أخبار عاجلة

الواقع الافتراضي وخطاب الإبداع في العرض المسرحي – العراق

تتمثل ثورة الواقع الإفتراضي بحيثياتها عبر تكنولوجيا الإتصالات الرقمية، وشبكة الإنترنت وما تمثل من ثورة معلوماتية, فكانت اللحظة المعاصرة بحق لحظة الثورات الثلاثة هي ثورة المعلومات و التكنولوجيا و الإعلام وفي هذه الثورات الثلاث سمات التطور والنمو السريع في مجتمعاتنا المعاصرة بقدر ما تؤثر على الإنسان في حياته العملية، ونشاطاته اليومية وفي طبيعة النهج الذي يطبع العلاقات البشرية والتواصل الذي حددته الحداثة, فهي كانت مدخلاً إلى القرن المقبل لمواكبة التطور السريع بالواقع الإفتراضي)1 وكلمة الواقع الإفتراضي أو الحقيقة الإفتراضية يقصد بها التمثيل شبه الواقعي للأشياء والأجسام والأشخاص وبيئات تواجدها مضافاً إليها فكرة التفاعلية بين مستخدم الكمبيوتر والأشياء التي يتعامل معها, وقد ظهر الواقع الإفتراضي فعلياً بل وإستعمل كثيراً حتى قبل أنْ يطلق عليه اسم من الأسماء التي ذكرناها سلفاً. إذ كان أول ظهور لهذا المفهوم في أوائل الستينات من القرن العشرين حيث كان الموضوع يسمى باصطلاحات آخرى عديدة مثل “المحتوى التشبيهي عالي المصداقية أو البيئة الإفتراضية، أو الواقع الاصطناعي أو المصنع. وكل هذه البحوث دعمت في البداية من قبل جهات عسكرية بهدف تطوير أجهزة تدريب عالية الكفاءة، ونتيجة لهذه البحوث تطورت عدة تقنيات, لعرض الواقع الإفتراضي تتنوع في إستعمالها للبرامج والأجهزة المساندة لها)2 

لقد برز مصطلح الواقع الإفتراضي في فضاء التداول في مجال أدب الخيال العلمي، حينما إستعمل الكاتب الأمريكي وليام جيبسون (William Gibson) عام 1984 في قصة عنوانها نيورومانسر (Neouromancer) ليصف به العلاقة ما بين الإنسان وإدراكه لفراغ مكون من المعلومات المجردة, أو ما وصفه بالمصفوف.)3 ليواجه هذا المصطلح العديد من الانتقادات والإعتراض، على اعتبار أنَّ المصطلح يتكون من لفظين متناقضين هما (الواقع) و(الإفتراض)، وبالذات على مستوى الترجمة الحرفية بمعنى الواقع الأكثر شيوعاً وتداولاً، بينما يشير هو إلى مفهوم البيئة الاصطناعية أو الحقيقة الاصطناعية، أو تقنية المحاكاة…

إنَّ مصطلح الواقع الإفتراضي(VR) إُستعمل من قبل العديد من المعنيين وبعدة معاني ومفاهيم، إذ إنَّ بعض الأشخاص الذين يعني لهم مصطلح الواقع الإفتراضي مجموعة من التكنولوجيات الرقمية المحددة، مثل خوذة الرأس،ونظارة الإستقطاب, وكفوف إدخال المعلومات والصوت ، وهنالك من عرف المصطلح بأنَّه عالم مُولد من قبل الكمبيوتر يتعامل مع حاسة, أو أكثر من حواس الإنسان. ويعتمد على ردود الأفعال لتصرفات المستعمل بشكل آني, فضلاً عن أنَّ بعضهم يعرفونه بأنَّه تقنية رقمية تمكن الإنسان من التفاعل مع الكمبيوتر بشكل مرئي، أو إنها الوسيط بين الإنسان والكمبيوتر 

ويرى الباحث بأنَّ جميع المفاهيم والمعاني لمصطلح الواقع الإفتراضي تصف التكنولوجيا, أو الكيفية التي تعمل بها التكنولوجيا, وان الواقع الإفتراضي هو الحقيقة التي لها التأثير على الحقيقة الفعلية, وليس على محتواها الأصلي وبمعنى آخر أنَّ مفهوم الواقع الإفتراضي يمثل محاكاة لواقع تم تخيله ويمكن تجربته بصرياً في الأبعاد الثلاثة (الطول,العرض,العمق) مع توافر تجربة بصرية في حركة كاملة وفي وقت حقيقي مع المؤثرات الصوتية, وربما مع تفاصيل أخرى ضمن بيئة ثلاثية الأبعاد تحتاج إلى تجسيد وتفاعل مع الواقع الإفتراضي, إذ تعطي البيئة الإفتراضية للمتلقي القدرة على التصور والتفاعل والإندماج مع الكمبيوتر, ومع البيانات والمعلومات, لإن القدرات السمعية والبصرية فضلاً عن القدرات الحسية الأخرى للمُستخدم يمكن أنْ تُدمج مع مؤثرات العالم الواقعي لخلق بيئة أو عالم إفتراضي ضمن الكمبيوتر. حيث يقدم الفضاء الإفتراضي ضمن هذه البيئات محاولة لنقل مشاعر معينة- غير حقيقية- للفرد، إذ يمكن للفرد أن يشعر بالانتقال الجسدي من عالمه الفيزيائي إلى عالم من الخيال المطلق, أنَّ الفضاء الإفتراضي يشبه من حيث الخواص الديكورات للمواقع التي تُستخدم في العروض الافتراضية والتي من الممكن أنْ تكون تمثيلاً متطابقا كلياً أو جزئياً من مكان موجود فعلاً على ارض الواقع أو يمكن أن تكون صورة خيالية لعالم آخر, إلاّ أنَّ الميزة التي تقدمها البيئات عامة, والفضاء الإفتراضي بشكل خاص القدرة على التأثير في وعي المتلقي وإدراكه, ليحيله إلى جزء من هذا العالم الخيالي، وليس مراقباً له، إذ يمثل الفضاء الإفتراضي حالة من التنظيم الذاتي واللامركزية، المرونة الفائقة إلى حد الفوضوية، مع القدرة الهائلة على التطور والنمو.)4 اذن فمفهوم (الواقع الإفتراضي) يقع ضمن إشكاليات الفلسفة الرقمية والبناء الفكري المعاصر, بحيث يشكل مجالاً جديداً للوجود الإنساني يتمثّل في ثنائية (الواقعي/الإفتراضي) والتي تتأسس على فكرة المحاكاة الرقمية للواقع الحقيقي, إذ يكون الواقع الإفتراضي “صيرورة أخرى للبشرية”، مختلف عن (الراهن) ، وهو عكس الممكن الثابت والقائم, وهو لا يقوم على تجريد الواقع, بل مُحدثاً تحولاًت جوهرية في الواقع تدعم تحويره وإعادة إنتاجه على نحو مغاير وغير مألوف، يمتاز بالتمويه, والتطويع, والإيهام, والاصطناع, والتعالي على الواقع غير أنَّ الإفتراضية ليست إنتقالات من الواقع إلى الممكنات، أو إلغاءً للواقع، وإدخال الممكن ضمن القائم, فالفضاء الإفتراضي فضاء من دون حدود، تبنيه الشبكات الالكترونية، ليُوجد مجالاً جديداً موازياً للواقع، وليغدو فضاءً ينتمي إلى الجغرافية ، لأنّ الافتراض يكون خيالاً مجسداً وغير محدود, إذ هو يُمثل الوجه الحسي للواقع العقلي الذي اختلقه الإنسان طلباً للمزيد من التحكم في الواقع الطبيعي. فهو واقع ذكي يكيف الظاهرة الطبيعية وفقاً لشفرات رقمية خاصة تتجاوز التعيين إلى التشفير، ومتجاوزاً الكلمات إلى الأرقام.)5 

فالواقع الإفتراضي له تأثير على الحقيقة الفعلية وليس على محتواها الأصلي. ويُعَّد في أحد جوانبه نوع من المحاكاة أو البديل لحقيقة ما يُراد تمثيلها، ومن هذا المنظور يعمل الواقع الإفتراضي على خلق بيئات شبيهة بالبيئة الحقيقية بوساطة الكمبيوتر إذ يمكن الإندماج فيها والتعايش معها حسياً لإرضاء رغبات الشخص النفسية والحسية, وشهدت التقنية أثناء العقود الأخيرة تحولاً فكرياً مهماً في ظل التطور الرقمي المعاصر، إنعكست تأثيراته على علاقتها مع الثقافة والمجتمع والاقتصاد بشكل عام والفن المسرحي بشكل خاص، ويدفع بهذه العلاقة نحو تبني الأنموذج الرقمي الذي أصبح ضرورة أساسية لنهضة الفنون المعاصرة بمواكبة لغة العصر الرقمية، فضلاُ عن ما تجلبه الإبتكارات التقانية الرقمية من تغيرٍ عميقٍ وجذريٍ ودائم, وأهمها دخول الكمبيوتر في مجال الفن المسرحي على المستوى التقني, فالمسرح المعاصر في ضوء هذا المؤثر أستند على توظيف أحدث مستجدات التقدم التقاني الرقمي، وما يفرضه من أولويات جديدة على مستوى النظرية والتصميم للتقنيات المسرحية، إذ تجعل من الإضاءة الرقمية هي نتاجاً منطقياً وحتمياً لروح العصر, وجعل الإنتشار المتزايد للكمبيوتر والبرمجيات المتقدمة بإمكان المصممين تصور التصاميم المعقدة وتنفيذها بسهولة، ووفرت وسائل جديدة لإنتاج التصاميم وتصنيع المكونات التفصيلية، إزاء قصور استخدام المناهج التقليدية عن تحقيقه. ولم يقتصر دخول التقنيات الرقمية في الفن المسرحي وتقنياته على مجرد التغيّر في منهج وستراتيجيات عمل المصممين معها، بل هو تغير في لغة التصميم وتعبيريته وكفاءته، إذ لا يقتصر على ما توفره هذه التقنيات من إسناد مادي، بل هو تغيرٌ مفاهيمي يتحقق على مستويين مختلفين يتمثل الأول بالمستوى الفكري، ويتعلق بمفهوم التصميم بحد ذاته، والثاني على المستوى المادي في ما يتعلق بالقابلية والتركيب من حيث عمليات التشكيل والتصنيع والتجميع )6

وعليه يرى الباحث أنَّنا لكي نستطيع خلق تعايش واندماج مع البيئات الإفتراضية، وتحويلها إلى بيئة تعطينا إحساساً بالحقيقة والواقعية، يتوجب أنْ نتمكن من أستحداث الحواس الأساسية الخمس (البصر، اللمس، الذوق، الصوت، والشم) بالكمبيوتر وبوسائل وأنظمة إيحائية حسية مصطنعة. إذ إنَّ تكنولوجيا الإتصال والمعلومات والإعلام لم تأتِ مستقلة بعضها عن بعض, بل ترافقت وتزامنت في التطور وتفاعلت حتى باتت التكنولوجيا والمعلومات والإعلام صيغة ثلاثية ، تتصل بكل ما في هذا العالم من تنمية ، وحركة بشرية ، في المجالات الأقتصادية, والاجتماعية, والسياسية, والتربوية, والثقافية, والفنية وهنا يأتي المسرح موضوعاً للتأثر في واقع التكنولوجيا الرقمية، بوصفه جماع الفنون والآداب ، وملتقى العلوم الإجتماعية، فهو ممارسة سيسيوثقافية ، وتواصل إحتفالي، ووسط تخاطبي، ومصدر للخطابات المتفاعلة تواصلياً وجمالياً وتعبيرياً, فليس ثمة شك بانَّ خطاب الإبداع بالعرض المسرحي يتشكل نتيجة التعارض بين متغيرات الواقع الحياتي، فمنذ أنْ خطى رواد المسرح قبل آلاف السنين نحو تنظيم طقوس الفرجة المسرحية واستثمار فضاءات جديدة لاستيعاب فاعلية النشاط المسرحي وترحيله من الممارسة العفوية إلى آفاق رسالة قصدية جمالية مشروطة بصياغات المنهج الكلاسيكي الذي أحتضنته أثينا القديمة ودعمت برامجه ووفرت له مساحات من الديمقراطية، إذ أنَّ المسرح بالنسبة لهم حاجة أجتماعية وفكرية وبيئية محيطة وتاريخ وأزمات وأداة تغيير معبرة عن الآلية الاجتماعية والمحيط الفكري والتاريخي فما زال المسرح يعلن عن قدرته كأداة للتعبير والتغيير فاعلة ومؤثرة ومنافسة لإبراز الوسائل الإتصالية التي يشهدها العصر الحديث إذ التطورات التقنية والمعلوماتية الهائلة . لذلك فقد سعى المسرح إلى استعمال التكنولوجيا لكي تكون كأداة من أدوات الفعل الإبداعي كونها فاتحة لفضاءات تفكير جديدة تمكن المسرح من زيادة زخم خطاباته، وكفاءاتها في خلق مستويات تواصل عدّة واعية ولا واعية عبر ما توفره تكنولوجيا التقنيات الرقمية من مجموعة من الأدوات والمعارف والمهارات اللازمة, لتحقيق إنجاز معين ممن تشكل أسس, أو قواعد التكنولوجيا(7 وكل هذا التحديث في التقنيات انعكس بشكل مباشر, أو غير مباشر على جميع قطاعات الفن والثقافة ، الأمر الذي سيجعل من العرض المسرحي أنْ يتفاعل مع هذه المتغيرات التقنية من أجل صناعة سينوغرافيا تستطيع أنْ تصنع الدهشة البصرية بما يحتاجه المتلقي في العرض المسرحي الجديد. لذلك فان معظم النتاجات المسرحية باتت تعتمد في إنتاجها اليوم على التكنولوجيا الحديثة عن طريق الكمبيوتر الذي يعد الآلة التقنية الوحيدة القادرة على خلق أشكال جديدة غير مألوفة, إذ يقوم على أساس فرضية وليس على أساس مادة موجودة بالواقع, ويصبح للكمبيوتر القدرة على إلغاء الحقيقة وخلق بدلاً عنها فرضيا مادة جديدة تصبح في جوهرها هي الحقيقة, وهكذا يمكن القول أنَّ المحاكاة تمتلك أنموذجا مفاهيميا مغايراً عما كانت عليه, فهي باتت تأخذ الإفتراض الثالث أصلاً لها فإذا كانت :

1. الطبيعة إفتراض تشبيهي عن مثال أصل.

2. كان الفن إفتراضاً تشبيهياً عن الطبيعة.

3. وكانت التكنولوجيا الرقمية إفتراضاً مضاعفاً على إفتراض الفن )8.

المصـادر:

( 1) ينظر: علي, نبيل: الثقافة العربية وعصر المعلومات: رؤية لمستقبل الخطاب الثقافي العربي. سلسلة (عالم المعرفة) ، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت,2001, ص68

(2)See: http://www.amazon.com/Silicon-Mirage-Science-Virtual-Reality: The Art and Science of Virtual Reality, access date 18/9/2015

ويليام فورد جيبسون (1948): روائي أمريكي كندي له طابع خيالي تأملي, أدخل جيبسون مصطلح الفضاء الإلكتروني في قصته القصيرة “الكروم المحترق” التي صدرت عام 1982 ثم أشاع هذا المفهوم في روايته الأولى نيورومانسر التي صدرت في عام 1984. في تخيل الفضاء الإليكتروني، قام جيبسون بأول وصف لعصر المعلومات وذلك قبل ظهور الإنترنت في تسعينيات القرن العشرين. كان له الفضل أيضًا في إرساء المفاهيم الأساسية المرتبطة بالنمو السريع للبيئات الافتراضية مثل ألعاب الفيديو، والشبكة العنكبوتية العالمية يُعد جيبسون أحد أشهر كُتاب الخيال العلمي في أمريكا الشمالية. كتب جيبسون أكثر من عشرين قصة قصيرة وعشر روايات انتقاديه لاذعة. كما أنَّه أسهم بكتابة مقالات عدهَّ لمنشورات رئيسة، وتعاون بشكل كبير مع أداء الممثلين، وصانعي الأفلام، والموسيقيين. كان لفكره تأثير كبير على مؤلفي روايات الخيال العلمي، والتصميم، والأوساط الأكاديمية، وثقافة الإنترنت، والتقانة.

See: https://ar.wikipedia.org/wiki, Access date,10/8/2015

(3)See: http://vr.isdale.com/WhatIsVR/ ,access date 18/9/2015.

(4).See, http://www.zoominfo.com ,Emil M. Petriu, Virtual Environments, University of Ottawa, accesses date 18/9/2015

(5) ينظر: الداهي، محمد: بحث مقدم إلى الملتقي الدولي حول (النظرية النقدية المعاصرة والعولمة), جامعة فرحات عباس,2008,ص100.

(6) ينظر: سلام, محمد سعيد: التكنولوجيا الحديثة (الكويت : سلسلة عالم المعرفة ، 1982) ص45

(7) See: Blake, Bill: Theatre and the digital, London, first published,2014,p6-10

(8)See: Matthew, Causey , Theatre and Performance in Digital Culture from simulation to embeddenedness, London and New Yourk,2005,pp151-152

—————————————————————–

المصدر : مجلة الفنون المسرحية – د.عماد هادي الخفاجي

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.