النمس والفقيه في مسرحية “النمس” – أحمد بلخيري #المغرب

النمس والفقيه في مسرحية “النمس” – أحمد بلخيري #المغرب

    شاهدت يوم الإثنين 30/9/2019 مسرحية “النمس” التي قدمتها الفرقة المسرحية “المسرح المفتوح” من الرباط في مسرح محمد الخامس بالرباط أيضا. قام بالإعداد الدراماتورجي لهذا العرض المسرحي الكاتب المسرحي والسيناريست عبد الإله بنهدار، وكانت السينوغرافيا من إبداع طارق الربح، أما الإخراج المسرحي فهو من إبداع أمين ناسور. وقد شاهدتها مرة أخرى في تطوان يوم 17/11/2019 بمناسبة انعقاد الدورة الحادية والعشرين (21) للمهرجان الوطني للمسرح.

     فنيا يمكن تقسيم هذا العرض المسرحي إلى سبعة مشاهد، هي كما يلي:

1- مشهد تقديم الشخصية المحورية لنفسها  /  2 – مشهد تقديم الشخصية المحورية عن طريق الأغنية / 3 – مشهد “التحقيق” معها / 4 – مشهد توزع الشخصية المحورية بين الواقع والافتراض / 5 – مشهد مالك CYBER وزوجته / 6 – مشهد الفقيه واستقطاب النساء من أجل “الجهاد” / 7 – المشهد الغنائي الأخير. في كل هذه المشاهد كان عازفان يجلسان خلف CYBER على يمين ويسار الخشبة دون تسليط الضوء عليهما.

    جرت أحداث المشهدين الأول والثاني في مقدمة الخشبة. أما بقية المشاهد فجرت أحداثها في وسطها. هذا، ويمكن تقسيم الخشبة، في هذا العرض المسرحي، إلى فضاءين مسرحيين، هما فضاء CYBER وفضاء الحلقة، وهو خارج هذا الفضاء الأخير.على الركح كان فضاء الحلقة أمام ذلك الفضاء. وحينما حاولت الزوجة الواقعية صد رحال، وهو زوجها،عن التواصل الافتراضي مع المرأة الافتراضية، خرجت من الإطار الذي كانت فيه إلى خارجه. كما خرجت زوجة مالك CYBER من خارج الإطار الذي كانت فيه إلى خارجه من أجل الرقص بعد تضخيم منطقة حساسة من جسدها بهدف التركيز عليها والإيحاء. لذا،يمكن القول إن هذا الخارج هو فضاء الواقع الذي هو مقابل لفضاء CYBER.

     يمكن اعتبار عنوان المسرحية مفتاحا لفهمها وتحليلها. إن العنوان استعارة تنطوي، في حد ذاتها، على حكم على الشخصية المسرحية محور الأحداث المسرحية. ذلك أن المعنى المعجمي ل “النمس” ليس هو المعنى المسرحي في المسرحية. المعنى المعجمي لهذه الكلمة لاعلاقة له بالإنسان: إنه حيوان معروف بالاصطياد، اصطياد فريسته. أما المعنى المسرحي فيتعلق بشخصية مسرحية بشرية تتوزعها رغبات عاطفية ونزوات دفعته إلى الاستيهام والاصطياد الافتراضي virtuel.

يضاف إلى الاستعارة الموجودة في العنوان اسم هذه الشخصية نفسها، إن اسمه هو “رحاَّل” وهي صيغة مبالغة من الرحلة. الرحلة انتقال من مكان إلى مكان، أما رحلة رحَّال فرحلة عاطفية من علاقة واقعية إلى أخرى افتراضية. وسبب هذا الترحال هو العين التي تعشق. والعين حاسة ضرورية في عالم الأنترنيت. من هنا جاءت التسمية كاملة: رحال العوينة.

    كانت بداية المسرحية بتقديم الشخصية المسرحية المحورية لنفسها. هي محورية وليست رئيسية لأنها محور كل الأحداث المسرحية، لكن توجد مع هذه الشخصية المحورية شخصيات رئيسية أخرى. كان هذا التقديم على يمين خشبة المسرح؛ وقد ظهرت هذه الشخصية، أي الشخصية المحورية، خلف شاشة على مستوى الرأس كله (الشاشات هي أساس السينوغرافيا في هذا العرض المسرحي وهي من إبداع طارق الربح)، ثم بدأت في التحرك المصحوب بالتعريف بالذات جانبيا وأفقيا من يمين الخشبة إلى الجهة اليسرى منها،ودعوة الجُمهور لمتابعة أحداث المسرحية باعتبارها جزء من حياتها أي حياة الشخصية المحورية:رحال العوينة.كان تحركها جانبيا لكي تبقى مواجهة للجُمهور.التحرك من يمين الخشبة إلى يسارها هو،فيما يبدو، وسيلة مسرحية كي تغادر هذه الشخصية الخشبة استعدادا للمشهد اللاحق،الذي اختفت منه هذه الشخصية جسديا ولكنها حضرت على مستوى الاسم.المسرحية إذن كلها تتعلق بهذه الشخصية المحورية (شخصها حسن ميكيات).

     بعد هذا المشهد الافتتاحي، وبعد تحديد الخطوط الكبرى للمشاهد المسرحية اللاحقة، ظهر في مقدمة الخشبة، وكانت الشخصية المحورية قد ظهرت خلف شاشة بعد مغادرة الخشبة والدخول مرة ثانية إيذانا بالانتقال من التعريف بالذات إلى تجسيد جزء من حياتها، أربعة ممثلين، ممثلتين وممثلين، بلباس مغربي تقليدي مميَّز زاهي الألوان، الجلباب الموحد اللون للرجلين والقفطان المزركش واللثام للمرأتين، من أجل أداء أغنية شعبية مغربية راقصة موضوعها، كما تجلى من الغناء نفسه، هو “رحال العوينة” الشخصية المحورية. إيقاع الأغنية إيقاعا امتزج فيه إيقاع “التقيتقات” المراكشية مع فن العيطة الغنائي الشعبي المغربي (الحوزي). كان المشهد الافتتاحي والمشهد الغنائي الراقص قد جريا في مقدمة الخشبة. بعد هذا، جرت معظم الأحداث المسرحية، وليس كلها، خلف شاشات وفي فضاء مسرحي آخر هو فضاء CYBER.

للمزيد من تسليط الضوء على الشخصية المحورية، كان “التحقيق”مع هذه الشخصية الرئيسية من لدن من لهما سلطة، تبدت على الخصوص في الطربوش الذي يمكن اعتباره علامة على السلطة. من خلال هذا “التحقيق” تم التعرف على الهوية، وبالخصوص على المكان الذي ولدت فيه تلك الشخصية. الغاية من ذكر هذا المكان هو التأشير على وسط اجتماعي متدن بسيط، إنه ضاحية من ضواحي مدينة مراكش (عين إيطي). وكذلك من أجل إبراز مفارقة اجتماعية ستكشف عنها الأحداث المسرحية اللاحقة.

     بعد هذا، ظهرت خلف ثلاث شاشات ثلاث شخصيات. خلف الشاشة الوسطى كان رحال العوينة، وعلى يمينه شخصية نسوية افتراضية، وعلى يساره شخصية نسوية أخرى واقعية إنها زوجته. إن رحال العوينة في الوسط لأنه موزع بين الواقعي والافتراضي. الشخصية النسوية الموجودة على يمين رحال العوينة شخصية افتراضية، وهي تتميز بلباسها العصري ذي الألوان الزاهية وتسريحة شعرها الأبيض، وهو بياض طبيعي لا علاقة له بالسن لأنها شابة وتعتني بجسدها وتسعى إلى تحقيق رغبتها الحميمية. من هنا كانت العلاقة الحميمية الافتراضية Virtuelle بينها وبين الشخصية المحورية. رغبة أعربت عنها لغتها وغُنجها وابتسامتها في وجه رحال العوينة.

وعن طريق التذكر، كشف الحوار المسرحي الذي جرى بين الشخصية النسوية الواقعية، وهي زوجة رحال الآن أي في حاضر الزمن المسرحي، عن علاقتهما العاطفية أثناء الدراسة الجامعية، وعن أفضالها عليه. لقد ساعدته في إنجاز بحث لنيل شهادة الإجازة. وإذا كانت الشخصية المحورية التي تعرض المسرحية جزء من حياتها كما جاء في المشهد الافتتاحي الذي أطر المسرحية ككل من أصل اجتماعي متواضع، كما يتجلى من خلال مؤشر مكان الولادة، فإن الزوجة الواقعية، التي كانت موجودة على يسار الشخصية المحورية، تنحدر من وسط اجتماعي عال، من حي راق اجتماعيا من أحياء مدينة مراكش (حي المواسين). وعليه،فإن هناك مفارقة اجتماعية طبيقية بينهما. المفارقة اجتماعية وأفضالها أيام الدراسة الجامعية، جعلتا لغتها تتسم بنوع من السلطوية. وخلافا للشخصية النسوية الافتراضية، فإن لباس الشخصية النسوية الواقعية يحمل علامات تعتبر مؤشرا على قيم دينية: غطاء الرأس والحجاب العصري. هذه القيم الدينية كشفت عنها بعض المفردات المستعملة في لغتها الحوارية أيضا مثل المحرم.
هناك إذن شخصيتان نسويتان متباينتان، إحداهما”محافظة”، كما يبدو من اللباس واللغة، وهي المرأة والزوجة الواقعية؛ والثانية متحررة، كما يبدو من المظهر الخارجي للجسد ومن لغتها التي تخللتها كلمات باللغة الفرنسية،وهي الافتراضية.
يبدو توزع الشخصية المحورية بين الواقعي والافتراضي من خلال مشهد العرس، حيث كانت العروس ترتدي فستانا خاصا بهذه المناسبة، وقد بدت عليها علامات الفرح، ويدها في يد رحّال الزوج. أما هذا الأخير فبدت عليه في المشهد نفسه علامات، من خلال حركات الوجه، تدل على أن هذا الأخير غير مرتاح لهذا الزواج. إذن ارتياح مقابل عدم ارتياح.

وقد أدى تطور الأحداث المسرحية إلى أن يشتغل رحال في CYBER. في عالم CYBER هذا، كان تعارف رحال مع الشخصية النسوية الافتراضية. أبرز التواصلُ الافتراضي، الذي دلت عليه أداة التواصل التقنية (الحاسوب) والمكان نفسه، مع هذه الأخيرة انشراحَ وجه رحال وأبرزت ابتسامتُه العريضة ميلَه إليها، فضلا عن لغته المستعملة في هذا السياق. كما أبرز هذا التواصلُ الافتراضي الغيرةَ المشتعلة في ذات الشخصية النسوية الواقعية (الزوجة).

في فضاء CYBER، كان الكشف، بلغة إيحائية، عن نزوات رحال وطمعه في جسد زوجة مشغله. وقد كان المشهد الذي جمع بين المشغل، الذي عبر عن حرصه على المحافظة على الأخلاق في هذا الضاء، حسب تصوره،وزوجته ورحال معبرا في هذا السياق، إذ تم استعمال مفردات في الحوار المسرحي ذات أبعاد إيحائية.

كشف فضاء CYBER عما هو أخطر من الرغبة في تحقيق نزوات ورغبات شخصية من لدن رحال. لقد تم الكشف عن استغلال هذا الفضاء من لدن شخصية دلت لحيتها الكبيرة المتدلية على أنها ذات حمولة دينية إسلامية.اللحية واللباس واللغة اللفظية كلها علامات دالة في هذا الإطار، إطار التدين. من تلك اللغة اللفظية كلمة “الجهاد”. ذلك أن التواصل الافتراضي عن طريق الأنترنيت أدى إلى محاولة استقطاب شخصيات نسوية بصفة خاصة من أجل ما سمي بالجهاد. بدأ هذا المشهد باستعمال دميتين قفازيتين تتحاوران افتراضيا VIRTUEL . من خلال حوار الدميتين،رجل وامرأة، تم وضع سياق ما سيأتي لاحقا في هذا المشهد.

كانت اللغة الدينية والتدين قناعين من أجل الانتقال من التواصل الافتراضي إلى اللقاء الحي المباشر. ومن أجل الانتقال من التواصل الافتراضي إلى اللقاء الحي المباشر، كان البوح بالعزوبية من أجل الإغراء، وفعلا تحقق هذا في المسرحية أي اللقاء الحي المباشر. في هذا المشهد تحول الجهاد من مفهوم عام إلى مفهوم محدد، إنه جهاد النكاح. وهو”جهاد” تبيحه حركة من حركات الإسلام السياسي، غير أن إعجاب هذه الشخصية المتدينة بالمرأة المستقطَبَة إلى تغليب نزوته ورغبته الشخصية.

وقد أبرزت حركة اللسان، المفترض أنه يلحس به خد الشخصية النسوية المستقطَبة عن كبت جنسي دفين لدى هذه “الشخصية الجهادية”. هذا، وقد تمت إحاطة الإطار المشترك الواحد (شاشة) بشريط أحمر. وللون دلالته في هذا السياق، إذ يمكن تفسيره بكونه يرمز إلى الخطر. ويمكن القول إن المشهد الغنائي الأخير، وهو من أغنية للفرقة الغنائية المغربية جيل جيلالة، يحمل رأيا وتعليقا على أحداث المسرحية. مشهد غنائي من أغنية تؤكد، عن طريق الغناء والموسيقى، على “المعاناة”، و”قلة الأمان”،و”الوحوش الهائمة”، و”الخيل المربوطة بالحبال”، و”المهزلة” الظاهرة، والشباب المعَطَّل، وليس العاطل. وبصفة عامة، إنها أغنية ذات نفس سياسي غايتُه الإصلاح.

موضوع المسرحية إذن يتعلق بالجنس والرغبة الجنسية، والتوزع بين عالمين: واقعي وافتراضي. وعليه،يمكن القول إن هناك ثلاث محطات أو وحدات دلالية كبرى في المسرحية. الأولى محورها رحال العوينة قبل فضاء CYBER، والثانية تتعلق بنزوات وتوزع رحال بين العالمين المذكورين، والثالثة تتعلق بما سمي بالجهاد والاستقطاب. وقد جرت أحداث الوحدتين الدلاليتين الثانية والثالثة في فضاء CYBER. لكن في الوحدة الدلالية الثانية جرت بعض أحداثها في فضاء خارج CYBER ومنها المشهد المتعلق بالركوب على الدراجة النارية الذي تمت من خلاله استعادة حدث من حياة رحال العوينة وزوجته. والمفترض أنه جرى في فضاء الحلقة وليس في فضاء CYBER. في هذا المشهد شخص ممثل دور شخصية نسوية، وقد دلت حركة يديه على الصدر، فضلا عن اللباس،على أنه يشخص دور شخصية نسوية.

من خلال ماسبق، يبدو أن مسرحية “النمس” جمعت بين التمثيل والرقص والغناء. ومعلوم أن الممثل في “الحلقة” كان يقوم بكل ذلك من أجل استقطاب أكبر عدد من الجُمهور، وإمتاع هذا الأخير، وانسجاما مع أحداث الموضوع. وقد أدى الممثلون، وهم حسن ميكيات، هاجر الشركي، عبد الله ديدان، عبد الله شيشة ومونية لمكيمل أدوارهم بطريقة احترافية. كما أدوا في المسرحية، كلهم، أكثر من دور.

في المهرجان الوطني للمسرح بتطوان الذي انعقد من 15/11/2019 إلى 22/11/2019، فاز الممثل حسن ميكيات بجائزة أول دور رجالي مناصفة؛ وفازت سناء شدال بجائزة الملابس.المسرحية جزء من ربيرتوار مسرحي غني للمخرج أمين ناسور.

أحمد بلخيري – المغرب

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح