“الهايشة – ما بقات هدرة – GPS”.. قراءة في ثلاثية التحولات لمحمد شرشال – د. محمد الأمين بحري

بين الاتباع والابتداع، قراءة في ثلاثية التحولات: [الهايشة-ما بقات هدرة- GPS] لمحمد شرشال

د. محمد الأمين بحري*

منذ راسين وكورناي عند الغرب، إلى توفيق الحكيم، وعلي أحمد باكثير عند العرب، وصولاً إلى عديد الاستلهامات والاقتباسات الكلية أو الجزئية المعاصرة لمنجزات المسرح العالمي التي تتداولها أقلام الكتاب ورؤى المخرجين في عصرنا. تبلور المسرح الاتِّباعي مفهوماً ومنجزاً، عبر عديد الإسقاطات، المواكبة لروح العصر، وهو مسرح يدعو باستمرار إلى الثورة على الجمود والتقليد، وتحريك جلاميد الركح وإعادة بعثهتا، خاصة في الرؤى الاخراجية المستحدثة (المبتدعة)، وتحيين البنى والفنيات التي تستوعب الرؤى والفنيات اتباعاً وتجدد عدتها ابتداعاً. وهذا ما لمسناه في الثورة التجريبية التي يقودها المخرج محمد شرشال، في المسرح الجزائري على مستويات التجريب والاقتباس ومظاهر الاستلهام سواء في التقنيات والأشكال، أو في المضامين والأفكار، التي أثمرت مؤخراً تتويج مسرحيته GPS، بجائزة “القاسمي” لأفضل عرض مسرحي عربي في مهرجان المسرح العربي في دورته الثانية عشر بالأردن. وإن تأملنا هذا العرض الحداثي (حسب عديد المتابعين) ظاهرة تجريبية وابتداعية مختلفة تقنياً وفكرياً في هذا المهرجان، فإننا سنجده في حقيقة الأمر؛ نتاج سيرورة حلقية متنامية من العروض السابقة لهذا المخرج، ونسميها هنا: “ثلاثية التحولات“، التي تمثلها مسرحيات: [الهايشة -مابقات هدرة- GPS]، التي سنسلط عليها ضوء التحليل، لنبين مواطن اتباعها ومعالم ابتداعها.

أولاً: ملامح الاتِّباع.

من خلال تتبع ثلاثية التحولات: [الهايشة، مابقات هدرة، GPS]. يبرز للمتتبع بأن هذه الأعمال الثلاثة، تشترك في مصدر فكري مشترك، وسم البعد التأثري الواضح للرؤية الإخراجية، بالفسلفة اللامعقولية للمسرحي الفرنكو روماني يوجين يونسكو (1909-1994). ونوعية مسرحه الفنتاستيكي والغرائبي الذي يصير أبلغ تعبيراً وتأثيراً وإمتاعاً من الخطاب الواقعي.

وتعد مسرحية “الهايشة” 2015 (ترجمة عامية جزائرية لكلمة الوحش)، اقتباساً مشبعاً بالرمزية والعبثية لمسرحية الخرتيت (le Rhinocéros) للكاتب والمخرج يوجين يونسكو. على الرغم من اختلاف وبُعد سياقيهما ومناسبتيهما وعصريهما، ولعل هذه القبسة العبثية من يونسكو هي إشارة صريحة لبروز خيار إخراجي اتباعي لهذا المنحى الرمزي العبثي، والذي سنراه يتعزز أكثر فأكثر في قادم مسرحياته، متمثلاً في تفضيل لغة الخيال الرمزي بدل الخطاب الواقعي، ولغة الفنتاستيك والتغريب والإشارة بدل التلقين والعبارة، والأسلوب الإيحائي والإيمائي بدل الأسلوب المباشر في إيصال الفكرة إلى الجمهور.

وهذا ما يتضح جلياً في المسرحية الأولى “الهايشة” التي تقدم عالماً زومبياً، ينتشر فيه وباء الحيوانية والتوحش الذي يزحف على الإنسانية وقيمها الممسوخة، ويتواصل خطاب المسخ والتحولات بشكل أقل كلاماً وأكثر إيماءً في المسرحية الثانية من هذه الثلاثية، “مابقات هدرة” الفائزة بجائزة العرض المتكامل في المهرجان الوطني للمسرح المحترف 2017. وهو عمل يشير في عنوانه إلى عدم جدوى الكلام. في حين  يتبع في الأسلوب الأدائي لهذا العمل أسلوب عائلة سيميانيكي الروسية La Famille Semianyki. ، وذلك في عدة زوايا أبرزها:

– فكرة العائلة ذات الأداء الصامت.

  • عائلة الممثلين بمكياج ولباس مهرجين (clowns).
  • طغيان المظهر الطفولي في لباسهم وحركاتهم، (بخاصة في الفصل الرابع)، وكذا في خيار في التخلي عن الخطاب القولي.
  • الطريقة الرمزية التهكمية، وبخاصة في الفصل الرابع، الذي جسد خيار التخلي عن لغة الكلمات.
  • استعمال تقنية السيرك (وهي خصوصية سيميانكية)، التي تطبع بطابعها خطاب الحركة والإيماء وأصوات الألعاب، ومكياج ولباس الممثلين وتأثيث الفضاء الركحي. لتقول بالتهريج الصامت ما قد تعجز عنه جدية التعبير الكلامي.

بعد البروز الواضح للخيار الرمزي والغرائبي في مسرحية “الهايشة” (2015)، وتعزيزه لهذه الرؤية الفنتاستيكية، بفصل صامت، وهو الفصل الرابع في المسرحية التالية ما بقات هدرة: (أي: لم يبق هناك من كلام 2017)، تأتي المسرحية الثالثةGPS  (2019)، التي أسقط منها المخرج، وبشكل نهائي، خطاب الكلام، معلناً اتباع المنحى الإيحائي المغرق في التجريدية اليونسكية بداية من حروف العنوان: GPS، الذي يحيل على تطبيق إلكتروني مهمته البحث عن وجهة ما، ويتمثل فنتاستيكاً في تمرد المنحوتات عن فنانها، وتحولها في ولادة ثانية إلى دمى طفالية ممسوخة، التي ستتحول ثالثاً إلى بشر يكبرون تدريجياً حتى يشيخون بحثاً عن وجهة ضائعة، تفوتهم في الوصول إليها جميع القطارات، فضلاً عن تنامي روح العبثية (فكرة لاإنسانية الإنسان، المستعمل، والبائر، والذي يجب أن يعاد إلى البداية الأولى كي يرمم تشوهه). والأعمال الثلاثة تسير في خط تصاعدي، وإن شئنا؛ مخروطي منفتح أكثر على تغليب الرمزية على الواقعية، منذ مسرحية الهايشة، ليتعزز هذا الفكر أكثر فأكثر في مسرحية ما بقات هدرة الصامتة في فصلها الرابع، ثم يبلغ أقصى حدود التماهي في التجريد والفنتاستيك في مسرحية GPS، التي غابت عنها لغة الكلام في جميع فوصلها، وهو فكر اتباعي مزج بين يونسكو، وسيميانيكي لينجز شرشال من تأثره بهما فلسفته القادمة في مسرح التجريد والرمز الذي يؤسس بلاغة خطابه من الخروج الجزئي إلى الخروج الكلي من لغة الكلام إلى لغة الصمت المعبر والبليغ.

ثانياً: ملامح الابتداع.

ليس عيباً أن يتبع الفنان مسارات سابقيه، من أجل أن يبتدع طريقة أو أسلوباً أو نهجاً فكرياً في تصاميمه ورؤاه الإبداعية. لأن فهم التجارب العالمية التي مرت بالمبدع في مساره المهني، والاقتدار على استيعابها واستثمارها في اللون الفني الذي يهواه، وعجن كل ذلك في رؤية إخراجية وإنتاجية تقولها تقنيات العمل قبل أن تقولها كفاءة الإنجاز، هو ما يجعل من المنجز إضافة نوعية في لونه، وأسلوبه ومدرسته. ولا نتناقض إن أفضى الاتباع بهذا المعنى إلى الابتداع والتجريب. وهو ما نراه ماثلاُ في مشروع المخرج محمد شرشال صاحب ثلاثية التحولات. وبأكثر وضوح في عرضه الأخير GPS،

هذا المسرحية الأخيرة التي رأى فيها كثير من المتتبعين بأنها الطبعة الثانية من مسرحية “ما بقات هدرة”(2017) وهذا كلام صحيح لا غبار عليه، لكن يجب أن نضيف أيضاً بأن هاتين المسرحيتين، هما الجزء الثاني والثالث على التوالي لمسرحية: “الهايشة” (2015)، التي ولدت فيها فكرة المسخ، المقتبسة عن خرتيت يونسكو، الذي تطور في مسرحية ما بقات هدرة، في مشهد تحولات المهرجين/الأطفال، ورأينا المسخ يظهر من جديد في GPS، في المنحوتات التي مسخت دمى طفولية ممسوحة الملامح، ثم تحولت إلى بشر عائدة إلى طبيعتها الأولى.

وكأن البشر الذين تحولوا إلى هوايش (أي: وحوش) في مسرحية الهايشة، قد تطوروا إلى مهرجين تائهين في مسرحية “ما بقات هدرة“، ثم مُسخوا إلى منحوتات متمردة على صانعها، تحاكي وضعها المستعمل، لتتحول إلى دمى، ممسوحة الملامح، ثم تتطور إلى الشكل البشري أخيراً في نهاية عرض GPS. وهو ما يؤكد المنحى الفكري ذو التعبير الفنتاستيكي المتطور حلقياً في هذه الثلاثية المسرحية.

ثالثاً- الملامح الأسلوبية الثابتة في تشكيل الثلاثية.

ومن أجل فهم التواصلات الفكرية التي جددت على نحو تطوري فلسفة يونسكو، بأفكار شرشال التي تدعو إلى تبليغ الفكرة بالفنتازيا والغرائبية دون الواقع، والإيحاء دون الكلام، وبالترميز دون التلقين، علينا الوقوف على مواصفات مفهوم الفعل المسرحي الذي يؤيده هذا المخرج المجدد. لذلك ارتأينا أن نرصد جملة من التماثلات الفكرية والموضوعاتية والفنية المشتركة بين ثلاثية التحولات، والتي  باتت تمثل معالم الأسلوب الفني في تجديد الخطاب المسرحي عند شرشال:

  • تجسيد المبدأ النقدي للمسرح في فكرة المسخ. (وهذا ما يظهر بوضوح في المسرحيات الثلاثة).
  • قيام إشكالية الصراع الكوني بين أربعة أقطاب ثابتة البروز على مستوى التمثيل الشخوصي وهي: [العسكري- الإسلاموي- والمثقف العلماني، وبين الأقطاب الثلاثة تتجاذب شخصية المرأة التي لا تمثل المرأة عادة بل قيمة من القيم المعنوية].
  • طرح حل الإشكالية عن طريق فكرة العودة من البداية وإن بطرق عدة: (عبر صور الطفولة، عن طريق استعادة الزمن الماضي، ووحدة المكان الأول في مغادرته والعودة إليه).
  • محاربة الجمود والتعصب والنفاق (وهو ماثل في دور شخصية الإسلاموي المعني دوماً بالمسخ، والتشويه والتهكم، والإبعاد في نهاية العرض) وهو موقف إيديولوجي ظاهر وجلي ومباشر، لم يستطع المخرج إخفاءه، على امتداد عروض هذه الثلاثية، وعجزت تقنيات الترميز والإيحاء عن إخفائه. ذلك أن انكشاف الموقف الإيديولوجي في التنكيل بشخصية الإسلاموي، بهذه الصورة المعلنة والمباشرة يعتبر سقطة فنية، مضادة للفكر اليونسكي الفنتاستيكي والرمزي والإيحائي المضاد للخطاب الواقعي، أي إنه صار بهذا المشهد ضد فلسفته الرمزية التي طالما صرح بها المخرج محمد شرشال في وسائل الإعلام.
  • حضور شخصية العسكري (صاحب الزي الرسمي والصافرة التنفيذية) باعتباره حامي نظام الكون المسرحي، وهي شخصية لا يطالها المسخ الذي يمكن أن يمس الجميع. إلا هي. وهذا موقف صريح ومباشر يتجلى بالخصوص في آخر جزأين [ما بقات هدرة وGPS] من هذه الثلاثية.
  • أما تقنياً فقد بزغ خطاب الأصوات شبه اللغوية: (همهمات الوحوش في مسرحية الهايشة/ مناغاة في مسرحية مابقات هدرة/ صراخ وأصوات ملحونة في GPS). لتتطور لغة الأصوات شبه اللغوية من مسرحية إلى أخرى، بزيادة مطردة على حساب اللغة الكلامية. وهو تحول عام يخترق جميع أجزاء الثلاثية المسرحية.
  • موسيقى التكنو الثورية، ذات الطابع الآلي التي شهدناها في بداية ونهاية وما بين فصول المسرحيات الثلاثة، وهي موسيقى معدنية (le métallique) حادة تعبر عن روح العصر وتحولاته المسخية المتسارعة. باعتبار الطابع المعدني والآلي والتكنو من الطبوع ما بعد الحداثية التي ترسم العودة إلى الطبيعة والتمرد الحداثي عنها في الوقت نفسه. مما يجعلها موسيقى التناقض والتحول المتسارع للبشر والعصر. وتبرز هذه الموسيقى بشكل أقوى، في مفاصل العروض، وخاصة أثناء مشاهد التحول المسخي فيها.
  • تقنية التثبيت الفوتوغرافي (لحظة أخذ الصورة مع صوت الكاميرا عند الالتقاط)، وهي من اللوحات الانطباعية الجسمانية للممثلين، وتمثل تقنية زمنية تفيد تسريع الزمن، والانتقال من حال إلى حال، حين يفصل بين كل لحظة تثبيت فوتوغرافي (مرفوقة بصوت التقاط الكاميرا للصورة) انطفاء الضوء. مما جعلها تقنية تسريع ونقل زمني بامتياز، وقد لاحظنا استعمالها للمرة الأولى، ولمرة واحدة في المشهد الأول من الفصل الثاني لمسرحية الهايشة. وثلاث مرات في مسرحية ما بقات هدرة (في مشهد اجتماع الممثلين عند النافورة)، بينما استُعملت عدة مرات، باعتبارها تقنية حذف وتسريع زمني أساسية في مسرحية GPS. الأمر الذي جعلها تقنية نامية متطورة من حيث مدة وعدد الاستعمالات من مسرحية إلى أخرى في هذه الثلاثية.
  • تقنية الخفة، في حمل الخطاب الجدي على الخطاب الهزلي، وهب التقنية التي جعلت الإطار السينوغرافي والتأثيثي للمسرحيات الثلاثة إطاراً خفيفاً باعتماده مبدأ المهرج، والطفل والتهكم، بأسلوب غروتسكي، غرائبي، في التعبير العبثي عن الأزمة وهو مزيج بين مشروعي يونسكو وسيميانيكي. أفضى إلى توليفة ابتدع فيها محمد شرشال الكثير من الإضافات، خاصة على مستوى الأصوات شبه اللغوية للممثلين، والأصوات الخارجية الاصطناعية (موسيقى وضجيج)، واللوحات الانطباعية والتشكيلية.
  • تقنية المشهد الوهمي التي تعتبر سمة مميزة لإبداع هذا المسرحي: حيث رأينا كيف اجتاحت روح المسوخ المتوحشة عالم مسرحية “الهايشة” ودمرته، بيد أننا لم نشاهد هذه الهايشة (الوحش) التي استطاعت أن تمسخ الجميع، ماعدا الإنسان الثابت على إنسانيته(البشير)، ذلك أن التحول المسخي الذي شاهدناه في هذا العرض، كان باطنياً وليس ظاهرياً كما توحي كلمة المسخ أو التحول (métamorphose)، لذا كان المشهد الوهمي للهايشة (ماثلاً في ظاهرة الحيونة l’animalité التي حلت محل الأنسنة)، هو ما نقل إلينا الحقيقة، حقيقة النفس الإنسانية التي مسخت حين تخلت عن مبادئها. وكل ذلك تم نقله إلى المشاهد عبر الوهم المشهدي تارة والمشهد الوهمي تارة أخرى.

كما غصنا متجولين في العوامل الداخلية لجميع شخصيات مسرحية “ما بقات هدرة“، ونحن في مقاعدنا خارجها، كما مر بنا القطار عدة مرات في مسرحية “GPS“، دون أن نشاهده البتة على الخشبة، أثناء مرافقتنا للممثلين في رحلتهم وفي محطتهم. إضافة إلى الدور الكبير للإضاءة في تجسيد الفكرة، والذي وقفنا حداثة أسلوبه وحجم دقته وبلاغته في هذه المسرحية الأخيرة.

هذه بعض الابتكارات المشهدية، التي تآزرت فيها الفكرة الفلسفية والتقنية ما بعد الحداثية، في تجديد المسرح الفنتاستيكي الذي تقوم فكرته الأساسية على أن الغرائبي أكثر تعبيراً وبلاغة -في تمثيل الفكرة وإيصالها- من الواقع بحد ذاته، وهذا ما أراد المخرج محمد شرشال استثماره في ثلاثيته المسرحية (الهايشة- ما بقات هدرة- GPS) التي حاولنا نقدها وتفكيك خطابها، للوصول إلى أسلبة مسرحية تجدد منجزها وفكرها، وتدعو إلى ذلك، باعتماد ثنائية: الاتباع والابتداع.

*- ناقد واكاديمي – جامعة بسكرة، الجزائر

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح