المسرح في عمارة الحضارة الإنسانية – عبد الفتاح رواس قلعه جي #سوريا

الفتاح قلعه جي
عبد الفتاح قلعه جي

المسرح في عمارة الحضارة الإنسانية – عبد الفتاح رواس قلعه جي #سوريا

      لاشك أن المسرح هو واحد من أهم المؤشرات الثقافية والفنية على حضارة الأمم، ونحن حينما نذكر سوفوكل وشكسبير وراسين وإبسن وبيرانديلو ولوركا وآخرين إنما نذكر بهذه الأسماء أممهم فهم رموز ثقافتها وحضارتها. أو نذكر من العرب مارون النقاش وأبا خليل القباني وتوفيق الحكيم وعلى أحمد باكثير الطيب العلج ويوسف العاني وعز الدين المدني وروجيه عساف وغيرهم من المسرحيين إنما نعني بهذه الأسماء رموزاً دالة على ثقافات عربية متعددة.

والإنسان باعتباره اللبنة الأساس في عمارة أية حضارة إنسانية لابد من العناية الفائقة بتربيته ليكون منتِجا للحضارة، وتبدأ التربية مع الطفولة الأولى وتستمر مع المراحل العمرية المتعددة. غير أن هذه التربية تجعل الإنسان نفسه منجَزاً حضارياً بما يكتسب عبر الوسائل التعليمية والتربوية من تعلم وثقافة. والمسرح واحد من أهم وسائل الاتصال والتعليم والتربية الفكرية والثقافية والجمالية، وهو بالتالي من أهم المؤشرات الثقافية والفنية على حضارة الأمم.

كان المسرح ولا يزال له الدور الكبير في بنيان الحضارة الإنسانية ضمن الأنساق المعرفية والثقافية الأخرى، ويتفرد على أترابه من فنون الدراما بأنه فن الاجتماع وتشخيص الحياة والأفكار بشكل حي. إن التيار الكهرنفسي الواصل ما بين خشبة المسرح والصالة التي تضم شرائح اجتماعية متعددة لا يتوفر في العرض السينمائي أو الرواية التلفزيونية أو المسرحية التلفزيونية فهذه فنون طيفية. والمسرح تشخيص حيٌّ تلامسك فيه أنفاس الممثلين ومناخات الإضاءة والموسيقى. كما أن المسرح يثير إشكاليات وقضايا اجتماعية وقومية وإنسانية مصيرية تستدعي حواراً حياً بعد العروض، ويأخذ هذا الحوار طابعاً جماعياً ومنظما في المهرجانات، ومتابعات نقدية في الصحف.

المسرح نظام للحياة

    منذ القرن الخامس قبل الميلاد وحتى نهاية الإمبراطورية الرومانية كان المسرح نظاما للحياة، وكانت الميثولوجيا اليونانية هي أساس التفكير المنطقي لتفسير أية مسرحية سوفوكلية، وكان موقع الأسطورة كتراث في بنية المسرحية بما تزخر به من شخصيات الآلهة يجعل من العرض المسرحي ضرباً من أضرب التعبد. وهكذا فالمسرح كتراث كان شرطاً هاماً للحياة في العهود الكلاسيكية اليونانية القديمة، فهو نظام يحمل مفاهيم السلطة والحكم والدين. وقد بلغ عصره الذهبي هذا بتمثله للتراث الإنساني.

بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية ساد في أوربا عصر الظلام إلى أن جاءت القرون الوسطى وظهر المسرح الكنسي، إلى أن كانت بدايات المجتمعات المدنية وانفصال الحكم والثقافة عن سلطة الكنيسة، فمجيء الثورة الصناعية ثم إشراقة شمس عصر النهضة الإيطالي و الأليزابيثي في المسرح الإنكليزي حيث شهدت النهضة الثقافية العامة إحياء للمسرح من جديد.

تخلى المسرح عن منظومة التراث في تطوره، وتأثر بتاريخ تطور المجتمع الأوربي الجديد، كما تأثر بالمدارس الفلسفية والاتجاهات الفكرية، فظهرت المسرحيات الرومانسية والواقعية والتعبيرية والرمزية والملحمية والطليعية والتجريبية الحديثة، وأصبح المسرح بحثاً في الراهن الحياتي، وبحثاً عن حياة مأمولة.

وكان لظهور الفلسفات المادية والوضعية المنطقية أثرها على البناء الدرامي للنص. فقد بدأت الوحدات الأرسطية الثلاث تختفي وأصبحت الشخصية     caracter هي محور الاهتمام بدلا من الفعل action ولعب علم النفس الحديث دوراً في بنائها وتحولاتها،كما لعب علم الاجتماع دوراً مماثلا، وأصبحت القضايا الاجتماعية والعلاقات الفردية والاجتماعية، وآمال الإنسان وأحلامه بحياة قادمة أكثر سعادة، جوهرَ البناء في المسرحية، كما راحت المسرحية تعكس تاريخ ونظام المجتمعات الأوربية، وهذا ما نجده في مسرحيات تشيخوف الروسي وبيرانديللو الإيطالي وبرناردشو الإيرلندي.

 أما إبسن النروجي فقد كان مسرحه أشبه بمنظومة اجتماعية فلسفية سابقة للحياة، وغدت مسرحياته مثل سيد البنائين، بيت الدمية، البطة البرية، أشبه بالملف الاجتماعي والتاريخي لأمة كاملة وحضارة سادت وبادت ، ملف يبحث عن الحياة . وهذا ما نجده أيضا وبشكل آخر عند بيكيت إذ يبدو في نهاية اللعبة وكأنه يقدم لنا بقايا عالم قد انهار وتفككت لغته.

وجاء بريخت أيضا باحثاً عن الحياة ، حياة جديدة من خلال منظومة إيديولوجية محورها الإنسان في اتجاهيه التعليمي والملحمي مسوقاً بهاجس التغيير.

المسرح في مسارات التجريب فالإحتذاء العربي

    ثورة التكنولوجيا والمعلوماتية ـ الرقمية، وإحساس الغرب بالتفوق والمركزية، وظهور أشكال من الاستعمار جديدة وشديدة التعقيد، وتأليه الذات ” السوبرمانية ” كل ذلك ولّد خواء إنسانيا وحياة آلية biomechanic  نادت بضرورة كنس أثاثات الواقعية عن خشبة المسرح stage والبحث عن أساليب شكلانية مغالية باسم التجريب والتجريب الحديث تسود فيها لغة الإشارة والجسد أو الصوت التسجيلي والصور بمنطق وعلاقات مغايرة تماما للمألوف، وتتضاءل لغة النص المكتوب أو تمّحي لصالح آليات الرقص و الحركية والصور مما أتاح للدراميين عرض هلوساتهم الإبداعية واستخدام أكبر للفضاء المسرحي والتقنيات المساعدة، وهكذا انبثقت التركيبية constractuism لتخطو بالتعبيرية imprissitionism في مسارات حركية جديدة أكثر ترميزاً وغموضاً و دخل المسرح مرحلة جديدة شكلا ومضمونا.

    لقي هذا الاتجاه ( الغربي المستورد ) احتفاء لدي بعض المسرحيين العرب والمسؤولين عن المسرح فكان مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي.  كما أنني لاحظت من خلال حضوري مهرجانات شبابية وجامعية عديدة نزوع كثير من شبابنا المسرحيين إلى الاحتذاء وتقديم عروض من هذا النوع بالرغم من أن ذلك يحتاج إلى نضج فلسفي وفني كبيرين لئلا يصبح العرض متخما بمجانية الحركات والإشارات، أو بغموض دلالاتها.

وحتى في العروض التي يخرجها مخرجون متمرسون ويعون ما يفعلون أصبحنا كي نتابع عرضاً من هذا النوع بحاجة إلى جدولة الرموز الواردة في الإشارات والحركات والسينوغرافيا.

في عام 1993م وفي المهرجان الثالث المسرحي لدول الخليج في أبو ظبي قدم المسرح السعودي مسرحية “تراجيع” للكاتب السعودي محمد العثيم، وأخرجها جمال قاسم، وقد أعطى غموض النص في دلالاته وأحداثه المخرج فسحة كبيرة كي يسرح ويمرح لتشكيل خلق بصري مدهش يغري المتفرج بالبحث عن مفاتيح فهم العمل ولكن بدون جدوى  بالرغم من اعتماد العمل على عناصر بيئية كالسلال والطبول والربابة والمهباج والناي والبسط الملونة، بالإضافة إلى استخدام تقني جيد للظل والنور، وظفت كلها لإصدار أصوات وعمل تشكيلات وصياغة أنساق من الإشارات الغامضة.. أو اللاإشارات! فكان العرض كقصيدة من الشعر الحديث المبهم، بالرغم من توفر المتعة والجمال فيه. وقد أجمع الحضور على أن دلالات النص والمنصة قد استغلقت عليهم، وقال الكاتب المسرحي محفوظ عبد الرحمن في الندوة التطبيقية: ” حاولت بجهد حقيقي أن أفهم شيئا في العرض فاكتشفت أن هذا مستحيل، ولما كففت عن البحث والفهم استمتعت. ثم عدت إلى النص وقرأته لعلني أفهم فزادني غموضاً”.

ترى هل كان المؤلف، ثم المخرج، يبحثان عن تقديم طقس سحري مسرحي للمتفرج لتحقيق مستوى عال من الدهشة والإبهار؟ أم أن وقوع المقولة في دائرة التابو السياسي والاجتماعي جعلتهما يلجآن إلى طقوس السحر؟ وبخاصة وأن المقولة التي فهمتها وبكثير من الصعوبة هي كما يلي: البطولة الفردية ( نظام الحكم المطلق) مرفوضة ، وهذا ما توضحه العبارة الأخيرة من العرض : ” فلينته زمن البطولة، ولنرسم البداية من تحت أقدام الحفاة، من فوق أرض صامدة، وكلنا بطل”.

أصبحت المسافة بعيدة تلك التي تفصل ما بين المسيرة الأولى للمسرح العربي حيث الخطاب الواضح والمباشر والالتزام بالبيان المسرحي الأول لأبي خليل القباني، وبين ما وصلت إليه بعض الاتجاهات الحداثية اليوم على منصة العرض.

بيان مسرحي من القرن19

     المسرح العربي كان له مساره الخاص، وإذا تجاوزنا ألوان الفرجة والظواهر المسرحية التي كانت مجرد احتفاليات وطقوس ومشاهد للمتعة أو التطهير أكثر من كونها مؤشرات مسرحية متحركة بحركة حضارات شعوبها مثل عروض: البساط والحلقة والحكواتي والسماجة والأعراس والتعازي الحسينية، فإن المسرح لم يتوضع في لوحة الحضارة العربية إلا في عام 1948م على يد مارون النقاش حين قدم في بيروت مسرحية البخيل ثم مسرحية أبو الحسن المغفل عام 1850م .

غير أن المسرح كبيان فكري ونهضوي ، وفعل قاصد للكشف والتغيير الاجتماعي، ومنهج بدئي تربوي وتعليمي كان على يد أبي خليل القباني الدمشقي الذي بدأ مسيرته بعرض مسرحية ناكر الجميل ( 1871م) وتلتها مسرحيات أخرى ثم هاجر بفرقته إلى مصر. وإذا كان مارون النقاش قد انطلق من الإعداد عن المسرح الغربي فإن القباني انطلق من التأصيل باستلهام التراث العربي، وأسس لمسرح غنائي احتذاه آخرون في مصر.

أصدر القباني بيانه المسرحي فجاء دلالة واضحة على وعيه العميق بدور المسرح الحضاري وارتباطه بالتربية الفكرية والفنية وبقضايا الأمة والمجتمع وتقويم السلوك الفردي. يقول:

” التمثيل جلاء البصائر، ومرآة الغابر، ظاهره ترجمة أحوال وسير، وباطنه مواعظ وعبر. فيه من الحكم البالغة والآيات الدافعة ما يطلق اللسان، ويشجع الجبان، ويصفي الأذهان. ويرغِّب في اكتساب الفضيلة، ويفتح للبليد باب الحيلة، ويرفع لواء الهمم، ويحركها إلى سابقة الأمم، ويبعث على الحزم والكرم، يلطف الطباع، ويشنف الأسماع، وهو أقرب وسيلة لتهذيب الأخلاق، ومعرفة طرق السياسة، وذريعة لاجتناء الآداب والكياسة..” * وهذا البيان المسرحي المكتوب بلغة القرن التاسع عشر لا يقل في تحديد الأهداف التربوية والتعليمية والفكرية عن أي بيان مسرحي معاصر. ولأن هذه الأهداف تقع في المنظومة التربوية لمدارسنا فإن الولادة الثانية للمسرح في أغلب البلاد العربية قد نهض بها المسرح المدرسي قبل تأسيس النوادي ثم ظهور المسارح القومية والاحتراف.

ولادات وريادات في المسرح العربي

     ولد المسرح العربي، بعد اطلاع روّاده على عروض غربية وافدة أو عروض أخرى في مواطنها الأوربية، ولد ليس بدواعي التقليد فحسب وإنما من وعي الطبقة المثقفة بالدور الحضاري للمسرح، وتأثيره السحري في النفوس كشفاً وتهذيباً وتحريضاً، ومهمته في النهوض بالوعي الوطني والقومي في فترة كانت الأمة العربية تواجه الاستعمار بالثورات الوطنية، ومن ثم جاءت مرحلة الحفاظ على المكتسبات التحررية ومواجهة المؤامرات الخارجية، ونقد الأوضاع الاجتماعية والتصدي للفساد والطغيان، ثم جاء الراهن في التصدي للإمبريالية الجديدة المتمثلة في عولمة الوطن العربي والسيطرة على إرادته وموارده وطمس هويته الثقافية والحضارية ، ولم تغب يوما في هذه المراحل النضالية عن منصة المسرح أو في نصوص المسرحيين القضية القومية الأولى فلسطين وجرائم الاحتلال الصهيوني. من كل ذلك كانت الولادات الأولى فحركة المسيرة والريادات في المسرح في مختلف الأقطار العربية، ومن الطبيعي أن تكون متشابهة لأن المؤثرات والأوضاع واحدة.

بعد بيروت ودمشق كانت ولادة أول عرض مسرحي في حلب عام 1872 حين قدم يوسف نعمة الله جد مسرحية بريجيت في عرض مشهود حضره والي حلب العثماني، وفي عام 1887م قدم أوغسطين عازار مسرحية أفجيني.

في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي كانت الولادة الثانية للمسرح وفي الخمسينات والستينات تسابق المسرحيون لتأسيس الفرق المسرحية، وشهد المسرح عصراً ذهبياً امتد حتى أواخر السبعينات ثم بدأ الجمود والعد التراجعي، وأثرت في مسيرة المسرح، وبخاصة في سورية حمى المسلسلات التلفزيونية، ثم بدأ المسرح ينشط من جديد في دمشق العاصمة في أواخر التسعينات غير أن أفضل العروض ما كان يستمر سوى مدة محدودة تتراوح من عدة أيام إلى عشرين يوما. أما في المحافظات فبقيت العروض والفرق محدودة ولم تستطع المهرجانات المحلية فيها أن تخلق حركة مسرحية دائمة ومتطورة بالرغم من الإصرار النبيل على استمرار بعضها وبخاصة مهرجاني حمص وحماه.

في مصر كانت أول مسرحية مصرية التأليف عام 1894م بعنوان صدق الإخاء لإسماعيل عاصم. ثم تزعم سلامة حجازي المسرح الغنائي، وجاء توفيق الحكيم لينهل من التراث الشعبي والديني، وأسس أحمد شوقي للمسرح الشعري.

في السودان بدأ المسرح مع خالد أبو الروس في مسرحية تاجوج والمحلق عام 1932م ثم تلاها خراب سوبا ، وتتابع الكتاب المسرحيون وتأسست فرق عديدة، وظل التراث السوداني الغني والمتنوع منهلاً للكتاب المسرحيين.

في العراق انطلق الكُتّاب من التعازي الحسينية إلى التأليف المسرحي فكان أبرزهم يوسف العاني وقاسم محمد ، وتناول بعضهم شخصيات وموضوعات قومية وتاريخية مثل : جلجامش. المتنبي. بغداد الأزل..

وفي الكويت كانت أول مسرحية كويتية تأليفا هي عشت وشفت لسعد فرج عام 1964م ثم حقق المسرح الكويتي قفزة كبيرة على يد المخرج الراحل صقر الرشود وتعاونه مع الكاتب المسرحي عبد العزيز سريِّع، ثم برز مخرجون وكتاب آخرون تابعوا مسيرة المسرح وكان لمهرجان الكويت المسرحي الأثر في ظهور مخرجين وكتاب شباب جدد.

وفي قطر والإمارات والبحرين لقي المسرح دعما خاصا وتأسست فرق عديدة منها مسرح أوال والجزيرة في البحرين، وفرقة المسرح القطري، وكان لمهرجان الشارقة المسرحي والمهرجان المسرحي لمجلس التعاون الخليجي الأثر في دفع مسيرة التأليف المسرحي والعرض المسرحي إلى الأمام، ومن أهم الأسماء التي برزت وأسست للمسرح الخليجي الحديث عبد الرحمن المناعي من قطر.

في المغرب برزت أسماء عديدة منها الطيب العلج الذي عمل على تأليف ومغربة أعمال مترجمة مثل طرطوف باسم الشيخ متلوف. والطيب الصديقي الذي قدم تجارب متميزة في استلهامه للتراث العربي مثل مقامات الهمذاني ، والإمتاع والمؤانسة. ومثل عبد الكريم برشيد في مسرحياته وتنظيره في المسرح الاحتفالي.

وفي تونس كانت تجارب محمد إدريس وعز الدين المدني رائدة ، وكان لمهرجان قرطاج المسرحي دور فاعل في دفع الحركة المسرحية إلى الأمام مثلما كان للمهرجان الأم دمشق المسرحي الأثر الكبير في تنشيط الحركة المسرحية ليس في سورية فحسب وإنما في دول عربية عديدة.

أما في لبنان فقد برزت أسماء كبيرة كيعقوب الشدراوي، ومن المسرحيات التي قدمها في مهرجان دمشق مسرحية العتب على البصر، وروجيه عساف في مسرحياته حكايات 36، وأيام الخيام،ومذكرات أيوب.

حين نعود إلى تاريخ المسرح العربي نجد أن المسرح المدرسي في عديد من البلاد العربية كان البداية، ثم تلاه تأسيس الفرق الخاصة. وكان تأسيس المسارح القومية في العديد من البلاد العربية اعترافا من الدولة بالدور الثقافي والحضاري للمسرح.

      هؤلاء من الذين بنوا أول خشبة للمسرح العربي، ومن الذين تابعوا بعدهم روّادا ومنتجين للعرض المسرحي، أقاموا عمارة المسرح العربي في مختلف أقطاره على دعامتين: المضامين والأشكال، المتطورة والمتغيرة بتطور وتغير الأفكار والأحداث والمناهج الفنية.

ولكن ظل المسرح ـ غالبا ـ أسير قيد المكان الذي أنتج فيه العرض، فهو ليس كالرواية أو الدراما السينمائية والتلفزيونية سهل الانتقال والانتشار، لأن انتقال عرض مسرحي من مدينة إلى أخرى أو خارج القطر يتطلب إعداداً مسبقاً وكلفة مادية عالية.

كما أن حركات التأصيل لمسرح عربي والتي بدأها مؤلفون ومسرحيون أخلصوا لهذا الاتجاه بمسرحياتهم ودراساتهم خبا بريقها لصالح عروض مغرقة في محاكاة النماذج والاتجاهات الغربية التي لها ما يبررها في مجتمعاتهم. والتي يغرق بعضها في الشكلانية بالاعتماد على أسلوب المسرح الحركي، وتشير الأدلة إذا استعرضنا المواسم الأخيرة للمسرح في سورية إلى انحسار النص المسرحي السوري خاصة والعربي على الخشبة، وخضوع العرض لسلطة المخرج المطلقة الذي قام بإقصاء المؤلف المسرحي معتبراً من سبقه في المشهد المسرحي “دقة قديمة” وأنه وحده المبدع الذي ” يرى كل شيء ويعرف كل شيء ” وهكذا أصبح هو المؤلف والمعد والدراماتورغ ومخرج العرض أيضا، فاحتلت الخشبة بعض نصوص مفككة، وعاد النص الأجنبي يتسيد الساحة على أيدي مسرحيينا الشباب معَداًَ من قبل المخرج أو مقتبساً أو مستلباً بالرغم من كل دعاوى مناهضة العولمة والاختراق الثقافي.

المؤلف المسرحي هو حامل لواء الفكر، أياً كان اتجاهه الفني وإيديولوجيته، والفكر هو أساس كل حضارة، ومنهل كل ثقافة، والمخرج الذي تستغرقه التشكيلات البصرية وتقنيات المسرح وسحره عن قراءة الواقع بأبعاده الثلاثة – الماضي . الحاضر . المستقبل- وعن تحليله وتقديم الأفكار، ومخاطبة العقل، واستبطان المشاعر والعواطف، لا يمكن أن يحل محل المؤلف المسرحي الذي يفرغ رؤيته للعالم في خطابه النصّي، والذي هو الأساس في خطاب المنصة.

إن غروب شمس المؤلف المسرحي الذي بدأ لدينا، ونشهده اليوم، تبعه بالضرورة انحسار قضايانا المحورية عن مجتمع المسرح في مرحلة هي الأخطر في تاريخنا، لأن المخرج لا يستطيع أن ينهض بهذه المهمة، وهي ليست في دائرة اهتمامه. وإذا كنا نجد اليوم على قلّة هنا وهناك عروضاً مسرحية تتناول هذه القضايا فإننا سوف نقرأ في كراس العرض أن هنالك مؤلفاً وراءها هو الأساس في هذه الأطروحة المسرحية.

إن سحر المسرح كامن في ثنائية المضمون والشكل في إطار خطاب واضح القصد والنهج. وإن دكتاتورية المخرج وإقصاءه للمؤلف يعني سيادة الشكلانية وشعوذات السحر.

* كامل الخلعي. الموسيقي الشرقي. ص 139 . القاهرة

عبد الفتاح قلعه جي – سوريا

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح