الناقد والمخرج الكبير د. عمرو دوارة يرثي سيدة النقد د. نهاد صليحة ويكتب: الأستـــــاذة ..!

 

فارقتنا الناقدة الكبيرة د. نهاد صليحة التي كانت تمثل مدرسة ملهمة في النقد المسرحي .. ولدورها الرائد الذي لا يمكن إغفاله .. قبيل وفاتها بأيام أفردت لها جريدة مسرحنا عددا خاصا .. تسابق للكتابة من خلاله رفقاؤها وتلامذتها وأبناؤها .. يكتبون بحب وإنصاف وحنين

وبعد أن فضت روحها لبارئها اليوم.. نعيد نشر مقالة د. عمرو دوارة  في موقع ” المسرح نيوز” الذي كتب على صفحته بالفيس بوك عبارات رثاء موجعة قائلا: “بكل الأسى والحزن والألم أرثي أستاذتي الفاضلة د.نهاد صليحة .. ولا أملك سوى إعادة نشر مقالي بجريدة مسرحنا بالملف الخاص عنها بالعدد 489 بتاريخ 2 يناير 2017

الأستاذة/ د.نهاد صليحة
بقلم/ د.عمرو دوارة

– صاحبة موهبة كبيرة وساهمت بقلمها في إثراء حياتنا الثقافية والفنية.
– أول من وظفت المنهج “السيميائي” بالمسرح العربي بصورة علمية.
– مساهماتها بمجال الترجمة لا تقل أهمية عن مساهماتها النقدية.
– لم يقتصر دورها على التنظير أو النقد التطبيقي فقط بل ساهمت بكثير من الفعاليات المسرحية.

يزخر تاريخنا المسرحي بنخبة من كبار النقاد الذين ساهموا بأقلامهم في إثراء حياتنا الثقافية والفنية ومن بينهم بجيل الرواد – على سبيل المثال – كل من الأساتذة: محمد تيمور، إبراهيم رمزي، عبد المجيد حلمي، زكي طليمات، محمد عبد القدوس، إسماعيل وهبي، طه حسين، توفيق الحكيم، وقد استكمل مسيرتهم بعد ذلك نخبة من أصحاب الضمائر الأدبية والأقلام الجادة، هؤلاء الذين نجحوا بمواهبهم وثقافتهم في الوصول بالنقد المسرحي إلى قمة تطوره خلال فترة خمسينيات وستينيات القرن العشرين بعدما أتيحت لهم الفرصة كاملة للإطلاع على أحدث المناهج الأدبية والمسرحية عالميا حينذاك وفي مقدمة هؤلاء الأساتذة: د.محمد مندور، د.لويس عوض د.رشاد رشدي، د.محمود أمين العالم، ولتتواصل جهودهم مع جهود نخبة من المبدعين خلال النصف الثاني من القرن العشرين ومن بينهم الراحلين: د.علي الراعي، رجاء النقاش، فؤاد دوارة، د.إبراهيم حمادة، جلال العشري، فاروق عبد القادر، فاروق عبد الوهاب، د.عبد العزيز حمودة وآخرين، وفي هذا الصدد تبرز أيضا أسماء لبعض الأساتذة المعاصرين الذين نجحوا في استكمال إنجازات الرواد وتحقيق الإضافة أيضا وفي مقدمتهم بلا جدال د.نهاد صليحة، أطال الله عمرها ومتعها بالصحة والعافية.
وجدير بالذكر أن قضية التفرغ للنقد التطبيقي وضرورة متابعة الحركة المسرحية بصورة منتظمة قد أفقدتنا للأسف نخبة كبيرة من النقاد الأكاديميين الذين فضلوا التفرغ للتدريس الأكاديمي وكتابة الدراسات الأدبية أو للتأليف المسرحي، وبالتالي فقد تركوا ساحة النقد التطبيقي بالصحف والمجلات لمجموعة من الصحفيين الذين اعتمدت كتاباتهم على المنهج الانطباعي فقط، ولكن نحمد الله أن د.نهاد صليحة قد حرصت طوال مشوارها الأدبي على المشاركة بكتابة النقد التطبيقي أيضا.
والحقيقة التي يجب تأكيدها في البداية هي أن صقل موهبة الناقد وإعداده وتأهيله عملية شاقة ومعقدة، وتتطلب بذل كثير من الجهد كما قد تستنزف أيضا فترة طويلة من الزمن، وذلك بداية من اكتشاف موهبته ثم صقلها بالدراسة والخبرات العملية، خاصة وأن الهدف من الدراسة واكتساب الخبرات ليست كما يتصور البعض التعرف على جميع تفاصيل التقنيات والمفردات الفنية للعرض المسرحي فقط، بل يجب أن تشجعه وتدفعه ليصبح على دراية ووعي بالتطورات التاريخية وبالنظريات السياسية وبمختلف المناهج الفلسفية، أو بمعنى أدق يجب عليه لكي يتميز أن ينجح في تكوين رؤية محددة له في الحياة لينطلق من خلالها في جميع كتاباته، وبالتالي فإن عليه قبل هذا وذاك أن يكون متفرغا ومتابعا جيدا للإصدارات الحديثة وللحركة المسرحية ولمشاهدة أكبر قدر ممكن من العروض المسرحية، وربما لم تتوفر وتتكامل الشروط والمواصفات السابقة وتنطبق على أحد النقاد المعاصرين كما تنطبق بصورة متكاملة على الأستاذة/ د.نهاد صليحة.
أهم العوامل التي ساهمت في تحقيق مكانتها:
يمكن للباحث المتتبع لمسيرة وإسهامات الناقدة الكبيرة/ د.نهاد صليحة أن يرصد بيسر وسهولة كثير من العوامل التي تضافرت حتى استطاعت أن تحقق لها تلك المكانة السامية، وهي تلك العوامل التي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
– الموهبة المؤكدة وتمتعها ببعض الصفات النبيلة السامية، تلك الصفات التي يجب أن يتحلى بها الناقد ولعل من أهمها القدرة على العطاء والحساسية المرهفة والتمتع بالنظرة الشمولية مع القدرة على التقاط أدق التفاصيل الصغيرة، وذلك بالإضافة إلى ضروة تمتعه بالقدرة على توصيل المعاني وصياغة الأفكار بسلاسة ووضوح، وقبل هذا وذاك بالصدق والموضوعية والحيادية.
– القدرة على المثابرة الدائمة والإصرار على التفوق، فهي تعشق العمل الجاد والنجاح، ولديها القدرة على التوظيف الجيد للوقت، وعلى سبيل المثال فإنها أثناء مصاحبتها لزوجها ورفيق دربها ببعثته إلى إنجلترا قامت بالرغم من صعوبات الغربة بالعمل في إذاعة “بي بي سي”.
– الممارسة الفعلية للفن المسرحي وبالتحديد ممارسة التمثيل من خلال المسرح المدرسي ثم بعد ذلك من خلال المسرح الجامعي ونادي المسرح بفرقة “مسرح الحكيم”، مما أكسبها كثير من الخبرات المسرحية العملية.
– ارتباطها بشريك العمر أستاذها شيخ المترجمين/ د.محمد عناني أثناء دراستها الجامعية، وسفرها معه إلى إنجلترا عام 1966، وقد اعترفت في أكثر من مناسبة بفضل توجيهه لها، ورعايته لموهبتها وتشجيعه المستمر لها.
– الدراسة الأكاديمية المنتظمة، فقد حصلت على ليسانس آداب إنجليزي في “جامعة القاهرة”، ثم ماجستير الأدب الإنجليزي في جامعة “ساسكس” (المملكة المتحدة) عام 1969، وبعد ذلك حصلت على درجة الدكتوراه في المسرح في جامعة “إكستر” (المملكة المتحدة) عام 1982.
– إجادة اللغة الإنجليزية إجادة تامة تمكنها من متابعة أحدث المقالات والدراسات العالمية، وكذلك ترجمة أهم الإبداعات من اللغة العربية إلى الإنجليزية والعكس.
– ثقافتها الموسوعية وحرصها الدائم على الاطلاع على أحدث الكتابات والدراسات، وأيضا على المناهج والأساليب النقدية العالمية الحديثة سواء باللغة العربية أو الإنجليزية، وكذلك حرصها الكبير على متابعة أحدث الإبداعات محليا وعربيا وعالميا.
– معاصرتها لفترات تاريخية هامة في مسيرة الوطن تضمنت كثير من المتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية، وأيضا لفترات الإزدهار والهبوط بمسيرة المسرح المصري والعربي، وذلك بخلاف معاصرتها لعدد كبير من رموز الفكر والتنوير ونخبة من القيادات الثقافية.
– اكتساب الخبرات الفعلية من خلال المشاركات المتعددة بعدد كبير من المهرجانات الفنية والمؤتمرات العلمية سواء بمصر وبعض الدول العربية الشقيقة أو بالدول الأجنبية.
مساهماتها المسرحية:
تعددت المساهمات المسرحية الثرية للأستاذة/ د. نهاد صليحة، حيث لم يقتصر دورها على التنظير أو النقد التطبيقي فقط بل ساهمت بكثير من الفعاليات المسرحية الأخرى، ويكفي أن نذكر لها أن مساهماتها المهمة بمجال الترجمة لا تقل أهمية عن مساهماتها النقدية، كما أن مشاركتها بكثير من الفعاليات الثقافية والمسرحية أثرى بلا شك مسيرة المسرح العربي كثيرا، حيث أنها تعد بحق منشطة مسرحية بالدرجة الأولى خاصة بعدما نجحت في اتخاذ بعض المبادرات الإيجابية. ومما سبق يمكن تصنيف مشاركتها الثرية إلى أربعة أقسام كما يلي:
1- المساهمات النقدية: يمكنني من خلال الرصد لمجموعة مؤلفاتها المسرحية أن نتوقف عند عدد كبير من الكتب المسرحية المهمة ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر: المسرح بين الفن والفكر (1985)،مسرح لورد بايرون: قراءة حداثية (1986)، أمسيات مسرحية (1988)، أضواء على المسرح الإنجليزي (1990)، الحرية والمسرح (1991)، المدارس المسرحية (1994)، التيارات المسرحية المعاصرة (1997)، عن التجريب سألونى: جولة فى الملاعب المسرحية التجريبية (1998)،المسرح المصري: مسرحيات ومسرحيون (2003)، المسرح المصري: اتجاهات جديدة (2003)، المسرح بين النص والعرض (1999)، المسرح بين الفن والحياة (2000)، المسرح عبر الحدود (2002)، بالإضافة إلى مجموعة إصدارات أخرى من بينها: شكسبيريات، ومضات مسرحية. وبخلاف جميع الإسهامات النقدية السابقة ساهمت أيضا بكتابة عشرات المقالات والدراسات بكبرى الصحف المحلية والعربية ومن أهمها: مجلة المسرح، جريدة الأهرام إبدو (الأهرام بالفرنسية).
وتعد الناقدة المسرحية المصرية د. نهاد صليحة أول من استخدم المنهج السيميائي في النقد المسرحي العربي استخداما علميا مثمرا وذلك مذ بدأت بتطبيقه في منتصف الثمانينيات، حيث اعتمدت في قراءاتها النقدية على تحليلها الدقيق لبعض النصوص والعروض المصرية، وعلى قدرتها ومهارتها في تفكيك شفرات الخطاب المسرحي البصرية والسمعية، وتحديد أنساق علاماته وأنماطها.

2- الترجمة: وفقت د.نهاد في ترجمة بعض المسرحيات الرصينة لكبار كتابنا إلى اللغة الإنجليزية، ومن بينها بعض مسرحيات أديب “نوبل” القدير/ نجيب محفوظ، وذلك لكي تتيح للمهتمين والمتخصصين الأجانب فرصة التعرف على إبداعاتنا بالمسرح العربي، كما نجحت في ترجمة ومراجعة بعض المترجمات من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية، تلك المترجمات التي أثرت بالفعل مكتبتنا العربية، وأتاحت لنا فرصة التواصل مع أحدث المناهج المسرحية العالمية، وأيضا الاستمتاع بأحدث الإبداعات المسرحية، وتتضمن قائمة مترجماتها إلى اللغة العربية عددا من الإصدارات من بينها: التفسير والتفكيك والأيديولوجيا (1985)، نظرية العرض المسرحى (1994)، الرؤية التقليدية لتاريخ المسرح: قراءة تفكيكية من منظور نسوى (1998)، وأيضا مجموعة من المسرحيات منها: كوميديتان من عصر شكسبير: حدوتة من حواديت العجائز (1978)، بعد العبث أربع مسرحيات من المسرح الغربى (1984)، مسرح الثورة السوداء: ثلاث مسرحيات (1991).
3- المساهمات الأكاديمية:
ساهمت د.نهاد بكل الحماس والصدق والتفاني في نقل خبراتها الكبيرة إلى أجيال متتالية من الطلاب، حيث قامت بتدريس كورسات فى الدراما (من الخارج) فى كل من: قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب – جامعة القاهرة، قسم المسرح بكلية الآداب – جامعة الإسكندرية، المعهد العالى للفنون المسرحية بأكاديمية الفنون، كما عملت بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب – جامعة الملك عبد العزيز بالسعودية كمدرس لمادة الدراما وشكسبير (من عام 1975 حتى عام 1977).
وجدير بالذكر أنها قد التحقت بأكاديمية الفنون لتعمل أستاذا مساعدا للنقد والدراما بالمعهد العالى للنقد الفنى – عام 1977، وتدرجت بالمناصب لتصبح أستاذة الدراما والنقد بالمعهد العالي للنقد الفني منذ عام 1984 وحتى الآن، كما تولت منصب عميدة المعهد العالي للنقد الفني (خلال الفترة من 2001 إلى 2003).
والحقيقة أنني أعتز جدا بالفرص التي أتيحت لي للاستفادة من مساهماتها الأكاديمية، حيث كانت بداية تعرفي الفعلي بها بمجرد عودتها من البعثة بعد حصولها على درجة الدكتوراه عام 1983 وبالتحديد في نهاية السنة الأولى لدراستي بدبلوم “النقد الفني” بأكاديمية الفنون، وذلك حينما تم – كتقليد جديد – إضافة اختبار شفهي باللغة الإنجليزية، وتولت الأستاذة مسؤولية عقد الاختبار مع د.نبيل راغب، وأتذكر جيدا أنها قدمت لي نصا باللغة الإنجليزية من روائع “شكسبير”، وطلبت مني ترجمة النص الموازي (وصف المشهد)، كان من الطبيعي أن أستخدم الإشارات في وصف المنظر واتجاهات الدخول والخروج، فأدركت بحدسها وخبرتها فورا أنني أمارس الإخراج المسرحي، وعلى الفور طلبت مني معلومات تفصيلية عن العروض المسرحية للهواة وأماكن تجمعاتهم.
كذلك كان لها دورا مؤثرا أيضا عندما أتيح لي فرصة استكمال الدراسات العليا للحصول على درجة “الماجستير”، فقد انتابتني الحيرة أثناء اختيار الموضوع المناسب، وبالتحديد للاختيار بين موضوعين “مسارح الهواة”، و”الرؤية الإخراجية لكرم مطاوع”، وعلى الفور حسمت الأستاذة حيرتي وترددي، بجملتها الحاسمة: (قد يتواجد اليوم أو غدا من يقدم على دراسة رؤية “كرم مطاوع الإخراجية، ولكن لن يستطيع أحد الكتابة عن “هواة المسرح” بمثل صدقك وخبرتك وتجربتك الكبيرة). وحقا كم كنت محظوظا حينما أتيح لي مشاركتها بعضوية لجنة المناقشة سواء أثناء حصولي على درجة الماجستير (مع د.نبيل راغب والفنان/ كرم مطاوع) أو درجة الدكتوراه (مع د.سمير سرحان ود.نبيل راغب والمخرج/ أحمد زكي).

4- المشاركة بالفعاليات المسرحية:
يضاف إلى رصيد د.نهاد صليحة مساهماتها الإيجابية في كثير من الأنشطة الثقافية والمسرحية، – حيث شاركت بعدد كبير من الندوات والمؤتمرات والمهرجانات الثقافية والمسرحية العربية والعالمية سواء كضيف شرف أو مكرمة أو مشاركة بعضوية لجنة التحكيم أو بالدراسات والتدوات الفكرية، وذلك بخلاف إشرافها على قسم النقد المسرحي في جريدة “الأهرام ويكلي” (الأهرام باللغة الإنجليزية) وتقوم بتحرير هذا القسم أسبوعياً، 1989حتى الآن، وهي أيضا عضو اللجنة العليا للمسرح بالمجلس الأعلى للثقافة، وعضو بلجنة الدراما بقطاع الإنتاج للإذاعة والتلفزيون، وكذلك عضو بمجلس إدارة صندوق “روبرتو شيميتا الدولي” لدعم شباب فناني المسرح بدول البحر الأبيض المتوسط (منذ عام 1999)، كما شاركت بعضوية اللجنة التنفيذية العليا لمهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى (منذ إنشائه عام 1988 وحتى عام 1995).
والحقيقة أن مساهماتها الإيجابية لتنشيط الحركة المسرحية كثيرة ويصعب حصرها ومن بينها مساهمتها في تأسيس حركة الفرق المسرحية المستقلة من خلال إقامة المهرجان الأول للمسرح الحر عام 1990، وهي ما زالت تدعم هذه الفرق بكل طاقتها. وجدير بالذكر أن الشرارة الأولى لتأسيس هذه الفرق قد بدأت عندما قررت وزارة الثقافة تأجيل الدورة الثالثة لمهرجان “القاهرة الدولي للمسرح التجريبي” بسبب أحداث حرب الخليج، فأعلنت جميع فرق الهواة – أعضاء “الجمعية المصرية لهواة المسرح” – رفضها تأجيل المهرجان الذي أصبح متنفسا سنويا بالنسبة لهم بالإضافة إلى مهرجانهم السنوي الذي تنظمه الجمعية، خاصة وأن الفنان/ كرم مطاوع كان يشغل حينذاك خلال هذه الفترة منصب رئيس البيت الفني للمسرح بالإضافة إلى رئاسته لمجلس إدارة جمعية الهواة، فشعر بحرج من تنظيم مهرجانهم السنوي وقرر تأجيله، واجتمعت فرق الهواة للتواصل مع الوزارة من أجل تنظيم المهرجان، وهنا برز دور كل من د.نهاد صليحة والناقدة/ منحة البطراوي في تجميع فرق الهواة وتشجيع بعض الفرق على إعادة التأسيس، ونجحوا بالتواصل مع المسئولين بالوزارة في التعبير عن رغبات وطموحات فرق الهواة بالاستمرار في تنظيم المهرجان، وبالفعل تم الحصول على مواقفة وزير الثقافة الأسبق/ فاروق حسني على تنظيم المهرجان الأول للفرق الحرة بشرط عدم مشاركة فرق الدولة، وحقق المهرجان نجاحا كبيرا خاصة بعدما أصبحت الفرق المشاركة هي النواة الأولى للفرق المستقلة وأيضا لأغلب عروض “مركز الهناجر للفنون” بعد ذلك.
– شهادة واقعية:
أقدمت “الجمعية المصرية لهواة المسرح” في عام 1986 على مغامرة فنية بكل المقاييس، وذلك عندما قامت بتنظيم “المهرجان الأول للمسرح التجريبي”، فكان أول مهرجان للمسرح التجريبي بالوطن العربي (قبل مهرجان القاهرة الدولي بعامين)، وكالعادة انقسم النقاد بين مؤيد ومشجع وبين معارض بشدة لمجرد أن “هواة المسرح” هم من قاموا باتخاذ هذه المبادرة!!. وكانت فعاليات المهرجان تتضمن تقديم تسعة عروض من خلال محورين أحدهما تقديم نصوص عالمية تتسم بالجرأة لكتاب لم يسبق تقديم أعمالهم بمصر، ومن بينها على سبيل المثال “إيكواس” لبيتر شافر، و”الخادم الأخرس” لهارولد بنتر، وأيضا تقديم بعض التجارب في إتجاه تأصيل المسرح العربي كعرض “بابات ابن دانيال” للراحل/ صالح سعد.
كان عرض “إيكواس” والذي شرفت بإخراجه وشارك في بطولته نخبة من المحترفين والهواة (سمير وحيد، أحمد مختار، كمال سليمان، منال زكي، سامية صالح، لاشينة لاشين، والطفل/ رامي وحيد) صادما للجميع لجرأته، وهنا برز دور الأستاذة/ د.نهاد صليحة التي تصدت للدفاع عنه، بعدما شاهدت العرض أكثر من مرة لشدة حماسها وإعجابها به لدرجة أنها كانت في كل مرة تصاحب نخبة من الأصدقاء المثقفين لمشاهدته، وهو ما سجلته بكتابها المهم “أمسيات مسرحية” حيث كتبت: (وكان من حسن الحظ أن صحبني لمشاهدة العرض “د.فاروق عبد الوهاب” أستاذ الأدب العربي بجامعة شيكاغو – والذي همست له بنهاية العرض – أثناء تحية المخرج للجمهور – أن هذا العرض أفضل من العرض الذي شاهدته لنفس النص بإنجلترا فأجابني وأفضل من ثلاث عروض شاهدتها لنفس النص أيضا بالولايات المتحدة الأمريكية)، كانت هذه الشهادة عام 1986 وأنا في بداياتي لإحتراف الإخراج المسرحي، ثم تلتها شهادة أخرى قيمة عام 1989 عن إخراجي لعرض “مخاطرة جان دارك”، وأعتقد أن تلك الشهادات القيمة التي منحتني إياها خلال مسيرتي الفنية – كما منحتها لعدد كبير من أبناء جيلي والأجيال التالية – كانت بحق شهادة الميلاد الفني بالنسبة لنا والحافز على استكمال المسيرة بنفس المستوى من الجدية والجودة.
– سمات التميز والتألق:
تتسم متابعات وكتابات الأستاذة/ د. نهاد صليحة للتجارب والظواهر والتيارات المسرحية بالعمق والدقة والوضوح، ولذا يصفها البعض “بإبداع فوق الإبداع”، كما أن تلاميذها الذين يدينون لها بالفضل يجمعون على أنها أستاذة أكاديمية من الطراز الأول، خاصة وأن أبرز ما تتصف به خلال محاضراتها ومداخلاتها ومناقشاتها هي: التلقائية والتمكن والحماس، كذلك فإن مساهماتها الإيجابية في تنشيط الحركة المسرحية لا ينكرها أحد، لذا يطيب لي في النهاية أن أسجل وباختصار أهم السمات التي تميز به مساهماتها ومشاركاتها – من وجهة نظري – والتي يمكن إجمالها في النقاط التالية:
– عشق المهنة والإحساس الكبير بالمسئولية تجاه الأجيال المتتالية من المسرحيين، ذلك الحرص الذي يبدو جليا من الانحياز للشباب سواء من مقالاتها النقدية أو من خلال التدريس بالمحاضرات الأكاديمية، وأيضا من خلال مشاركتها بالندوات المختلفة.
– الصدق الأدبي والموضوعية والحساسية المرهفة في قراءة النصوص والعروض، والقدرة على قراءة العروض وتفكيك شفراتها بوعي وحنكة، كما تتميز بقدرتها الفائقة على الإحساس بأدق التفاصيل الإبداعية.
– الانحياز الإيجابي للقيم الرفيعة السامية والدفاع القوي المستمر عن حرية التعبير، وعن جماليات العروض المتميزة، وذلك مع المواجهة الشرسة والمقاومة ضد كل صور القبح والتعصب والتطرف والقهر.
– الثقافة الموسوعية والإطلاع المستمر على أحدث التجارب والفعاليات والدراسات بالمسرح المصري والعربي والعالمي، كما تتميز بإدراكها ووعيها بالتطورات التاريخية وبالنظريات السياسية وبمختلف المناهج الفلسفية، وأيضا بنظرتها الشمولية للحياة.
– القدرة على المتابعة المستمرة لجميع الفعاليات المسرحية، والحرص على حضور بعض العروض أكثر من مرة، وكذلك الحرص على المشاركة بالمهرجانات والأنشطة المسرحية المختلفة، وذلك ليس بالعاصمة وحدها بل وبجميع الأقاليم، وكذلك كلما أتيحت الفرصة للسفر للخارج.
– الحرص على متابعة عروض “الهواة” بمختلف تجمعاتهم، فهي لا تنتظر توجيه الدعوات لها، بل كثيرا ماأسعدني الحظ بتلقى اتصالا هاتفيا منها للاستفسار عن مواعيد بعض العروض أو معرفة أماكن تقديمها.
– غزارة الانتاج بمختلف المجالات (المقالات/ الدراسات/ الترجمة)، ويتضح ذلك من خلال محاولة الرصد لعدد المقالات (بكل من اللغتين العربية والإنجليزية)، وكذلك لعدد الإصدارات بكل مجال، وأيضا من خلال المشاركة بعدد كبير من الدراسات والأبحاث بالمهرجانات والمؤتمرات المحلية والعربية والدولية.
– المشاركة الفعلية بالحياة المسرحية، وذلك من خلال المشاركة الإيجابية باللجان المختلفة (لجان المشاهدة واختيار العروض/ التحكيم)، وأيضا المشاركة في التخطيط ورسم السياسات الفنية مع المتابعة المستمرة لبعض الفعاليات السنوية.
وكان من المنطقي أن تحظى هذه المسيرة الأدبية العطرة بكثير من الجوائز ومظاهر التكريم ومن بينها على سبيل المثال: تكريمها بالعديد من المهرجانات المسرحية العربية ومن بينها: مهرجان الشارقة، مهرجان مجلس التعاون الخليجي، مهرجان قرطاج، مهرجان أيام عمان المسرحية، كذلك تكريمها بمهرجان “القاهرة الدولي للمسرح التجريبي” بدورته الثامنة (عام 1996)، وبمهرجان “دمشق المسرحي الدولي” بدورته الرابعة عشر( عام 2008)، مهرجان “المسرح العربي” (2012). وجدير بالذكر أنه قد حصلت على جائزة الدولة للتفوق فى الآداب (2003)، جائزة الدولة التقديرية فى الآداب (2013)، وكانت أحدث الجوائز التي فازت بها هي: جائزة الكويت للتقدم العلمي في فرع الفنون والآداب (عام 2016). وأحمد الله أنه قد أتاح لي فرصة مشاركتها ببعض المهرجانات المسرحية العربية لأشهد بنفسي مدى الأحتفاء بوجودها، وأيضا مدى توفيقها في التمثيل المشرف لمصر.
وأخيرا فإن الطفلة الموهوبة/ نهاد صليحة التي أصرت – وهي في الصف الأول إعدادي – على إهداء مصحف والدها إلى الزعيم الخالد/ عبد الناصر تستحق وهي تتبوأ حاليا أعلى قمة للنقد المسرحي العربي أن نقدم لها كمسرحيين أجمل الورود، حبا وتقديرا وإعترافا بمكانتها السامية ومساهماتها في إثراء مسرحنا العربي.
د.عمرو دوارة

موقع: المسرح نيوز

عن صفاء البيلي

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.