الناقد والأكاديمي العراقي د. جبار خماط يكتب: سينوغرافيا الحب المُحَّرم!

 

 

 

 د. جبار خماط

ـ

 

تُعرف السينوغرافيا بانها ، رسم المشهد على خشبة المسرح بمكونات بصرية وسمعية ، تحدد مسار الفعل المتحكم بالصورة المسرحية ، يكون الممثل والبيئة المسرحية في علاقة اتصالية ، ضمن تغذية راجعة تعطي للصورة المسرحية إيقاعها الخاص ، وقد كان اساس تداول المصطلح في تصميم المدن بما يحقق انسجام عملي مع الناس الذي يعيشون ضمن حدود تلك المدن وبحسب حاجاتهم الثقافية والاجتماعية والنفسية .

 

ولهذا يمكن عد السينوغرافيا علم جديد اتصل بالمسرح ليكون شريكا لعلم الاخراج في تحقق الرؤية المسرحية مشهدياً . إن لاقتراب المسرح من مفهوم اللذة ، اشكال وصور ، تفاوتت في جديدها وتاثيرها ، فمنها ما كان عاديا لا يترك في الوعي هزات بنيوية في نمط الحب وشكل اللذة الذي يخرج من بين جنبيه ! وثمة حب آخر ارتبطت لذته بالمحرم الديني او المحرم العائلي ، فلم نجد للشكل الاول حضورا درامياً واسعاً .

 

أما المحرم العائلي فقد اتتشر وترك اثراً جمالياً عميقاً ، مصحويا بعبق نفسي يترك في النفس شذى لا يتكرر ، ونحن نقرا ونلاحظ تلك التحولات النفسية القاسية التي يمر بها الحبيب او الحبيبة ؛ بين العاطفة والواجب العائلي ، تلك الالام التي عاشتها ((فيدرا) ) وهي تعشق إبنُ زوجها وصراعها الداخلي بين الصمت المر او البوح القاسي ، إنها لحظة درامية أتقن صنعها ((جان راسين )) في نسق درامي متنوع الفكر والاشتغال الداخلي الذي يشبه مرجلا ً عاطفياً لا يتوقف.

 

صراع يشبه ما كان من ( زليخة ) مع وجود ((يوسف)) في بيتها ، تحبه لكنها تخشى البوح ، واذ نجد تقابلا نفسيا وصوريا بين زليخة وفيدر ، من حيث فورة المشاعر ومحاولة القبض على رضا الحبيب ، فراشها البارد ، وزوجها الغائب ، غرفتها الصديقة التي تصغي الى سورات الالم والرغبة : زليخة -الغرفة – السرير فيدرا – الغرفة – السرير هذه المفردات السينوغرافية ، لانتاج لذة قادمة ، قد تتحقق في لحظة ارادة للبوح التي قد تكسر طبقات الجليد الصلبة ، بلمحة عين ، او همسة صوت ، او التقاء اصابع ترغب باللقاء ، لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه، اذ تواجه تلك السيدتين رفضا قاطعا ً من ((يوسف)) و((هيبوليت )) على حد سواء .

 

اختيار الغرفة مكان للقاء ، الباب موصد ، والصمت قد اطبق في فضاء الغرف ، تقدم البوح ليقول زليخة : احبك .. اريد ان … فيدرا : اريد لانني احببتك ترتبك متوالية اللذة لدى السيدتين ، مع رفض كلا الرجلين ، ((يوسف)) و((هيبوليت )) مما أدخل الفعل الدرامي في تصاعد غير معقول في صدمته الجمالية ، ينبغي أن يتوقف هذا الحب المحرم ، الكرة في ملعب فيدرا ، لأن زوجها دخل علبهما وهي تراوده على نفسها ،ولان الزوج لا يريد قضيحة ، اتهم ولده ((هيبوليت)) يالحب المحرم ، وهو ما يعني تهديم بنية التركيبة العائلية .

 

وقد دفع  هذا بالابن العفيف إلى الإنتحار بسبب الضغط النفسي الحاد من ظلم ابيه من دون ان يسمع كلامه او يقتنع به ، لان (( تيزيه)) الأب أصغى لرواية زوجته فيدرا ، تيزيه / الاب – رفض هوبليت / الابن – صدمة نفسية ان جدلية الموت والحياة ارتبطت بمفهومي اللذة والالم ، والهدم والبناء ، والحركة والتوقف ، لكنها حفَزت العقل على محاولة خرق المسكوت عنه ، فاظهرت لنا حرية فردية كسرت المالوف الاجتماعي ، وعززت وجود نسق سلوكي جديد تفاعل معه الاخر ، إذ لا يمكن إنكار شجاعة زليخة مع يوسف ، او فيدرا مع هيبوليت، مع معرفتهما المسبقة بالنتائج الكارثية ، لكنهما اعطا للبوح / حرية الشعور بإزاء الصمت / توقف الحب .

 

وتلك لحظة درامية لا يصنعها سوى بطل تراجيدي ، يعيش لحظة التحول من الجهل الى المعرفة ، مثل إصرار ((اوديب)) على معرفة اسباب الكارثة في مدينته، واذ يعلم انه السبب ، اذ قتل أباه وتزوج امه وانجب منها اربعة اولاد ، ولدان وبنتان ، ولو تفحصنا الفئة العمرية وجدنا ان النسوة الثلاتة ، ((جوكاستا )) و ((زليخة)) و((فيدرا )) أعمارهن متقاربة تشير الى الخامسة والثلاثين، اما ازواجهن فهم شيوخ ، وهذه الفجوة الزمنية ، لا تشبع طاقة الحب لديهن ، ومع توفر بديل موضوعي لوجود رجال / شباب في البيت ، يتيح لها المبادرة المحرمة ، لاسكات تلك النار المتلاطمة في الروح الجائعة : جوكاستا – الزوج – شيخ زليخة – الزوج – مسافر / غائب فيدرا – الزوج – مفقود / أسير اللافت في متون الروائع الدرامية ، هناك سبب ميلودرامي قائم على المصادفة اكثر من الموضوعي الذي يجعل بناء الحدث فاعلا في تاثيره ، إذ نجد أن علاقة الباب في حالتي ((فيدرا )) و((زليخة ))، له دور ايقاف المحرم او المسكوت عنه ، اذ نجد (( العزيز )) زوج ((زليجة )) يظهر فجاة عند الباب لينظر بعينه تفاصيل المشهد ، مثل وقوف تيزيه – زوج ((فيدرا )) ووالد ( (هوبولبت ) )- عند الباب بعد عودته من الأسر من دون سابق إعلان !!

 

هذه المصادفة الميلودرامبة في ختام نسق محتدم من الاسباب الجمالبة ، اصنعت لنا طاقة درامية هائلة افرزت نتائج مؤلمة لدى طرفي معادلة الفعل ، مما يدفع المتلقي للشراكة لجمالبة وعيا وتفاعلاً مع مصيرهم داخل المناخ الفني : اوديب – فقأ العينين يوسف – السجن هوبليت – الانتحار هذه المصائر التراجيدية للشخصيات ، اكسبت النصوص حراكا تاويلياً في وعي تاريخ القراءة والتفعيل المسرحي لها على خشبة المسرح ، لانها نقلت أفق الحادثة من الافقي التاريخي إلى العمودي الفلسفي ، الذي يعمل على إزاحة المالوف دخولا به الى مناطق القراءة الجمالية العميقة التي تسمح للمتلقي أن يكون شريكاً في اللعب الدرامي الجميل الذي يتمنى الجميع أن يكون شريكاً في تقديمه تمثيلاً او إخراجاً او تاثيثا سينوغرافيا على خشبة المسرح ، إنها متون خبرة جمالية جديدة ، تسمح لنا ان نقترح إبداعا مغايراً من بين مساحة المالوف والعادي.

 

موقع: المسرح نيوز

http://almasr7news.com/archives/10952

 

 

 

 

عن صفاء البيلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.