المسرح والحدث الصعب.. هل نبقي مسارحنا فارغة؟ – د.راجي عبد الله

د.دراجي عبد الله

المسرح والحدث الصعب.. هل نبقي مسارحنا فارغة؟ –  د.راجي عبد الله

رسالة إلى المسرحيين العرب : ربما يذهب البعض من خلال قراءة هذا العنوان , إلى أن هنالك علاقة وطيدة بين ما يجري اليوم من تراجع في الحركة المسرحية العربية بسبب مرض ( كورونا ) القاتل للبشر جميعاً , والمؤثر تأثيراً بليغلاً على الإبداع الفني بكل أنواعه، وبين تراجع الإبداع المسرحي عن تأثيره الإنساني على المجتمعات المختلفة في يومنا هذا، بسبب هذا الوباء الذي إنتشر بشكل فجائي بكل البلدان وأصابت مخاطره النفوس , وكأننا نعيش في حرب إبادة واضحة , أدت إلى القضاء على كل مظاهر الحياة بتفصيلاتها المختلفة، ومنها الآداب والفنون التي ورثناها  منذ أزمان بعيدة أيضاً وتراجعت أيضاً شأنها شأن المسرح  . فالمسرح ذلك الفن الحي الذي يستمد وجوده وديمومته من كل النشاطات والتجارب الإنسانية، لا يمكن أن يحيا دون تلك العلاقة الحميمة المباشرة بين المبدع على خشبة المسرح وبين الجمهور بكل إختلافاته، وهذا هو الذي يهمنا هنا في زمن أصبح عصيباً على الجميع دونما إستثناء، مما يتوجب علي جميع المسرحيين  التفكير ملياً بالسبل الكفيلة التي تحقق تواصلنا مع مسيرتنا الإبداعية في الحاضر والمستقبل، على الرغم من هذا التحدي الصعب الذي  فرض علينا غلق  أبواب مسارحنا , تاركاً الظلام الدامس فوق خشباتها بعد أن كانت مضاءة بألاوان جميلة عدة .

والسؤال الذي يفرض نفسه: هل ستبقى هذه الحال طويلاً , أم أن الأمر  يستلزم منا تغييره من خلال  القوة الإضافية التي مازالت فينا على الرغم من همومنا الدائمة التي أضعفنا كمسرحيين عرب ؟ وهل يتوجب علينا القبول بهذا النوع من التحدي، وأن نكون مع ذلك  قادرين على المواجهة من خلال   مضاعفة أحاسيسنا وتقوية روحنا المتفائلة وأفكارنا الخلاقة , لتحويل  ظاهرة الركود الحالي في الحركة المسرحية إلى فعل إيجابي شامل في المستقبل , من خلال تغيير طرق تعاملنا القديمة مع كل أشكال وطرق  التفاعل المسرحي الجديد، لكي  يكون علاجاً فعالاً  لكل  ما يوجد وما يحدث  في العالم من علل مرضية مهما تنوعت وتعددت . فهل نحن قادرون على هذا ؟

وكما هو معروف. لقد مرت البشرية بظروف صعبة ومحن كثيرة لكنها خرجت منتصرة فيها، ومنها الحروب والمجاعات والأوبئة المختلفة، وكذلك مرت بحالة من الركود الفكري والتراجع الثقافي في أزمان مختلفة , ومع ذلك فقد نهضت من جديد، وكان المسرح فيها ينهض من جديد نهضة موثرة وفعالة،  لها الوقع الأكبر على حاضره ومستقبله وحتى على ماضيه , فأنتج لنا الروائع الكلاسيكية التي أخذت تظهر من جديد وكأنها كتبت في يومنا هذا، وخير دليل على هذا ما مر على الحركة المسرحية من قرون حجبت فيه جراء تراجع الوعي الفكري في القرن الأول والثاني والثالث قبل الميلاد , وكذلك ما مرت به الحركة المسرحية من ظروف مدمرة حدثت إبان الحربين العالمية الأولى والثانية , لكنها نهضت وتطورت بعد ذلك، حتى تحولت ظاهرة المسرح نتيجة لهذا إلى ظاهرة متألقة، تجددت فيها كل أنواع المذاهب والمدارس والتجارب المسرحية في مناطق مختلفة من العالم .

نعم، هكذا أصبح المسرح بكل تفصيلاته وتراكماته وتجاربه لا ينفصل عن الحياة وما يصيبها من وهن أو قوة، حتى أصبح بفعل ظهور الكتاب المجيدين والمحدثين وبفعل المسرحيين المتطورين , إلى فعل إبداعي دائم يستمد ديمومته من التجارب الإبداعية المتواصلة  ومن ما تجود به هذه التجارب من أعمال مسرحية مازلت تمنحنا نحن تلك القوة الجامحة، في أن نتطور ونتجدد بإستمرار، لأن المسرح هو مدرسة المتجددين الخلاقين الذي لا يتوقفون عند حدود معينة، ولا يرتكنون في حد معين يظنون فيه إنهم بلغوا أعلى مراحل التجريب والبحث والتطوير ثم إنتهى بهم الأمر إلى هذا الحد. كلا أبداً، لأن المسرح حالة متواصلة لا تنتهي أبداً إلا بإنتهاء الحياة، وهذا أمر لا يمكن الإستسلام فيه من أية حالة مهما كانت مظاهرها الآنية مرضية أو وبائية .

وبإعتقادي أن المطلوب منا نحن المسرحيين العرب، إن نحول كل هذه الإنتكاسات الحالية المرضية والتداعي الإجتماعي الملازم لها في التطور الفكري والثقافي والفني الشامل على وجه الخصوص، إلى حافز لتجديد وسائل التعبير والمعرفة، وتجديد أساليب التعبير الجمالي في الإخراج والتمثيل وكتابة النصوص، وعدم البقاء على نفس النمط الذي أصبح مستهلكاً، ذلك الذي كان البعض منا ينتهجه في الماضي، لأن كل المآسي التي تحدث في العالم وكل المهالك التي يتعرض لها الناس على إختلاف أنواعهم، تدعونا كذلك أن نعيد النظر بإساليب التواصل الإبداعي مع الجمهور المسرحي هنا وهناك، والسبب في ذلك يعود إلى ما يصيب النفس البشرية من تراجع في الذائقة الفنية ومن إرتداد روحي قد تبقى تاثيراته ملازمة للمشاهدين في مراحل جديدة تحدث وتستمر طويلاً في المستقبل.

ومع أن فقدان العديد من الناس في جميع المناطق القريبة والبعيدة منا يؤلمنا كثيراً و  يحزننا على فقدان أحبتنا في كل مكان، لكننا إذا نظرنا إلى حاجة الناس إلينا، عندها سنعيد للمسرح تأثيره الجديد على الحياة، وبهذا يمكننا أن نمضي إلى أمام وأن لا نتراجع أبداً، على الرغم من أن جميعنا لم يصل في الماضي القريب والبعيد إلى حالة المعرفة الأكيدة في التعامل مع المسرح، ولم نصل كلنا إلى حد متطورفي التعامل مع الذائقة الإجتماعية ورفعتها وسموها وبنائها إنسانياً من أجل أن نؤدي رسالتنا الإنسانية بكل أمانة وإخلاص.

وعليه إسمحولي أن أؤكد في هذا الظرف العصيب على أهمية إعادة النظر بكل تجاربنا المسرحية، وأن ننظر إلى ما يجري بنظرة أخرى مفعمة بالأمل والحب لبني البشر دونما إستثناء، إذ غالباً ما تشد أزرنا الظروف الصعبة وغالباً ما تجعلنا نتذكر دائماً، بأن المسرح لم يوجد وتظهر بوادره الأولى إلا بعد مخاض صعب عسير، وكما هو معروف أن المسرحيين الذي سبقونا  على إمتداد التاريخ قد عانوا كثيراً من قبلنا، من أجل أن نصل نحن إلى أعلى مراحل التواصل معه التحولات الإجتماعية المختلفة على إمتداد الإزمان.

 د.راجي عبد الله – العراق

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح