الهرطقة مع بدايات فن المسرح (دراسة موضوعية في الأبعاد القيمية) الجزء الأول

أولاً: مفهوم الهرقطة

الهرطقة ويطلق عليها أيضا (الزندقة (بالإنجليزية: (heretic) هي تغير في عقيدة أو منظومة معتقدات مستقرة ، و خاصة الدين ، بإدخال معتقدات جديدة عليها أو إنكار أجزاء أساسية منها بما يجعلها بعد التغير غير متوافقة مع المعتقد المبدئي الذي نشأت فيه هذه الهرطقة. فالخروج والإتيان بالجديد حالة لكل مهرطق فالهرطقة تلعب دورا اساسياً بالتحول المخالف للأخر فالمهرطق هو الخارج عن الحدود العامة. اما مصطلح الهرطقة جاء من كلمة ليست وصفا موضوعياً وانما تنطلق من وجهة نظر من يستخدمها الذي ينتمي الى جماعة كانت اتفقت فيما بينها مسبقاً على ما هو جديد وتستخدم كلمة هرطقة لوصف أي رؤية لا تتوافق مع الراسخ في أي مجال. وفي هذا الحليل والاستقراء من الممكن ان نذهب بالمصطلح وإسقاطه طوعيا على الفن وخاصة المسرح. اما تعريف الذي جاء في معجم المصطلحات المعاني العربي الجامع،

” الهرطقة هي الاتيان بالبدع المخالفة للأصول الدين”[1] وما افاد المصطلح هو العودة الى اصول الهرطقة فهي معنى اقرب “كلمة يونانية تعنى انتقاء أو اختيار أو انتخاب أو اختبار. أى أن اختيار لفكرة أو تفضيل فكرة عن غيرها يسمى هرطقة. تطور استخدام هذه الكلمة فى اليونانية وصارت تستخدم تعبير عن المذاهب ثم دخل استخدام هذه الكلمة فى الأديان وصارت تعبر عن فكر معين فى الدين , فمثلاً فى الديانة اليهودية طائفة الصندوقيين لا تؤمن بقيامة الأموات , أيضاً مذهب الفرنسيين , . كل مذهب أو


طائفة من هذه المذاهب فى اليهودية كانت تسمى هرطقة , حتى ان اليهود كانوا يسمون المسيحية هرطقة من الهرطقات اليهودية ( اى مذهب من المذاهب اليهودية ) ثم تطور استخدام كلمة هرطقة لتعبر عن الفكر الضار الذى يضر الكنيسة”[2]. ان اطلاق المهرطقون الباحثون عن المخالف والمنتج البعيد عن الدين والتسلط العقائدي يحجم من امكانية المهرطق المفكر اذا قارنا ان المهرطق حالة للبحث عن الجديد المتغير وهذا دور الانسان المنتج فهناك في الديانة المسيحية يقسمون الهرطقات الى انواع وهي بالشكل التالي.

انواع الهرطقات :-

1- هرطقات روحية أخلاقية  :- هى تعاليم ضد الفضيلة و التقوى المسيحية.

2- هرطقات إيمانية لاهوتية  :- هى أبتداع فى الدين لو ظهر فكر أو تعليم كان خلاف تعاليم الرسل, فهذا الفكر يعتبر هرطقة أى أبتداع فى جوهر الله أو لاهوت[3]

 وفي هذا تأكيد دور ان مساعي الكنيسة بإطلاق هذا المصطلح اولا الحفاظ على الديانة ثانياً ان تكون الهرطقة داخل في جدارن الكنيسة وفق التعاليم والأديان وبالتالي لا يستطيع احد مغادرة هذا المكان او ان يتفكر في الخلق او في الاشياء. ولعل هذا التعريف يؤكد على الهرقطة متناسقة بالبدع فان كلمة بدعة او “(secte من اللاتينية sequi ، او اللحاق بـ) هي بالمعنى الاوسع مجموعة من الاشخاص اللذين يعتنقون المذهب ذاته، ويتم احياناً تطبيق المصطلح على المدارس الفلسفية في الزمن القديم “[4] فقد تحول المهرطق الى بدعة او مشعوذ او منشق فهو يدعي الى اللاعقلانية والهذيان وتكون احكامه غير منتظمة فلكي تكون هناك هرطقة يجب ان تخضع بقانون ان تكون هناك “مبادئ ايمانية اساسية ، حقائق موحا بها، وان تكون ثبتت هذه المبادئ وقننتها كنيسة شرعية، تمتلك سلطة على صعيد الايمان بتعبير الأخر[5] لو رجعنا الى العصور القديمة لم يعرف العصر القديم الاغريقي والروماني هرطقات لان ديانته لم تكن مؤسسة على وعي اللاهي ، وكانت تجهل بالتالي مفهوم المبدأ الايماني او الدوغمان، فلقد كانت تلك الديانات طابع عُرفي وغير دوغماني.[6]

وذلك لأن الديانات البدائية تجهل أي نوع من العقيدة فالاحتفالات والأسطورة تستفيد ما يتعلق بالدين، يتم اعتماد الحكاية وليس التعليم والأمر على هذا المنوال في كل من الديانات المصرية والبابلية ، الاغريقية والرومانية ، وكذلك في العهد القديم.[7]

اما التوسع بالتعريف لمفهوم الهرطقة فهو اكثر غموضاً وهذا ليس هناك من توافق مطلق بين مفهومي الهرطقة لم تولد بدعاً، وليست كل البدع هرطقة اذن على وفق القراءة تبين ان الهرطقة ملازمة الفعل الناتج نتاج انساني فكل المحاولات هي تحاول الخروج من العبودية والتكرار فهي نزعة أعطت حراك المجتمع وفق العلوم الانسانية ونتاج الهرطقة هو نتاج مجتمعي المراد منه مواكبة الحركة والعمران والتطور وخاصة في مجال الفن وسوف اعطي تعريفا توضيحياً للهرطقة وتوظيفها كمفهوم  المصطلح في الفن المسرحي.

تعريف الكاتب للهرطقة.

 الهرطقة في المسرح:  ” تستخدم كلمة “هرطقة” لوصف أي رؤية لا تتوافق مع الراسخ في أي مجال ، ولارتباط معناها بالدين أكثر فقد قررت أن أضيف كلمة “الثقافة الهرطوقية المسرحية” بجانبها ففي النهاية الهرطقة نابعة من ثقافة الفنان المسرح التي تتغير باستمرار اذ يعد المهرطق بالمسرح نموذجا للتغيير والتصدي لكل الافكار وخاصة الفلسفة  فاذا أردنا أن نكون مسرحيين مهرطقين بالإبداع والجمال والفن فلا بديل عن أن نتغير بشكل ايجابي حتى نصل إلى مستوى نستطيع فيه مجاراتها أحيانا والتصدي لها في أحيان أخرى. أكون اهرطق او لا اكون.

ثانياً: الهرطقة والمسرح.

نجد في بداية الحضارات القديمة الهدف كان أولاً تعزيز الجانب الروحي والإنساني وأخذت الأساطير والطقوس تحرك الحياة وفق تشكيلات مسرحية وإن المعتقدات الدينية تلعب في الأسطورة دورا أساسيا في تثبيتها وترسيخ مفاهيمها تأخذ الإنسان لمحاولة تداولها والخوض في أعماق تلك الطقوس والأساطير التي هي أسست مولد الإنسان وتكوينه فالأسطورة هي نوع من الخيال الرمزي الذي فسر به الإنسان مشكلات المصير البشري والأسطورة كانت والجة في الإيمان الديني وطقوس العبادة وإسرار الوثنية ومن أهابها خرجت الملحمة ومن أهاب الملحمة خرجت المسرحية وهي أكثر التزاماً بجانب العقل كما تعتمد إلى نوع من التحليل الواعي الذي تعجز عنه الأسطورة والملحمة.

فلقد كانت الأسطورة تعبيرا عن النزاعات الأساسية التي تركز عليها الوجود البشري وهي محاولة لمعانقة المنطق الثابت الدائم عبر الصيرورة والجزئية والتحول الفردية وجميع الشعوب, الأساطير تدخل فيها قوى وكائنات اقوي ورفع من البشر فهي تدخل في نطاق الدين, اذ بدائية الأساطير جاءت من ” السحر والحلم واللا وعي الجمعي الدفين الذي يتحكم داخل الإغراض والرموز والأمارات الظاهرة في عمليات الحركة الاجتماعية في واجهات مراسم وشعائره واحتفالاته وأعياده , لقد تم التركيز على الأسطورة والسحر بشكل شبه ديني لتأكيد الصياغة الطقسية للاحتفال المسرحي”[8] ولعل في هذا الرأي تأكيد على إن الأسطورة جاءت من اجل فتح المجال للبدعة والاكتشاف والتجديد والإتيان بالمخالفة اما.”المؤدون في الطقس إن يشخصوا شخوصاً أسطورية يقتربون إليها ويدعوها إلى إحداث , تغير وكان ذلك التقرب هو احد الدوافع التي دفعت الإنسان إلى بلورة الفن المسرحي وقبله كان الدافع الغريزي أو غريزة المحاكاة”[9]. بدأ المسرح كشكل طقسي في مجتمع بدائي وقام الإنسان الذي انبهر بمحيطه بترجمة الطقوس الدينية إلى صور , ولتكون الصوره هي مقدمة للفكرة والتي ولفت الحراك العضوي للأداء الوظيفي للجسد ( غريزي) , تم الانتقال بهذا الحراك إلى محاولة التحكم به عبر الطقوس الدينية التي كانت تستمر في الأعياد والمناسبات فقد افادة المبدعون المهرطقون اعتماد صيغ جديدة من اجل حاجة الإنسان للتعبير والتغيير.

فكانت البداية الأولى مع جسد الإنسان عبر معملاً  توليدياً  وتوظيفاً من الحركات والإيماءات والإشارات والأفكار الجديدة له, وبهذا غايرت الشكل الراكد إلى شكل متحرك يبحث عن روح التجديد والتغير, مما شكلت هذه التجربة والمحاولات العديدة شكل أكثر متطور ومتجدد لدى العاملين في الطقوس الدينية. اما الأساطير والخرافات إنما هي حركات تفتح المجال للخيال الواسع وهذا ان دل على شيء يدل على الهرطقة الخرافية السحرية الاسطورية اللاواعية اعتمادها على مجموعة من المصادرة التي تفسح المجال للخيال والتفكر للمهرطق ولعل”الخرافة والأسطورة وهي مصدر من مصادر الدراما كما أعطت الإنسان إمكانية تجسيد مخاوفه ومطامحه لكي يجابهها أو لكي يحقق آماله وأحلامه لقد بدا الإنسان البدائي المحاكاة برسومه على جدران الكهوف ثم بأنها مرآته الجسمانية والصوتية التي تحولت بعدئذ إلى كلام ولغة”[10].

وبخاصة في الإحداث والحوار والأزمة الإنسانية في مواجهة الواقع الحياة الموت وسائر القيم والميول والغرائز التي طبعت في النفس وحين نأتي لعام “(3000 ق.م.) نصبح في غني عن إن نفترض وجود ممثلين ففي العراق ومصر القديمة كان الكهنة من حين لأخر يتحولون إلى رواة, ومع بعض الأبيات يمثلون مشاهد من حياة الإله . كانت هذه الفقرات تعرض في حفلات التتويج ومراسيم الدفن لقد أصبح هؤلاء الكهنة  في الفقرات الدرامية من المراسم ممثلين. فقد اشتركوا في فقرات تشبه المسرحيات”[11] فملحمة (كالكامش) قد تعبر نموذجاً لتلك الأساطير, لو نظرنا إلى الحضارة اليونانية من جهة أخرى أكثر تطور للتجربة المسرحية ظهور العديد من التحولات المكانية والزمانية التي أثرت في نهضة المسرح وانطلاقه نحو العالم من خلال التجارب المستمرة للمسرحيين المهرطيين.

ولعل في أوليات المعرفة وهي تنزع في تفسيرها إلى التشخيص والتمثيل والتجسيم وتنادى بجانبها عن التعليل والتحليل وتستوعب الكلمة والحركة والإشارة والإيقاع وقد تستوعب تشكيل المادة فقد كانت ضرورة ملحة لصيرورة وإدامة المسرح وبين الاسطورة والخرافة والسحر واللاوعي اصبح هناك محاولات للنتاج فلسفي جمعت الهرطقة على وفق هذا الفلسفة والتحولات مجموعة من العناصر ليتقدم المبدع بالإتيان المخالف للأصل من اجل التغيير والمخالف عن المتوقع والعرف السائد انذاك.

أفادت الحضارات من الاكتشاف والتطور والبحث عن ما هو جديد ومغاير. نجد من خلال التطور العمراني وتجربة الإنسان في حضارة اليونانية والحضارة البابلية والحضارة المصرية وباقي الحضارات الشاغل الأكبر هي الحياة وكانت حقل للتجارب ودخلت فهيا العديد من التطورات من صناعة وزراعة وغيراها وكل حضارة تجرب في إشكالها وطبيعتها نجد هنا وهناك تمايز من حيث التصوير والتشخيص , وفي العديد من الحضارات التي نشأت في سومر بجنوب العراق في تحويل أرائهم في الحياة والفن وذلك بتأليف الموسيقى والأغاني بالرقص وبتحويل المواد المعدنية إلى زخارف بالرسم والتصوير وبنحت التماثيل ببناء المعابد والآثار والقبور بالمشاركة في طقوس والاحتفالات وبالتأليف القصائد. وفي الحضارة العراقية القديمة والحضارة المصرية القديمة.

إن العملية المسرحية مرت من خلال الفنان اليوناني المهرطق الذي دفعه نفسه وميلوه نحو التغير والتجديد من خلال اخضاع جميع القيم والمبادئ الى التجربة مستفيداً من هرطقته التنويرية. فراح العديد من المسرحيين اليونانيين باتجاه نوع جديد يتناسب مع رغبات الإنسان واحتياجه فكان المسرح هو الذي يحقق هذا التغير وهذه الحاجة من طقوس دينية وتقاليد إلى عروض مسرحية مجسده بأشخاص فقد اجد في هذا الملمح الذي راح بالطقس الديني الى التجسيد الإبداعي القيمي الى فلسفة , إذن إن الهرطقة في مجال المسرح جاءت من التقاليد والممارسات الدينية. يرى (أدوين ديور) “من خلال قناعتنا الشخصية إن الناس في كل مكان لابد إن يشعروا بميل غريزي للعرض , للتظاهر والتقليد والتمثيل لخداع الآخرين بكلمات وإيماءات وحركات يتقمصونها ومنذ لاحظ أرسطو* ( 384_ 322 ق.م.) , إن المحاكاة هي أحدى غرائز المتأصلة فينا”[12].

 التقطه فيما بعد الإغريق وأسسوا مسرحهم التراجيدي , لنفل نشاطاتهم من( زراعة , وحث, وحروب….وغيرها) إلى فرجة عبر المسرح ومنذ ذلك الحين والمسرح يشكل عنصرا فنياً أساسيا في المجتمع ويرصد جوانب مختلفة للحياة ومع كل حركة جديدة نجد إن المسرح يواكب تغيراته وفق رؤى غير تقليدية. ظهرت المأساة اليونانية شكل من إشكال التعبير عن صراعات الحياة فكانت حركة انقلاب وتغير نظام عام يعرفه الناس جميعا ويمارسون تلك المأساة من مشاهدات لظواهر مسرحية.

 “سرعان ما وجدت المادة الجديدة لعروضهم في إلياذة Iliad  المشهورة ربما إلفها أكثر من واحد ، وال (أوديسا) Odyssey والتي ربما ألفها (هوميروس Homer ) بمفرده , وكلاهما تم تدوينهما فيما بين (750 و 700ق.م.) وهكذا نجد إن المأساة اليونانية مدينة للشعر الملحمي في موضوعاتها وطريقة معالجتها وأسلوبها اللغوي وتطور حبكتها بما فيما من حيل فنية كالتعرف وقلب الموقف”[13].وهنا مغايره في هذا الرأي إن الملحمة قلبت الموازين وطورت من حال التراجيديا في ساهمت في تطور المشهد والموقف المسرحي التقليدية وفي رأي (أرسطو) في كتاب فن الشعر يتحدث عن التراجيديا والكوميديا “نشأة ارتجالية فالتراجيديا ترجع , في أصولها إلى مرتجلات قادة جوقات الأناشيد الديثرامبة, التي كانت تؤدي في أعياد ألإله (ديونيسوس), بينما ترجع نشأة الكوميديا إلى مرتجلات قادة الأغنيات والرقصات الإكليلية التي كانت تؤدى في الحفلات”[14].”كما نشأ المسرح من أصول دينية وشعبية واحتفالية شعبية فقد نشأ تجريبياً ارتجالية كسمة بالمرتجل المهرطق وفق ثقافة عامة, حيث لم تكن هنالك قواعد وأصول ثابتة يتبعها العاملون في المسرح  وكان (أيريون) أول مجرب في حقل التأليف عندما قام بتحويل أغاني (الديثيرامب) , إلى نصوص مسرحية تقدم لجمهور غير المشاركين في الاحتفال , وكان (ثسبس) أول مجرب في مجال العرض المسرحي”[15].,لتبدأ مرحلة جديدة في الفن المسرحي استطاع فيها كل من (اسخيلوس، سوفوكليس ، يوربيديس ، ارستوفان) التعريف ببنية المسرحية الإغريقية وأسلوب  تقديمها المغاير على خشبة المسرح مستثمرين الطقس الديني والخروج منه الى اشكال فنية جمالية اكثر تأثيرا بالناس من الممارسات التقليدية فأصبح المهرطق في الفن المسرحي اليوناني المعلم والمنتج الاول للثقافة المسرحية.

ومع هذا التطور على مستوى العرض دخلت فرقة أخرى تعتمد على الصورة البصرية لذلك خرجت عروضهم تحت مسمى (المايم),”وهي نوع ثان من المسرح إلا أدبي أو مسرح الممثلين ويقال إن مسرحيات الميم هذه ترجع جذورها إلى المشعوذين الذين لديهم موهبة التنكر والألاعيب البهلوانية لكنهم لم يكونوا ما نطلق عليه ألان فناني التمثيل الإيمائي . كانوا ممثلي إيماء ناطق أو صور مقلدة للحياة “[16] وما ان لازمة هذه المفردات المشعوذين والسحرة كل من خرج عن الاصل الديني الأساس فهم مهرطقون خارجون عن السلطة والدين اما من وجهة نظر مسرحية وما طرحته للهرطقة المسرحية يؤكد دور المهرطق المسرحي للتعبير عن الواقع المعاش من خلال هذه الممارسات فهذا النوع يعطي للمهرطقة فسحة للتجريب من خلال لغة الجسد.

فظهر مع تلك العروض المرتجلة التي إضافة شكل جديدة  للعرض دفع الكثير ومن بينهم أصحاب مسرحيات (المايم) ومن هذه العروض المرتجلة. ثلاثة أنواع من التمثيل الصامت هي 1_ الميمي  Mimi  أو التمثيلية الإيمائية : مسرحية قصيرة تنقل بأسلوب حركي وتحمل طابعاً جدياً بعض الشيء 2_ (البانتوميمي) pantomime أو الملهاة الإيمائية الصامتة وهي التي تقتصر على التمثيل الحركي التهريجي 3- (الميموس): يؤخذ من الحياة العامة ومنه تطورت ونمت شخصيات هزلية مضحكة وهي شخصيات المحتالين.[17] لعل تلك الحركات في المسرح كانت محاولاتها لتغير المسرح من ركوده ودفع العملية المسرحية بإشكال مختلفة ومتنوعة ويأتي هذا التنوع من وليد حاجة. حاجة ملحة وضرورة للتجديد ومن اجل تحريك التجربة ونضوجها في عملية مستمر للبحث والتقصي والإقصاء. وخلال عهد الإمبراطورية أيضاً بدأت العروض الإيمائية وهي شكل داعر أخر من إشكال التسلية في منافسة المايم على الشهرة. في التراجيدايا والكوميديا الرقصات المثيرة جنسياً.[18]

اما في العصور الوسطى:   ما إن أشتد عود الكنيسة وباتت تمتلك السلطة المهيمنة حتى راحت تفرض القوانين على المجتمع الوثني ، وكان إلغاء العروض المسرحية واحداً من تلك القوانين التي امتلكت الكنيسة مبرراتها التي جاءت بسبب العروض الرومانية التهريجية الداعرة والتي باتت تقف على الضد من تعاليم الدين والكنيسة ذلك ما دفع الكنيسة للعمل لرغبة المتلقي وجاء من حاجة الكنيسة إلى إيصال تعاليمها إلى المتلقي دفعها إلى توظيف القيم من خلال لمسرح لا من خلال المهرطقون في الشوارع ، لتبدأ مرحلة جديدة تكون فيها الكنيسة راعية للمسرح بما يتفق مع أصولها ، وقد اقتصر الأمر على تقديم العروض داخل الكنيسة فضلا عن اشتراطها بأن يحتوي العرض على مضامين دينية تخدم قيمها فقد أوكلت مهمة تنظيم العرض المسرحي الديني إلى أحد رجال الكنيسة، ” كما أسندت له مهمة تعليم الأداء التمثيلي وفن الإلقاء “[19]. فضلا عن ذلك فإن الممثلين الذين لعبوا الأدوار في تلك المسرحيات كانوا من القساوسة أيضاً ، الأمر الذي أعطاهم فرصة لقراءة العرض المسرحي بشكل مغيرة وتأتي هذه من خلال المسرحيات التي كتبت باللغة اللاتينية في عصور الإغريق والرومان ومحاولة تقليدها ومحاكاتها بطريقة جديدة تخدم مصلحة الكنيسة.ومع مرور الزمن والتطور الحركة وصولاً إلى نوع جديد من”الدراما الطقسية (Liturgical drama ) وهي تلك الصور المسرحية التي ظهرت في العصور الوسطى والتي كان فيها الحوار والحركة جزءاً من الطقوس العادية, أو الصلوات التي تقام في ذالك اليوم أيضا إدخال المحاكاة والتقليد في الحركة واستخدام الأمتعة والملابس المناسبة”[20] قام الكهنة ورجال الدين بالقيام بأعباء الأداء التمثيلي ترويجا لتعاليم الكنسية والمسيح وكانت اللغة اللاتينية في ذلك الوقت قد استعصى فيهما على إفراد الشعب مما اضطر الكنيسة في نهاية الأمر إلى تبسيط القصص وحكايات الكتب المقدسة وعرضها مسرحياً عن طريق الحركة والإيماءة وسائر عناصر التعبير وحين ما خرجت المسرحية من الكنيسة وأصبحت جواله في الشوارع من قبل محترفين وهواة حاربت الكنسية هذه التجارب  بحجة هؤلاء مهرطقون خارجون عن ارادة الرب والكنيسة. فقد تميزت العروض المسرحية بثلاث مميزات , دون إن يكون هذا عمد أو تدبير أ_ اختلاط النظارة والممثلين ب _ أقامة سلسلة من المنصات أو الأبنية الصغيرة لتدل على بعض الأمكنة ( القبر, البستان, متجر بائع الحنوط) ج _ استخدام الحيز المكاني الذي يقع بين هذه المنصات أو الأبنية كمكان للتمثيل وعلى هذا الأساس قدر لمسرح لعصور الوسطى كله إن يتطور خلال القرون التي مضت بين القرن العاشر والقرن الخامس. بعد الخروج من الكنيسة ظهرت هنا وهناك بوادر المتعة للمتلقي فظهرت أولى تلك المحاولات هي( القصيدة المنفصلة التي تعرف بحلقات الإسرار( mystery cycles) واسمها يدل على بقايا أصلها الديني.[21] وراحت الكثير من العروض المقدمة تأخذ النماذج اليومية حتى اختيار الممثلين للعرض المسرحي مما صار أكثر الممثلين من الناس العاديين ولاشك إن اندماج التقاليد الطويلة للعصور الوسطى كان مصدر قوة لعصر النهضة وتقاليد مسرح لقرون الوسطى كانت راسخة وقد ترتب على تفاعل هذه القوى الثلاث. ولعل هذه المتغيرات المكانية والزمنية للعرض المسرحي الكنسي لها دور في تنظيم شكل المسرح وبالتالي تغير مسار المسرح وشكله إلى شكل أخر, وراح المسرح الكنسي بشكل اعتباطي لم يعوا أهمية رفضهم للعرض المسرحي السابق عندما رفضوه التقاليد التي كانت راسخة من قبل المسرح الروماني وجعلوه لهم تقاليد خاصة بهم تمارس في داخل دار الكنيسة والحاجة الملحة إلى تطوير مسرحياتهم التي تقدم فقد رجعوا الى المهرطقون المبدعون لأحياء الفن المسرحي..

خلاصة القول إذ يمكننا القول إن أكثر مناهج البحث أهمية بالنسبة للمهرطق  هي البحث التجريبي المتواصل وهذا ساعده على التطور وبناء حضارته عن طريق الملاحظة والاستقراء والوصول إلى النتائج الصحيحة ومعرفة الطرق السلمية للتعامل مع الظواهر وتفسيرها.

فالهرطقة في المسرح هي حالة ذو ضرورة واثر ملحة للمبدع المسرحي فهي إضافة جديدة مغايرة عن السائد والمألوف لتأصيل تجارب المهرطق في الفن المسرحي.

الهوامش

•1.    عقيل مهدي يوسف ، فكرة الإخراج، ط1،الشارقة، دائرة الثقافة والأعلام الشارقة، 2011م، ص16

•2.    سامي عبد الحميد, ، قديم المسرح جديدة وجديد المسرح قديمه، ط1،بغداد، مهرجان بغداد لمسرح الشباب العربي الدورة الأولى،سنة 2012م,ص 4.

•3.    ديور: أدوين, فن التمثيل أفاق وأعماق، ج1, تر  مركز اللغات والترجمة_ أكاديمية الفنون, القاهرة, أكاديمية الفنون وحدة الإصدارات مسرح (27), ب ت.

•4.    أرسطو، فن الشعر,ط1,تر إبراهيم حمادة, بيروت, هلا للتوزيع والنشر ,ص 3

•5.    عمرو فؤاد دوارة, دور المخرج بين مسارح الهواة والمحترفين، ط1، القاهرة,  الهيئة المصرية العامة للكتاب،2006.

•6.    جون رسل تيلر, الموسوعة المسرحية, ج1,تر سمير عبد الرحيم الجلبي, بغداد, (دار الإعلام – سلسة المأمون). 1990م.ص37

•7.    احمد زكي, عبقرية الإخراج المسرحي المدارس والمناهج, ط1, القاهرة, الهيئة المصرية العامة للكتاب, 1989م, ص 18.

•8.    نيكول: الأردايس, المسرحية العالمية, ج 1, تر  عثمان نويه, الجيزة، هلا للنشر والتوزيع, 2000م.

•9.    ابونا ابرام بشوندى, الهرطقات, الاسكندرية, اللجنة المركزية لاعداد الخدام الاسكندرية,2012,ص2

•10.                       ج.وتلر، الهرطقة في المسيحية، تر جمال سالم، بيروت، دار الفارابي، 2007، ص15.

 

[1] مجم المصطلحات اللغوية, الجامع

[2] ابونا ابرام بشوندى, الهرطقات, الاسكندرية, اللجنة المركزية لاعداد الخدام الاسكندرية,2012,ص1

[3] ابونا ابرام بشوندى, الهرطقات, الاسكندرية, اللجنة المركزية لاعداد الخدام الاسكندرية,2012,ص2

[4] ج.وتلر، الهرطقة في المسيحية، تر جمال سالم، بيروت، دار الفارابي، 2007، ص15.

[5] ج.وتلر، الهرطقة في المسيحية، تر جمال سالم، بيروت، دار الفارابي، 2007، ص15

[6] ج.وتلر، الهرطقة في المسيحية، تر جمال سالم، بيروت، دار الفارابي، 2007، ص16

[7] ج.وتلر، الهرطقة في المسيحية، تر جمال سالم، بيروت، دار الفارابي، 2007، ص16

[8] يوسف, عقيل مهدي ، فكرة الإخراج، ط1،الشارقة، دائرة الثقافة والأعلام الشارقة، 2011م، ص16

[9] عبد الحميد,سامي ، قديم المسرح جديدة وجديد المسرح قديمه، ط1،بغداد، مهرجان بغداد لمسرح الشباب العربي الدورة الأولى،سنة 2012م,ص 4.

[10] عبد الحميد,سامي ، قديم المسرح جديدة وجديد المسرح قديمه، مصدر سابق,ص11.

[11] ديور,أودين ,مصدر سابق , ص 33

* أرسطو: (384 _ 322ق.م) عالم وفيلسوف إغريقي له أهمية كبيرة في تاريخ الدراما بسبب مبحثه (فن الشعر) (حوالي 330ق.م)الذي حاول فيه تنظيم شكل المأساة ووظائفها وشكل الملحمة ووظائفها. /جون رسل تيلر, الموسوعة المسرحية, ج1,تر سمير عبد الرحيم الجلبي, بغداد, (دار الإعلام – سلسة المأمون). 1990م.ص37

[12] ديور, أدوين, مصدر سابق, ص30.

[13] ديور,أدوين, مصدر سابق, ص 35.

[14] أرسطو، فن الشعر,ط1,تر إبراهيم حمادة, بيروت, هلا للتوزيع والنشر ,ص 3

[15] عبد الحميد,سامي، قديم المسرح جديدة وجديد المسرح قديمه، مصدر سابق, ص97.

[16] ديور, أدوين, مصدر نفسه, ص 109

[17] ينظر, ديور,أدوين, مصدر سابق, ص 109

[18] ديور, أدوين, مصدر سابق, ص (110_ 111)

[19] دوارة ، مصدر سابق ، ص 37 .

[20] احمد زكي, عبقرية الإخراج المسرحي المدارس والمناهج, ط1, القاهرة, الهيئة المصرية العامة للكتاب, 1989م, ص 18.

[21] ينظر, نيكول, الأردايس , مصدر سابق, ص (220_ 230)

————————————-

المصدر :مجلة الفنون المسرحية – قصي شفيق – النور

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.