أخبار عاجلة

المونودراما العربية… المعيقات الكبرى –  عبد الاله عبد الدائم #المغرب

مدخل لا بد منه:
بعيدا عن البحث الأكاديمي سأحاول أن أقدم بعضا من ملامح لدراسة ميدانية من خلال ميابعتي للمونودراما العربية, ما جعلني أهتم بكتابة هذه السطور هو قلة الحديث عن هذه الظاهرة المسرحية وإلى أين تتجه, ولا بأس أن أدلي هنا ببعض من ملاحظات سواء من خلال التجربة الميدانية أو من خلال المتابعة لهذا الشكل المسرحي على الأقل منذ ثلاثين سنة.
ربما سيشعر البعض أننا نتحدث بنوع من القسوة في هذا الموضوع, وربما سيجد آخرون مبتغاهم وملاذهم فيما نشترك فيه من نفس النظرة أو الملاحضة أو النقد. سأحاول أن أكون وسطيا بعيدا عن أي تأثير لذوقي الخاص بكل تجرد أو إسقاط للذاتية على الموضوع لأتسائل معكم:

  • هل المونودراما التي نتابعها في العالم العربي هي بالفعل تحقق الفرجة؟
  • هل تحقق الإشباع؟
  • هل تحقق الإمتاع؟
  • هل تحقق التواصل مع الجمهور في أبعاد ومستويات مختلفة؟
  • هل هي مسرح يصنع الحياة أم يصنع الإحباط؟
  • هل تصنع المونودرانا تقدما نحو الأمام أم يصنع شدا إلى الخلف؟
  • هل تقدم تعاملا مع الأزمة أم فقط تحكي عنها؟
  • هل شخصيات المونودراما إيجابية أم محبطة منهزمة؟
  • هل المونودراما تقدم رسائلا في فن الحياة وفهمها أم تقدم فقط أخبارا عنها؟
  • ذلك ما يمكن أن نلامسه من خلال بعض الإحصاء للمعيقات الشائعة في هذا الشكل من المسرح…

ولأن المونودراما غالبا ما تنطلق من كل ما هو أسود ولا تبحث في كثير من مواضيعها إلا من خلال الكهوف المظلمة وهي لا شك مسرح المأساة وكل أنواع البكائيات والمرثيات والتراجيديا النائحة, لذلك لا بأس أن أعلن في البداية أني لست مع أو ضد كل تلك الظواهر السلبية التي سأتحدث عنها إنما هو جرد لما هو واقع فيها وإحصاء لهذه الاشكالات التي ما تزال تجر هذا الفن إلى القعر والتكرار والبدائية والتبعية والإرتماء والتجريب المتهافث…
ويمكن أن أسمح لنفسي وأقول أن عروض المونودراما في كثير من الأحيان أو في غالبيتها غير ممتعة, وهذا ليس حكما ولكنه أصبح ظاهرة شائعة يسقط عليها ما مايسقط على المسرح العربي في كثير من الأمور من عروض لا ترقى إلى التجاوب المطلوب ناهيك عن التأثير الذي يصل بالمتلقي إلى درجات من الانذماج والتواطئ… والمونودراما لم تصل بعد إلى تلك الدرجات من الامتاع والاشباع والتماهي بين الخشبة والصالة لكن, ورغم كل ما يمكن أن نتحدث عنه في هذا الصدد من معيقات شائعة, إلا أنه لا أحد يمكن أن ينكر فضل كل اولئك المسرحيين الذي أصروا أن يخوضوا غمار هذه التجربة ويجعلوا لها امتدادا لتصل إلى ما وصلت إليه على الأقل على مستوى التراكم. ويمكن أن أقول أيضا أن ما سجلته من إحصاء لمجموعة ملاحظات فيها وعليها لا أراها إلا تتكرر عبر السنوات والتجارب المختلفة وذلك, من خلال كثير من هذه المعيقات التي أصبحت شائعة في الممارسة المونودرامية عربيا والتي ربما تجعلها تندحر مستقبلا إذا هي استمرت على نفس النهج

مقدمة :

القطيعة مع الجمهور هي المعيق الأساس الذي ما تزال المونودراما العربية تحقق حيث لا تقدم تواصلا حقيقيا يمكن أن يجعله مسرحا رائدا يتوافد عليه كل أنواع الجمهور من نخب مختلفة و جمهور عريض… ولولا مهرجانات المونودراما التي تقام في كل ربوع الوطن العربي لظل هذا الشكل المسرحي مجهولا إلى الآن أو على الأقل لا يعرفه أو يهتم به إلا قلة من المشتغلين . وعادة لا يتم استهلاك هذا الشكل من المسرح للأسف إلا داخل هذه المهرجانات لذلك فهو ما يزال شاذا وغريبا… وهذا الواقع لا يختلف في كثير عما تعيشه من غربة هذه المونودراما حتى عند كثير من الأسماء الكبيرة المعروفة على مر سنوات مضت, حيث ظل معظهم يخلص لشكل أو نمط واحد(كليشي) يكرر نفسه أو يتبنى تجديد أذواته فقط عبر إضافات لبعض التقنيات أو على مستوى السينوغرافيا لكن برباط وثيق مع النمط القديم, وتوضيف هذه التقنيات قليلا ما تراه ناجعا فيها أو ملائما لها…
سأحاول هنا أن أسجل على الظاهرة بعض النقط التي أراها جذيرة بالذكر من ظواهر عامة وليس تحليلا لها أو دخولا في تفصيل التفاصيل, أشعر أن هذا الموضوع بتعدد أذواته يسقط على رأسي دفعة واحدة, ذلك لأنه متداخل ولا يمكن أن تحدد فيه من أين تبدأ تلك المعيقات,إلا أني سأحاول أن أقسمه إلى محاور وأبدأ من الأرضية الأولى لأي عرض مسرحي:

النص المونودرامي:

على ما يبدو أن ظاهرة التوالد العشوائي والاستنساخ القسري في كتابة النص المونودرامي ما تزال راخية بظلامها على كثير من الأقلام…
و الحقيقة أن كثيرا من الكتاب سكنوا إلى التعريف لكلاسيكي المتكرر على أن المونودراما خطبة مطولة كما تم تعريفها أو مشهدا مطولا , وهذه في حد ذاتها من معيقة من عوائق العرض ذلك لأن الخطبة تعتمد أساسا على فنون الإلقاء وقد تستعين ببعض الفنون الآدائية المحدودة, وعادة ما تكون نصا أدبيا خاليا من المشاعر لكونها تعبر عن مواقف في أكثر الحالات وهذا وحده يجعل العناصر الأخرى المكونة للفعل المسرحي كلها في حالة إعاقة وتوتر, وأيضا يعتبر السرد والحكي من ضمن خصوصية هذه الكتابة التي تقدم مسرحا عبارة عن مجرد إلقاء خواطر ومناداة أو إعلان مواقف ومناجاة وبوح ذاتي لا يكفي وحده داخل السياقت المرادفة للفعل الدرامي.
ولا بأس هنا أن نتعرف على أهم العناصرة التي تعتمدها هذه الكتابات المونودرامية والتي تسقط عليها المؤاخذة في كثير من تلك الأمور التي تعيق التواصل معها:

1 – الكتابة الشذرية التي تأتي منفصلة عن بعضها وغير منذمجة مع ما يقع ككل ,ولا تفضي إلى فهم ما يقع بل توتره وتخلع عليه كثير من اللبس والابهام, وتجدها أيضا عبارة عن تداعيات كثيرة مختلفة وغير منسجمة حيث يمكنها أن تنقلك من الشمال إلى الغرب ثم تعود بك إلى الجنوب دون أي طريق واضح المعالم لشكل الطريق وحجم تلك المسافات التي تقطعها بك, وكأنك في عالم كمومي بانزياحات كمومية.
2 – كما هو معروف أيضا أنها تعتمد المونولوج, وكثيرا ما يختلط عليك الأمر متى استعملت المونولوج بالفعل ومتى استعملت غيره نظرا للشكل الاسترسالي خاصة وأن الممثل واحد ومناجاته معظمها صدى لصوته الداخلي.

وإذا أردنا أن نقترب بعض الشيء عن الدوافع الموضوعية للكتابة من خلال كل المشاهد والمعروض والمكتوب لابد أنكم ستسجلون الملاحظات الآتية:

1 – يمكن للملاحظ المتمعن أوالمتمرس أن يسجل أن كتابة النص المونودرامي في كثير من الأحيان إنما هو عبارة عن ارتسامات ذاتية للكاتب على ما يقع, أو مجموعة انطباعاته على ما يحدث, أو تعليقا على ما يحدث, كأن النص مجرد خواطر إخبارية حول الموضوع المقصود أو عبارة عن دزينة مواقف هلامية مجردة أو مقصودة بنوع من إلصاق اللعنة أو التهمة بذلك الآخر الهلامي أيضا.

2 – يمكنك أن تلاحظ أيضا أن هذه النصوص تعتمد إعادة إنتاج الأزمات وتكرارها مع صياغة الواقع بالواقعية والتقريرية والمباشرة.

3 – البطل فيها مجرد شخصية هلامية تصارع طواحين دون كيشوط لترسمه وهو يتحدى تلك الطواحين بعنفوان ملتبس بين الهزيمة والإحباط, أو بطل لا يملك مما يحدث سوى اتخاذ مواقف مما يحدث, فتراه إما مؤدلجا بطريقة غير بريئة وغير مرنة, وإما تابعا في الشكل والنمط لما يتكرر في الكتابة التي لا تعطي تعريفا محددا للشخصية مع إغراق في التفاصيل الصغيرة التي لا تخلق أي ذبذبة أو تررد في الخط الدرامي , أما الذين يعلنون أنهم يشتغلون بشكل حداثي مختلف أو ما بعد حداثي تجدهم في أحسن الحالات يستوردون بعض النمادج التي حققت نجاحا أو تميزا معينا فيستعيرون منها من هنا وهناك لكن بتوضيف إما أنه لايواكب ما يحدث في العرض أو نشازا فيه أو مجرد بثر وقطع و إلصاق.

4 – لا ننسى كما ذكرت في البداية أن كتاب المونودراما يمتلكون غواية في الحديث عن السواد ونشره, لذلك تجد معظمهم يرسمون لوحاتهم بلون واحد هو الأسود, لا منطقة وسطى بينه وبين الأبيض وليس هناك تدرج في الألوان, وخير ذليل على ذلك هزيمة البطل في كل أطوار النص وانتحاره في النهاية, سواء كان هذا الانتحار ماديا أو معنويا.

5 – ومن بين ما يمكن أن تلاحظه أيضا هو ذلك التحامل الذاتي على الموضوع والكراهية المفعومة بالانتقام منه في جدلية منفصمة تتحكم فيها لغة الهزيمة والانهزام مشفوعة في ظاهرها بالدعوى إلى الانتصار أو الانتقام , تارة من الانتماء للوطن وتارة من الدين وتارة من السياسة وتارة من صراع الرجل والمرأة خاصة في كثير من المونودرامات النسائية وسوف نعرج على هذه النقطة في مرحلة لاحقة…

إذن فالبطل أو البطلة في المونودراما ليسوا سوى شخصيات منهزمة تتصارع تارة مع الذات وتارة مع ذلك الآخر الوهمي أو الافتراضي لأجل إسقاط اللوم عليه في إدانة صارخة كثيرا ما تشوبها أو تدفعها مجانية في العواطف والمواقف كشكل من تطهير ذات الكاتب أو الممثل, وهذا الأسلوب العاطفي المفتعل ربما يمكن أن ينجح في بعض الأحيان مع جمهور من المحبطين أو المتحاملين أو السوداوين أوالمروجين للكراهية, لذلك يتخذه رواد هذا النوع من الاشتغال معيارا ومقياسا لنجاح ونجاعة تجربتهم, فتجد كثيرا من النصوص تدعو إلى عاطفة التمرد من خلال هذيان هذه الذات المنحسرة التي لا تعي اساسا السبب الحقيقي خلف انحسارها ولا غاية لتمردها, فتجده تغيب طرح المشترك الواسع… أحداث مفتعلة لغائب حاضر عن طريق الخواطر والافكار التي تبحث في السطح… كذلك المواقف الرنانة والمعلنة … الإخبار بالواقع كما هو وليس اعادة صياغته تقنيا وفنيا وجماليا وترك فسحات للتأويل والقراءة وليس تلقينا وشحنا وتعبئة, خاصة عندما يكون المؤلف صاحب مواقف وليس صاحب مبادئ أو أفكار, وتابعا أو مقلدا وليس مبدعا, أو صاحب مصلحة وليس صاحب هدف, أوعندما يكون متأثرا بإديولوجيا معينة وليس واضعا لها أو مثقفا عارفا فيها , إنها نصوص تغتالها مجانية المواقف وعاطفة الحكي غير الخلاق, فيسقط التعبير عن الواقع برؤية فردية مغرقة في الذاتية بعيدة عن المرجعية الفنية الفكرية والثقافية, فترى النص عبارة عن (سوبيرماركت) من المواضيع يقذف بها يمنة وشمالا, فهناك كتاب يمكنهم أن يتحدثوا في نفس النص المونودرامي عن البطالة والاقتصاد والهجرة السرية والثورة و الدين والجنس والمعتقلات والموت والارهاب والتعذيب والمشانق والاستنطاق والحرب والخيانة وهلم جرا دون تركيز يذكر في طرح أومعالجة, وإن شئت ففي كثير من الأحيان لا تجد طرحا معينا بذاته, فإن وجد تراه بعيدا عن أن يقايض بمعالجة فنية بعيدة عن التلقين والتحريض واستنزاف المتلقي في بصيرته للأمور.

6 – حتى اختيار العناوين نصوص هذه المونودرامات يأتي معظمها مغرضا أو مغرقا في السواد أو يقوم بتفسير ما سيأتي في النص, حقا, إن كثيرا من العناوين تشعرك بالامتعاظ والتقزز أو تشعرك بأنها تريد أن تضغط عليك, أو تفضح لك ما ستقرأه أو ما ستشاهده, كما أن كثيرا منها يشعرك بالحزن حتى قبل أن تقرأ أو تشهاد العرض…
والمسرح، عموما أن يتأثر بالعصر والمرحلة التي هو فيها, كما أنه لا بد أن يتأثر بالبيئتة التي نشأ منها والتي يترعرع فيها, مادام منها يمتلك تلك الخصوصيات التي تميزه عن غير , فإذا كان هذا شرطا صحيا وصحيحا في جوانب كثيرة إلا أنه ينقل العلة أو يصبح عله في جوانب أخرى تغرقه في كثير من التنميط المتكرر واستنساخ القوالب وقد أشرح هذا في مكان آخر بمزيد من التفصيل, يمكن أن أقول في نهاية هذا المحور أن النص المونودرامي رغم اختلاف أشكاله إلا أن نصوصه ظلت في معظمها كظاهرة صوتية يمكن أن تلقى خلف ميكروفونات الإذاعة لافتقادها في كثير من الأحيان العناصر الأخرى المكملة أو الفاعلة في العرض المسرحي. مجرد نصوص أدبية تحتاج إلى مقومات النص المسرحي , لذلك وجب أن تتطور كتابة النص الموجه إلى الركح برؤية ركحية سائغة بعيدا عن شطط إظهار تفاصيل العرض.

7 – الدراما العنيفة أو التراجيديا الفاجعة والحزن المبالغ فيه هو الغالب على ما يصدر من الكتابات والنصوص المونودرامية إلا في حالات نادرة جدا تخرج عن هذا السياق بقليل أو كثير, ثم هناك سقوط بعض النصوص في خضم الوعظ والارشاد والنهي والوعيد ليصبح المسرح عبارة عن قسم دراسي تلقن فيه المعلومات والتربية تحث ذريعة أنه يجب أن يحمل رسالة قيم أو مثل.وتذكية لما أسلفت ما دمنا نتحدث عن الكتابة وإشكالات النص المونودرامي لا بأس أن أقتبس لكم أصدقائي بين مرة وأخرى بعض الاقتباسات من كتابات بعض الأسماء المسرحية العربية منها ما قاله الأستاذ والكاتب المسرحي عبد الكريم برشيد وهو يتحدث عن المونودراما من خلال لقاء تلفزيوني :
(عبد الكريم برشيد يقول) إنها تعبير عن الغربة, عن الوحدة , عن المنفى,
وعندما سألته(المذيعة قائلة): لماذا المونودراما دائما تحمل هذه النظرة الرثائية والسوداوية والصورة القاتمة بدون مساحة من البياض؟
أجابها قائلا: الرؤية الدرامية عند اليونان كانت رؤية مأساوية, نحن بحاجة إلى مسرح أكثر بهجة , أكثر فرحا, أكثر وعيا بالحياة ومتناقضات الوجود, والتأكيد على النظرة السوداوية معناها أننا لا نؤمن بالمستقبل , لا نؤمن بالحياة لا نؤمن بالتغير, لا شيء يدوم والحياة سيرورة ولا وجود للمطلقات فكل شيء نسبي, هذا الوعي هو الذي ينبغي أن نؤسس به مونودراما جديدة تحترم الاختلاف وتعطينا نظرة جميلة للوجود وللحياة. ( لقاء مع الكاتب المسرحي عبد الكريم برشيد بقناة سكاي نيوز عربية على اليوتوب بتاريخ 24 يناير 2014)

بالنسبة للنص الذي يعتمد إعلان المواقف أسوق هذا الاقتباس:

كانت هناك ايديولوجية يسارية عالمية, ايدولوجية جاهزة, سعد الله ونوس كان يؤمن بمسرح التسييس,بمعنى أن هناك جماهير يجب أن نسيسها… أما بريشت: فكان له منظور فكري ماركسي يريد أن يفرضه على الجمهور, أنا بالنسبة لي هذا لا يهمني , أنا لا أومن بأن المسرح مدرسة, لا أومن بأن المسرح هو مجال للتحريض (هذا ما قاله الفنان والكاتب برشيد في سنة 1985
ثم في سياق الهلوسات التي تشوب المونودراما أدرج لكم أصدقائي الاقتباس الآتي من مقالة الكاتب عواد علي بعنوان: “المونودراما بين الفعل المكتمل والمنقوص” – من موقع الهيئة العربية للمسرح :

(( برزت “المونودراما” في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وأسهمت مدرسة التحليل النفسي (سيغموند فرويد ومن تلاه)، في ترسيخها بالتركيز على الأمراض الشخصية والعصبية والنفسية للإنسان، حيث صار بعض كتّاب المسرح يأخذ مادته من الحياة ليضعها في نهاية الأمر، بأمراضها وانفصامها ووحدانيتها، على خشبة خالية تبحث عن مخلص، أو من يستمع إليها.
إن أبرز مواطن الضعف الفنية التي عانت منها عروض “المونودراما” في المسرح العربي، وما زالت تعاني، إضافة إلى خلل التجنيس أو التصنيف، هو طغيان المناجاة على حواراتها، والخلط بين الراوي أو الشاهد على التجربة، فأغلب المؤدين في هذه العروض يتوشّح بإهاب الراوي، رغم أنه “الفاعل” المجسّد للفعل الدرامي، حيث تظل هذه الصيغة الحكواتية مهيمنة على أدائه، في حين يفترض به أن يكون ذا حضور يقوم على التشخيص أو التقمّص، إلاّ إذا تعمّد أن ينحو منحى بريشتيا في أدائه )

ولعل هذا الاقتباس يسوقنا إلى التعرف على الممثل المطلوب في المونودراما, كيف يجب أن يكون, ومن يكون هذا الممثل في واقع المونودراما العربية

الممثل في المونودراما:

لا ريب أن الممثل في المونودراما يجب أن يكون مختلفا بامتلاكه لامتيازات إضافية عن غيره في الأدوار الأخرى داخل المجموعة, فهو مطالب أن يكون بكفاءات عالية في التشخيص, ومهارات استثنائية في فن الالقاء, و مرونة منوعة في الجسد, وقوة في التحول, ومعرفة كبيرة بمصادر الانفعالات ومآلاتها, ودربة على ترجمة العواطف, وقدرات فائقة على التحكم في الجمهور طيلة العرض, وعمق في التأثير والسيطرة على الفعل الدرامي, ودراية حسية عميقة في ضبط الاقاع العام للعرض, وذكاء في جس نبض الصالة, وهذا ما لانشاهده للأسف عند معظم الممثلين في هذا الشكل من المسرح إلا ما نذر.

ومن بين المعيقات الشائعة عند المشتغلين بالمونودراما أنهم لا يقدمون الممثل على أساس أنه (كاراكتر) أو شخصية يمكن تعريفها, إنما يقدمونه على شكل حالة مسرحية فقط, وهذه الحالة دائما متحولة إلى حالات شاذة تارة وتارة نشزة دون مبررات موضوعية في تحولاتها ولا تعريف خاص لصاحب الحالة التي يمكن أن تكون عليها الشخصية, وهذا من المعيقات التي تأتي من النص أولا ويكون الممثل فيها في كثير من الأحيان هو من يدفع الثمن, حقيقة هذا يجعل الأمر في غاية الصعوبة على الممثل, خاصة إذا لم يكن هذا الممثل بتلك الكفاءات التي ذكرنا في البداية, لأن مثل هذا يدخل الممثل في حالات من الهذيان والهستيريا والدخول والخروج في الانفعالات دون مبررات أو مقدمات, فتراه متنطعا من الجنون إلى الضحك إلى البكاء إلى الصراخ إلى الدروشة إلى القفز والرقص إلى السقوط والمرمغة على الركح, وقس على ذلك كل ما يقع من ذلك الإنفلات الانفعالي الغير محسوب مما يشكل على الممثل ما يفعله بالنص ويشكل على الجمهور أن يفهم بالضبط ما يقع وما المقصود منه.

فكثيرا ما يصبح الممثل في المونودراما عبارة عن مهرج مأساوي, ثم إنه يسقط السقطة الكبرى عندما يدخله المخرج في أشكال من الرقص الكوريغرافي أو التعبير الجسدي وهو لا يفقه في الرقص,أو لنقل كثيرا ما يكون شكل هذا الممثل أو جسده غير مدرب بما يكفي, أو غير مطيع للحركات التي يقوم بها ولا تلك الرقصات توضف توضيفا حسنا تسمو بالعملية إلى فوق, لأنها كثيرا ما تكون مفتعلة أو مجانية تم إقحامها أو حشوها على الرغم من مسار العرض واقاعه العام والمراد أيصاله من الفكرة الأساس, فعندما نقول شخصية مسرحية, يعني نتدحث هنا عن سمات خاصة تميزها وتطلعنا عليها حتى نفهم عنها ما تريد منا وما يجمعنا بها.

فمشكلة التشخيص من المعيقات التي ذكرنا يمكن أن نضيف عليها أيضا تلك الهفوات الكبيرة من التصنع للمشاعر… المبالغة غير المرغوب فيها في لعب الدور الأساس… التناقض بين لغة النص ولغة الجسد… وكثيرا ما يعذب الممثل نفسه بحركات ويجهد نفسة بالمجان دون أن يضيف هذا المجهود أي شيء يذكر في غياب المصداقية والتوضيف,عموما أو في كثير من الأحوال تكون المبالغة هي سيدة الموقف, فترى الممثل عبارة عن مجنون بحركات جنونية غير متوازنة , هستيريا من الانفعالات الصاخبة والصارخة, ارتعاشات لا معنى لها وارهاصات غير مكتملة المعالم, واندفاع لا يفيد في المعنى ولا يصعد بالشخصية ولا الفعل الدرامي ولا يحيل إلى قراءة أو تأويل معين, كثير من المجهود وبذل الطاقة يذهب سدا وحين تحاول أن تلصقه بما يقع أو ما كان يجب أن يقع تجده غريبا في محيط غريب عما يقع كثيرا ما يسكن هذا الممثل في عالمه وهذا مطلوب إلا أنه هنا يفتقد إلى القدرة على إدخال الجمهور معه إلى عالمه لتتم عملية التواطئ أو المشاركة في اللعبة المسرحية.

ومن الإضافات العجيبة عندما يدخل الممثل في أشكال من التناظر والتضاد الحركي عندما يحاول أن يجمع بين ما يقوله النص وما يقوم به كمرادف من حركات وتعابير ايحائية سواء عن طريق استعمال اكسيسوارات أو التفاعل من ديكور معين, إما أنه يسير في عكس ما يقال أو تراه فقط مجرد إصرار على تفسير حاصل أو لتضخيم ما يقال لإرغامه على أن يفيد شرحا إضافيا. لذلك فالممثل في المونودراما يحتاج بالفعل إلى ذكاء الصنعة وحرفة الذوق.

ولا بأس أيضا أن أدرج هذا الاقتباس ليتم التفريق بين الممثل “العادي” والممثل المفوه..

لتكتمل الصورة درب صوتك على أن يخرج مناسبا للمواقف و مناسبا للكلمات..

ان الممثل الجيد يمتلك قدرة ذهنية ومخزون معرفي كبير وطاقة جسدية هائلة لتجسيد مختلف الشخصيات المسرحية المأخوذة من الحياة اليومية , إذ تتفاعل وتتداخل مشاعر الممثل مع الشخصية المسرحية وفق رؤى المخرج أو نص المؤلف المسرحي للوصول إلى الشكل التعبيري والفكرة المطلوبة..

المبحث الاول : تقنيات وأدوات الممثل في المسرح .

المبحث الثاني : الاختلاف بين الشخصية والدور.

المبحث الثالث : المتغيرات التقنية لإداء الممثل

تطلب أداء الممثل لعدة شخصيات في العرض الواحد من أن يمزج بين أسلوبي (معايشة) الشخصية و(تقديم) الشخصية, أي تحمل جهد مضاعف واستثنائي عن أداء الممثل لشخصية واحدة في العرض. هناك تفاوت في قدرة الممثلين على التحول من شخصية إلى أخرى داخل العرض المسرحي الواحد, وهذا يعود إلى إمكانات وقدرات الممثل نفسه. ولعلني أتبيّن أولى الإشكاليات في ملامح ظاهرة المونودراما ذاتها، حيث استفحل الخلط بين الراوي أو الشاهد على التجربة أو السارد في المسرح الجماعي وبين المونودراما كفن مسرحي يقتضي جهدا فنيا أدائيا تقنيا خاصا به، فنلحظ أن أغلب المؤدين لفن المونودراما يتوشحون بروح الراوي وإن تجسدوا في بنات أحداثه. إذ الراوي يظل هو المسيطر، والأحداث لا تأتي إلا من قبيل العرض العارض أو في هيئة جملة اعتراضية أو هوامش استشهادية، وكان من المفترض أن تكون هي روح الفعل في الأداء ويكون الراوي هو المسيطر على فضاء العرض والتلقي ويكاد حضور الحدث يكون غائبا أو مغيبا أو متماهيا في شخص المؤدي لا في شخصيات العرض الذي تجسده.

يتأمل التجربة أو يعيد النظر في معطياتها أو في مفرداتها، وتكاد تكون هذه الخطابية الرسائلية المباشرة ملمحا من ملامح الظاهرة المونودرامية في مسرحنا العربي -إذا جاز الإقرار بها كظاهرة- ولذا نلحظ أن فن المونودراما في مسرحنا العربي لم يشكل له جمهور حقيقي يتابعه ويحاوره، لأنه – كما أسلفت – لم ينمِ تجاربه ولم يتحول إلى تظاهرة مسرحية لها ملامحها الفنية الخاصة بها ولها مرجعياتها العميقة والذاهبة بها نحو آفاق أكثر قدرة على التخلق والتأثير والامتداد.

وفي الوقت الذي تطور فيه فن الفوتوغرافيا لا يزال البعض مصرا على تجسيده في إطاره التقليدي التسجيلي السائد، ونلحظ أن هذه الحالة الفوتوغرافية تباعد بين المؤدي ومادته الأدائية، ونكون أمام عارض للمادة لا مؤد لها، أمام مادة تكتسب حيويتها في صورتها الجامدة لا من أداء مصورها وروحه وطاقته، فإذا كان الفن عاكسا للحياة فما أهميته إذن؟

وإذا كانت الفوتوغرافيا ملمحا من ملامح فن المونودراما لمسرحنا العربي -كما أسلفنا- فإنه أيضا فن استعادي، وهو ملمح آخر يطغى على أغلب عروض فن المونودراما في مسرحنا العربي يذهب لما حدث، لا لما يحدث أو يحاور ما حدث في راهنه، أسير ماض أو عزلة أو سجن أو وحدة، وهذا الملمح نلحظه في أغلب عروض المونودراما في مسرحنا العربي، فن لا يدع مجالا للذاكرة بأن تتنفس في راهنها أو تتمكن من قراءة مستقبلها، كما لو أن فن المونودراما تشكل بهذا الشكل والخارج على هذا الشكل خائن لفن المونودراما،
(من مجلة الجدايد مقال بعنوان المونودراما في المسرح العربي الأحد 2018/04/01
ل يوسف الحمدان ناقد وكاتب ومخرج مسرحي من البحرين )

معيقات العرض المتميز:

تبدأ معيقات العرض من بدايته, ولعل الممتبع سيلاحظ في استهلال كثير من العروض أو الانطلاقة رقم صفرالتي يتوخى منها أن تكون مركز وقوية كنقطة شد أولى للجمهور كثيرا ما تكون خارج المبتغى أو تولد ميتة, أو تبشر بالنذير, وقد جرت العادة في كثير من العروض كما أصبح نمطا مستهلكا أن يبتدئ العرض بمقدمات موسيقية مع حركات مسرحية أو رقص تعبيري وما شابه ذلك وهذا ليس معيقا ولا خطأ في حد ذاته ولكن, المعيق الأكبر أن مثل هذه المقدمات كثيرا ما تكون مجانية مستنزفة من صناعة مدخل صحيح إلى العرض, ولا تكون لها صلة وثيقة به أو بإمكانها أن تحيل المتلقي إلى معنى معين, بحيث تكون في غالب الأحيان مطلوبة لذاتها خارق السياق, إذ بمجرد أن تنتهي حتى تشعر بالهوة والقطيعة بين ما حدث وما سيحدث, فلا تجد أية علاقة لتلك المقدمات مع التاليات وكأنما هي جسم غريب عن العرض وكان مصدرها فقط جاء كنوع من الترف المسرحي والاضافات المفتعلة.

وكذلك كثير من البدايات يغلب عليها إفراط الممثل في حركات عبارة عن تمارين مسرحية أو تبدأ بضراخ وعويل أسود ينطبق بظلامه دون مقدمات, حيث غالبا ما ترى الممثل يسقط على الأرض أو يبدأ عرضه وهو طريح عليها في دروة درامية قبل أوانها ولا مقدمات لوقوعها, فتتحقق منذ البداية القطيعة بين العرض والجمهور…
وحتى لا أطيل في هذا الصدد مما يمكن أن يتكرر أورد بعض المعيقات في مجموعة نقط مختصرة:

1- غياب عناصر التشويق والمفاجأة…

2- استعمال مجاني للأصوات الخارجية وتوضيف الموسيقى توضيفا لا يخدم العرض, كذلك فشل في الاختيارات الموسيقية المناسبة…

3- الإضافات المجانية إخراجيا التي يقوم بها الممثل…

4- توضيف رقصات لا تخدم العرض و لا تقدم قيمة مضافة…

5 – توضيف منعدم أو غير دقيق لوقفات التنفس ومحطات الاستراحة…

6 – الديكور الثقيل يجعل الممثل جزءا وليس كلا أو مهيمنا…

7 – عاطفة في استعمال الأيقونات والرموز وليس تدبيرا محكما لوضيفتها…

8 – عدم الاشتغال على مزاج المتلقي لإدخاله وإذماجه في اللعبة المسرحية…

9 – عدم المعرفة الحسية التي تحدث القطيعة بين الصالة والخشبة…

10 – الإبهام والتلبيس في الطرح والمعالجة…

11 – طرق المشي الكلاسيكية أو النمطية المتكررة فوق الخشبة بعيدا عن قوة أو ضعف الشخصية…

12 – استنساخ التجارب البصرية والمشهدية والكليشيهات…

13 – عموما ما تزال المونودراما لا تحقق المشترك… وهي كشكل تعبيري تصر على أن تكون مسرحا لا يخلق السعادة ولا يدافع عنها, فما يقدم من المونودراما العربية إنما يقدم فقط لتلك الصورة الذهنية للمشتغلين فيها، وليس إحاطة أو دراسة للموضوع المشتغل عليه. وحتى هذه الصورة الذهنية للمشتغل كثيرا ما كانت معوقة أو مشوهة لا تحمل عمقا في المضامين ولا رؤية أو تصور جمالي أنيق…

وعندما تشاهد ما يقدم من عروض مونودرامية كثيرا ما تشعر أنك جالس على كرسي يطل على غرفة في مستشفى الأمراض النفسية والعصبية, أوقات عصيبة من الانفلات العاطفي والانفعالي حقا, أن ما يقع في كثير من هذه المونودراما هو ما يمكنه أن نسميه اللا معقول, العبث والهلوسة,الجنون والتناقض,
والجمهور كثيرا ما يصفق على مواقف معينة داخل هذا الخضم مثل تلك(الصرخات المتكررة داخل كثير من العروض التي عرف أنه عند حدوثها يتفاعل الجمهور) لكنه تعاطف مثل الصدقة على المساكين الذين يتوسلون انتزاع اعتراف حتى ولو كان مزورا…

14 – المجانية في استعمال الملحقات وبدائية في التعامل معها وتوظيفها و استغلالها, فهي تقوم فقط بتحصيل حاصل في المعنى أو تفسيرا له مما يوقع في شطط المرغوب من الفعل, منها أيضا تلك الحركات المجانية من جري الممثل هنا وهناك في كل الاتجاهات والسقوط والنهوض والمرمغة على الأرض دون أن يستدعيها الموقف أو لها دافع مما يحدث.

15 – عملية التنفس غير المرتب والمتحكم فيه, الضحكات المجانية للممثل أثناء الحديث وتلك الابتسامات بين الكلمات والأهات والقهقهات الصغيرة مما لا يفيد ولا يعني سوى أنها ضحكات وابتسامات تدل فقط على جهل الممثل أو ابتعاده عن الشخصية, أو أنه في حرج مما هو فيه ويحاول أن يخفف بها عن حرجه.
فالشخصية المونودرامية على الركح ليست فقط مجرد إلقاء متميز حتى إن كان مقدورعليه في قليل من الحالات عند بعض الممثلين, فمادة الالقاء الجيدة حتى إن توفرت فإنها مجرد أذاة للوعاء الداخلي الذي يجب أن يخرج شفافا صادقا متفاعلا مع ما يصدر عنه وما يحدث فيه وما يمكن أن يحدث, إنه مجرد مرادف لأذوات أخرى يجب أن تجتمع كاملة في المشخص وتصدر عنه مجتمعة في قالب متكمن ومنسجم…

لا بأس لمزيد من إلقاء الضوء أن أقدم اقتباسا آخرا:
الحوار الداخلي… وضيفة الحوار أن يدفع بالقصة أو الفعل الدرامي إلى الأمام أو نحو الدروة.
استغفال الجمهور بالحشو المثخن والركاكة التي تعود بالعرض نحو الخلف وتخرب إقاعه وتفسد التأثير على المتلقي.
ليس هناك اقتصاد مقصود في الكلام يؤدي إلى معنى معين بل ثرثرة تؤدي إلى اللامعنى.

الحوار يجب أن يكشف عن الشخصية واحتياجاتها ورغباتها وخفياتها التعليمية والاجتماعية وشكل علاقتها وتوازنها , فالحوار يتناول الأفكار بشكل مباشر وايصال المعلومة التفصيلية اللازمة وكل ما يقال أو يقع يجب أن يحدث داخل سياق درامي حتى نفرق بين لغة الكاتب الخاصة ولغة الشخصية داخل سياقها الدرامي, إن ما يميز الشخصية هو ذلك الصوت المختلف عن الكاتب, يجب أن يكون الحوار مفاجئا ,مؤثرا وثاقبا وأصليا وليس مصطنعا, يجب أن تضع مخططا تحقيقيا للشخصية بمعنى توجه لها أسئلة منوعة ويجب أن تجيب عليها, دع الشخصية تصف نفسها , تفصح عن أبعادها ورغباتها , دعها تجيب وتتحدث عن نفسها بتفصيل, حاصرها بأسئلة أو ظروف غير طبيعية وانظر إليها كيف ستتصرف وكيف ستواجه ما يقع , الشخصية التي يجب أن تخلص نفسها من مصاعبها التي وضعت فيها, حينها ستعرف كيف ستجمع بين سلوكها وما تتحدث به لتخرج بنتيجة مقنعة وجيدة ( عن الأستاذ Nasir Taha )

فيوض القدرات عند المبدع… الممثل يخلق وليس يصنع… الفن لا تغني فيه الموهبة عن التعليم ولا التعليم عن الموهبة… الفنان عندما يتحول إلى موظف يموت عنده هاجس القلق, حياة الفنان أن يكون قلقا دائما مثل الأمواج إذا انقطع عن حركة الارتفاع والانخفاض يصير ماء مسطحا, يعني أن الفنان موج إذا استراح مات, فالفنان إذا فاته التوثب والقلق يصير إنسانا عاديا.
لا يمكن أن نفرض على الجمهور شيئا لا يفهمه ويستعصي علي استيعابه إنما, هل المسرح يجب أن يقدم ما يريده الجمهور أو ما يجب أن يعرفه الجمهور وهذه معادلة صعبة ما تزال مستمرة دون حل وسط .
(الأستاذ زكي طليمات في لقاء تلفزيوني في قناة الريان ببرنامج لقاء مع فنان سنة 1978 )

المونودراما النسائية

عندما تحضر الذات وتغيب الروح:
هل مونودراما المرأة دفاعا عن وجود أم تثبيتا لكيان؟

لعل كثيرا من المونودرامات النسائية تضع نفسها في مأزق الوصاية على المرأة دون أن تدري أو تشعر بذلك, وتتبنى تحديد معالم الطريق لها.
إن ما يمكن أن يصادفك من ملاحظات حول تجربة المرأة في هذا الصدد هو كل ما ذكرنا من قبل مع بعض الإضافات التي يمكن أن نذكر بعضا منها مع الاختزال في التفاصيل ونوردها على شكل نقط:

1 – بداية دعوني أطلعكم على ظاهرة عجيبة جدا في شكل ممثلات المونودراما, فهن في غالبيتهن إما بدينات أو ثخينات أو مكتنزات, وإلى حد الآن لا أعرف كيف ولدت أو طغت هذه الظاهرة؟ أرجوكم استطلعوا هذه الملاحظة.

2 – أغلب المونودرامات النسائية يكون موضوعها صراعا مع الرجل والتحرر منه, وفي عمق الصراع تجد الهاجس الجنسي أو المقاربة الجنسية هي الطاغية على أي موضوع آخر, لذلك فهذه المونودرامات ما تزال تتعامل مع المرأة كجسد, كوجود مادي وليس ككيان مبدع وضروري للحياة وفاعل خلاق يخلق الوجود ويبدع فيه, وغالبا ما يكون طرح هذه المونودرامات سطحيا لمشاكل ذاتية يمكن أن تقع بين أي شخصين عاديين في العالم وفي كل عصر وحين, وكثيرا ما تصورها دائما على أنها الضحية التي يجب أن يدافع عنها بطرح يعرض المرأة للإهانة, خاصة عندما تتبنى التمرد كوسيلة لتحاول أن تتحرر من قيود وغرائز الرجل لتسقط في براثين رجال كثر تحت ذريعة حرية الجسد, وهذا النوع من الطرح المادي السطحي الذي تعداه العصر بما تحقق بالفعل من حريات في هذا الصدد ولم يعد هذا هو المشكلة الكبرى وليس هو مشكلة كل النساء, إنها تدافع عن مشاكل غريزية يشترك فيها الإثنان معا, فبدل أن تدافع عن كيانها الفاعل والمؤثر و الروح العليا التي يجب أن تصل إليها وليس تحريضا على أن تصبح سلعة وتصورها على أنها جسد فقط قائم على الاستهلاك, وهذه ليست عدالة في الطرح والمعالجة, مع العلم أن المرأة البطلة التي يجب أن يكون لها دورا وحضورا فاعلا ومؤثرا نراها ظلت غائبة أو مغيبة…

وللأسف فالمرأة هنا هي التي تغيب دور المرأة أو تقزمه وتصورها على أنها مجرد أداة للاستعمال يجب أن تنتصر لها, فتشعر كأن هذه العروض شكل من البرلمان النسائي, وبهذا الشكل فهي تدينها دون أن تدري وتربيها على الهزيمة, فما يميز المرأة عن الرجل ليس هو أشكال التمرد على الجسد, وليس حرية الجنس, بل تلك الانجازات التي يحصلها كل واحد منهما, إنها في معظمها نوع من الدعوة والتحريض على الاغتيال النفسي والمعنوي بخطابات تتضمن كثيرا من عنفوان التمرد الطائش والسلوك غير المحسوب أوالمدروس لما تدعو إليه كبديل, أو ما يجب أن تناله أو تصل إليه كحق مستحق دون مزايدات عليه ولا استقطاب عاطفي, وأختم هنا بسؤال وأقول:

أليست هناك مواضيع أخرى أهم بكثير يجب طرحها, هل تطلب المرأة الحرية لذاتها أم لصناعة كائن مشارك وفاعل يمتلك كل أذوات الثقة بالنفس؟ هل دعواها للتحرر من الرجل من أجل تهذيب سلوكها الوجودي القوي وتثبيت إرادتها, أم لأجل أي منهما يجب أن يحكم الآخر؟ هل هذا يعني أن المرأة دخلت إلى قعر معتقل نفسها وهي تطلب السراح فقط من معتقل الرجل؟ هل هي تفر منه لتعود إليه لتطلب عبوديته من جديد لكن بذريعة أخرى بشكل آخر تحت غطاء التحرر والمقاربة الجنسية؟

لذلك كثيرا ما تكون هذه العروض عبارة عن مرافعات من المرأة ضد الرجل ( الزوج, الأب, الأخ , رب العمل, أو أي كائن آخر ذكر)…ألم يحن الوقت بعد أن ترفع المرأة سقف الصراع من الذاتي إلى الموضوعي, ومن الفئوية والنخبوية والتحيز للجنس إلى صناعة الثقافة والمجتمع مادامت المرأة هي التي تلد الرجل وتربي الرجل … فهل أقصى ما تطالب به المرأة هو شنق الرجل, إعدام الرجل من أجل الحصول على حرية متهافثة متماهية وغير واضحة المعالم ولا تملك في جعبتها غير تلك المواضيع المتكررة والمتناسلة تناسل الفطر… مونودراما تصدر العجز وتمتدحه للمستهلكين, غائبة تماما عن أن تخاطب تلك المرأة الراقية باجتهادها وثقافتها ونضالها وما ححقته وما وصلت إليه من نجاحات واقعا, فلا تصر أن تظهرها على أنها المرأة المحبوسة والمسجونة والممنوعة من الحق لتسمح لنفسها باستجداء أجواء من الاحتجاجات وموالد من النحيب والنذيب والبكاء, وتختيار في صراعاتها دائما ذلك الرجل النذل أو السكير كنموذج للمواجهة معه والبحث عن مبررات لكل ما يرد منردة الفعل؟ إنها قسوة زائدة تجردها من الموضوعية في كثير من الأحيان.

3 – استعمال أكسيسوارات متكررة:
معظم “المونودراما النسائية” التي أتابعها استعملت في عروضها الأذوات الآتية:
1 – القماش الأبيض (وكثيرا ما يكون شفافا)

2 – كسوة العروس.

3 – مرآة,

4 – علبة مساحق تجميل,

5 – صور,

6 – رزمة ملابس مختلفة,

7 – شبح أو صورة أو مجسم لرجل,

8 – شموع

المتابعة النقدية:
في هذا الباب أرود هذا الاقتباس : “يغلب على عملية النقد للاعمال المسرحية التي تُقدم على المسارح المحلية في البلدان العربية أم في المهرجانات الطابع الترويجي الممزوج بالرغبة في بناء شبكة علاقات خاصة، يستفيد منها أصحاب العلاقة لناحية تأمين مشاركاتهم في فعاليات مسرحية أو ربما حصولهم على امتيازات وعلى مصالح مادية ومعنوية معينة.. هذا الواقع المَرَضي  وبدون أدنى شك يؤثر سلباً على محاولات التطوير والتحديث التي يصبو إليها كل المسرحيين والمبدعين “الحقيقيين” في العالم العربي، انطلاقاً من إيمانهم بأن النقد الجاد والموضوعي هو جزء لا يتجزأ من المشهد الابداعي المسرحي، وهو المرآة الصادقة التي يرى فيها المبدع نفسه كما هي، من دون رياء أو تضليل كما يمثل النقد الحقيقي الموضوعي أداء قياس لمستوى الابداع المسرحي في زمان ومكان معينين.

إن حاجتنا إلى هذا النوع من النقد تفترض تحلّينا جميعاً بالجرأة في تقبّل الرأي الآخر بموضوعية، وعدم الخلط بين عملية تقييم الأعمال المسرحية كابداعات فردية إنسانية قابلة للخطأ وسوء التقدير وعدم التوفيق ورداءة النوعية من جهة، وبين انتماءات أصحابها القومية والعرقية والوطنية والدينية من جهة أخرى، وإذا ما طال النقد أحد المسرحيين المعروفين أو المشاهير على عمل فاشل لم يوفق في تقديمه للجمهور، وهذا يحصل، فهذا لا يجب أن يستدعي ردود أفعال تدافع عن الشخص وسيرته التاريخية التي لا تُمس ولا تخضع للنقد.. فكلما ارتقت هذه العملية من خلال تقبل أطرافها لها ولنتائجها ومن طريق إبعادها عن التفسيرات الذاتية المضلّلة، كان ذلك مؤشراً على تقدُّم وحضارة، وكلما غَرقت أو أُغرقت هذه العملية في مستنقعات النرجسية وعقد الصفقات والتطبيل والتزمير أو التحقير والتشهير من غير مبرر، كان ذلك مؤشراً على التخلف والرجعية.

لا يوجد عندنا نقد ولا نقاد عرباً”، كثيراً ما نسمع هذه الجملة أو نقرأها. ولا أدري من أين ينطلق من يرددها، وشخصياً أرى أنه حكم مجحف. ولكني أتذكرها، حين أرى ناقداً يغادر منطقة الحياد والموضوعية، ويكشف عن جانبه المتسلق والطبال، أو جانبه الذي يستخدم سلاح النقد لتصفية حسابات شخصية.. كثير منهم نجدهم يتحدثون على منصات النقد ومدعو بصفة ناقد او باحث لكنه عمره لم يكتب شيئا او عمرنا لم نقرأ له شيئا

( من مقال نشر في مجلة الفرجة في 14 ديسمبر 2019 بعنوان: النقد المسرحي وأسئلة الغياب والتغييب/ د. هشام زين الدين)

لا بأس قبل النهاية أن أحيل القارئ الكريم إلى بعض العروض المونودرامية التي استطاعت أن تخرج من هذه القوقعة لتقدم عرضا يتوفر على كثير من شروط العمل المتميز والذي نرغب أن تتطور إليه المونودراما العربية حتى لا تسهام في فشل الظاهرة ونكوصها إلى الخلف, وهنا أسوق لكم مثلا:

1 – العمل المسرحي كناس (مونودراما) من سوريا حلب عن نص لوليد اخلاصي , تمثيل وإخراج: د محمد الشيخ و غسان دهبي.

2 – مسرحية سابيانس للمخرج التونسي وليد العيادي رغم اشتغالها بين شكل الوان مان شو والمونودراما المسرحية (مارس 2016).

3 – مونودراما مسرحية ( طه )لأمير هليهل وأمير نزار 2017.

عبد الاله عبد الدائم : مؤلف ومخرج مسرح وسينما – المغرب
مراكش في : 06 فبراير 2020.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح