المسرح وقضايا المجتمع أبو الحسن سلام

ارتبط المسرح منذ بدايته بالمجتمع ، وتغير مع تغير العصور ، ففي البداية كانت نشأته نشأة دينية ؛ وبالتدريج اشتبك مع مظاهر الحياة الاجتماعية ، وخاض في أمور فلسفية سادت في المجتمع اليوناني وتعرض لقضايا سياسية وقضايا فكرية فلسفية متشعبة ؛ وما أن جاء العصر الوسيط لجلأ رجال الدين المسسحي للمسرح زسيلة مهمة في توصيل الخطاب الديني × ثم تحول في عصر النهضة ليشتبك مع قضايا ذبك العصر ويعبر عنها ويصور جديد الفغكر والقضايا والقيم الخاصة بذلك العصر ؛ الذي كان عصر الاقطاع بما فيهمن مؤامرات وحروب ودسائس فصور حياة الملةك بأفعالهم ولارود الأفعال ، بهيدا عن إرادة القفدر التي سادت عصر اليونان والرومان ومسرحيات الأسرار والمعجزات في العصر الوسيط . وعند ظهور العصر الحديث عصر البخار وعصر الآلة وعصر الأيديولوجيات ( الفكر السياسي الحزبي) ، ما بين ماركسية ( ماركس) ووجودية (سارتر) وظهور الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية في أوروبا انشغل المسرحيون بالفكر السياسي . ولأن المسرح أداة اتصال حاضر وشديد التأثقير لجأ المفكرون الأيديولوجيون( المتصلون بحزب سياسي: ) لتوظيفه حدمة لأفكارهم الفلسفية والسياسية . وقد فعل ذلك في مصر توفيق الحكيم ، وعلى أحمد باكثير ( المصري بالتجنيس – الحضرمي اليمني الأصل ) فكتب مسرحيات سياسية هدفها تكوين رأي عام ضد الاحتلال الانجليزي لمص فكانت مسرحيته ( مسمار جحا) مستلهمة من التراث ، حيث يؤجر شخص جزءا من حائط في بيت شخص آخر ثم يدخل البيت لرعاية المسمار ، وبذلك يحتل البيت – والمسرحية رمز للمحتل البريطاني – كما كتب مسرحيات قصيرة كريبورتاج درامي – تحقيق درامي على هيئة منشور سياسي – ضد عصابات الصهاينة في عام 48 عندما جاء اليهود الصهاينة لطرد الفلسطينيين من أراضيهم ودولتهم فلسطين . وهذا البحث يتعرض لعلاقة المسرح بالقضايا الاجتماعية وانعكاساتها السياسية .

مسرح باكثير
وقضايا الفكر السياسي قي المجتمع العربي

وظف باكثير المسرحية وسيطاً بين الفكر السياسي والرأي العام فكانت المسرحية عنده وسيلة لتكوين الرأي العام والدعاية لفكر السياسي الذي يعتنقه، وهو فكر قومي من منظور إسلامي.
وإذا كانت ركائز الفكر السياسي الوطني تتمثل في ثلاث قضايا مصيرية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بوطنه مع إيمانه العميق بها وسعيه الدائم لتحقيقها فإلى أي مدى تمثل مسرح باكثير السياسي تلك الركائز؟!
ركائز الفكر السياسي الوطني: يرتكز الفكر السياسي الوطني على ركائز ثلاثة هي المسألة السياسية (الديمقراطية أو الحريات) والمسألة الوطنية، والمسألة الاقتصادية.
أولاً : المسألة السياسية : وتتمثل في حرية المواطن في وطنه من خلال مؤسسات حزبية أو غير حزبية تؤمن حرية الفكر وحرية الاعتقاد والتعبير وحرية الممارسة السياسية في داخل الوطن استناداً إلى دستور دائم، واحترام كامل الدستور وللقانون وللمؤسسات ولآدمية الإنسان.
ثانياً : المسألة الوطنية : وتتمثل في حرية الوطن وخلاصه من كل أشكال النفوذ الأجنبي، سواء تمثل في الاحتلال العسكري المباشر للتراب الوطني بهدف السيطرة على الأسواق، أو تمثل في شكل من أشكال التحالفات السياسية المكبلة لحرية القرار السياسي والاقتصادي الوطني أو تمثل في السيطرة البنكية على الاقتصاد الوطني والاحتكارات العالمية أو الاتفاقيات المخلة بحركة السوق الوطني وحرية القرار السياسي الوطني.
ثالثاً : المسألة الاقتصادية: وهي الحرية الاقتصادية للمواطن وللوطن حيث يكون قادراً على توفير احتياجات مواطنيه بجهود أبنائه، وبما يحققونه عن طريق العمل من كفاية الإنتاج، مع عدالة توزيع ذلك العائد من تصدير هذا الفائض بعد تحقيق حالة الإشباع لحاجات السكان.
فإلى أي مدى تمثلت تلك الركائز السياسية في مسرح باكثير السياسي. ولئن كانت الدراسات الأكاديمية السابقة لمسرح باكثير السياسي، قد توقفت في تحليلها لبعض نصوصه المسرحية السياسية
عند العناصر الدرامية، دون أن تناقش عناصر الفكر السياسي الوطني فيها على النحو المنهجي الذي وقفت عنده، ودون أن تلتفت إلى العناصر الفنية في تلك النصوص. والفرق بين العناصر الدرامية والعناصر الفكرية والعناصر الفنية بيّن.

العناصر الدرامية والعناصر الفنية في مسرح باكثير السياسي:
كثيراً ما يختلط مفهوم العناصر الفنية مع مفهوم العناصر الدرامية لدى الكثير من الباحثين المسرحيين فلا يفرقون بين العنصر الفني والعنصر الدرامي في العمل المسرحي، بل نراهم يساوون بين المفهومين.
والعنصر الفني: هو عنصر إبراز تفرد المبدع في فنه وإبداعه، وهو مختلف من كاتب إلى كاتب آخر، وعند مبدع إلى مبدع ثان، تبعاً لثقافة كل مبدع وذاتيته ومعاناته، وخصوصية أسلوبه. غير أن العنصر الدرامي: هو عنصر أساسي في البناء الدرامي؛ فلكل مسرحية فكرة الأساسية في المسرحية. قد يخفت ضوء إحداها في نص مسرحي، ولكنها تظل أساس البناء الدرامي. أما العناصر الفنية فهي في خدمة العناصر الدرامية هي عناصر تعميق لها مع تلوينها بلون أحاسيس المبدع وتوجهات فكره، ومرتكزات قيمة وأهداف نظرته للحياة، وخصوصيتها، وخصوصية أساليبها، بحيث يصبح لكل إبداع تفرد يختلف عن تفرد إبداعات المبدعين الآخرين. وعلى سبيل المثال فإن: “تنسي وليامز ” وهو أحد الثلاثة الكبار ضمن كتاب المسرح الأمريكي ورواده؛ قد عالج في مسرحياته كلها باستثناء مسرحية واحدة، هي (حالة توافق) عالج ثيمة الشذوذ. وهو في تناوله لهذه الثيمة مختلف كل الاختلاف عنها في تناول آخر له.. فمع أن العناصر الدرامية التي تجعل من هذه الثيمة مسرحية واحدة في كل المسرحيات التي تناولها. إلاّ أن الإبداع الحقيقي في التناول هو الذي يتأسس على العناصر الفنية. ومثال آخر في عالم نجيب سرور الإبداعي، فهو قد عالج “ثيمة” واحدة في مسرحياته كلها؛ انطلاقاً من فكرة أساسية واحدة، وهي “فكرة الخلاص” الخلاص بالبطل الغائب المخلص في مسرحية (ياسين وبهية) والخلاص عن طريق (تحالف الفلاحين والعمال) في مسرحية (آه يا ليل يا قمر) والخلاص عن طريق (الجيش) في مسرحية (قولوا لعين الشمس). فلما لم يتحقق الخلاص للشعب المصري عن طريق واحد من هؤلاء أفراد أو جماعات نتيجة لأن الفردية هي التي تتزعم قيادة الصراع وتوجيه المقاومة ضد الاستغلال الداخلي والخارجي – الأجنبي- جاءت مسرحيته (منين أجيب ناس) ليؤكد عدم وجود خلاص لأن الفكر –وهو القائد- منفصل عن الجسد –وهو الشعب- أو طليعته. وتظهر عناصر الإبداع الفني في معالجاته في اختلاف فنية المعالجة في كل مسرحية منها، وذلك كله بفعل العناصر الفنية التي يستحدثها المبدع الواحد في كل عمل منها.
فالعناصر الفنية تظهر على سبيل المثال في عنصر فني مثل الحوار. فالحوار وهو أحد الأعمدة الأساسية في معمار النص المسرحي عند كل كاتب مسرحي ولكن العناصر الفنية هي التي تحدد شكل هذا الأساس (العمود) الحوار عمود فقري في النص المسرحي –في كل نص- ولكن طريقة كتابته تختلف عند كل كاتب، وخصوصيته التي تنعكس على خصوصية حوار الشخصية، بالإضافة إلى خصوصية حوار غيرها تبعاً لتقنيات الكاتب وذوبان لغته وفكره وتنوعهما عند كل شخصية منها، وفي كل حدث في المسرحية ذاتها.
كما لكل نص مسرحي في أي اتجاه من الاتجاهات الفنية من الكلاسيكية حتى السيريالية له عناصره الدرامية المتناظرة في كل مسرحية من أي اتجاه فني أو أدبي، فلكل نص مسرحي صراع درامي تأسس على فكرة أساسية ذات طبيعة درامية وشخصيات ذات إرادات وأحاسيس صراعية وحبكة – غير أن أسلوب كل اتجاه فني مختلف من الناحية الفنية تبعاً لاختلاف هدف كل اتجاه، أي طبيعة التوجهات الفكرية لكل مدرسة فنية منها. فتقنيات المبدع وذوبان لغته وفكره وتنوعهما في كل شخصية وفي كل حدث مسرحي-في إطار المسرحية الواحدة- أو في إطار كل اتجاه فني-.
فلئن كانت العناصر الدرامية قائمة في مسرحيات باكثير، وبذلك تكتسب نسبتها إلى الجنس الأدبي المسرحي، فلا يتبقى أمامنا لفهم خصوصية فن باكثير المسرحي إلاّ الوقوف عند العناصر الفنية لمسرحه السياسي ولقد مهدنا لذلك إذ قلنا إنه الرائد الحقيقي الأول للمسرحية التسجيلية وذلك بعد الوقوف على العناصر الفنية للمسرحية التسجيلية وتأصيلها من جملة الكتابات والآراء النظرية للاتجاه التسجيلي في المسرح، حيث يعمل الاتجاه التسجيلي على التحريض –هدفاً- وتكوين رأي عام لتحقيق التحريض عن طريق أساليب فنية خاصة تتمثل في: عرض القضية بطرفيها المتواجهين وتفنيد حجج ووثائق كل طرف منها تفنيداً يقرب وجهة نظر كل منها للمتلقي.. يفند موقف التأييد وموقف الرفض ثم يأتي دور المواجهة أو التحقيق الدرامي الأقرب إلى المناظرة السياسية- لحض المتلقي على اتخاذ موقف في مواجهة الفكر المرفوض: الموقف المعادي للجماهير.. وهنا يظهر دور الدعاية السياسية- ولكن بشروط مسرحية- وذلك يظهر في مسرحيات باكثير السياسية القصيرة مسرحيات المنشور السياسي.
وهو ما يتضح من تناوله للقضايا السياسية الساخنة في مجتمعه إبراز وجهة النظر الوطنية لأننا إذا توقفنا عند المغزى السياسي لمسرحياته، نجده يدور في فلك الحركة الوطنية وبالتحديد حول المنظور القومي الإسلامي للمشاركة في حركة النضال الوطني – القومي: بمعنى الوطن العربي كله والحفاظ على كيانه متحداً وإسلاماً. والإسلامي: بمعنى الحفاظ على الوطن العربي إسلامياً وتوسيع رقعة الإسلام ونفوذه في العالم كله. وهذه دعوة قديمة بدأت مع جمال الدين الأفغاني، ومن بعده تلقفها الإخوان المسلمون في مصر بإرشاد حسن البنا”

قضية المعنى في المسرحية السياسية عند باكثير:
لكل عمل أدبي أو فني مغزى محدد قصد إليه المؤلف قصداً، والمغزى يختفي في العمل الإبداعي (كما يختفي اللحم في المرق) لذلك يكون على المتذوق استخراجه من داخل العمل الإبداعي.
ولاشك أن المبدع يجهد فكره في سبيل الصياغة الفنية للمغزى الذي أراده من وراء عمله الإبداعي؛ وتلك هي طبيعة المعاناة في العمل الإبداعي .
ويتمثل المغزى السياسي في مسرح باكثير على النحو الآتي:
المغزى في مسرحية (الفلاح الفصيح):
إن الكشف عن ذلك المغزى أو ذلك الاستنتاج الفكري يتحقق عبر معاناة الشخصية المحورية.. فالفلاح (خنوم) لديه الحس الطبقي حيث يحس بالظلم، ولكن فصاحته وشجاعته تمده بالشكوى من الظلم، فيرفع صوته للوزير، فيعاقب، فيرفع صوته للملك بعد أن ساورته الشكوك في أن الملك من جنس الوزير الذي اتضح أنه من جنس الموظف الذي ظلمه:
” خنوم: الملك بالنسبة للوزير، مثل الوزير بالنسبة للموظف الصغير”
لقد تسلح بالحس الطبقي وهو ما أوصله إلى هذه النتيجة، وهي أن نظام الوراثة في الحكم هو الذي أدى إلى ظلمه من هنا تحول من مرحلة الحس الطبقي إلى الوعي الطبقي بالتدرج عبر المعاناة:
” خنوم: قاتل الله الوراثة- إنك لم تتعب في الجلوس على هذا العرش، لقد ورثته عن أبيك، وورثه أبوك عن جدك، فلا لوم عليك. إنما اللوم على من رضى على هذه الحال من أهل هذا البلد”
فإذا كان التدرج من حالة الحس الطبقي أو الشعور بالظلم إلى حالة الوعي الطبقي بالإلمام بأسباب ظلم الظالم ودوافعه عنده وكيفية قهره والاستعداد المنظم في سبيل ذلك ثم الشروع فيه من خصائص العمل السياسي فإن فلاح “باكثير” قد مرّ بهذه المراحل ولكن ذلك قد تم بذراعه هو، فهو لم يجمع حوله الجماعات المستضعفة لتقوم هي بالتغيير ولكن محاولة التغيير هنا محاولة فردية للخلاص وبذلك يختفي الشرط الموضوعي لإحداث التغيير.

حول قضايا الدخلاء في مسرحية (مسمار جحا):
ويتمحور المغزى الفكري في المسرحية حول فكرة البطل الشعبي المخلص. فالخلاص يتحقق بزعيم شعبي فرد!!
والتصدي الفردي سمة من سمات الأدب الشعبي وخصائصه ف التصوير الشعبي للنضال.
وإذا كان التدرج في الوعي من خواص العمل السياسي فقد ظهر أيضاً في مسرحية (مسمار جحا) حيث يتدرج وعي جحا، فيتطور من حالة الإحساس بالاستغلال الواقع على بلاده كلها من جراء الاحتلال بعد الإحساس بالظلم الواقع على سواد الناس في بلاده من جرّاء السلطة الحاكمة (حكّام البلاد) ولا يجد مندوحة عن مناهضة الظلم، ومنافحة الاحتلال وتلك مرحلة الحس الطبقي حيث انتقل من مرحلة الشعور الذاتي بالظلم والاستغلال إلى مرحلة الشعور الجماعي بالظلم والاستغلال إذ رأى السواد الأعظم يعيش حالة الاستغلال.. ولأن الفردية هي التي تقود رد فعله، حيث أن أفعاله مجرد ردود أفعال يتصدى لمناهضة الاستغلال تصدياً فردياً عن طريق الحيلة، مرة عن طريق الوعظ، مستنداً إلى حوطـة الدين وأثره القوي في نفوس المؤمنين لإضعاف موقف الحاكم المستبد، العميل ، ثم هو ينتقل إلى ساحة التحريض، والحض على استخدام قوة الشعب حين يتفق على مناهضة الاستبداد. وهكذا تتدرج أسلحة مواجهة الاستغلال الداخلي والأجنبي من الفردية إلى الجماعية غير أنها تتأرجح بينهما لافتقاد المواجهة إلى التنظيم الشعبي غير أنها تنتصر في النهاية نتيجة لضعف قوى الاستغلال ونتيجة لارتقاء أساليب المناهضة الشعبية من حالة الحس الطبقي الفردي فالجماعي إلى المرحلة الأدنى من الوعي الطبقي – وهو أدنى لغياب التنظيم الجماعي- لذلك فهو نضال متذبذب. ولئن كان التذبذب أوالتراجع المحسوب والتقدم المحسوب وفق سياسة خطوة للخلف.ز خطوتان للأمام من خصائص العمل السياسي، فإن ذلك يحدث عبر مراحل المهادنة.. مثلها مثل التحالفات: حيث يطلب جحا” من المتخاصمين (صاحب الدار وصاحب المسمار في الحدث) وذلك من أجل مصلحة البلاد حين أوشكت القضية أن تفضي إلى فتنة.
وكذلك تدخل مرحلة رفع الشعارات المناسبة لمرحلة النضال ضمن خواص العمل السياسي ولذلك نجد الناس يرددون الشعار الآتي:
” يارب المسمار-انزع مسمارك- من دار الأحرار – إذ ليست دارك”
وتأتي مرحلة اللجوء إلى التهادنات في مرحلة استحالة تحقيق النصر النهائي على العدو السياسي والأجنبي في إطار العمل السياسي الصحيح، لذلك يلجأ (خنوم-الفلاح الفصيح) إلى التهادن من حيث يقول في “إلما” زوجة الوزير “رنزي” الذي ظلمه غزلاً يرضيها:
” أغنيات الحياة في شفتيها تتناغى تدعو القلوب إليها
جنبوبي الرحيق من ثغر إلما إن أردتم ألاّ أموت لديها ”
ذلك لأن وجود (خنوم) في القصر فقد أصبح جزءاً من كل في مرحلة التهادن وهي تقابل (التقية والتخفي) في المفهوم السياسي الإسلامي.
باكثير ومسرحية المنشور السياسي:
كتب “يعقوب صنّوع” مسرحية المنشور السياسي بعد أن حيل بينه وبين خشبة المسرح، وهي المجال الطبيعي للنص المسرحي، على اعتبار أن المسرح ولد عرضاً وأداء تمثيلياً قبل أن يوجد نصاً أدبياً – ففن المسرح هو فن الممثل حين نشأ المسرح وهو يعود في عصرنا هذا فناً للممثل، كما رأينا ضمن فعاليات مهرجان المسرح التجريبي الدولي في مصر .
فلقد كان نفي “يعقوب صنّوع” إلى باريس عاملاً اضطرارياً ألجأه إلى استبدال النص المسرحي القابل للعرض عن طريق فن الممثل والمخرج إلى النص المسرحي البديل: ( المنشور المسرحي) وهو قابل للقراءة أكثر من قابليته للعرض – على الأقل في ظل ظروف تقنية متدنية في فن المسرح وتجهيزاته حينذاك – وفي ظل الرقابة الرسمية.
فما الذي ألجأ باكثير إلى هذا اللون (المنشور الدرامي)؟! بالطبع كان لتوجهات المسرح التجارية آنذاك دور طارد لهذا اللون (المنشور الدرامي) حيث الإنتاج الخاص لفرقة عكاشة والكسار ويوسف وهبي وجورج أبيض والريحاني وغيرهم، وكلها فرق تقوم على الإنتاج الخاص الذي يستهدف العمل التجاري من وراء الفن المسرحي – وهذا لا يعيبه بحال فلقد كان مسرح شكسبير العظيم تجارياً، والمسرح بدون الجمهور كالمثلث بدون ضلعه الثالث . وكذلك كانت الرقابة على أيام باكثير رقابة السلطة المصرية ورقابة السلطات الإنجليزية المحتلة.
وذلك بالإضافة إلى أن الإنتاج المسرحي لم يتجه إلى التجريب والمغامرة لسنوات الخبرة القليلة في المسرح المصري آنذاك – حيث لم تكن هناك بعثات فنية للخارج بعد- وإنما كانت جهوداً فردية لزكي طليمات بعد عودته أو لجورج أبيض أو ليوسف وهبي وهي حصيلة مرحلة مسرحية ليست متقدمة في الأداء واتجاهات العروض المسرحية تسعى إلى تثبيت أقدامها في مجال الفنون وحقولها في مصر في ظل نظرة شبه متدنية لفن التمثيل –حينذاك- ولم تكن هناك اتجاهات جديدة في فنون الأداء قد ترجمت بعد في العربية كاتجاهات المدرسة النفسية –مدرسة قسطنطين ستانسلافسكي – لذلك كانت (مسرحية المنشور السياسي) أو مسرحته بديلاً عن مسرحية تحريضية غير قابلة للعرض -استناداً إلى ما طرحت- إلى جانب تدفق الأحداث السياسية وتتابعها * مما يستلزم سرعة ملاحقتها وسرعة التعبير عن الرأي الوطني فيها بل التصدي لها عن طريق تعبئة روح المناهضة وتكوين رأي عام مناهض لها فكانت جملة المسرحيات السياسية القصيرة التي أطلق عليها باكثير (تمثيليات سياسية – تصوير للكفاح العربي الإسلامي ضد الاستعمار)
ومن هذه المسرحيات (المنشور المسرحي) : (حفلة التكريم الكبرى) – (معجزة إسرائيل) – (ليلة 15 مايو) – (راشيل والثلاثة الكبار) – (نشيد المارسيليز) – (الصرح الشامخ) – (نقود تنتقم) – (السكرتير الأمين) – (رئيس وزارة أم سائق سيارة) – (اللهم حوالينا ولا علينا) – (المقراض) وغيرها.
ويبدو التحريض السياسي هدفاً رئيسياً بل هو الهدف الوحيد لمسرحيات باكثير السياسية القصيرة التي لا تتأسس على الحدث الدرامي وإنما تصور موقفاً سياسياً تصويراً درامياً تسجيلياً يرتكز على: التمهيد والعرض لجذور المشكلة وصراع المواقف الجزئي الذي ينهض على أسلوب المناورة بين شخوص نمطية مع أنها شخوص سياسية حقيقية مثل (لورد بيفن) و(مستر اتلي – رئيس الوزراء البريطاني) و(نوري السعيد) رئيس وزراء العراق ليصور باكثير في مسرحية (حفلة التكريم الكبرى) أن أزمة السياسي في الغرب – المستعمر – هي أزمة ثقافية بينما تعد أزمة المثقف العربي أزمة سياسية وكذلك أزمة السياسي العربي سياسية وليست ثقافية أزمة وجود وكينونة وليست أزمة صيرورة وتعميق لجوهر الوجود ودور المثقف والسياسي في ذلك وهو أمر يحتاج إلى تحليل فكري وتحليل درامي وتحليل اجتماعي ثم تحليل فني سوف ننهض به في مرة ثانية .

محمد سامي / مجلة الخشبة

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.