أخبار عاجلة

المصداقية في العرض المسرحي

لكي نحكم على قيمة أي عرض مسرحي عراقي او اجنبي لابد لنا أن نتلمس مقدار الصدقية او مدى الأحقية في أي عنصر من عناصر ذلك العرض. وهنا أقصد بالصدقية التبرير الحياتي او التبرير الفني لكل كلمة تقال ولكل حركة تنفذ ولكل خط وشكل وكتلة ولون وملمس وفراغ في الصورة المسرحية التي نشاهدها او في الحدث المسرحي الذي يفعله الممثلون بأدائهم الصوتي والجسماني وهم يرتدون ازياء معينة ويحيط بهم منظر معين وتسلط عليهم اضاءة معينة. واقصد بالتبرير الحياتي احتمالية الفعل او الحدث في الحياة اليومية وانعكاسها في فضاء المسرح . فالمادة المسرحية يقتبسها مؤلف المسرحية من المادة الحياتية ثم يأتي المخرج ليصوغها بالصيغة المسرحية المؤثرة في الجمهور والتي قد لا تكون المادة الحياتية تمر عابرة من غير تأثير او قد تكون لها تأثيرات مختلفة بالنسبة للشخوص العابرين. وتعتمد صياغة المخرج على التبرير الفني وهو كفنان لابد ان يضيف من ابداعه شيئاً الى كل عنصر من عناصر العرض.
العنصر الأول من عناصر العرض هو الشخصية المسرحية والتي يلتقطها مؤلف النص مما يمر به من شخصيات في حياته اليومية ويضيف لها من خياله شيئاً وعلى وفق رؤيته وفلسفته او قد يعّدل او يغيّر من صفاتها وفقاً لذلك، ويأتي المخرج ووفقاً لرؤيته وتبريره الفني يحدث عليها تغييرات او اضافات ليجعلها اكثر تأثيراً في عقول ونفوس المتفرجين وبشرط ان لا تفقد اضافاته وتغيّراتها صدقية اقوال وافعال تلك الشخصية، بمعنى ان تكون الشخصية المسرحية المعروضة مقنعة لغالبية المتفرجين.وبحيث تكون أقوالها وأفعالها مناسبة لصفاتها . وفي مجال تمثيل الممثل للشخصية قد يستدعي التبرير الفني ان يبالغ الممثل في تعبيره الصوتي والجسماني الى الدرجة التي لا يكون فيها ذلك التعبير كاذباً او مصطنعاً ولايتناسب مع صفات الشخصية، ولكي يكون الممثل مقنعاً في ادائه لا بد ان يكون مؤمناً بالشخصية التي يمثلها متبنياً لصفاتها وافعالها واهدافها وعلاقاتها بالشخصيات الأخرى. وأضرب مثلاً على الاداء الصوتي الصادق والكاذب يدعمهما من تبرير فني، في ممثل يمثل شخصية تتحدث باللغة الفصحى واذا به في لحظة من لحظات العرض يتحدث بلغة عامية فلا بد ان يعطينا المخرج تبريراً حياتياً لمثل هذا التغيير في اللغة ونوعها ويكون عندئذ قد برره فنياً. اما اذا لم يكن هناك مثل هذا التبرير كأن يخاطب الممثل كشخصية مسرحية مجموعة من الناس البسطاء ،الذين لا يتعاملون باللغة الفصحى، بلغة عامية بعد ان كان يخاطب شخصيات من طبقته ومن حاملي ثقافته وعندئذ تكون اللغة العامية مبررة. ومن ناحية حركة الممثل على خشبة المسرح فان التبرير الفني لها لا يختلف الا قليلاً عن التبرير الحياتي . فالانسان يتحرك نتيجة لدافع يدفعه لذلك فعندما يعطش الانسان يدفعه العطش الى التوجه نحو مصدر الماء ليرتوي منه. وعندما يواجه الانسان خطرا معينا فانه يبتعد عنه بحركة معينة بجسمه وقد تكون حركة موضعية او حركة انتقالية. وقد يضيف المخرج بعض الحركات يؤديها الممثل قد لا يكون من ورائها دافع وانما هناك تبرير فني هو اضفاء الحيوية على المشهد المسرحي . اما اذا تحرك الممثل كثيراً او قليلاً ومن غير دافع او من غير مبرر فلن يكون صادقاً ومقنعاً في حركته. نعم جيب ان تكون جميع التعبيرات الجسمانية والصوتية للممثل في العرض المسرحي مبررة او منطقية اما حياتياً او فنياً وإلا فانها زائفة وغير مقنعة.
وعند التطرق الى الزي الذي يرتديه الممثل ، وهو عنصر آخر من عناصر العرض، فلا بد ان يكون طراز الزي مستعملاً في الحياة ولا بد ان يكون مناسباً للشخصية إلا اذا كان هناك مبرر لخلاف ذلك فليس من المعقول ان يرتدي استاذ جامعة (دشداشة) اللّهم إلا اذا كان هناك مبرر لهذا اللباس. وهنا يدخل مبدأ (الدقة التاريخية) في المسرحيات التي تتناول شخوصاً من الماضي ومن اماكن غير مكان المتفرج او اذا كانت المسرحية تتعرض لأحداث تاريخية، فلا بد عندئذٍ من ان يكون طراز الأزياء المسرحية مشابهاً لطراز الملابس في زمانها ومكانها وليس في زمان ومكان مؤلف النص او في زمان ومكان العرض، إلا اذا اراد المخرج ان يفرض رؤيته الخاصة المبررة.
وهناك عدد من المخرجين يستعملون ما يسمى (الازياء الوظيفية) وهي التي يؤدي الممثلون بواسطتها وظيفتهم من غير التزام بمبدأ المطابقة وهنا فأن التبرير الفني هو التجريد.
ويسري مبدأ (التجريد) على المنظر المسرحي ايضاً فهناك عدد من المخرجين لا يهتمون بان يكون المنظر ممثلاً لمكان وبيئة الاحداث المسرحية بعناصرها المختلفة، وبما فيها العناصر المعمارية ، او ان يمثل المنظر مجرد خلفية يمثل امامها الممثلون ادوارهم فلا يتعاملون مع مفردات هذه الخلفية وكأنها عناصر بيئية بل مجرد عناصر جمالية.
يستطيع المخرج ان يجرّد المنظر المسرحي الواقعي من تفاصيله مبرراً ذلك فنياً ويستطيع المخرج في المسرحية التاريخية التي يخرجها ان يطلب من مصمم المنظر تحقيق الدقة التاريخية أي ان تكون معمارية المكان مطابقة لمعمارية مكان وزمان الأحداث المسرحية وليس معمارية زمان ومكان مؤلف المسرحية او معمارية زمان ومكان المصمم والمخرج، والمهم هنا ان يكون التجريد في المنظر مقنعاً للمتفرج.
ما نلاحظه هذه الأيام ان عدداً من المخرجين ليس في بلدنا وحسب بل في بلاد اخرى لا يهتمون بالصدقية ولا يلتزمون بمطابقة الشكل للمضمون، او تناسبها ولا يفكرون بالتبرير ويحملون العشوائية معتقدين وهماً بأن مخيلتهم قد قادتهم الى مثل تلك العشوائية، وان الفن لا منطق فيه وان وحدة العمل الفني مبدأ اكل الدهر عليه وشرب، وقد يكون ذلك صحيحاً لدى اصحاب التيارات غير الواقعية كالتعبيرية والسوريالية والتي يعتقد اصحابها ان الحقيقة كامنة في العقل الباطن وفي لا وعي الانسان وان المظهر الخارجي لا يمثل الا جزءاً صغيراً من الحقيقة، وبناءً عليه يبررون الاشكال الغريبة والظواهر المتناقضة التي يعتمدونها في مادتهم الفنية ومثل هذا التبرير الفني ليس الا انعكاساً للتبرير الحياتي فاللاوعي والصور الحلمية الغريب جزء من حياة الانسان وعالمه الداخلي.
نعم هناك عدد من الفنانين ومنهم المسرحيون يلجأون الى العشوائية والغموض والفوضى والتشظي كوسائل للتعبير الفني معتقدين انهم بذلك انما يعكسون واقع الحياة في هذا العصر الذي يخلو من المنطق والتبرير احياناً ولكنهم يفعلون ذلك عن خبرة ودراسة لا عن جهل وسذاجة.

————————————————————
المصدر :مجلة الفنون المسرحية – سامي عبد الحميد –  المدى

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.