الممثل والسينوغرافيا – سعاد خليل

 

سعاد خليل

حيث ان السينوغرافيا هي فن تصميم المنظر المسرحي بشكل مبتكر، والمنظر المسرحي ليس مجرد لوحه ثابته ساكنة من قطع او قماش وانما هي لوحة ممتلئة حيوية ، مسكونة ببشر ، ومتطورة بحركتهم، ومتغيرة بصراعاتهم واحاسيسهم، بما يعني ان الفضاء المسرحي وسينوغرافيته بمنظرها ووجودها يعتبر شيء مهما ديناميكيا  وليس استاتيكيا .

ان السينوغرافيا تمنح الاجواء الخاصة بالفعل المسرحي سواء كان حدث او مواقف او شخصيات ، فهي تعطي المنظر الجمالي في بنية العرض وكذلك هي مشاركة في التعبير عن رسالته الفكرية .

يقول : بول شاوول : عن دور الممثل ومن اجل التوصل الي مقاربة ما للدور الذي رسمته الحركة في السينوغرافيا والوظيفة التي يمارسها المخرج في تفجير الجانب التشكيلي لحركة الممثل وجسده في اشباع العرض المسرحي بالتشكيل من ان نحاول تحديد المسرح كمكان نري منه بحسب ترجمة theatron كلمة : اليونانية أي كمكان بصري ،وكذلك تحديد هوية  المسرح بحسب الرؤية المعاصرة والجدية التي توصل اليها بالممارسة ، وبالإنجاز وبالتصور النظري او المتخيل .

علي هذا الاساس لا يكون كلامنا علي الدور التشكيلي للممثل داخل الحركة السينوغرافية وهو جانب واحد ( جمالي ) فحسب وانما علي الدور التشكيلي الكلي والدرامي أي الدلالي الذي لا يقوم مسرح من دونه.

علي هذا الاساس سنحاول الاقتراب من هذه المسالة من خلال :

تحديد المسرح ( او المسرحة)

السينوغرافيا كقيمة جمالية ( عناصرها )

السينوغرافيا كقيمة درامية ودلالية (عناصرها )

الحركة ، مفهومها ، وتعابيرها .

الممثل كمعمارية متحركة داخل العرض .

علاقة الديكور ( السينوغرافيا ) بالنص والممثل وبالإشارة وبالفعل المسرحي وبالجمهور ، أي علاقة مختلف العناصر المكونة للمسرح ، خضعت في مجملها لأشكال التطور ومضامينه المختلفة ،وأساليبه وتجلياته .

فالمسرح خصوصا في القرن العشرين لم يتوقف عن مراجعة ذاته ، ولم يعدم وسيلة للاستفادة من توترات تحاربه من جهة ومن تقدم التقنيات والتكنولوجيا من جهة اخري .

فمفهوم النص ، الممثل تحول ومفهوم السينوغرافيا مقبول ومازال . وكذلك المعمارية ا لمسرحية في صورة تخطيها ذاتها باستمرار. وكذلك علاقة  الجمهور بكل ذلك عرفت انقلابات وثورات وتفجرات.

وهذا يعني ان المسرح وهو ابو الفنون والذي يحمل تاريخا طويلا متقادما من التجارب الحية لم يتحول ارثه الطويل الي عبء يشده و يجذبه الي اماكن الجمود والسكون ، بل علي العكس فالمسرح كبناء يكون من الفنون القليلة التي تحمل ارثا في صلب تطورها ، وما فيها في حركية تجاوزها وهو من  الفنون القليلة التي تستطيع ان تستفيد من كل شيء من متاع السابق الي اقسي انجازات  الحاضر ، ومن المادة الاكثر معاصرة ، انه الفن الذي لا يشيخ ، ولا تنقذ قواه ، ولا اعماره . ولهذا ربما يقال ( فيلم قديم ) ولا يقال ( مسرح قديم ) كأنه  وهو الفن الهش العابر يعيش حاضرا مختزلا باستمرار ، فمادته غير محددة .. وامكنته غير محدودة ودلالاته غير  محدودة ، ومسافاته وعناصره التجريبية غير محددة وانفتاحه غير محدود . فهذا بامتياز فن زمني وهو كذلك بامتياز فن غير زمني وعليه يمكن له ان يرجع من شاء الي الماضي كمادة مؤولة بكل اصنافها وتشابكها ، ويمكن ان ينغرز في الحاضر بكل تعقيداته، كمادة مسؤولة ايضا . فهو في الوقت ذاته يمكن له ان يستفيد من المادة النصية والملابس والاكسسوارات القديمة ، ويمكن في الوقت ذاته ايضا ان يغرف من اكثر تجليات الحضارة التكنولوجية كالإضاءة بالليزر والشاشة التليفزيونية والتقطيع السينمائي والكمبيوتر والسلايدات.

انه يصنع باستمرار جمالياته الدرامية ،الدلالية يصنع ذاته باستمرار ، ذلك لأنه علي تحول دائم ن انه فن التحول ، لكنه التحول الذي يقوم علي عنصر قديم لا يتحول هو الممثل ، او الجسد الانساني . فهذه الالة السحرية التي مهما تضاعفت فيها التقنيات المستخدمة او المتقادمة عنصر الحياة الأساسي فيها هو الممثل .

وعندما نستخدم كلمة او عبارة الة لنشير الي المسرح    فلنتوافق مع التحديد الذي اقترحه ج. درار في كتابه ( العالم المسرحي . عن بو. باريس ) يقول : ان المسرح هو نوع من الالة السببرناتيقية قبل رفع الستار وتختبئ خلفه ، لكن ما ان يرفع الستار حتي تكشف انها بدأت تبث عددا من  الرسائل في اتجاهات مختلفة فانت في أي نقطة من العرض تتقبل وفي ان  معا ، خمس او ست معلومات اتية من الديكور ، الملابس ، الإضاءة ، امكنة الممثلين ، حركاتها ، اشارتهم ، تعابيرهم، كلماتهم ، صمتهم (الصمت  جزء من الكلام ) لكن بعض هذه المعلومات (يصمد ) كالديكور الثابت مثلا فيما العناصر الأخرى تجور او تتحرك (الكلمات الحركات ) فنحن اذن ازاء تعددية معلوماتية ومن هذه هي المسرحة كثافة دلالات .

اذن هناك صراع بين النص والاداء ، بين الكلمة والعلامات الأخرى تتقوي او تتضاعف اهميتها بحسب الاهمية  التي يوليها اياها اهل المسرح : الكاتب ، الممثل ، المخرج ، السينوغرافي ، هذا الصراع المتعدد ينظمه ويسوغه المخرج . وهي المسافة التي قطعها المسرح في مسيرته الالفية من دكتاتورية الكاتب الي دكتاتورية ا لمخرج فالكاتب قبلها كان يبث خطابه المسرحي الاحادي عبي الممثل . الكل ، واليوم ومنذ قرن صار المخرج هو سيد العرض ومبلور رؤاه ودلالته وعناصره ، لكن ايضا عبر الممثل المبدع ، أي حامل الدلالات او بحسب التحديد الذي اوردناه : روح هذه الالة .. وروح اللعبة الدرامية ، نراه عند ارتو مثلا الطاقة الفيزيائية الحية الاولي في العرض علي حساب النص والعناصر الأخرى ، ونظن ان التحولات الكبرى في الاتجاهات المسرحية الحديثة قامت علي هذا العنصر من ابيا وكريج الي ماير هولد الي بريشت وارتو ورانكوني وغروتوفسكي ومسرح الشمس والمسرح المفتوح. الي مختلف  التجارب الاوروبية والأمريكية فالعربية . ولو اختلفت المقاربات والادوار والوظائف واشكال التعبير بين هده التجارب الغنية والمتنوعة من حيث لعبته وممارساتها ومفاهيمها .بمعني اخر انتقل المسرح من الاداء الكلامي ، النصي (الفيزيائي المباشر او الصوتي المباشر ) الي الاداء المفتوح علي مختلف المواد المكونة او المنافسة وانتحت سلطة واحدة هي سلطة المخرج. أي انتقل من المسرح ومن سلطة (السينوغرافيا ) الصوتية الواحدة (النصية) الي سلطة السينوغرافيا المتعددة البصرية والحركية : سينوغرافيا الصوت ، سينوغرافيا الاضاءة ، سينوغرافيا المكياج ، الي سينوغرافيا المكان . او فلنسميها بعبارة واحدى سينوغرافيا الحواس الخمس ) وهي التي تتوجه الي البصر الي السمع الي التذوق (تقاسم الخبز ) او الي الشم (اعداد البخور والمباخر ) والروائح كما في فرقة ليفيند ثياتر والي اللمس (ضربات السوط علي المتفرجين المتطوعين في  مسرحية الارابال )علي ان هذه العلامات السينوغرافية  التي تتوجه الي المتفرج نادرا ما تكون معزولة فالكلمة لا ترسل وحدها ، ترافقها عادة تعابير وجهية والممثل لا يلعب بدون ديكور  مهما كان الديكور فقير او مختزلا او عاريا . جان جانسن يظن ان من المستحيل غيابا شاملا للديكور ، حتي وان اقتصر علي جدار معتم او علي خشبة واحدة .

ومن خلال عدد غير محدد من التراكيب الممكنة تتبادل هذه العلامات  فيما بينها كل الاشكال تعزز بعضها تتكرر ، تتحدد ، تتجافي ، تتناقض ، لتؤلف شبكة من الرسائل ومزيجا من اللغات فالسينوغرافيا هي جزء اساسي من عملية المسرحة ، من هنا الكلام علي ان كل سينوغرافيا ممسرحة هي سينوغرافية متحركة وكل سينوغرافيا هي سينوغرافية حركية تبث رسائل متعددة لكن لتتحول في النهاية في الخطاب الاخراجي .

وعندما نقول ان كل سينوغرافيا ممسرحة سواء من ناحيتها الجمالية او الوظيفية فلكي نميزها عن السينوغرافيا التي تغلب عليها الطوابع الزخرفية والجمالية ، فتنفصل عن بؤرتها الدرامية وتتراجع في محاورتها المرئية ( او العلامات ) الأخرى فهي اذن سينوغرافيا خاوية او شكلانية لا تشارك في بث الرسائل او المعاني او الايحاءات التي كما قلنا ينظمها المخرج بالتعاضد والتعاون مع العناصر الأخرى : السينوغراف . مصمم الإضاءة، مصمم الملابس ، مصمم السينوغرافيا الصوتية والموسيقية .. فهي اذن سينوغرافيا ساكنة ، جامدة ومجانية سواء بهرت في تشاكيلها او في تلاوينها او حتي في مؤثراتها / كل هذا يرتب بالسنوغرافيات وتكمن في كل توجهاتها ، وفي كلية تأثيرها ، وايحاءاتها كشبكة معهودة في الخطاب الدرامي الاساسي .فمن ناحية تتحرك صوب بعضها البعض ومن ناحية تتحرك صوب المتلقي الذي يقرا رسائله المبثوثة قراءة خاصة . وهكذا تتكامل الحركة .:

  • حركة السنوغرافيات بعلاماتها المتنوعة

  • حركة السنوغرافيات ككل صوب المتلقي

  • حركة المتلقي عبر قراءته وتأثيراته .

كل هذا يؤلف فضاء ايقاعيا ( بنائيا ) او جغرافية ايقاعية عامة واذا كان الكلام علي الفضاء المسرحي هو كلام اولا علي التنظير العام لمكان الحدث المسرحي والعلاقات التي تقوم بين ما هو ظاهري ومدرك بين الذين يمثلون ( الممثلين )) والذين يتفرجون وكلام ثانيا علي الطريقة التي تصوغ البنية العامة . في ان مجمل هذ العناصر البشرية والشيئية المسرحية تتحرك تحركا مرئيا ومسموعا ، أي مشهديا علي امتداد العرض لتؤلف نوعا من المعمارية العامة للمسرحية في معمارية الحركة .من هنا يمكن الكلام علي جمالية السينوغرافيا والدينامية كمادة مشهديه تخضع لمختلف اشكال البناء التشكيلي وكدلك علي الممثل كشريحة تشكيلية مرتبة بحركاته بكافة العناصر الأخرى . بل يمكن ا لكلام علي سينوغرافيا جمالية مكانية ذات بعد درامي ودلالي من دون ان تتصل اتصالا ضويا بشخصية الممثل الدي جمالياتها وتكاوينها ذلك البعد الحركي الدرامي . ان ا لمسرح في النهاية مكان يري منه واليه ، مكان مرئي ملموس وحي ايضا قد تطلب اكتشاف العلاقة بين العناصر المرئية وغير المرئية قرونا أي اكتشاف العلاقات المتبادلة التي تربط الفضاء المسرحي والمعمارية واللعبة الدرامية كما يقول ميشال كورفي في كتاب theater

علي هذا الاساس يمكن القول ان الممثل كونه هو الاداة ا لرئيسية للعبة الدرامية او احد عناصرها الاساسية المتمثلة بحسده في مجمل الابعاد كمعمارية متحركة تحركاته واشاراته وحركاته ترسم وتوحي بفضاء . وان مختلف اللغات  لابد ان تراعي انسجامها معه اما بسبب المكان الذي يحتله علي الخشبة وبالنسبة الي زملائه والي الاكسسوارات والجمهور وتحركاته من نقطة  الي نقطة توفر له في حد ذاتها شكلا دراميا وتواصلا متوارثا ومتفهما . يقول المخرج والسنوغرافي يانيس كوكو : انني اتواجد بالمرسم ولا يعني هذا الرسام بوصفه فنا لكنه الرسم الذي يساعدني علي التفكير ، اني اقوم بالتعبير عن طريق الرسم ، اسرد العرض عن طريق الرسم واتخيل العرض عن طريق الرسم :ويضيف كوكوس : يفقد المكان قدرته الايحائية لفقدانه .وان علينا العثور في العمل الفني علي الهندسية السرية ، هندسة المعاني والحركات  ومن هنا يأتي الممثل شيئا اساسيا مرئيا . أي جزء جماليا ملموسا وان تجاوزت المرئية ما هو خارجي فحسب الي ما في داخل الممثل . فهو مقياس المسرح .قال يونسكو: كل شيء هو لغة في المسرح ، الكلمات ، الحركات ، الاشياء ، الفعل ذاته ، لان كل شيء يعبر ، وليعين )وهذا ما سبق ان اشرنا اليه في قولنا ان المسرح يبث عدة رسائل أي عدة لغات ، في ان معا والممثل ، كما سبق وقلنا ايضا هو جزء من هذه اللغات . وهو اساسي وثانيا هو جزء من السنوغرافيات ، معانيها ودلالاتها وبغيره تصير لغة بلا لغة ، مجرد اشياء ميتة .الممثل هذه الكتلة المادية المتحركة هو الذي يحرك او يهدم او يطور هذه العلامات ، فهي تتحرك بدنيامياتها به وهي تكتسب حياتها منه فهو كالساحر الذي ما ان يتحرك او يتكلم يحيا كل شيء في المسرح حوله . كانه كالعصا السحرية التي تغير الاشياء والأمكنة ، وتوظفها لحضورها ، فاللغات الاخري تقدم شخصيته ، تضيء كوامنها وخلفياتها ومراميها وتطورها وكذلك لغتها التشكيلية فالضوء والمكياج والديكور والشاشة وخيال الظل والسلايدات كلها تتضافر كي تصب علي هذه الكتلة الانسانية المتحركة .

لهذا لم يعد الممثل مادة صوتية ، ببغاوية تفسر او تتلو نص الكاتب منعزلة عن كل ما حولها لم يعد الممثل كتلة شكلية مغلقة ومنعزلة عن العناصر الأخرى وفي المقابل لم تعد السينوغرافيا مجرد اشكال واحجام زخرفية ترتب او توظب او توضع خارج المناخات والايحاءات . أي مجرد اشكال واحجام بلا هوية ولا قسمات ولا معني ومنذ ان انتقلت السلطة من الكاتب الي المخرج مع ابيا وغريغ وانطون ، تغيرت علاقة الممثل بالنص ، وبالأشياء المحيطة به والمستخدمة علي المسرح .

لقد حرر المخرج  الممثل من سلطة احادية الكلام ، وحرره من الارتهان المباشر للنص ، ليكون لغة مفتوحة ضمن نظام من الرموز والمعاني المفتوحة ، أي ليكون معمارية متحركة داخل فضاء معماري شامل .ان لهذه المعمارية المتحركة قيمة تشكيلية تتصل بالقيم  التشكيلية والجمالية الأخرى ، من خلال احتلال مكان لها في الفضاء المسرحي . ومن خلال تنقلها من مكان الي اخر . وهذا يعني ارتباطا عضويا بالمواد والاحجام اللونية والتشكيلية التي يمكن ان تشكل مشهدية جمالية وهنا يأتي الكلام علي الملابس وعلي الاضاءة والمكياج والاقنعة والألوان والادوات المستخدمة لكن بشكل يتعلق بالسنوغرافيات الأخرى الايقاعية والبصرية وكذلك بوضع الممثل وبمكانه بالنسبة الي الممثلين الاخرين .فالسينوغرافيا كما يراها ابيا يحب ان تكون نظاما من الاشكال والاحجام الحقيقية تفرض علي الممثل إيجاد حلول بلاستيكية تعبيرية ، واقامة علاقة مركبة بواسطته ، وهذا يعني تسييد الحركة او المرونة السينوغرافية . ولا يمكن لهذه البلاستيكية المتحركة الا ان تخضع لضرورات درامية كي لا تقع في المجانية وتفسر الرموز والممثل والنص وتصبح هي البطلة . من يفهم كيف انتقلت مهمة السينوغرافية من رسام يرسم لوحة وتكون خلفية زخرفية لمشهد الي رسام يساهم في رسم السينوغرافيا الي مخرج يقوم بنفسه بوضع السينوغرافيا او يعطي ارشادات لسينوغرافي كي يقوم بهده المهمة فالعنصر التشكيلي هو عنصر مهم في هده المعمارية ومكونات هدا العنصر عديدة ويمكن هنا نتوقف لنوضح المكونات السنوغرافية البلاستيكية وثانية عند المكونات  الحركية وثالثا عند العلاقة الدرامية والبنائية والديالكتيكية بين مختلف هذه الأشياء التي محورها الممثل :

اولا : المكونات السنوغرافية التشكيلية : الاضاءة : ان  اهم ما يؤثر في الصورة المسرحية هو الاضاءة بل ان اهم ما يجب ان يؤخذ في الاعتبار هو ما يوحي به العالم الضوئي للوحة. فالمسرح كالرسم ويجب ان يلفت النظر عن طريق الاضاءة فمن خلال التنظيم البلاستيكي للخشبة تبرز اساسا الحضور الفنية للجسد الانسان فهي اذن عنصر تشكيلي فاعل ومؤثر ، عنصر تشكيلي لأنه لا تقتصر علي ابراز الاشياء وانارتها فحسب (وهذا ليس دورها في المسرح ) وانما تلعب ادوارا عديدة : لونية عندما تتحكم بتلاوين الاكسسوارات والممثل . مكانية عندما تشير الي احجام المكان والي هويته . زمنية عندما تشير الي زمن حصول الاحداث . نفسية عندما تلون الفضاء المسرحي بحياة الشخصيات الداخلية . تعبيرية عندما تفرض مناخات معينة . محاولة لأنها تغير اداء الممثل وتضخم الاشارات والحركات .وتقطع ظل الشخصيات وتعبر مفهوم والمكياج والديكور ككل . انها وسيلة تعبير لكي تخدم اللغات الأخرى. وتأتي اهميتها كونها متطورة ومتغيرة بمرونة وبسرعة فائقة بحيث يمكن تنقل الصورة السينوغرافية من تشكيلية  الي اخري  ، والجو من مناخ لأخر .

الملابس والازياء: يقول رولاني بارت: علي الملابس ان تكون ذريعة لها قيمة سيمائية كبيرة تساعد علي كشف الافكار والمعارف والمواطن فلا تكون مجرد قيمة بلاستيكية ، ويري بات ان برشت في هذا المجال مثالي . يقول كوكوس : كل شخص يوجد علي الخشبة يكون مرئيا لاستخدامه الحوار والحركات والملابس المسرحية ، لكن أي ملابس لأي ممثل ؟ يضيف التخيل الثيابي لك ممثل يستهويني لأنه يكشف عن خياله الخاص وعن رغباته السرية . فالملابس كما سبق وقلنا هي العنصر الدي يبز ويكثف ويكشف مرئية الممثل ، ككتلة حية ، هده المرئية بحكم حضورها لا بد ان تتضمن قيمة تشكيلية : كطراز ، كالوان ، وقماش ،وكعلاقة بالإضاءة من جهة وكأخري بالسينوغرافيا والفضاء المسرح والمكياج والاكسسوارات والادوات الأخرى ، من جهة اخري فهي صورة جمالية تنخرط في الصورة المسرحية العامة جزء من لوحة حية ومتحركة . وهي صورة تعبيرية لجسد الممثل ، وصورة تشكيلية تعبيرية تكشف هوية الممثل وتكون احيانا كثيرة بمثابة رموز سياسية او دينية وعسكرية او اجتماعية او قومية او نفسية . الخ. وكما يري ابيا : ان علي الملابس ان تتخطي كل واقعية ، كوكوس يتكلم علي التخيل وكل زخرفية .اي ككل عنصر مسرحي ان تصبح سندا من العلامات في اطار من الجمالية الرمزية او التعبيرية فهي اذن عنصر مسرحي يتشكل به حضور الممثل بحسب المتطلبات التشكيلية والدرامية علي الخشبة .اذن الملابس تدخل كلون ومعني للشخصية في الفضاء المسرحي .وتصبح جزء من الشخصية والنص ومختلف الادوات السينوغرافية الأخرى. المكياج : يحدد جورج قيتالي في كتابه (مكياج المسرح ) مجموعة الوسائل التي تهيء وتبرز وجه الممثل ليظهر علي الخشبة في بعض الشروط المضيئة ، فالمكياج يشمل كل الجسم وهو احد مفاتيح الشخصية وهو تعبير عن المواصفات الاجتماعية والفردية وتجسيد لتحولات الممثل . فهو ليس مجرد تبرج او وصفه مجانية بلا اهداف ووظائف تمس صميم المسرحية والممثل ، انه اولا مادة شكلية ، رسم علي الوجه ، قناع ،وبذلك لا ينفصل كمادة بصرية عن الصورة العامة التي يشارك فيها الممثل مشاركة تشكيلية .

ثانيا : المكونات السينوغرافية الحركية : لقد اعتبرنا ان الممثل هو هذه الكتلة المرئية بالجسد وبالملابس وبالمكياج وبالإضاءة التي تحي مختلف العناصر بدلالاتها ومعانيها الدرامية فهو الحركة الحية المشكلة تشكيلا مشهديا محولا بين امكنة الخشبة وفضاءاتها فهو اذن كتلة متحركة او بالأحرى حركة دينامية تساهم الاسهام الاساسي في تشكيل الصور المسرحية وفي تحولاتها الدينامية وفي دلالاتها اللامتناهية .

والحركة ليس المقصود بها تحريك الاطراف والايماءات التي يقوم بها الممثل او تحركه من نقطة  الي نقطة او تغير أوضاعه في تشاكيل او في ايقاعا فحسب : فافي المسرح حتي الوضع الجامد حركة ( تماما كما ان الصمت كلام ) وعندها يمكن اعتبار الحركة كل وضع جسدي علي الخشبة سواء كان متحركا او غير متحرك كوسلين ،  لغة الحركات الجسدية ومعانيها الرمزية والمخرج هو الذي يحدد  فضاء الحركة وتشاكيلها وقوانينها من هنا نجد  ان الحركة تندرج ،  كالإضاءة مثلا ، في المعمارية العامة للمسرحية وثانيا في الصورة البصرية ، التشكيلية ، بل هي حاملة علامات المسرحية علي امتداد العرض ، انها العنصر الثابت والمستمر. اذا لا مسرح بلا حركة وكذلك لا حركة بلا مسرح، انها لغة الجسد او بالأحرى جسد اللغة التي تنطق بها المسرحية . علي انها الجسد الذي يكون الابجدية البصرية والجمالية لمجمل العمل . فكل مشهد او لحظة يمكن عبر رؤيا المخرج التشكيلية ان تكون لوحة . سواء عبر الممثل الواحد كمفردة او المجاميع كتشكيلات تتمازج فيها الالوان والملابس والاضاءة بالحركة لتؤلف في اوضاعها وتراكيبها ومعماريتها مشهديات باهرة . ولذا لا بد ان ترسم الحركات بالتوازي مع الحوار والموسيقي والمؤثرات والإضاءة وامكنة  المتفرجين والفضاء المسرحي ككل . انها رسم بالحركات والايماءات.

الحركة في تشاكيلها السينوغرافية والكوريغرافية لابد ان تعبر عن خلفيات او دلالات رمزية ، سياسية ، اجتماعية ، عسكرية ، قومية ، دينية ، نفسية ورموز فتكو درامية أي مجموعة علامات مسرحية ذات قاموس فيزيائي وداخلي غير محدود تختزن رسالة المخرج ، النص يحاول ان يقرأها او يفكها المتفرج ، أي معمارية حجرها الممثل ؟ معمارية متحركة بكل تشاكيلها الجمالية والدرامية .

بول شاؤول : المسرح:عدد 87

home

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح