المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، كعادته على اختبار صبر الجمهور، ويرى هل بقي جمهور مسرحي حقيقي في عصر الصورة و السرعة هذا الذي نعيشه يمكنه الجلوس لمدة ثلاث ساعات ونصف لحضور عرض مسرحي واقعي يعتمد بالكامل على النص وعلى أداء الممثلين فقط، وكأنه يحاول هنا إعادة خلق عادة الفرجة المسرحية القديمة الطويلة والصبورة لينسج علاقة جديدة بين الممثل و الجمهور، يعمل على إعادة حياكة هذه العلاقة بصبر وجلد في عرضه المسرحي “دراما” الذي يقدمه باقتباس حر عن نص “غرب حقيقي” للكاتب المسرحي والممثل الأمريكي سام شيبارد.

 في “دراما” يقوم هنا كل من د. أسامة غنم والدراماتورج إبراهيم جمعة بتقديم نصٍ مختلفٍ تماماً عن النص الأصلي، فلقد ابقيا على الشخصيات الأصلية، باستثناء شخصية المنتج التي استبدلاها بفتاة تعمل لجهات انتاجية، لكنه وهذا ما يميز قراءة أسامة غنم غالباً لأي نص مسرحي يقدمه على الخشبة فهو يتحول لنص يحاكي البيئة المحلية بامتياز نص يفهمه الجمهور ويتفاعل معه لأنه يُمكّنه بسهولة من قراءة ما بين السطور، الأبعاد والدلالات والأمكنة التي يفهمها الدمشقيون، وغيرهم، وهو ما شاهدناه في عرضه السابق “زجاج”، يعمل أسامة غنم وفريقه في “مختبر دمشق المسرحي” طويلا على أي نص مسرحي سيقدم على الخشبة وهو يختار غالبا نصوصاً من المسرح الواقعي ويقدمها بطريقة واقعية لكن في هذه العرض “دراما” يقدم الواقع الذي يضاهي العبث في لا معقوليته.

  أبطال القصة ومسرحهم في عرض أسامة غنم هو ما كان يدعى في زمن سابق “الطبقة الوسطى في دمشق” التي مُحِيت معالمها تماماً، وربما كانت أحد هموم و اشتغالات أسامة غنم، كما لاحظنا في أكثر من عمل، وأبطال العرض هنا هم العائلة التي يختبئ صراع أفرادها تحت غطاء رقيق من التفاهم الكاذب الذي كان يوحي به الوالدين الغائبين المفترقين والبعيدين، وابنين شابين يُفترض أنهما ناضجين، يظهران على الخشبة معاً منذ البداية الابن الأصغر الذي يمثل شخصية المثقف الذي يعمل كاتب سيناريو والذي قدم من بيروت مكان إقامته إلى دمشق ليهتم ببيت العائلة بناءً على طلب والدته التي سافرت إلى مصر لسبب غير واضح ربما لحضور مؤتمر ما، والابن الأكبر الذي قدم من مكان ما على طرف البادية لا نعرف لماذا أتى الآن لكن يبدو أن مجيئه فاجئ أخاه الأصغر الذي كان ينصرف لكتابة ملخص قصة سيناريو سيبيعه لشركة انتاج مهمة، يبدأ الصراع والجدل بين الأخوين المختلفين في كل شيء، فالأخ الأصغر(أدم) شخصية مثقفة واعية مهادنة لطيفة متحضرة تتمتع بسلوك راقي ومراعي للآخر، وهو أيضاً صاحب عائلة زوج وأب ولديه عمل يقوم به بمسؤولية كبيرة وهو الكتابة،  بينما الأخ الأكبر (مهيار) شخصية برية خشنة متهتكة غير مثقفة تقاذفتها ظروف الحياة الصعبة فهو لم يكمل تعليمه وعمل في عدة أعمال حتى أصبح في النهاية لص محترف مختص بسرقة شاشات البلازما كيف انتهى به الأمر هكذا هذا ما لم يفهمه أخوه الأصغر، الذي يبدو أنه كان يكن له حباً أخوياً خاصاً، فبينما يتحدث الأخ الأكبر بطريقة خشنة ومزعجة مع أخيه الأصغر كان الآخر يتحمل بصبر وهدوء كل تلميحات وازعاجات الأول، وهو يقوم بالكتابة أو بغسل الأطباق على المجلى، نفهم من خلال الحوار أن الأب قد عاد إلى قريته وأنه في حالة يرثى لها وبطريقة ما نفهم أن الأب كان أحد مثقفي اليسار المنكسرين أو أحد أصحاب المشاريع الثقافية والذين عانوا خيبات كبرى أودت بهم تماماً بعد أن خسر دار النشر التي كان يمتلكها، وأن الأب كان يهتم بالكتب والثقافة فيما مضى بينما كانت الأم تهتم بأدوات المنزل والمطبخ وغيرها أكثر فيبدو أنهما كانا مختلفين في اهتماماتهما مما أدى إلى انفصالهما وانكسار علاقتهما بالإضافة إلى مشاكل الوسط الخارجي الذي لم يسلط الضوء عليه، إحدى اهتمامات الكاتب الأساسية هنا هي الشروخ التي تصيب العلاقات ضمن العائلة الواحدة، الشروخ التي نادراً ما يتم الحديث عنها، يبدأ الصراع بهدوء في العرض عندما يقرر الأخ الأكبر القيام بجولة تفقدية في الشارع الذي تقيم فيه والدته ليستكشف البيوت التي يمكنه سرقتها رغم رفض الأخ الأصغر لذلك لكنه يخرج ويسرق شاشة بلازمة ويعود، ثم يتصاعد الصراع عندما تقوم مندوبة إحدى شركات الانتاج التلفزيوني(ديانا) بزيارة الأخ الأصغر لتتفق معه على السيناريو الذي يقوم بكتابته حول قصة حب “كلاس” كما تقول لتقوم الشركة التي تمثلها بإنتاجها، وهنا يتدخل الأخ الأكبر ويقحم نفسه في خضم هذه الصفقة التي تقوم بها الفتاة والتي تمثل سطحية شركات الانتاج وتسليعها لأي قصة، فيقوم الأخ الأكبر بلفت نظر الفتاة ويروي لها قصة سخيفة تحدث بالصحراء فيها مطاردات وفنتازيا يمكن أن تبهر شركات الانتاج الضخمة فتعجب الفتاة بالقصة وتفضلها على قصة سيناريو الأخ الأصغر التي عمل بجد عليها طويلا، وهنا تحتدم الأمور بين الأخين الأمي البري غير المثقف وبين المثقف الواعي الذي لا يفهم ما حدث والذي تختلط عليه الأمور، فكيف يمكن لقصة غير منطقية وسخيفة جدا أن تعجب تلك الفتاة وتترك قصته المكتوبة بحرفية وعناية عن الحب. ومما زاد الأمور سوءا وتعقيدا أنهما يطلبان منه أن يكتب ملخص قصة أخيه السخيفة وغير المفهومة فيرفض ذلك بعنف، لكنه يرضخ اخيرا لسبب وحيد بعد أن يفلت عقله من عقاله وهو أن يرضى أخوه أن يأخذه معه بعيدا عن كل شيء ليعيش حياة بدائية على طرف البادية بعد أن يكون الاخ الاكبر حاول أن يقوم بكتابة القصة بنفسه لكنه يفشل تماما فيقوم بتكسير “اللابتوب” الكمبيوتر المحمول على الخشبة في مشهد عنيف مبالغ به، وبعد أن يتراهنان على سرقة ركوة قهوة من أحد منازل الشارع الهادئ الذي تقيم به والدتهم يقوم الأخ الأصغر بسرقة عدد من ركاوي القهوة وسخانات الكهرباء، وبينما يقومان بكتابة السيناريو اخيرا على الورق ويكون المنزل قد تحول الى مزبلة حقيقية تدخل الأم بشكل هادئ و مفاجئ إلى الخشبة وتشاهد كل ما يحدث، لكن تكون ردة فعلها باردة وهادئة جداً وهي السيدة التي كانت مهووسة فيما مضى بالنظافة والترتيب، لكن يبدو أنها تعاني من شيء ما ربما هو الزهايمر يتزعزع الأخان عندما تراهما، الأكبر يقترب منها محاولا لمسها لأنه لم يرها منذ خمس سنوات يحضنها ويستعيد حالته الطبيعية، والأصغر يتفاجأ بعودتها السريعة، لكنه يصر على انهاء القصة التي يحتقرها للذهاب مع أخيه الاكبر الى البادية بعد أن فقد فرصة بيع قصته وبعد أن انهارت شخصيته الإنسانية الواعية العاقلة وتحول الى طفل يتعلق بثياب أخيه الأكبر المتمرد والبري، يتعارك الأخان بعنف أمام الأم التي لا تبدي حراكاً بينما يحاول الأصغر خنق أخيه الأكبر بسلك في حالة هستيرية ويكاد الممثلان يقلقان الجمهور عليهما في هذا المشهد العنيف لكن يختار الكاتب أن لا يقتل احدهما الآخر ترحل الأم التي تطلب منهما بكل برود أن يتعاركان في الشارع وليس في البيت وكأنهما مجرد طفلين يلهوان أمامها و تذهب للإقامة في فندق لتنتظر حدوث حدث هام جدا حدث يأتي من الماضي وهو قدوم الفنان بيكاسيو ولوحته الشهيرة “الغرينيكا” التي رسمها في الحرب الأهلية الإسبانية إلى قلب دمشق، إنها إحدى الاشارات القليلة الى الحرب التي تدور في البلاد، مع التنويه احيانا لبُعد الحي الذي تقيم فيه الأم عن المناطق الساخنة وعمل الاخ في السرقة وهو ما اصطلح على تسميته في سنوات الحرب ب”التعفيش”، حيث تتم سرقة البيوت التي هُجِرَ منها أصحابها بسبب احتدام القتال .     تخرج الأم مخلفة اياهما يتعاركان بعنف ثم يفلت الاخ الاصغر أخيه الاكبر مرعوبا معتقدا أن أخاه  مات بين يديه لكن الآخر يقف على قدميه بعد فترة ويترك المشهد الأخير مفتوحا عليهما وهما في حالة تأهب لصراع طويل.            

عمل الممثلون الشباب مطولا على هذا العرض لإظهار قدراتهم التمثيلية واستيعابهم لروح الشخصيات التي يؤدونها ولتحولاتها ولأزماتها الغريبة قدموا أداءً جيداً، الممثل إيهاب شعبان الذي قدم شخصية الأخ الأكبر  العنيفة المتمردة المنفلتة من المنطق و الهاربة من المدنية والعائلة والتي رغم ذلك تشعر بالمسؤولية تجاه الأب الغائب والذي قدم أداءً مقنعاً لكنه في بعض الأحيان كان مبالغا فيه قليلا خاصة مشهد تكسير اللابتوب بالعصا، والممثل جان دحدوح الذي قدم شخصية الأخ الأصغر(أدم) المثقف العقلاني المهذب السلوك لكن هذه الشخصية تتحول في نقطة مفصلية لترتد إلى بدائيتها بعد أن تستبدل قصته بقصة أخيه وكأنه يريد أن يهرب من هذا العالم اللاعقلاني فيشرب كثيرا ويسكر ويصبح شخصية مهزوزة غير متوازنة ويسلم أمره لأخيه الذي ينتصر ببدائيته على ثقافة اخيه الاصغر في عالم يقدر الرداءة والسطحية ويستبعد الثقافة الرصينة و الأصالة في كل شيء،  أما الممثلة مي السليم فقد قامت بشخصيتين في العرض شخصية مندوبة شركة الانتاج التلفزيوني وشخصية الأم وكان أداءها مقنعاً بالشخصيتين، في الشخصية الأولى كانت الفتاة البزنس المغناج والعملية التي تقوم بعقد الصفقات بين أصحاب القصص وكتاب السيناريو وبين شركات الانتاج الضخمة وهي تلتقط الفرص والأفكار التي تعتقد أنه يمكن تسويقها في عالم سوق الدراما الذي يحفل بكل المتناقضات والمضاربات وهي فتاة لعوب بلا رحمة لا تحترم إلا ما تعتقد أنه يمكن أن يحقق ربحاً وتسويقاً جيدا للشركات التي تمثلها، أما في شخصية الأم فقد قدمت شخصية امرأة عجوز يظهر عليها ملامح الكبر شخصية ردود فعلها باردة عاطفياً وكأنها تعاني من شيء غير مفهوم، لكنها بإيماءة صغيرة تمنع ابنها البكر من اصطحاب أخيه إلى البادية وتأمره أن يدعه لعالمه، ثم تراقبهما وهما يتصارعان وتخرج من المنزل الى الفندق.   

السينوغرافيا: لم يهتم المخرج هنا بالسينوغرافيا، فالديكور كان عبارة عن طاولة صغيرة مع كرسيين للكتابة في إحدى جهتي الخشبة و كونتوار يُفهم انه مطبخ امريكي في الوسط  و مجلى على الجهة الأخرى من المسرح وأصيص نبتة واحدة من النباتات التي كانت تهتم بها الأم والنبتة التي كان يجب أن يهتم بها الابن تموت في نهاية العرض. ويستعمل أدوات حقيقة مثل سخانات الكهرباء التي يشعلها على المسرح ويضع عليها ركاوي القهوة لتغلي في إحدى المشاهد والتي كان من الممكن ان تسبب مشكلة ما على المسرح والتي رافقت إحدى مشاهد احتدام  الصراع بين الأخوين. قلقنا على أمان الممثلين والجمهور وهو أمر مهم جداً كان يجب الانتباه له أكثر.  

الإضاءة: اقتصر عمل الاضاءة على انهاء مشهد وبداية مشهد آخر، لم تؤدي وظيفة أخرى في العرض.   

الموسيقا على الرغم من أنه ذكر أن هناك تأليف موسيقي لكن الأصوات الوحيدة التي استخدمت هي الأصوات التي تدل على قرب المنزل من مكان ناء وهي أصوات الصراصير وعواء الكلاب وموسيقا القدود الحلبية التي شُغلت من موبايل الاخ الاصغر، بينما استخدمت مقطوعة موسيقية مؤلفة لآلة هندية في الفترة الفاصلة بين الفصلين وقبل بداية العرض لم تخدم الجو العام للعرض ولم تهيأ الجمهور للدخول في روح العرض.

 قام بتصميم الملصق الخاص بالمسرحية الفنان يوسف عبدلكي وكان تصميما موفقاً يرمز لشخصيتين متعاكستين ضمن اطار مربع ربما يرمز للعائلة، فعلى الرغم من  أن جسدي الشخصيتين يمتدان خارجا إلا أن رأسيهما محصوران ضمن هذا الإطار الأسود ذو الفضاء الرمادي.   

“دراما” عرض واقعي خرج عن الحدود الواقعية نحو العبثية، فقد عبر عن عبثية الواقع ولا معقوليته، انصب اهتمامه بالدرجة الأولى على الحوار الذي لامس الجمهور، وعلى أداء الممثلين الشغوفين،  فقد نجح أسامة غنم وإبراهيم جمعة بتبيئة النص وملامسة واقع أسرة سورية مفككة، واظهار صراعين الصراع الأول صراع الأخوين الذي دار على الخشبة، والصراع الآخر الذي كان في الخلفية صراع الأب مع زمنه ومجتمعه والذي انتهى بالفشل الذريع وربما الذي انعكس بشكل واضح على شخصية الابن الأكبر مهيار، استطاع الجمهور أن يلمس بوضوح شغف الفريق بالمسرح وبجمهور المسرح والجهد المبذول قبل العرض، استمر العرض لثلاثة ساعات ونصف، لكن ربما تكثيف الزمن قليلا  والانتباه إلى بعض مكونات العمل المسرحي الأخرى كان من الممكن أن يخدم العرض أكثر ويجعله أكثر تكاملاً.  

فريق العمل: تمثيل إيهاب شعبان، جان دحدوح، مي السليم. إخراج د. أسامة غنم، مخرج مساعد ديما أباظة،  دراماتورج إبراهيم جمعة، تصميم إضاءة ريم محمد، تأليف موسيقي آري جان سرحان، تصميم الملصق والدليل للفنان المعروف يوسف عبدلكي.

 

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.