أخبار عاجلة

“الميتامسرح الصامت” من الحلم إلى العبث – عواد علي

 

“الميتامسرح الصامت” عنوان أطلقه المخرج المسرحي العراقي أنس عبدالصمد على عروضه المسرحية، التي بدأ بتقديمها مؤلفا ومخرجا مع فرقته “مسرح المستحيل”، منذ النصف الثاني من العقد الماضي، ومن أبرزها: “ماريونت ماكبث”، “صمت كالبكاء”، “عطيلو”، “حلم في بغداد”، “شارع وحياة”، صمت البحر”، “أبوغريب”، “أيضا وأيضا”، “توبيخ” و”نعم غودو”.

وقد استُقبلت هذه العروض بحفاوة من طرف النقاد والمسرحيين والشريحة المعنية بالتجارب المسرحية الجديدة من الجمهور داخل العراق، وأخذت تشارك في مهرجانات عربية وعالمية عديدة في تونس واليابان وتركيا والمغرب والجزائر وهولندا وسويسرا وكوريا وإيران، كما قدم العرض الأخير “نعم غودو” في خمس مدن فرنسية، وتُوّج عرض “حلم في بغداد” بالجائزة الذهبية في مهرجان تبريز الدولي.

 ليس هذا فحسب، بل جرت استضافة أنس عبدالصمد في أكثر من دولة ومهرجان لإدارة ورشات تدريبية في مجال الميتامسرح الصامت شارك فيها المئات من الممثلين، نذكر منها ورشة في طوكيو، وورشة في أزمير، وورشة في تونس وبنزرت، وورشة في  كوريا، إضافة إلى ورشات محلية في بغداد وأربيل وكركوك.

يقول عبدالصمد، جوابا عن سؤال طرحناه عليه حول تصوره النظري للميتامسرح الصامت، إنه “جرّب الفكرة، قبل أن يلتفت إلى دلالة المصطلح، للعمل بأسلوب جديد يقوم على التمرين المستمر، وكتابة النص الجسدي من خلاله، أي الحركة مع الاحتفاظ بالنص والفكرة المكتوبة مسبقا، ليكون التمرين عرضا في نظر المتلقي، ولا يكون عرضا في بعض الأحيان. والهدف في جميع الأحوال تخطي الشكل السائد للمسرح ومخاطبة عقل الإنسان وعاطفته”.

في عرضه “حلم في بغداد”، أراد أنس عبدالصمد أن يرسل لمتلقيه بصيصا من الأمل يتمثل في الحلم ببلد آمن أصابه الدمار، وسُفكت على أرضه الدماء

وإذا كانت هذه التجارب قد حضيت باهتمام العديد من نقاد المسرح، فإن مصطلح “الميتامسرح”، الذي ربطه عبدالصمد بالأداء الجسدي (الصامت)، لم يتناوله إلا اثنان أو ثلاثة منهم أحدهم المخرج الراحل سامي عبدالحميد.

 وفي حقيقة الأمر إن هذا المصطلح يعدّ من المصطلحات الإشكالية على المستوى الدلالي وعلى مستوى الترجمة، فهو يُستخدم مقابلا للمصطلح الأجنبي “Metatheatre”. وتُعزى الإشكالية إلى السابقة اللغوية “Meta”، التي تنطوي على لبس عند ترجمتها إلى اللغة العربية، ولذلك يمكن وضع مقابلات عديدة للمصطلح، كالمسرح الواصف، والمسرح الشارح، والمسرح الانعكاسي، إضافة إلى “ما وراء المسرح”، وغالبا ما يتحدد في لونين هما: المسرحية التي تتمرأى بشكل نرجسي في ذاتها، والمسرحية التي تؤكد اللعبة المسرحية بوصفها لعبة وتكسر الإيهام.

ومن المعروف أن النقد المسرحي الغربي لم يبلور المصطلح إلا خلال السنوات الأولى للعقد السادس من القرن العشرين، كما يقول الباحث حسن يوسفي، وقد اقترن بالتناص من خلال تجارب في الكتابة الدرامية حاولت استعادة بعض النصوص السابقة عليها في الزمان، وفي إطار منظورات جمالية محددة تستهدف تقويض تصورات كلاسيكية وتعويضها بأخرى حداثية.

في عرضه “حلم في بغداد”، أراد أنس عبدالصمد أن يرسل لمتلقيه بصيصا من الأمل يتمثل في الحلم ببلد آمن أصابه الدمار، وسُفكت على أرضه الدماء، ونثرت الأسلحة الفتاكة أشلاء أبنائه جراء الغزو والاقتتال والإرهاب، وذلك من خلال مجموعة شخصيات أداها: ياسر عبدالرزاق، إسراء البصام، حمد عمر أيوب، ريتا كاسبار، حيدر عبد ثامر، والمخرج نفسه، في منزل قديم ذي سقف متهالك تخترقه أمطار كثيفة.

تظهر الشخصية الرئيسة في فضاء هذا العرض بوصفها أول الهابطين على الأرض، إنها شخصية آدم، وإلى جانبه امرأة (حواء) تتقاسم معه، في مشاهد سريعة، رقصات يرافقها سقوط تفاح أحمر يملأ المكان إشارة إلى مسألة الغواية. ثم تأتي محاولة آدم الأولى استعراض القوة من أجل فرض سيطرته على الشخصيات الأخرى، وتكون حواء أول الراضخين، تليها شخصية شبيهة بآدم انسلخت عن هويته الأصلية، وتجردت من ذاكرته لتكون نسخة مكررة عنه.

سرعان ما تغدو بقية الشخصيات تابعة له، باستثناء شخصية مجهولة يُفترض أنها شخصية “مثقف” يعزل نفسه عن الآخرين، ويصل به اليأس من المجتمع إلى أنه يفقد إيمانه بالثقافة والقراءة، لذلك يبدأ بتمزيق كل صفحة في كتاب بعد قراءتها حتى يصل به الأمر إلى رمي جميع الكتب، والبحث عن وسيلة ثقافية أخرى تتمثل بتلفاز صغير يرافقه أينما حل لعله ينقذه من عزلة باتت تقتل الحلم في داخله. لكن الكابوس يتغلب على وعيه، ويدفعه إلى تحطيم ذلك التلفاز، وقطع آخر خيوط التواصل مع الآخر.

هنا يستغل آدم انهياره ليفرض سيطرته عليه، ويجد أن لا أمضى من السيف حلا لقتل الثقافة، على نحو رمزي، عن طريق توجيه طعنات إلى صفحات الكتب التي مزقها المثقف. ويستكمل شبيه آدم طعن وجوه أخرى للثقافة في سلوك يحمل أقسى علامات الإرهاب، إلى جانب فعل اغتصاب حواء الذي يُمارس بعنف رمزي أيضا بتعبيرات جسدية متقنة يدعمها توظيف مبهر لجهاز العرض السينمائي (الداتاشو) في تعميق طقسية العرض وجماليته.

العالم المتخيل في عرض “توبيخ”، أداء: حمد عمر أيوب، ضرغام قاسم، زكريا طقيق، يحيى بودوشة، أسماء مرزاوي ومريم قرعيز، لم يكن حسب قراءة الناقد مروان ياسين الدليمي، إلا تعرية للعالم الواقعي، في سياق فني قائم على التشظي -على غرار تشظي الوضع في العراق- كما انعكس في حوارات تفتقر إلى التجانس وغير مفهومة تنطلق من أقنعة حيوانية، إذ ليس ثمة حكاية واحدة يتمركز حولها المتن الدرامي، فكان المتلقون أمام عملية مستمرة من الهدم والبناء، داخل فضاء يفضي به، من ثم، إلى استجابات شعورية تبعث على الإحساس الدائم بالتوتر، خاصة أن ما يتحرك في هذا الفضاء من صور متلاحقة تربطها علاقات واهية من حيث الشكل مع العالم الواقعي، لكنها في الوقت ذاته صادمة وساخرة واستفزازية تشكّل إشارات رمزية إلى حقيقة العلاقة المشوهة التي تتعامل بها السلطة مع مواطنيها، ومحاولاتها المستمرة لاستنساخهم ليكونوا على صورتها التي جاءت على هيئة حمار.

العالم المتخيل في عرض “توبيخ” لم يكن حسب قراءة الناقد مروان ياسين الدليمي، إلا تعرية للعالم الواقعي، في سياق فني قائم على التشظي

وسط هذا الخراب المؤثث بالتزييف والتطرف والرعب والموت، يقف الإنسان المثقف عاجزا، ويائسا بعد أن تفقد الثقافة، برمزيتها المعبر عنها بالكتاب، قدرتها على المواجهة، لتسلم الراية لسلطة واقع موبوء بكائنات ممسوخة يجري استنساخها مثلما تُستنسخ الأوراق.

وبقدر ما يدخِل العرض متلقيه في بنية فنية قائمة على التخييل، مبتعدا عن البنى المألوفة التي يفرزها العالم الوضعي، فإنه يظهر بشاعة العالم الواقعي في صور غريبة مدهشة تتوالى في سرد حكاية الصراع الذي يخوضه الإنسان ضد سلطة قاهرة تتفنن في أساليب القمع، إلى درجة لا يسمع صوت الإنسان طوال زمن العرض، دلالة على بقائه مقتولا في داخله بعد أن تمددت شراسة السلطة في كل تفاصيل الحياة.

في آخر عروضه “نعم غودو” يستلهم عبدالصمد ثيمة الانتظار التي تقوم عليها مسرحية “في انتظار غودو” لصموئيل بيكيت، في فرضية جديدة، ليصور بأداء جسدي العنف الذي يهيمن منذ عقود على بلده، متخذا من مدينة عراقية دمّرتها الحرب وطير في قفص ومعطف معلّق قرب صورة لبيكيت.

وعلى مدى 45 دقيقة هي مدة العرض (الذي مثله المخرج مع محمد عمر وصادق الزيدي) لا يُفرض شيء على المتلقين، بل لكل واحد منهم غودو الخاص به الذي ينتظره، لكنه لا يأتي. وإذا كان عرض “حلم في بغداد” يبعث أملا في تجاوز الخراب، فإن هذا العرض ليس فيه بصيص أمل في حدوث شيء إيجابي بعد سيادة العنف، وتجذّر الخراب.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح