النساء العالمات لموليير – بقلم د.علي خليفة

 

 

النساء العالمات لموليير بقلم د.علي خليفة

مسرحية النساء العالمات
لموليــــير
علي خليفة
بالنظر لمسرحيات موليير نراه يسخر فيها أشد السخرية من الأشخاص المدعين في أي أمر من الأمور، ولا تكاد توجد له مسرحية لا نرى بها شخصًا واحدًا على الأقل متصفًا بالادعاء يسخر منه فيها.
ومن أكثر أصناف المدعين الذين سخر منهم موليير بشدة النساء اللائي يتركن أعمال المنزل ويهملن في القيام بها، وفي المقابل يظهرن ادعاء العلم والمعرفة، وحقيقتهن أنهن خواء من أي معرفة أو علم، وتلك النظرة من موليير للمرأة في مسرحياته نظرة محافظة ترفض أن يكون للمرأة أي دور تنويري في المجتمع، وهو يرى أنه يجب أن يقتصر دورها على الاهتمام بزوجها وأولادها، وعلى لسان والد هنريت يقول لزوجته المدعية للعلم: لقد كانت أمهاتنا يعشن في البيوت، ولا يعلمن شيئًا سوى الطبخ والكنس ورتق الثياب، وعشن هن وأزواجهن وأولادهن حياة طيبة. أما أنتن يا مدعيات العلم فقد سممتن عيشة الأسر التي تعشن فيها. هذه هي نظرة موليير فيما أظن للمرأة، وهي – كما قلت – نظرة محافظة، ولم يكن يتصور أنه من الممكن أن يكون اهتمام المرأة بالعلم والمعرفة اهتمامًا حقيقيًّا؛ ولهذا أظهر النساء المهتمات بالعلم والمعرفة في صورة المدعيات والمتحذلقات، كما في مسرحية “النساء العالمات” ومسرحية “المتحذلقات”.
وأرى في مسرحية “النساء العالمات” وجود تشابه بينها وبين مسرحية “ترويض النمرة” لشكسبير، ففي مسرحية “ترويض النمرة” نرى المرأة المتمردة ترفض الزواج وتسىء، معاملة الرجال، حتى تتزوج رجلاً يروضها ويخضعها لسلطانه، وتبدو أختها الصغيرة وديعة حالمة على العكس منها تمامًا، وفي مسرحية “النساء العالمات” تظهر الأخت الكبرى أرماند متمردة على علاقة الزوجية، وتصفها بالمادية والشهوانية، في حين تبدو أختها الصغرى هنريت وديعة، وليس عندها نظرة الترفع للزواج كما عند أختها؛ ولهذا حين يفشل كليتاندر في أن تقبله أرماند زوجًا له – ولا مانع عندها من أن يستمر عاشقًا لها فقط – يحول مشاعره لأختها هنريت، وتستجيب لحبه، وهنا يُكْسر أنف الأخت الكبرى، وتحاول أن تعطل زواج كليتاندر من أختها، وتغريه بنفسها، وتقول: إنها ستنزل على رغبته بقبول زواجها منه، ولكنه يقول لها: فات الوقت، فقد تحول قلبي لهنريت.
وهذا وجه التشابه – كما أراه – بين مسرحية موليير “النساء العالمات” ومسرحية شكسبير “ترويض النمرة”، وأغلب الظن أنه تشابه لا يقوم على قراءة موليير لمسرحية “ترويض النمرة” لشكسبير.
وأكمل تلخيص مسرحية “النساء العالمات” لموليير، فتصر الأم المدعية للعلم على أن تزوج هنريت لتريستان، وهو شخص متعالم متشاعر، ومع ذلك تنبهر النساء العالمات بكل قول تافه يقوله.
ولقوة شخصية الزوجة على زوجها تكاد توفق في إتمام هذا الزواج على غير رغبة هنريت، لولا تدخل أخي الزوج بحيلة أوهم بها كل الحاضرين – في المجلس الذي أعد لزواج هنريت من تريستان – بما فيهم تريستان أن أخاه وزوجة أخيه قد أفلسا، وهنا ينسحب تريستان من عقد زواجه من هنريت، ويظهر طمعه، وتنكشف حقيقته للأم، فتوافق على زواج هنريت من كليتاندر الذي تنبهر بوفائه وتمسكه بالزواج من هنريت مهما يكن وضع أسرتها المادي، وعند ذلك يكشف أخو الأب حقيقة الحيلة التي دبرها؛ فلم يصب أخاه ولا زوجته أي إفلاس، ويسعد الجميع إلا أرماند، ويتم زواج كليتاندر من هنريت، وتنتهي المسرحية.
وأرى أن تأثر موليير بأرسطوفان في هذه المسرحية واضح جدًّا، فقد تأثر فيها بمسرحيتي أرسطوفان “برلمان النساء” و”ليزيستراتا” في عرض قضية حرية المرأة، ومدى جدارتها للمناصب الكبرى، وأيضًا تأثر فيها بأسلوب أرسطوفان في عرضه المناظرات في مسرحياته، كما في مسرحية “الثروة” ومسرحية “الضفادع”، ونرى في الفصل الثالث من مسرحية “النساء العالمات” مناظرة بين شاعرين كانا صديقين، ثم تحولا لعدوين ينقد كل واحد منهما شعر الآخر بأسلوب ساخر، وفي الفصل الرابع يتناظر كليتاندر مع تريستان حول الشعر والمدعين فيه.
هذه بعض جوانب التشابه بين أسلوب أرسطوفان في مسرحه، وأسلوب موليير في مسرحه وتأثر موليير بأرسطوفان في مسرحية “النساء العالمات”.
ولكن أرسطوفان لا يكثر في مسرحياته من الأنماط الكوميدية،
في حين لا تخلو أي مسرحية لموليير من وجود أنماط كوميدية بها.
ومن الأنماط الكوميدية في مسرحية “النساء العالمات” شخصية تريستان المدعي للعلم وقول الشعر، وهو طماع في الوقت نفسه، ويفتقد الأخلاق الحميدة؛ ولهذا تخلى عن فكرة زواجه من هنريت حين ظن أن أبويها قد أفلسا.
وأيضًا من الأنماط الكوميدية في هذه المسرحية الزوج المدعي لقوة شخصيته في بيته، ويصيح منددًا بكل من يخالفه فيه، ولكنه حين يواجه زوجته ينسحب من كل قرار قد اتخذه يخالف رغباتها، ويظهر ضعف شخصيته بشكل واضح أمامها، ولكنه في نهاية المسرحية يصمم على أن يستعيد شخصيته المسلوبة في بيته من زوجته، فيعيد الطباخة مارتين التي طردتها زوجته لسوقية لغتها – فهي لا تتحذلق كما تتحذلق النساء العالمات – ويصر على أن تتزوج ابنته هنريت من كليتاندر، ويكاد يفشل في إخضاع زوجته لقراراته الجديدة لولا أن الظروف خدمته بالحيلة التي دبرها أخوه، فأظهرت جشع تريستان، وانسحابه من الزواج من هنريت.
وأيضًا من الأنماط الكوميدية في هذه المسرحية النساء العالمات، وهن يهتممن بالحديث بأسلوب منمق، ويظهرن معرفة بالشعر، ولكن الحقيقة أنهن لا يمكنهن تذوقه، وهن أيضًا يظهرن ولعًا بالعلوم الطبيعية، وإحداهن تزعم أنها رأت بتليسكوبها رجالاً في القمر، وواحدة أخرى تدعي أنها رأت بتليسكوبها أشياء أخرى في القمر. وكل هذا ادعاء وكذب.
والأخت الكبرى أرماند تبالغ في ادعائها، فهي تشترك مع أمها وعمتها في ادعاء العلم بالشعر والعلوم الطبيعية، وتتفق كذلك مع عمتها في رفض الزواج؛ لأنهما تريان فيه الشهوة والغريزة، ولكن هذه الأخت الكبرى تتراجع عن رفضها الزواج حين يهم حبيبها السابق بالزواج من أختها الصغرى.
والعمة تبدو أشد النساء العالمات غرابة كما صورها موليير، فهي تتخيل أن هناك رجالاً كثيرين يعشقونها، وترى أن كل رجل يتحدث عن حبه لامرأة ما إنما يعنيها هي، ولكنه يكني عن ذكر اسمها بذكر اسم امرأة أخرى غيرها؛ ولهذا تظن العمة حين حدثها كليتاندر عن حبه لابنة أخيها أنه يقصدها هي، وكنى عن اسمها باسم هنريت، ويرى الأب وأخوه أن أختهما قد تجاوزت بتصرفاتها هذه الادعاء للعلم والأدب إلى الجنون.
والملاحظ أيضًا أن موليير قد جعل الفصل الثالث من هذه المسرحية للسخرية من المتشاعرين وشعرهم السخيف في عصره، وقد فعل نفس الأمر في مسرحية “عدو البشر” بأن سخر من شعر ماركيز مدعٍ للشعر، على لسان بطل المسرحية إلسست.

https://al1a.wordpress.com

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح