“الهبوط من جبل مرجان” محاكمة ميلر للماضي ومواجهة الحاضر

 

تحتفي الأوساط الثقافية والفنية، اليوم الأربعاء، ذكرى وفاة الكاتب المسرحي الأمريكي آرثر ميلر، أحد أبرز كتاب المسرح العالمي، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، ومن المبدعين القلائل الذين واصلوا تألقهم الإبداعي حتى سن متأخرة، شق طريقه نحو قمة المسرح الأمريكي مع أصدقائه يوجين أونيل، تينسي وليامز، وكان من كبار المدافعين عن عن الحرية الفكرية.
أخرج له إيليا كازان مسرحيته الشهيرة “وفاة بائع جوال” التي حصلت على جائزة النقاد، وبوليترز في 1949، ثم ترجمها بعد ذلك ميخائيل رومان إلى العربية، فكان من المنددين بفكرة المسرح في متناول الجميع.
“الهبوط من جبل مرجان”
إحدى روائع “ميلر” المسرحية، التي تتسم بالدقة الفكرية والجرأة في تناولها، يطرح خلال هذا العمل عن طريق بطل المسرحية “ليمان” مجموعة من الأسئلة تتلخص فيها ثقافته وخبرته الحياتية التي تؤدي إلى عدة أجوبة يستفيد منها الآخرون، ويستكشف العمل موضوعات خاصة وعامة في آن واحد، عبارة عن عدة قضايا متعقدة تخص العلاقات الخاصة، السبب المؤثر في أفعالنا وسبل التعامل مع أحلامنا شياطيننا وسبل الهداية منها، تزخر المسرحية بالخيال والسريالية يظل معها المشاهد متيقظا ومفكرا حتى النهاية.
يوضح الدكتور أسامة أبو طالب، أستاذ النقد والدراما بأكاديمية الفنون في دراسته النقدية “الهبوط من جبل مورجان.. ملامح الحداثة وما بعد الحداثة”، التي نشرت في العدد 380 لعام 2016، الصادر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، والذي يؤكد فيها قيمة هذه المسرحية ليس في عمق تناولها التحليلي لشخصيات ومجتمع يضمها بل كذلك وبالدرجة الأولى في تركيبها وتعقيد مشاهدها وتداخل أزمنتها معا وتخارجها منها لكن في هندسية رائعة منضبطة، وقد تحولت فيها كل الشخصيات إلى ما يشبه المحاكمة، محاكمة لنفسها ولغيرها، محاكمة للموتى والماضي والحاضر وهلع ما يأتي به المستقبل، فكل ذلك موزع على أشخاصها في موضوعية عادلة.
يرى أبوطالب، أن “ميلر” برع في تتبع جذور عقد بطله باستدعاء مشاهد من طفولته التي لن تكن سهلة أمام الأب، واستحضار “الأب” المتوفي استحضارا جديدا حين لم يحصر وجوده أو يبرره أو يفرض علينا تأويله بكونه شبحا تقليديا بل تركه كمادة لمهاجمة “ليمان” وموضوعا يستدعيه كلما حل به الخوف أو انتابه الندم أو أرهقه الضعف أو احتاج إلى اعتراف ولو مؤقت وضمير يستيقظ مرات كي يطهره، وهذا ما جعل “ميللر” في صدارة كتاب المسرح في القرن العشرين وإلى الآن بكل ما كتبه وتنبأ به وبكل مواقفه الإنسانية، والسياسية، مواجها ومقاوما للعنف والتعصب والاستبداد والتميز، كما تفرد أيضا في اللغة لكونها لغة درامية حقيقية تنطق فيها كل شخصية لغتها الخاصة حاملة ثقافتها وعقدها، لغة غنية بالتلميحات السريعة والتعليقات التي تحتمل التأويل والتأويل المضاد.
حسن مختار
https://www.albawabhnews.com/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح