المسرح وإعادة النظر في الوجود – عبد الفتاح رواس قلعه جي#سورية

الفتاح قلعه جي
عبد الفتاح قلعه جي

المسرح وإعادة النظر في الوجود  – عبد الفتاح رواس قلعه جي#سورية

    لابد من محاكمة الراهن المسرحي قبل الولوج في كشف كوامن الإبداع والسحر في المسرح؛ ذلك أن معرفة أدوات الإبداع وإدراك أسراره لا يعني القبض على شعلة النار المقدسة وامتلاك ناصية الإبداع، ما لم يتأسس ذلك على ملكيتنا للواقع الذي هو الفضاء الحقيقي لتماس المسرح مع العالم الذي نحن جزء منه.

المسرح والوجود

المسرح المؤسساتي استطاع أن ينتج عرْضاً

 مسرحيا ولكنه لم يستطع أن ينتج مسرحاً.

المسرح كأي وجود ثقافي لا يمكن أن ينفصل عن الفلسفة: فلسفة الفكر وفلسفة الفن، والتي منها يتولد الإبداع والمغامرة الإبداعية. وهو كموجود يعيد النظر باستمرار في الوجود: وجوده كمسرح يسعى دائماً إلى تجاوز راهنه وارتياد ما هو غير عادي، وفي الوجود الموضوعي أو الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي، وفي الوجود الإنساني وما يتضمنه من أفكار وقيم موروثة أو قائمة في حركتها الصيرورية وفي ثباتها وانزياحاتها. وإن ما يجمع المسرح والسحر هو أن كلاهما تمرد. يقول جون دوفينو في ” الظلال الجمعية” : “فكما أن السحر هو تمرد على المقدس، فالمسرح بدوره تمرد على النظام القائم”. وهذا مما  لا ينهض به مسرح المؤسسات الرسمية لأن عملها وظيفي، وهو إنتاج عرض مسرحي. وإنما ينهض به مسرحي له مسرحه ونظرته إلى الوجود، أو تجمع مسرحي يجمع أعضاءه فكر معين.

لهذا فالمسرح لدينا، إذا تجاوزنا بعض الظواهر المسرحية العربية القليلة المتأثرة بمسيرة الحداثة الغربية فإنه لم ينتج اتجاهات مسرحية خاصة به، ولا تجمعات مسرحية يؤرقها همٌّ وجودي. إنه دائما يلهث وراء العرض المسرحي.

الكاتب المسرحي قد تكون له أفكاره التي يمكن أن تنتج اتجاهاً، أو يمكن أن نعثر على ذلك الناظم الفكري لأعماله المسرحية، لكنها لم تتحول إلى اتجاه مسرحي أو ” مسرح ” ليؤسس ل‍ ” حدثٍ مسرحي ” له خصوصيته العربية المنطلقة من العواصف العاتية التي تعصف بالمنطقة، مثلما تأسس في المسرح العالمي إثر الحربين الكونيتين: المسرح الحي و مسرح الهابننغ ومسرح الطليعة و مسرح الجسد..الخ. وذلك لأنه يبقى أسير المؤسسة المسرحية الرسمية. المؤلف أو المخرج دائماً ينتظر الدور أو الفرصة لتقديم إحدى مسرحياته. لهذا فإن المسرح المؤسساتي استطاع أن ينتج عرْضاً مسرحيا ولكنه لم يستطع أن ينتج مسرحاً. وهذه المؤسسات تسعى إلى تنشيط الحركة المسرحية كحركة “عرض” وليس كحركة “مسرح”. وفهمها للتطوير والحداثة لا يتعدى إعادة النظر في هيكليتها، فهي مشغولة دائماً عن الفهم والتكوين والسير في الطريق إلى مسرح “مفكِّر و مبدع ” بالبحث عن هيكليات جديدة تعمق الكيان المؤسساتي.

  • ثمة فرق جوهري بين ثلاثة أنواع من المسرح:
  • مسرح الإبداع: الذي يعيد النظر في الوجود ويقدم ما هو مبتكر وغير متوقع وما يحقق صدماً للجمهور وقلباً للمقاييس العادية من خلال صدامه مع الأنساق الاجتماعية والثقافية السائدة مثال ذلك: أعمال شكسبير . مارلو. كلايست. آرتو. بيكيت. أداموف. كانتور.. وغيرهم)

مسرح الإبداع هو مسرح رؤيوي حدسي، مبني على قواعد الخيال والمنطق والمعرفة، يستشرف  ما هو أمل أو ما هو كارثي، وهذا بحد ذاته يمنح منتجه ومتلقيه نشوة حقيقية بعيداً عن الواقع تمتد إلى مغاور المجهول.

2- المسرح السكوني الراكد: الذي يقدم صورة تبريرية مسالمة للحياة ، أو لا يحفر له مجرى في الحياة الثقافية، حتى وإن شغل بتقديم أفكار، وكانت عروضه جيدة، وتحمل قدراً من الإبداع الفني، فهو لا يثير قضية فكرية أو فنية جوهرية عكسية تتمرد على النظام القائم ثم يلح في طرحها، وليس وراءه مسرحيون لهم فلسفتهم وقضيتهم وخطتهم وصداميتهم، وإنما هم مجرد منتجي عرض مسرحي.

3-  مسرح الاستهلاك: الذي ينقل الحياة اليومية بشكل انتقادي أو مسالم، أو يقدم صوراً مزيفة أو تافهة لها ، فهو لا يثير قضية جوهرية كشكل المجتمع واستمراريته، مثل مسرحيات الفودفيل ومسرحيات الكباريه والمنوعات الرديئة.

وبما أن المسرح لدينا هو مسرح ” العرض المسرحي” الذي ينتمي إلى النوعين الثاني والثالث فإنه لابد من إعادة النظر في مهمة المؤسسات المسرحية الرسمية كما يلي:

  • تحديد مساحة الإنتاج وتحويل المبالغ الطائلة التي تصرف فيها، وقسم كبير من هذه المبالغ تعطى لمن يقبض ولا يعمل، بحيث تكون مهمتها دعم التجمعات المسرحية الخاصة المبدعة والواعية.
  • إعادة النظر في المهرجانات المسرحية، مع التأكيد على ضرورة وجودها الهادف وليس الاحتفالي فقط. ما الداعي إلى استمرار  هذه السوبرماركات المسرحية إذا لم يكن فيها سوى بضاعة قليلة فقيرة ورديئة . وإذا استثنينا بعض المهرجانات، واستثنينا هنا أوهناك فرقة متمرسة أو فرقتين في المهرجانات عامة فليس سوى عروض ملفقة وصغيرة تتجمع من أجل المهرجان وقد لا يحظى العرض بالحياة ثانية بعد المهرجان. كما أن أغلب المشاركين في هذه السوبرماركات لا يتعلمون من سوى أنفسهم، وتنقصهم المشاهدة والثقافة.
  • إحياء الكاتب والنص في ظروف تشهد موت الكاتب المسرحي أو صمته أو عزوفه عن الكتابة لعدة أسباب منها:
  • يأس الكاتب من قدرة المسرح على التغيير والتأثير بعد إخفاق المشروع الثقافي العربي النهضوي عامة.
  • الرقابة الذاتية الموروثة على الحرية في التعبير، بعد أن استطاعت الرقابة الخارجية خلال عهود أن تشكل المبدع تشكيلاً داخلياً مبنياً على ثقافة الخوف والقلق بحيث زودته بآلية  يقوم من خلالها بمراقبة نفسه. آلية تعمل بطاقةٍ عالية التوتر قوامها ” أنا موجود إذن أنا متهم ” .
  • المكافأة التي يحصل عليها المؤلف المسرحي حين عرض مسرحيته، وهو أبو العرض ، هي تافهة إلى الحد الذي يدفع الكاتب إلى الكف عن الكتابة.
  • إزاحة المخرج للكاتب المسرحي واستئثاره بكتابة النص أو إعداده، بدوافع السيطرة المطلقة على العرض، ومضاعفة الفائدة المادية.             

المسرح والموجود

الإحساس بالموجود هو منطلق المعرفة ولإبداع

لكن عصرنا العربي يشهد تحييد الفعل الثقافي

يشكل الموجود نقطة انطلاق رئيسية نحو الوجود، وإعادة النظر فيه. وبقدر ما يكون الموجود أو الواقع الفكري والثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي حاضراً في الفكر بقدر ما تكون انطلاقة المسرحي الباحث عن الحقيقة والمعرفة قوية فاعلة متمردة في اتجاهيها:

  • الانتقادي الهادم للفكر الاستلابي والبنى الفاسدة.
  • الرؤيوي الفلسفي الذي يعيد النظر في الوجود ويستشرف أمداء جديدة.

إذا لم يكن الإحساس بالموجود حاضراً في فكر الكاتب المسرحي أو الروائي أو الشاعر.. ليكون منطلقاً للمعرفة والإبداع في الاتجاهين الانتقادي الهادم والرؤيوي الباني أو المستشرف، فما جدوى الكتابة في فلسفة الوجود؟ وأنا هنا أتحدث عن الكاتب المسرحي وليس عن الكتبة ، مثلما نميز بين النقّاد والنقدة.

غير أن العصر – عصرنا العربي – يشهد تحييد الفعل الثقافي، واستبعاد المؤلف المسرحي وموته وعدم احترامه. والمؤلف كعقل للمسرح والعرض المسرحي هو وحده القادر على هذا الفعل الهادم المتمرد على الأنظمة القائمة، وعلى تجسيده والانطلاق منه إلى أمداء الفكر والاستشراف المأمول أو الكارثي، وعلى بناء عمارة متخيلة تبدأ بيوتوبيا ملونة وتنتهي بالواقع الملموس. ولا يمكن لباقي بناة العرض المسرحي بدءاً من المخرج وانتهاء بالسينوغراف أن  يقوموا بمهمة الكاتب.

هل يمكن للمخرج أن يقدم مثل هذا الفكر الرؤيوي المتمرد أو يقوم بمثل هذا الفعل الثقافي بالاستعاضة عن كلمة المؤلف بلغة الجسد و المسرح الحركي الراقص، أو بنصوص هزيلة يلفقها، أو بالاكتفاء بالمشهد البصري الآسر المصنَّع كغاية في ذاته؟

انحسار دور المؤلف المسرحي أدى غياب دور المسرح في قراءة الواقع العربي الذي وصل إلى أدنى حدود التردي، وهذا مما لا يستطيع أن يقوم به الكتبة والمخرجون والدراماتورغيون. وإلا بماذا نفسر ندرة انعكاس الوضع الكارثي العربي الراهن والمستقبلي على خشبة المسرح.

        إننا أمة مريضة مجذومة الإرادة والجسد، مطاردة بطاعون الخوف. وإن المتغيرات العاصفة ونحن على مشارف عصر القسوة والدم، عصر العولمة اللاإنسانية، سقطت فيه كل الأقنعة، وافتقد التوازن، يمارس فيه الآخر غزواً شديد الخطورة، لأنه لا يكتفي فيه بالتهديد أو استعمال أسلحة الغزو التقليدية، وإنما يعمل على القضاء على جيناتنا المكونة لهويتنا وشخصيتنا  ليبدل إنسانا العربي بآخر لا ينتمي إلى كينونته، بحيث يكون له تابعاً  أو روبوتا يبرمجه حسب فلسفته الذرائعية،كي لا يسمح لنا بترتيب أوراقنا، وصياغة مشروعنا الحضاري.. هذه المتغيرات راحت تعصف بنا، وإن العاصفة إذا هبت تتقصف الشجرة إن لم تقتلعها من جذورها.

إن الغرب بدعاوى الإرهاب، وباسم التقدم والعلمانية والحداثة، والديموقراطية والتطبيع والسلام، وأسماء أخرى لا يؤمن بها في تعامله معنا إلا بالمفهوم الذي يحقق له مصالحه ومصالح الصهيونية، إنه بهذه الأسماء التي أفرغها من مضمونها الإنساني والعادل، يحقق اختراقاته لدفاعاتنا الحضارية و الثقافية وصولاً إلى محو هويتنا والقضاء على مقومات قوتنا ووجودنا.

ترى لماذا يركن الكاتب المسرحي اليوم إلى الصمت حين هبوب العاصفة وكان بها مرهصاً؟ وإذا تكلم فيجب أن يكون مقيساً على مسطرة الأنظمة الحاكمة.

أهو اليأس والحصار أم أنه في الخمسينات كان أكثر إدراكاً ووعياً حين كان همه في تلك الفترة التي تلت الاستقلال التصدي لمؤامرات عودة الاستعمار بأشكاله الجديدة كمبدأ ايزنهاور وحلف بغداد، أو نقد الأوضاع الاجتماعية والفساد ومعالجة الأدواء بالرغم من أن أدواته المسرحية في التأليف والتشخيص كانت بسيطة وساذجة ، وخطابه كان سطحياً ومباشراً؟

أم أن تقديمَ الحرية لنا على شكل معلبات، وزراعةَ الخيبات والانكسارات ليست بغذاء جيد للإبداع؟

أم أن ثقافة الاستهلاك – والدراما التلفزيونية نموذجها المحتذى- ، والمجتمع الاستهلاكي قد عملا على نشوء سلوكيات عبثية وخلقا “الإنسان الطبيعي” الحبيس ضمن احتياجاته اليومية الضرورية لاستمرار حياته.

مهما يكن فإن المسافة الفاصلة بين الوجود والموجود من جهة و بين المسرح من جهة أخرى تتسع وتتسع، والشكلانية باسم الحداثة والتجريب وهلوسات الإبهار ووهم الإبداع تسود وتطغى على المضمون في هذا الفن الذي بدأ أصلاً بالموجود وفلسفة الوجود. وكل إبداع – بالنسبة لنا كأمة أصبحت مهددة في وجودها – لا يبدأ بالكلمة المسموعة من قيعان الأعماق الفردية والمجتمعية والإنسانية ويتجاوب صداها على خشبة المسرح هو مجرد شعوذة بصرية وسحر أسود.

عبد الفتاح قلعه جي – سوريا

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح