المسرح مدرسة كبيرة وفريدة

الإنسان في كل بقاع الارض كائن مبدع بامتياز، وفي خصوصية الإبداع المسرحي التي عايشناها على مدار خمسة ايام مطلع الاسبوع المنصرم من 27 مارس الى 2 ابريل من هذا العام احتفالا رائعا بمناسبة يوم المسرح العالمي تحت رعاية وزارة الثقافة والرباضة حديثة التكوين، وتفجرت خلال تلك الايام طاقات الشباب وتجسدت اعمالهم على خشبة مسرح قطر الوطني بتلك الابداعات المسرحية، فجاءت الفرصة محفزة لعرض فنونهم وتجاربهم المتجددة، تحقيقا للمقولة الشهيرة “ان الإبداع بمعناه الضيق يشير إلى القدرات التي تكون مميزة للأشخاص المبدعين”.

إن المسرح لا يستقيم الحديث عنه ما لم يتم اعتبار جميع مكوناته متشابكة لأنه فن تركيبي بامتياز، وعليه فالإبداع المسرحي ما هو إلا إنتاج تجديدي وهو شيء غير النص فقط، إنه النتاج المركب من النص والتمثيل والإخراج وهندسة المناظر والأزياء والموسيقى والتشكيـل، فهل يمكن أن نحلم ولو سرا — وليس علانية — بغد يشرق فيه فجر الإبداع المسرحي الحق من جديد؟!

من العبث أن يقول المرء هنا بأن تمثيلنا الراهن ينمو بخطوات وطيدة أو متنوعة صوب الإبداع الحق نظرا لتركيزه على الإلهاء والإضحاك /الهزلي/ فممثلنا المحلي لا يمكنه اللحاق بركب الفن في العالم لمجرد أنه يمتلك الرغبة في ذلك، فلكي يكون قريبا الى التمثيل عليه ان يكون أقرب إلى اتجاهات الفن التمثيلي في العالم رغم إمكاناته الجسدية المتواضعة، وهذا ما ترك الباب مشرعا لكل من “هب ودب” ليعتلي هذه الخشبة الكسيحة ويدعي التمثيل وقد لا تربطه به إلا الرغبة الملحة في الظهور والانتشار الواسع.

كل المحاولات الجادة في التمثيل والنصوص المسرحية تتلاشى أمام اللامبالاة التي يبديها المتلقي نحو الابداعات المسرحية التي يعتبرها ثانوية على الرغم من أساسيتها ودورها في الرقي بالعمل نحو الإبداع المنشود، إن أوضاعا كثيرة ثانوية وراء هذا الانتكاس الإبداعي في مشهدنا المسرحي تجعلنا لحد الآن نعد المبدعين المسرحيين في كل جوانب الابداع رقما بالكاد يعد على اصابع اليد، فهل استكفينا بحصتنا من المبدعين؟ أم هل نعيش على رأسمالنا الموروث؟هل نستطيع أن نفعل شيئا بهذا الخصوص؟ بالفعل نستطيع… كيف؟!… بالرعاية.

الاهتمام بالإبداع والمبدعين من شأنه أن يقود المجتمع بأشمله نحو مرحلة متقدمة من الرفاهية الاجتماعية، ويرى العديد من الباحثين أنه لتشجيع التفكير الإبداعي فلابد من إدخال مجموعة من التعديلات الإبداعية على نظم التعليم الموجودة حاليا، وهذا يتطلب رعاية خاصة تعتمد على مبدأ التحفيز والتشجيع المتواصل، فهل تقوم مؤسساتنا التعليمية بتشجيع الإبداع المسرحي ورعايته؟ هنا مربط الفرس.

رعاية الإبداع المسرحي تعني بالضرورة اهتماما مركزيا بالقدرات الإبداعية الكامنة عند الفرد، ولا نقصد بها ذلك المفهوم الرخيص الذي يربطها بالدعم المادي ولكن نعني بها التكوين والتنمية، لأن تكوين الإنسان المبدع وتنمية قدراته لا يتم دائما بصرف منح تشجيعية بقدر ما يتم بتنظيم مهرجانات جادة وتدريبات مستمرة وفتح معاهد عليا ومتوسطة للمسرح في جميع البقاع.

بمفهوم آخر، فإن رعاية الإبداع المسرحي هي دعوة الى التفكير في طرائق يمكن أن تساعدنا على تكوين أناس مبدعين ليس فقط داخل المدارس والمعاهد، وإنما أيضا في البيت وعن طريق وسائل الإعلام.

نتمنى لهذه الرعاية خروجها العاجل من الوجود النظري إلى الوجود الفعلي لنقود بها المجتمع نحو التقدم وتأكيد الاعتبار لهذا الصرح الجميل، وعلى حد تعبير غوغول فالمسرح “مدرسة كبيرة وفريدة من نوعها” وسلامتكم.

خالد عبدالله الزيارة

http://www.al-sharq.com/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.