المسرح يعزز حضوره في المشهد الثقافي السوري لعام 2015

عروض عديدة حفل بها موسم المسرح السوري لعام 2015 متمماً حضوره في الحركة الثقافية السورية رغم الظروف الصعبة التي تشهدها البلاد إلا أن ذلك لم يثن المسرحيين عن تقديم عروض فنية لافتة لتشهد صالات العرض مقترحات جريئة تنوعت بين مسرحيات المونودراما والمسرح الاستعراضي والمسرحيات التراجيدية الكبرى.

الفنان سامر عمران افتتح عروض الممثل الواحد هذا العام بمسرحية نبوءة من إنتاج عين الفنون مختاراً مقهى الشام القديمة المواجه مباشرةً لمقهى النوفرة متناولاً سنوات الحرب على سورية عبر تورية ذكية أسند فيها عمران دور الحكواتي الغائب للفنانة ربا الحلبي لتسرد الحكواتية الشابة نبوءاتها المتعددة دامجةً بين التمثيل والترتيل والغناء مفتتحةً بمقطع مؤثر من ملحمة السراب لسعد الله ونوس على لسان مريم أبرز شخصيات هذه المسرحية وأكثرها إحالةً لشخصية زرقاء اليمامة في التراث العربي.

بدوره مزج الفنان حازم حداد بقوة بين عدة أنواع من مسرح المونودراما في عرضه قهوة مرة حيث زاوج الفنان القادم من حلب بين الغناء والحكواتي ومسرحية الممثل الواحد ضمن حكاية كتبها وأخرجها ومثلها بطريقة قاربت عروض الـ مان وان شو ليكون هذا العرض بمثابة صرخة لمدينته التي أرهقها الإرهاب ضمن توليفة واسعة من فنون الجسد والغناء والسرد في صياغة عولت على تقنية المخاطب الغائب في عروض المونودراما.

تغريدة أبو السلام جاء عرضاً مونودرامياً على مسرح القباني مستحضرةً الزمن الفلسطيني على لسان الفنان عبد الرحمن أبو القاسم الخارج من مخيمات اللجوء إلى خارطة التشرد الجديدة حيث ضيّعت خارطة “الربيع العربي” لأبي السلام آخر أمل يذكر بحق العودة إلى بلاده ليأتي هذا العرض بمثابة خطبة شخصية كتبها وأخرجها داود أبو شقرة لصالح المسرح الوطني الفلسطيني بالتعاون مع مديرية المسارح والموسيقا معتمداً في كتابتها على مرويات المخيم الفلسطيني وهجراته المتجددة.

“سكتة قلبية” لمخرجها منصور نصر عرضت على مسرح القباني كقصة عن الانتحار بعد الموت حاول العرض الذي كتبه وقام بأدائه جهاد عبيد إبعاد الفهم المتداول عن مسرح المونودراما مجددا قدرة هذا النوع من العروض على تحقيق سرد مغاير عن الحرب حيث نقل عبيد عبر تشاركه مع مخرج العرض مستويين من الفرجة الأول تجلى من خلال القص التقليدي لحكاية أبو إسماعيل المحارب الميت إثر إصابته بنوبة قلبية بينما تمثل المستوى الثاني عبر التعليق على حكاية هذا الرجل المتورط في خوض حرب وجد نفسه فجأة في أتونها منصاعاً لمعاركها العبثية.

كما أتى عرض إعادة تدوير على مسرح القباني كمونولوج جاء على لسان شخصية سعدي أبو السعود مدرس التاريخ الذي يقرر أن يترك مهنة التدريس والتفرغ نهائياً للعمل في القمامة مع صديقه أبو النور فالحروب المتعاقبة التي شهدها الرجل جعلت منه خرقةً في مهب التجارب سواء قبل اعتقاله في سجن غونتانامو وخروجه منه بالزي البرتقالي أو حتى بعد رحلته العجائبية التي يرويها عن اعتراض الإرهابيين له ليسرد العرض أحداثاً متتالية قام بأدائها الفنان أسامة جنيد مؤلف هذه المونودراما التي أخرجها سامي نوفل.

وكان عرض نور العيون لفرقة مسرح العمال بدمشق وبتوقيع من المخرج سهيل العقلة عن نص اقتبسه الناقد جوان جان عن مسرحية بالاسم نفسه للكاتب التركي خلدون الطائر يروي حكاية الصديقين رامي ونور الصبيان الصغيران اللذان يشبان في كتاتيب دمشق في ظل احتلال القوات الفرنسية لدمشق إثر معركة ميسلون 1920 واستشهاد وزير الحربية يوسف العظمة وذلك عبر ملابسات تدور وفق تبديل مستمر لقطع ديكور صغيرة استخدمها المخرج ” العقلة” للتأكيد على أسلبة الواقع السوري والبناء على شرطية الفن المسرحي.

التجارب الشابة كانت حاضرة هذا العام من خلال عرض “بالشمع الأحمر” على مسرح القباني الذي جاء كتوليفة مسرحية نحت نحو التجريب في العرض الذي أخرجه باسل طه عن نص احتفال ليلي خاص لدريسدن للكاتب مصطفى الحلاج الذي قام بإعداد هذا النص وفق صيغة قارب فيها فنون عدة كان أبرزها الرقص والتمثيل والاستعراض والشعر متكئاً في ذلك على فرقته التي تكونت من فنانين شباب حاولوا تقديم مقترحهم بعفوية فنية لم تصل حد الاحتراف.

بدوره كان عرض تحت جسر الثورة على خشبة الحمراء مجسداً المفارقة الصاخبة في نقل أجواء الشارع إلى الخشبة لتحضر دفعةً واحدة في محاولة لتقليد الحياة ومنطقها دون التركيز على حلول فنية قادرة على انتشال الشارع مسرحياً ليكون هذا العرض بمثابة محاولة شابة لمحاكاة الواقع دون الأخذ بعين الاعتبار الإعداد الجيد للنص والتأمل في مشاكل الشباب في ظل الظروف الراهنة.

المسرح القومي أحيا هذا العام يوم الرقص العالمي بتقديمه عرض حساسية عالية على مسرح الحمراء لمخرجها الفنان جمال سليم تركماني حيث أثارت هذه المسرحية الراقصة حكاية الجسد السوري المعاصر المنتفض في وجه “الخراب” إذ نجح الفنان تركماني في صياغة شراكات فينة عديدة لإنجاز هذه التجربة تجلت في تعاونه مع الفنان أحمد جودة والذي صاغ معه نص كمال بدر في رؤيا فنية مزجت بين المادة الفيلمية لطلال لبابيدي وموسيقا قام بتوليفها كنان حسني جنباً إلى جنب مع إضاءة نصر الله سفر وديكور زهير العربي.

“تشويهات محتملة” جاء بدوره على مسرح سعد الله ونوس حيث عولت الكريوغراف الشابة نغم معلا في عرضها الجديد على إعداد العرض الراقص عن قصيدة الشاعر يانيس ريتسوس مطوعة الشعر لصالح الجسد في مشروع تخرج قسم الرقص بمعهد الفنون المسرحية ليتضافر جهد مصممة العرض ومشرفته مع جهد الفنانة نورا مراد التي أشرفت درامياً على المشروع الذي عمل فيه كل من فنان الديكور المخضرم نعمان جود وأسماء الشواف وصولاً إلى سينوغرافيا لافتة من حيث اختصارها للزمان والمكان والمزج بين مستويات شعرية وحركية راقصة في عالم المسرح الجسدي عبر ثلاثة راقصين هم أحمد شعبان، ورهف شيحاوي، و نورس عثمان.

“عرس الزيتون” كانت المسرحية الاستعراضية الغنائية التي جاءت احتفالاً بيوم الأرض في دار أوبرا دمشق و قدمته فرقة نداء الأرض الفلسطينية عن حكاية قرية فلسطينية تلتحم فيها أفراح الأرض وأفراح الإنسان في مزيج وتفاصيل تراثيين تقاوم أعداء الأرض والحياة وضعت كاتبته الأديبة إيمان عودة عنواناً موحياً لخضرة الأرض العربية وعطائها قدمه الفنان محمد عيسى في مهمتي الكريوغراف والإخراج عبر عشر لوحات جاءت من صميم التراث الفلسطيني.

المسرح الغنائي كان له حضوره من خلال عرض الطريق إلى الشمس لمخرجه ممدوح الأطرش الذي قدمه على مسرح دار الأوبرا مستعيناً بجوقة كبيرة من الراقصين والممثلين والمغنيين حيث كان هذا العرض بمثابة تحية لبطولات الأجداد منذ أيام الثورة السورية الكبرى وعبر رؤيا الأطرش الذي وضع بدوره مخيلة فنية خاصة لهذا العرض مستخدماً كل العناصر التي من شأنها تحقيق أشعار ونص الفنان كفاح الخوص على خشبة بضخامة مسرح الأوبرا.

فرقة أجيال وعبر عرضها الراقص ماريات قدمت هي الأخرى حكاية وطن على مسرح الأوبرا عبر لوحات مسرحية راقصة حيث تمكن الفنان عدنان عبد الجليل من كتابة نصه للفرقة الشابة وفقاً لسينوغرافيا وضعها بنفسه لهذا العرض وبتعاون فني لافت من الفنانين مجد أحمد وباسل حمدان اللذين تمكنا بدورهما من إبداع الكريوغراف الخاص بهذه التجربة الحركية البصرية اللافتة بالتعاون مع الفنان نزيه أسعد الذي وضع التأليف الموسيقي للعرض مستمداً جمله من الفلكلور الشعبي السوري.

الفنان مأمون الخطيب قدم بدوره عرض “هدنة” على مسرح الحمراء عن نص كتبه الشاعر عدنان الأزروني وذلك من خلال حكاية هادي الجندي ومهندس العمارة الذي يحلم ببناء بيت يضمه وحبيبته مريم الفنانة التشكيلية جاعلاً من أكياس الرمل جدراناً لبيت الزوجية المرتقب في مواجهة تتداخل فيها الأمكنة وتتصالح بين طرفي الصراع لتفرض الحرب عليهم إيقاعها الدموي.

عروض المعهد العالي للفنون المسرحية لم تتوقف عند عروض الرقص بل قدمت تجارب عديدة من خلال عدة مقترحات فنية لافتة كان أبرزها عرض الملك لير على مسرح الحمراء لمخرجه فؤاد حسن مقدماً على مغامرة حدثت على مستوى آخر من العمل تجسدت في الديكور الذي صممه مخرج العرض بنفسه ونفّذه الفنان محمد وحيد قزق عبر كتلة كبيرة من الأقمشة البيضاء المرفوعة بالأسلاك مراهناً بذلك على تمويه المكان والزمان لأحداث المسرحية الشكسبيرية.

“جسور” كانت الكوميديا اللاذعة لطلاب السنة ثالثة تمثيل على مسرح فواز الساجر و ذهب فيها المخرج ثامر العربيد إلى توليفة عالية من الأداء الجماعي عبر اشتغاله مع مساعده المخرج عروة العربي على تقديم الغروتيسك كأسلوب جامع لكل أنواع الشخصيات النمطية التي قدم من خلالها الطلاب عرضاً يضج بحيوية الممثل ورشاقته وقدرته على توزيع جهده متساوياً مع جهد شركائه على الخشبة عبر اشتغالهم على الارتجال الجماعي ومساهمتهم بكتابة أدوارهم التي عملوا فيها مع أساتذتهم لتقديم قراءة متوازنة وذكية لنص قضية أنوف للمكسيكية ماروشا بيلالتا.

وجاءت مدينة في ثلاثة فصول هذا العام كمقترح مسرحي أراده المخرج عروة العربي في عرضه الجديد عن نص احتفال ليلي خاص لدريسدن للكاتب السوري الراحل مصطفى الحلاج حيث قام العربي بتحقيقه عن اقتباس للفنان كفاح الخوص وفق صيغة قارب فيها كل من العربي والخوص واقع الأزمة في سورية مشتغلين في ذلك على مستويات جديدة لقراءة النص الأصلي حيث تأهلت هذه المسرحية لتمثيل المسرح السوري في مهرجان المسرح العربي بالكويت الذي سينعقد الشهر القادم.

التظاهرة المسرحية أول الحكاية في معهد الفنون المسرحية بدمشق كان لها حضور في المشهد المسرحي حيث تجلى جهد طلبة الأقسام الخمسة في المعهد وذلك عبر أمسيات شعرية وموسيقية وعروض مسرحية وراقصة في تكريس لما يشبه مهرجاناً مصغراً والذي شهد محاولة للتشكيل في الفضاء مع عرض لطلاب قسم الدراسات المسرحية حمل عنوان.. قراءات مسرحية..وجوه وحكايا نص وإخراج ..ميسون علي التي ولفت عدة نصوص عن الحرب على سورية لكل من خليل صويلح خولة دنيا وقصائد لكل من محمود درويش والفرنسي بول فاليري.

وكان أبرز عروض هذه التظاهرة مسرحية النافذة عن نص إرينيوش أردينسكي وإخراج مجد فضة إضافةً لعرض مسرح جسدي بعنوان زيارة ذاتية لمخرجه حسين خضور الذي اقتبس هذه التجربة عن رواية الحمامة للألماني باتريك زوسكيند.

بدوره شهد مسرح فواز الساجر عرض مسرحية الفردوس التي أخرجها الفنان الشاب إبراهيم جمعة على نص النادل الأخرس للكاتب البريطاني هارو د بنتر مقدمة عبر ممثليها لجين إسماعيل و حسن دوبا ما يشبه تنويعاً على فترات الصمت والنطق بحوارات متقطعة عبرت عن عزلة يعيشها إنسان الألفية الثالثة وسط تحكم الميديا المعاصرة بتفاصيل حياة هذا الإنسان لتعتمد المسرحية على نمط من الديكور الواقعي في مواجهة وحشية الميديا وسيطرتها على معظم تفاصيل الحياة اليومية.

وتابع الجمهور لمدة ثلاث ساعات ونصف عرض الفنان أسامة غنم الذي جاء تحت عنوان زجاج واقتبسه عن مسرحية مجموعة الحيوانات الزجاجية للأمريكي تينسي وليامز حيث أتى هذا العرض كخلاصة تدريبات طويلة على نص وليامز وفق مقاربة بين حقبة عرفت عالميا بالكساد الكبير وما بين الأزمة في سورية وذلك وفق أسلوبية المسرح الواقعي لينتقد العرض الصورة المثالية المعممة عن الحياة مبرراً ذلك بالدخول إلى عوالم الشخصيات الأربعة في المسرحية.

المديرية العامة للمسارح والموسيقا ختمت موسمها لهذا العام بمسرحية زبيب لمخرجته نسرين فندي التي تعاملت مع نص الكاتب عدنان عودة المكتوب باللهجة البدوية من خلال معالجة هذا النص وفق صيغة مسرحية غنائية راقصة حاولت من خلالها الانتصار لمسرح الحكواتي والتغريب بين الشخصية والحدث الدرامي على الخشبة برفقة خمسة ممثلين هم روجينا رحمون ومحسن عباس ورنا جمول ومجد مشرف وشادي قاسم مطوعة عناصر بيئة البادية السورية لصالح الطقس المسرحي.

سامر إسماعيل

https://3robanews.com

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.