الناقد مجدي الحمزاوي يكتب: نسبية الزيف.. وفجأة لم يسقط المطر !؟

مجدي الحمزاوي

ناقد وكاتب مصري

ـ

في العرض المسرحي الذي قدمته لنا فرقة مسرح الصواري بالبحرين ضمن فعاليات الدورة العشرين لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي ؛نجد أن الثيمة الأساسية التي لعب عليها المؤلف في هذا النص هي النسبية ؛ ولكن هذه المرة النسبية هنا ليست نسبية الحقيقة ولكن النسبية لكل ما هو زائف أو غير حقيقي ؛ فجميعنا تعود على أن  النسبية هي اختلاف التفسير لشيء أو الموضوع الواحد ؛ من خلال اختلاف مواقع وجهات النظر لهذا الشيء أو هذا الموضوع ؛ فأنت مثلا حينما تري مقعدا بنظرة جانبية وتري أنه باللون الأبيض ؛ فمن الممكن أن تقول أن المقعد يكتسب هذا اللون كله ؛ مع أنه في الناحية المقابلة ومن النظرة الجانبية الأخرى نجد أن اللون الأزرق مثلا هو ما يميز هذا الجانب ؛

ولذا فإن الوصول للحقيقة أو الاقتراب منها هنا هو في تجميع وجهات النظر هذه بحيث نجد أمامنا مقاطع شتى ومتعددة للموضوع أو الحدث تغطي كافة الأوجه الممكنة ؛ ولكن نسبية السعداوى تتلخص في أن الحكم الآن ليس على الموضوع أو الحدث بذاته ؛ وإنما بعدما استفحلت الميديا ؛ وأصبح لها منظورها الخاص للأشياء نتيجة للمصالح التي تحكم هذه الميديا سواء كانت مصالح شخصية فردية أو مصالح تتعدى هذا الأمر لمحاولة إدخال كل البشر في قفص العولمة إياه؛ فإننا كما قلنا لم نعد نحكم أو نختلف على الشيء أو الموضوع بقدر ما نحكم أو نختلف على الصورة التي يقدم لنا بها هذا الحدث أو هذا الموضوع ؛ بل ولربما أنه لا يوجد هناك  موضوع أو حدث مثلا ولكن هذه الميديا قد اخترعته وركبته ؟

ليأخذ أمامنا صفة التواجد مع أنه في ألأصل ليس موجودا أو حقيقي ؛ وأصبح التساؤل في عالم اليوم ليس عما يتمتع به الموضوع أو الحدث من حقيقة ؛ ولكن التساؤل أصبح حول كمية الزيف التي تكتنفهما ؛ وما هو الزيف الآخر المراد الوصول إليه من خلال وضع هذه الصورة المشكوك في صحتها أمامنا؟

 والمؤلف عبد الله السعداوي وضع كل هذا في شخصيتين على المسرح في حالة   نتبين أنهما في حالة عراك ومطاردة لمدة خمسين عاما ؛ لا نستطيع أن نميز بدقة من منهما الطيب ومن الشرير ؛ من الغني ومن الفقير ؛؛ الخ. فهناك دائما خلط غي السمات والأدوار بينهما ؛ ونعرف أنهما شخصية واحدة منقسمة ولكن كما قلنا سابقا لا تسعى هذه الشخصية للتوحد والتوائم بقدر ما تسعى إلى الانتقام والنيل من النصف الآخر نتيجة لطغيان الإعلام الميديا الذي يضفي الأحكام على الأفعال لكل وحدة من وحدات الشخصية ؛_ وبهذه المعالجة للسعداوى وإذا جاز لنا أن نستعير مصطلح التنافر والتشظى ؛ سنجد أن السعداوي قد حقق هذا في ما يشير إلى قيامه هو بكتابة أو فرض ما بعد حداثيته هو؛ لا أن يقوم ينقل القالب الغربي والأفكار فقط كما يحدث في معظم العروض التي تأت وتحاول أن تعالج هذا الأمر ؛ ثم خرج به  لأفاق أوسع تكمن نظرة موضوعية  وربما تقترب من الفلسفية للعالم الراهن _  أي أن السعداوي في المجمل يقول أنه نتيجة لهذه السطوة الإعلامية وسيطرة هذه الميديا في تكوين الصور الزائفة لن يكون  التوجه بيم الشخص وذاته هو محاولة التوحد بل محاولة الأذى ؛ أي أننا جميعا في طريقنا للانتحار بشكل بآخر ؛ وأيضا لأن السعداوي مثلنا ينتمي إلى هذه البقعة من الأرض التي تزخر بكل مشكلات العالم فلم ينس أن يضمن بعض العبارات التي تتحدث عن غياب الديموقراطية وأيضا عن البون الواسع بين الغنى والفقر الذي يجتاح العالم وخاصة في بلادنا ؛ ثم من خلال طرحة لنموذج اللص الشريف الذي يشرق من الأغنياء ليعطي الفقراء ؛ يكون هناك الرد بأن إفقار الأغنياء  بمحاولة جعل الآخرون يعيشون بكرامة هو في حد ذاته تخريب لجهود التنمية العالمية .

ومما عرفنا من سيرة عبد الله السعداوي وكيف أنه يحمل خبرات كافية في مجال فنون العرض في قطر ؛ بل وكيف أنه كخرج مسرحي له باع أيضا ؛ وكيف أنه لو كان طلب أن يقوم هو بإخراج هذا العمل ما كانت المؤسسة المنتجة قد توانت عن تحقيق هذا الطلب له ؛ ولكن لأنه كاتب جيد وفنان واع أدرك أن هذا النص لا بد أن يقوم غيره بإخراجه حتى لا يتحول الأمر إلى ما يشبه السرد الممل لنقل الأفكار التي يطرحها ويناقشها بكثرة ؛ وأيضا لتكون هناك إضافة إبداعية   في تحويل ما هو مكتوب إلى ما هو مر ئي ؛   فكانت الاستعانة بالمخرج إبراهيم خلفان الذي من الواضح أنه بينه وبين السعدواي تفاهما كبيرا على مستوى الفن والحياة ؛ فكانت المعضلة الأولى أمنام خلفان هي في اختيار العنصر التمثيلي القادر على التنقل من حالة  لأخرى في يسر تام وبدون أن يخل هذا بدينامكية العرض ؛ وحسنا فعل حينما صرف النظر عن شيوخ الممثلين وأتي باثنين من الشباب الواعد والمتفهم والقادر على لعب هذا الأدوار خاصة أن هناك تمثيل لكل مراحل العمر وأيضا تطورات العافية وعدم القدرة ؛والتحول بينهما في  جزء أقل من الثانية ؛ فكان الاختيار لمحمد الصفار وحسن منصور موفقا جدا ؛ مما يسر عليه مهمة تدريبهما فنقلا ما أراده منهما بكل أمانة وفي إبداع أيضا ؛ وكانت هناك نبارى في التمثيل تتساير مع الفرض الأولي للنص في هذه الحالة الغير مستقرة بين الشخصية وذاتها ؛ وأتفق تفسير خلفان مع السعداوي اتفاقا تاما فيما يبدو فنحن ليس بيدينا النص الأصلي للعرض حتى نحكم إذا كانت هناك إضافات تفسيرية أو القيام ببعض الحذوفات والإضافات لنص العرض لم تكن موجودة بالنص الأساسي ؛ مع التأكيد بأن هذا لو كان قد حدث ؛ فإن هذا الحدوث كان سيتخذ صفة التوافق بين المخرج والمؤلف ؛ وهنا لا يهم كثيرا أن نقول أن المخرج قد اتفق تماما مع المؤلف أو العكس. وإذا تحدثنا عن سينوجرافية محمود الصفار فسنجد أنه لم يحاول أن يجعل المتفرج يشير إلى أن هناك من قام بدور السينوجراف الجيد فلم يستعرض العضلات وإنما جاء فقط بكل ما هو ضروري وكاف إبراز الفكرة الأساسية المتفق عليها ؛ فكان أولا اختياره لهذا الحيز الضيق لمكان العرض ؛ ثم غلبة الرمادي على كل ما هو مرئي ؛ بالإضافة إلى الاكسسوارت الموجودة التي تحمل كل ما هو دال للخمسين عاما محل المطاردة من أدوات لعب للأطفال وصولا للعصا والمظلة

وعموما فإن فريق العمل لهذا العرض ككل قد نجح في تقديم عرض جعل الجمهور يجلس لآخر ثانية في العرض فلم ألمح واحدا قد انصرف عن متابعة العرض بعكس ما يحدث في غالبية مثل هذه العروض التي تتناول أفكار كتلك لأفكار المطروحة ؛ ولكن تبقي دائما هناك كلمة وإن شئت الدقة فلتكن أسئلة ؛ الم يكن من الأجدى ونحن نناقش سيطرة ما هو خارجي متثمل في الميديا على الشخصية الإنسانية أن يكون هناك منبع موسيقي خارجي لا أن يقوم الممثلون بإنتاج موسيقاهم الخاصة بالعرض من خلال الأدوات والاكسسوارت الموجودة؟ ثم على مستوى الكتابة ومن ثم التنفيذ ؛ فكرة كهذه التي تناقش في العرض هل فهلا تأت بكل ما هو مطلوب منها من خلال شخصية واحدة منقسمة كما رأينا ؛ أم أن الأمر كان يستلزم عدة شخصيات تعاني هذا الانقسام كل بحالته حتى يقدر ألمؤلف أن يستعرض كل الجوانب  لا أن يجعل بعضها   يأت عرضا كالموقف من الديموقراطية وطغيان الرأسمالية الغربية … الخ . عموما من خلاف هذه المشاهدة الأولى لست أدري لماذا أثق بأن هذا العرض ما هو إلا نواة لمشروع كتابة أكبر وربما يأت السعداوي بالعام القادم بنص يحمل أكثر من شخصية ويناقش قضيته من كافة جوانبها  ؛مع أني آمل بأنه لو حدث هذا فعليه أن يقاوم حتى يجعل بقية الفريق مشاركا معه في هذا الأمر.

موقع: المسرح نيوز

عن صفاء البيلي

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.