النقد ودوره في التطور الإبداعي للمسرح العربي – د . راجي عبد الله

 النقد ودوره في التطور الإبداعي للمسرح العربي – د.راجي عبد الله

إنه من المفيد  تسليط الأضواء على ماهية النقد الأدبي بشكل عام والنقد المسرحي بشكل خاص , وعلاقة كل منهما بالآخر وتأثيره عليه , وما هي الأسس الصحيحة التي لابد أن تقترن بها كل الظواهر النقدية في الأدب والفن , بحيث تصبح جزءً لا يتجزأ من العملية الإبداعية برمتها وليست خارجة عنها . ولأن النقد في المسرح العربي أخذ أبعاداً مختلفة بعضها سلبي سطحي  والبعض الآخر إيجابي عميق على الرغم من ندرته  , فإن من المهم هنا البحث في جذور النقد وأصوله التاريخية ومن ثم شروطه الفكرية  , التي ستؤثر في عملية التطور الإبداعي للمسرح  عبر مراحل مختلفة  .

 و كذلك لأن النقد المسرحي في عالمنا العربي  يحتاج إلى إعادة النظر في العديد من جوانبه ,  فإن مهمة هذه الدراسة  البحث في هذه المشكلة من أجل إيجاد الحلول الملائمة لخلق حالة نقدية سليمة . لذا يتوجب علي  تناول أهمية النقد في تطوير الحركة الأدبية والمسرحية منذ  المراحل الأولى لنشأة وظهور الأدب والفن بإيجاز , من أجل تسليط الأضواء على أهمية النقد في تطويرهما , وذلك لأن المسرح يرتبط ارتباطاً تاريخياً وثيقاً بنشأة وتطور الحركة الأدبية منذ مراحله الأولى .

النشأة

إن نِشأة الأدب  في البوادر الأولى للحكايات والأساطير والرسائل الأدبية القديمة بعد ظهور الكتابة المسمارية حتى مراحل متقدمة من التاريخ القديم لم ترتبط  بأية ظواهر نقدية , حيث لم تصلنا ولم تكتشف لحد الآن أية كتابات نقدية أدبية في العالم القديم ,وعليه فإنه لا يمكننا الذهاب بأن تلك القطع الأدبية القديمة على تنوعها قد تطورت نتيجة تأثير النقد عليها , فقد كانت تلك القطع عبارة عن محاولات فردية عفوية للتعبير عن هموم الناس في تلك الفترة , إنها حالة من المحاكاة للحياة و تناقضاتها الكثيرة , وهي حالة من التعبير عن أحاسيس الإنسان ونظرته إلى الكون وإلى الحياة والموت , وهي مفردات إنسانية تهدف إلى التعبير عن الحب والفرح , مثلما هي مفردات للتعبير عن الشجون والأحزان وعن الوجود و العدم , بحيث أن ظاهرة التعبير هذه  كانت في بداياتها  ظاهرة محدودة الأبعاد  وليست ظاهرة عامة , إلى أن تطورت شيئاً فشيئاً فيما بعد , وأصبحت جزء لا يتجزأ من حياة الناس بشكل أو بآخر وأصبحت ظاهرة إبداعية شاملة .

نعم . لم تكن هنالك ظواهر نقدية واضحة المعالم في العالم القديم , فقد كانت كل الأشياء  تحدث بانسيابية بديعة حيادية النوايا  وشمولية الأبعاد , ولم يكن هنالك من يوجه مسارها سوى تلك المحاولات التي نشأت وتطورت وأثرت في بعضها البعض ثم أصبحت فيما بعد هي النقد بذاته , وليس النقد الذي يأتي من الخارج ليحدد مسارها الجديد .

 هكذا مرت البشرية بمراحل عديدة من التطور الأدبي والشعري بشكل خاص دون أن يكون هنالك أي آثر للنقد عليها , بحيث ارتبطت بالوعي الاجتماعي ومقدار تطوره ونموه عبر تلك المراحل , وكذلك ارتبطت بمقدار القيمة الإبداعية للنتاجات الأدبية التي وصلت إلى ذروتها إبان العصور القديمة , بعد أن قطعت البشرية شوطاً ً كبيراً ً من حياتها , ووصلت  إلى  المرحلة السومرية والبابلية الأولى والثانية في العراق القديم , و المرحلة الفرعونية في مصر القديمة  , وكذلك  إلى مرحلة نشوء وارتقاء الحضارة اليونانية القديمة .

  وما أن  تمكنت  تلك الأمم والشعوب من تدوين  تراثها الأدبي   ,  حتى  أصبح بالإمكان الإطلاع على تلك التجارب التي أبتدعها أولئك الناس الأولون ,  الذين رحلوا عن الدنيا وتركوا لغيرهم   أدبا ً خالدا ً مازال يؤثر فينا حتى يومنا هذا  مثلما كان يؤثر في الأقوام الغابرة .

وهنا , لا يجد المتتبع أي أثر للنقد الفني الذي مهد الطريق إلى التطور اللاحق في فن صياغة الحكايات أو الأساطير أو الملاحم والأشعار القديمة , بل كانت هي وحدها  تشكل نقدا ً لنفسها من خلال قيمتها الفنية والإبداعية وتأثيرها على الناس , بل أن كل شيء في تلك الآونة قد اجتاز حدود المعرفة الإرشادية  لأنه أصبح هو المعرفة المكتسبة من  خلال تلك الإبداعات الفنية في الوصف والبلاغة والصورة المرئية التي تزخر بها تلك الكتابات  .

بمثل هذا الطريقة ظهرت لنا ملحمة كلكامش , وظهرت لنا القطع المحجوبة وأساطير إيزيس وأوزوريس في مصر القديمة وظهرت لنا ملحمة الإلياذة والأوديسا في اليونان القديم ,  وبمثل هذه الطريقة الفنية الإبداعية وردت لنا تلك الأعمال الهامة  , دون أن تكون هنالك أية إشارة تؤكد على أية ظاهرة نقدية مرافقة أو مكملة لتلك الأعمال الخالدة  , أو أنها جاءت بعدها بفترة متعددة من التاريخ القديم .

وفي هذا خير دليل على أن الإبداع هو وحده الذي كان يؤسس  ويطور الأعمال الأدبية واحدة تلو الأخرى , وفي النهاية لم تبق سوى تلك الأعمال الإبداعية وغيرها ممن يرتقي إلى مستواها ,  أما الأعمال الأخرى التي لا تحظى بتلك المكانة الإبداعية فقد اندثرت بمرور الوقت أو أنها لم تكتشف بعد .

أما في المسرح , فلم يتأكد بعد وجود حالات نقدية واضحة المعالم عند ظهور القطع الأولية التي تشكلت بها بذور الدراما في المرحلة السومرية أو البابلية , أو تلك القطع الذي وجدت  في مرحلة الحضارة الفرعونية , وكذلك تلك الأعمال التي كانت ملازمة لظهور أولى بوادر المسرح الإغريقي القديم .

ربما يذهب البعض إلى أن ( أرسطو )  منظم التراجيديا القديمة هو من أسس  أول ظاهرة نقدية في المسرح القديم , لكن هذا الرأي يحتاج إلى أدلة كبيرة لكي يثبت أن مسار فن تأليف المسرحية قد تغير وتطور من كاتب إلى آخر بفعل تأثير النقد  الذي طرحه أرسطو أو غيره من الفلاسفة  , حتى إذا وجدنا أن هنالك بعدا ً زمنيا ً شاسعا ً يفصل بينه وبين كتابات أسخيلوس أو سوفوكلس أ و يوربيدوس , أو حتى  إن وجدنا بعداً ً مرحلياً ً  مختلفا ً بين نشأة وظهور كل كاتب من هؤلاء الكتاب عن الكاتب الآخر .

وفي مثل هذه الحالة أصبحت الظاهرة النقدية الاجتماعية التي تقبلت تلك النصوص والعروض المسرحية التي كانت تقدم منذ عام 600 ق . م  إلى فترة ظهور الديانة المسيحية  , هي الظاهرة الوحيدة التي شكلت بعموميتها ظاهرة نقدية أثرت في نشأة المسرح وتطوره اللاحق على امتداد التاريخ  , إذ بدون وجود تلك القاعدة الشعبية من الجمهور وتقبله لتلك الأعمال , وبدون القيمة الإبداعية التي بلغتها , لاندثرت تلك القصص والحكايات والأساطير والملاحم  , ومن ثم لاندثرت  تلك الأعمال المسرحية أو أهملت حتى إذا تم  تدوينها لإنقاذها من الضياع أو التلف بمرور الزمان , وعلى هذا الأساس كان أرسطو دارساً ً ومنظماً ً للتراجيديا اليونانية القديمة وليس باعثا ً لها .

الفلسفة و الحركة النقدية

لقد لعبت الفلسفة من دون أدنى شك  دورا ً كبيرا ً في نشأة الظاهرة النقدية في الأدب بشكل عام والمسرح بشكل خاص , فهي المحرك الأساسي الذي يحلل الظواهر والأشياء وتناقضاتها المختلفة ومن ثم يعطي البدائل الجديدة التي يمكن أن تكون عليها التحولات الفكرية اللاحقة , وهنا يمكن القول أنها  عمقت فكرة البحث والسؤال عن ما يجري من تفاعلات يومية في الحياة عبر مسارها الطويل , والسؤال هنا يعني مقدار الإضافة لمعالجة البحث , والبحث يعني تحليل أية ظاهرة وإعطاء الجواب الكافي  قدر الإمكان لكل ما هو موجود داخل النفس البشرية بشكل خاص أو داخل المجتمع بشكل عام .

وكما هو معروف لقد ارتبطت الظواهر الفلسفية في الماضي القديم  بمحاكاة الكون والآلهة القديمة سوى كانت سومرية أو فرعونية أو إغريقية , ومن ثم تطورت شيئاً ً فشيئاً ً لترتبط بالتحولات الاجتماعية التي تهم عامة الناس وتهم المجتمع وما يدور في داخله  من تحولات يمكنها أن  ترسم مساره اللاحق .  وبهذا يمكن القول أن الفلسفة  قد ارتبطت بفكر الإنسان ونمت وتطورت معه في مرحلة ظهور الأدب والفن عامة وظهور المسرح خاصة ,  حتى وإن كانت مفاهيمهما لم تتبلور بعد إبان المراحل الأولى من نشأة الأدب وظهور بواكير الدراما الأولى في المجتمعات القديمة ,  ومع ذلك فقد نشأ نوع جديد من الأدب القديم يسمى بأدب ( التشاؤم ) يتناول صراع الإنسان مع الإنسان الآخر , بعيداً ً عن تلك الصراعات التي كانت  تتمثل بين الآلهة وأنصافها وانعكاسات تلك الصراعات  على عامة الناس , كما نجد في القطعة البابلية المسماة   ( العبد والسيد )  .

 وكما ذكرت آنفا ً , أن بذور الدراما السومرية أو البابلية  والقطع التي كتبت في تلك الفترة , كانت بمجملها تحاكي الآلهة وسيرهم ,  لكن مع ذلك قد تطورت تلك القطع الدرامية لتحاكي حياة الناس و ما  يحملون من آراء وأفكار ومشاعر تجاه الحياة  وصراعاتها الكثيرة . إن هذا التحول في التعامل مع الأدب والفن قد ساهم مساهمة فعالة في تحرر الإبداع البشري من صيغه المثالية القديمة إلى صيغ أكثر  حياتية من ذي قبل , وكل هذا قد جاء نتيجة التطور في التفكير الفلسفي للإنسان بتلك الآونة , بحيث تحول النشاط الأدبي  من نشاط يتناول سيرة الآلهة وأنصاف الآلهة  , إلى نشاط يتناول سيرة البشر حتى وإن كانوا ملوكا ً  أو قادة أو أبطالا ً .

 وهكذا بدأت الظواهر النقدية تنمو وتتطور شيئاً ً  فشيئاً ً  منذ تلك الفترة  حتى وإن كانت ملامحها الفلسفية لم تكتمل بعد  في جميع ميادين المعرفة الإنسانية ومنها المسرح .

وفي مثل هذه الحالة أن جميع النظريات الفلسفية التي ظهرت في مراحل متأخرة جداً ً من تاريخ البشرية وحتى يومنا هذا ,  تعتبر المحرك الأساسي والباعث الرئيسي لنشأة النقد الأدبي والفني في جميع مراحله , فهي الوعاء الذي تجمعت فيه كل الأفكار والآراء السابقة واللاحقة  ,  ومن ثم بلورتها وإعادة صياغتها من جديد  , لتكون ملائمة مع العصر ومع التفكير الإنسان في مراحله الآنية .

وبهذا يمكن الذهاب إلى أن العلاقة بين الفلسفة والفن والمسرح هي علاقة جدلية , لا تنفصل قطعاً ً عن ما يجري من تحولات فكرية اجتماعية على امتداد العصور ,  ولا غرابة إذا قلنا بأن الارتباط بين الفلسفة والفن  هو وحده الذي حول المسرح من فعل إبداعي ضيق الأبعاد  , إلى فعل شامل يستمد وجوده وديمومته من مجمل التطورات التي تلاحقت فيما بعد , وعلى هذا الأساس كان للفلسفة المثالية الألمانية التي ظهرت على يد هيغل و فويرباخ  والتطور اللاحق لها الذي وصلت إليه الفلسفة  في دراسة المادة و سبل تطورها وتحليل محتواها ومضمونها وشكلها , من العناصر الهامة التي تبلورت من خلالها الظواهر النقدية في الأدب الأوربي والفن بشكل عام والمسرح بشكل خاص , كما ظهرت بذلك مفاهيم نقدية جديدة مثل وحدة وصراع الأضداد ونقض النقيض وغيرها من المفاهيم التي كانت غائبة عن بال الفلاسفة والنقاد   في الماضي .

المراحل النقدية الأولى في المسرح

وبعد أن  تخطى المسرح تلك الفترة المظلمة التي حرمت ظهوره قرون عدة من الزمان   , ومن ثم ظهر من جديد في الكنائس لتقديم أعمال مسرحية تسمى مسرحيات الأسرار والمعجزات . بدأت مرحلة جديدة من الأعمال الأدبية والمسرحية في الظهور على السطح , لكن هذه المراحل لم تأت بمحض الصدفة أو أن تتكون بسرعة  . بل ترافقت أيضاً ً مع عملية التطور الاجتماعي  في فرنسا وألمانيا وإنكلترا  خاصة قبل  و بعد  القرنين الخامس عشر و السادس عشر وما تلاها من قرون عديدة . حيث تحول النقد من فعل عام إلى فعل مدروس له خصوصيته وقواعده وركائزه , وهنا يمكن القول أن ظهور الأكاديميات في بداياتها الأولى قد ساهم مساهمة فعالة في ظهور النقد كمادة أكاديمية يمكن من خلالها تحليل تراجيديات شكسبير في انكلترا وتراجيديات غوته في ألمانيا , إلى أن أصبح فيما بعد علما ً يدرس في جميع الأكاديميات العالمية وله نقاد أكاديميون معروفون في كل أنحاء أوربا والعالم .

وفي هذه المرحلة تبلور النقد في مراحله الأولى ومن ثم  تطورت المراحل النقدية بشكل كامل , بحيث أنها ساهمت مساهمة فعالة في تطوير أذهان الأدباء والفنانين عامة والمسرحيين خاصة لمعرفة  معنى الفن وما هي أسسه وأهدافه وطرائقه ومذاهبه المختلفة . وبهذا  انفصل النقد عن الفلسفة وأصبح لكل منهما وجهته الخاصة ونظرته إلى الحياة والتطور الاجتماعي , حتى أصبح  الفن يرتبط بفعل التغيير الجمالي للمجتمع وبنمو الذائقة الفكرية  للجمهور , بينما بقيت  الفلسفة مرتبطة  بتحليل الظواهر والأشياء طبقا ً لحركة المتغييرات التي تحدث في الحياة قديمها وحديثها .

وبهذا أصبح النقد المسرحي علما ً لا يختلف قط عن بقية العلوم الأخرى , وأصبح الناقد المسرحي ملما ً بكل العلوم الأخرى إذا أراد تناول أي نص أو عمل مسرحي , وأصبحت موضوعة النقد المسرحي تشتمل على تحليل النص كنص مكتوب والأخرى على تحليل العمل المسرحي بعد تقديمه على خشبة المسرح .وبهذا أصبح النقد المسرحي لا يخضع قطعاً ً للأهواء الشخصية كما يحدث في بعض البلدان  العربية , ولم يعد الناقد المسرحي كمن يتحدث عن نبتة مقطوعة الجذور ,  أو عن لونين فقط من ألوان الحياة دون أن يكون للألوان الأخرى دور أساسي في عملية الخلق المسرحي .

النقد  والعمل المسرحي العربي

وعند الحديث عن  العمل المسرحي العربي  ذي  الدلالات السامية , فإنه  لا يجوز قطعا ً  تحليل تلك الدلالات على أساس ضيق , بل يجب على الناقد أن يلتفت إلى الجوانب التاريخية والإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية والجمالية ,  وتحليلها بحيادية تامة دون أن يكون  لرؤيته الخاصة  حكم عليها  , وبمعنى أدق  أن على الناقد أن لا يضع نفسه في موضع المؤلف المسرحي إذا أراد تحليل النص المسرحي   , فهو وسيط بين المؤلف والجمهور وليس بديل عنهما على الإطلاق .

فالناقد المسرحي للنص لا يتناول هذه المقارنات والمكملات المسرحية تناولا ً محدودا ً  , دون أن يقترن ذلك بالمفاهيم السائدة في ذلك العصر الذي كتبت فيه المسرحية  , وليس بالمفاهيم السائدة في العصر الراهن , وليس من وظيفته أن يجعل كل ما هو مكتوب في النص المسرحي خاضع للتحليلات السطحية , بل أن من وظيفته تحليل البناء الدرامي وتحليل الشخصيات والأفكار المسرحية ومقولتها تحليلاً أكاديمياً ً فقط   وأن لا يتحول الناقد المسرحي إلى مؤلف جديد للنص المسرحي , إذ أن لكل مؤلف مسرحي رؤياه الخاصة ومنهجيته الفكرية وطريقته في الكتابة  .

 إن النقاد الهواة هم وحدهم الذين يقحمون أنفسهم في أمور بعيدة كل البعد عن مهام الناقد المسرحي ,  في الوقت الذي نجد فيه أن المهمة الرئيسة للناقد المسرحي هي تسليط الأضواء على القيمة الإبداعية للنص وتحليل مضامينه فقط  .

كل هذا يندرج في إطار النقد الأدبي للنص المسرحي  من ناحية الصياغة والمحتوى والبناء الدرامي , وهل هو نص سمعي أو أنها رؤية بصرية لمفردات مكتوبة , وهو في النهاية عبارة عن تفسيرات علمية لنصوص  كتبت على الورق  في هذا الزمن أو ذاك  , وما قد يشار إليها من تفسيرات تؤدي في النهاية إلى ديمومة النص  , وفقاً للاكتشافات الجديدة التي يكتشفها الناقد في هذا النص أو ذاك دون أن يلتفت لها أحد من المخرجين أو الفنانين المسرحيين .

 إن هذه الوظيفة النقدية من خصائص النقد الأدبي بفروعه المختلفة ومنها النقد الأدبي المسرحي , حتى أن بعض المؤلفين الكبار لم يظنوا قطعا ً إذا كانوا على قيد الحياة بأن في  كتاباتهم المسرحية  معانٍ شتى لم تكن في حسبانهم عند كتابتها , أما  الكتاب الراحلون عن الدنيا  ولم تبق سوى أعمالهم الإبداعية ,  فإن من وظائف النقد المسرحي بعث هذه النصوص إلى حيز الوجود من خلال تلك الاكتشافات الجديدة التي توصل لها هذا الناقد المسرحي أو ذاك في العصر الحديث  .

هذا من الناحية الأدبية لتحليل النص من قبل الناقد المسرحي , أما عن النقد المسرحي عند التنفيذ فهو يندرج في إطار تحليل النص  تحليلا ً عملياً ً عند تقديمه على خشبة المسرح , شريطة أن لا يضع الناقد نفسه في موضع المخرج والممثلين  وفريق العمل المسرحي ككل  , بل يتوجب عليه أن  يفسر ويحلل ما يجري على خشبة المسرح  تحليلا ً مرتبطا ً بالأفكار والصور الفنية وطرق إخراجها و ما هي المنهجية التي انتهجها المخرج والعاملين معه في تقديم عرضهم المسرحي ,  وما هي العناصر التقنية والمكانية والزمانية المكملة للعرض المسرحي ,  وهل هو عرض تجريبي أم أنه عرض كلاسيكي . كل ذلك له قواعده وأسسه وطريقة تنفيذه .

لكن المهم في هذا المجال أن يكون الناقد المسرحي للعروض المسرحية ملما ً أيضا  ً ببعض  الجوانب التنفيذية , و أن يفهم ماذا يعني التمثيل ومدارسه المختلفة , وماذا يعني الضوء وتأثيره البصري على الجمهور , وماذا تعني فلسفة الحوار وفلسفة الحركة في العرض السمعي أو البصري , وماذا يعني الإيقاع في العرض المسرحي  ككل ,  والإيقاع في المشاهد المختلفة سواء كانت فردية أم جماعية , وبالتالي ماذا يعني إيقاع السكون وتأثيره على إيقاع المشاهد التالية المتحركة ,  وفي مثل هذه الحالة  فقط , يمكنه أن يعطي فكرة واضحة وصحيحة عن دور المخرج المسرحي والعاملين معه  في التعامل مع النص المكتوب ,  حتى وإن كان العمل المسرحي لم ينل اهتمامه و إعجابه الشخصي .

فالناقد المسرحي هو باحث مسرحي في الأصل , وهو أكاديمي محترف له خبره واسعة في  مجال المسرح وله دراية واسعة في العلوم المسرحية  , ومعرفة أكيدة في جزئيات العمل المسرحي الاحترافي ,  وفي مثل هذه الحالة تقع عليه مسؤولية كبرى في رفد الحركة المسرحية بالأعمال الجيدة والحفاظ على ديمومتها وتألقها باستمرار , ولا ننسى أبداً أن النقاد والباحثين المسرحيين هم الذين أرسو قواعد المدارس الفنية بكاملها , وهم الذين بينوا الفوارق بين تلك المدارس والمذاهب على أساس علمي مدروس . إن هذا لا يتم إلا من خلال فهم معنى الاحتراف في العمل  والنقد المسرحي أيضاً ً , و هذا الاحتراف هو الذي يساهم مساهمة فعالة في تطوير الناقد المسرحي لأدواته الفنية ولمعارفه مثلما يساهم في تطوير أدوات المخرج والممثلين والعاملين في المسرحية .

إن الإلمام بما ورد في أعلاه  يمكن الناقد المسرحي من كتابة  نقده المسرحي بطريقة  احترافية متميزة وسليمة , وبهذا يصبح الناقد جزءاً ً من العمل المسرحي وليس بمعزل عنه , فإذا كان النقد  خارج تلك الحدود فإنه من الأفضل للناقد أن يتعلم قواعد وحرفية المسرح , وأن لا ينتمي دفعة واحدة إلى  مدرسة    ( الكمال )  , التي لاوجود لها على الإطلاق في العمل الإبداعي المسرحي بشكل خاص والعمل الفني بشكل عام .

من جانب آخر , لا يفوتني هنا أن أؤكد على أن الناقد الأول والمحلل والباحث الأساس للعمل المسرحي هو المخرج , إذ أنه هو الذي يختار النص بدراية تامة وهو الذي يعمل على النص ويحدد نقاط قوته وضعفه ,  وهو الذي يدرس كل أبعاد الشخصيات كما هو معروف , ومن ثم يرسم لهم مسارهم على خشبة المسرح , وبالتالي هو الذي يختار الممثل المناسب للدور المناسب , وفي النهاية هو الذي يدرس  أدق التفاصيل عن سيكولوجية الجمهور ومستواهم الاجتماعي والثقافي .

كل هذه النقاط  وغيرها يأخذها المخرج بالحسبان قبل البدء بمشروعه , وهي بطبيعة الحال تشكل نقداً ً مسرحيا ً من داخل العمل المسرحي وليس من خارجه , وفي  مراحل  أخرى يبدأ المخرج المنظم أو الباعث وحتى المتمرد من السير بعمله خطوة خطوة أثناء التدريبات المسرحية حتى العرض , كل هذا يتطلب  من المخرج نقدا ً معرفيا ً و احترافيا ً على درجة كبيرة من الأهمية ,  فهو الذي يوحد  أعضاء فريق العمل بأكمله ويمضي معهم إلى المراحل النهائية  ,  تلك التي يجدون أنفسهم فيها أمام الجمهور والنقاد معا ً .

وفي الحقيقة  أن بعض النقاد المسرحيين المحترفين غالباً ً ما يسعون دائماً ً إلى معايشة العمل المسرحي ابتداء من القراءة الأولى للنص مرورا ً  بالتدريبات المسرحية التي قد تستمر شهورا ً عدة , وذلك لدراسة الخط البياني لتطور عمل المخرج والممثلين ومجموعة العمل المسرحي ككل , والتعرف على معاناتهم اليومية عن قرب وهم يبذلون جهداً ً إنسانياً ً استثنائياً ً كبيرا ً ,  لبلوغ  غايتهم في تقديم عرض مسرحي قد يرضي الجمهور أو لا يرضيه , إذ أن هذا الرضا  غالبا ً ما تكون له علاقة بالذائقة العامة للجمهور وبالأعمال السائدة التي تقدم في المسارح حينئذ  , و ليس بالقيمة الفنية العالية الموجودة في العمل المسرحي .

وبهذه الطريقة يتمكن الناقد المسرحي ( الباحث ) من تكوين رابطة سليمة مع كادر العمل المسرحي ومع الجمهور بحيادية تامة ,  وكل ذلك سيؤدي في النهاية إلى تسليط الأضواء على معنى الاحتراف في العمل المسرحي , ويؤدي فعلا ً إلى تعميق المعرفة  للعاملين في المسرحية , وإلى المراجعة الذاتية لكل الأعمال المسرحية الماضية وأهمية تقديم ما هو جديد ومبتكر من أعمال إبداعية في المستقبل .

ولكن للأسف الشديد أن الكثير من الأعمال المسرحية الجيدة والمتطورة والسابقة عصرها قد ظلمت كثيراً ً في بعض المسارح العربية , وهذا قد تأتى  بفعل  تلك الكتابات(  الانتقادية ) في بعض الصحف اليومية , تلك التي  تشيد بهذا العرض المسرحي دون غيره بما لا يستحق , وتؤثر سلبياً ً من الناحية الإعلامية على أعمال أخرى جيدة  , وفقا ً لرغبات كتابية خارجة عن مفهوم الاحتراف , وليست  لها أية علاقة بالمفاهيم العلمية للنقد المسرحي , بل بالأشكال الدعائية لهذا العمل دون غيره .

النقد والتواصل مع الجمهور 

و عودة إلى الموضوع الرئيسي في هذه الدراسة , فأن النقد المسرحي  ( الاحترافي ) هو  الذي ساهم مساهمة فعالة في تطور الحركة المسرحية في أوربا والعالم المتقدم , نتيجة الدور الذي لعبه النقاد والباحثون الأكاديميون في رفع مستوى الوعي العام للمتلقين , كما أنه ساهم مساهمة فعالة في استمرار العروض المسرحية وتألقها وديمومتها حتى يومنا هذا , وستستمر هذه الحالة إلى  النهاية , لأن النقد هو الذي يساعد كثيراً ً في تقوية الأعمال المسرحية  , والحفاظ على رصانتها وتماسكها مهما كانت الظروف قاسية وصعبة , ومهما واجهت  هذه المجتمعات  مختلف الأزمات , فإن المسرح سيبقى ذلك الفعل الإنساني المؤثر والفعال في حياة الناس , لأنه فعل مباشر ذو قيمة إبداعية وإنسانية عالية .

وبالتأكيد فإن الناقد المسرحي في هذه البلدان قد تطور كثيرا ً مثلما  هو الحال في تطور الحركة المسرحية  ,  وإذا كانت الحركة النقدية المسرحية قد انتشرت في عصر النهضة  في بريطانيا وفرنسا و ألمانيا وحتى في روسيا , من خلال تلك الطروحات النقدية العالية المستوى ,  وتلك التحليلات المهنية لأعمال الكتاب المسرحيين الكبار الذين لا حصر لهم , فإن ذلك يعود بالفضل إلى النقاد والباحثين المسرحيين في تلك البلدان ,  الذين  يتمتعون  بمواصفات كثيرة منها الثقافة العالية وسعة الإطلاع وعدم الانحياز إلا للأمانة الموضوعية  المهنية في كتابة النقد أو البحث الأكاديمي , و الذين كانوا ملمين  بتفصيلات العمل المسرحي المهني , وبأساليب كتابة النص المسرحي و طرق التمثيل والإخراج  . كل هذا قد ساهم مساهمة فعالة في تطور المسرح ومازال يساهم حتى يومنا هذا  في هذه البلدان , بعد أن أصبح النقد المسرحي يدرس في كل الأكاديميات العالمية المختصة بعلوم الدراما المسرحية .

وبهذا يكون  من غير المعقول أن يتطور العمل المسرحي العربي بمفرده دون أن  تشترك جميع تلك العناصر الفنية في تطويره , و من غير المعقول أن يتطور فن التأليف المسرحي وتتسع رقعته , أو أن تتطور أساليب الإخراج المسرحي العربي بمعزل عن النقد المسرحي , باعتباره الوسيط  بين العمل المسرحي وبين الوعي الاجتماعي للجمهور  , كما أنه  من غير المعقول  أيضاً ً في عمل الناقد المسرحي أن يكتب عن المسرح وهو لا علم له بالمتغيرات الحديثة التي تطرأ على علم المسرح  في هذا البلد العربي أو ذاك .

وخلاصة لما تقدم في هذه الدراسة الموجزة , فإنه يتوجب علي التأكيد على  أن النقد المسرحي هو الذي بمقدوره أن يجعل  الأفاق  رحبة ومضيئة للمسرح العربي  وليست معتمة , في حالة توفر نقاد مهنيين محترفين , لهم علاقة بالعمل الفني الاحترافي ولهم  دراية جيدة  بعلم النقد المسرحي وتأثيره  الإيجابي على ذائقة  الجمهور .

فهل يمكن القول بأن المسرح العربي قد وجد له مكانة خاصة بين مسارح العالم قاطبة ؟ وهل يمكن التسليم بأن المهرجانات المسرحية العربية التي تقام في هذا البلد العربي أو ذاك بمشاركة عروض خارجية من بلدان العالم المختلفة قد حققت له ما أراد في أن يكون المسرح العربي ؟ وبأن وسائل الإعلام العربية قد أوصلته فعلاً إلى المدى العالمي عبر محطاتها الفضائية , أم أنها أثرت سلبياً على دوره الطليعي ومكانته التي بلغها هنا وهناك , تلك المكانة التي كان يمكن أن تكون فعالة ومؤثرة  في تطور الذائقة الاجتماعية العامة التي بدأت بالتراجع في الآونة الأخيرة منذ سنين عدة ؟إن ذلك يحتاج إلى دراسة الواقع المسرحي العربي بسلبياته وإيجابياته , وتوفير فرص أفضل من تلك الفرص التي أتيحت للمسرحين العرب في تحقيق وجودهم , بدلاً من أنهم  ينحتون في الصخر في بعض البلدان العربية من أجل تقديم عرض مسرحي  لا يستمر سوى بضعة أيام , بسبب عزوف الجمهور عن  مشاهدته  وليس بسبب عدم جودته .

 وفي هذه الحالة لا يمكن أن تكون للمسرح العربي هويته الخاصة في ارتباطه  بالمسرح العالمي من بعيد أو قريب  إذا بقيت هذه الأوضاع التي أشرت إليها , و بقي المسرح العربي  يعتمد على الجهود الفردية للعاملين فيه , و بقيت المؤسسات الثقافية  والفنية  العربية الرسمية تقدم مساعدات شحيحة إلى تلك العروض أو أن تدير ظهرها إليها , أو أن يهيمن بعض القائمين على تلك المؤسسات المسرحية هيمنة تامة في تقديم عروض مسرحية  لفنانين دون غيرهم في كل المواسم المسرحية .

إن نهضة المسرح العربي لا تنفصل عن النهضة الشاملة للمجتمع بأسره , وهذه النهضة بحاجة ماسة إلى أن يلعب النقد المسرحي دوراً أكثر أهمية في الـتأثير على الذائقة الاجتماعية من جهة وتهيئة الأجواء المناسبة له لكي يتطور باستمرار ويحضا بدعم أكبر من المؤسسات الفنية والثقافية الرسمية في عموم الوطن العربي من أجل أن تؤكد وجود المسرح وترعاه وتقدم سبل الدعم الكافية وفقاً  لشروط الإبداع المسرحي  , عندها سيكون المسرح العربي   مسرحاً مؤثراً على مستوى العالم  بأسره أسوة بالمسارح الأخرى قاطبة  .

من جانب آخر , لابد أن تتوفر للمسرح العربي الشروط الموضوعية لتأكيد هويته و إصالته . إذ لا يكفي وجود مسرحيين عرب من مخرجين وممثلين وكتاب مسرحيين جيدين لتحقيق ذلك , مادام النقد المسرحي غائباً عن الساحة المسرحية , وما دام الجمهور المسرحي يتلقى العروض المسرحية العربية دون وعي كامل في نوعية هذه العروض وقدرتها على تحقيق وجودها . فالمسرح هو فعل لا يخص الفنانين المسرحيين العرب وحدهم , بل يخص النقاد والجمهور أيضاً .

وهنا تبرز أهمية تسليط الضوء على مفهوم النقد المسرحي ودوره الفعال في تطوير الأدب والمسرح العربي , لما للنقد دور هام في تطورهما الإبداعي  بشكل عام.

د. راجي عبدالله – العراق

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح