المسرح في الصين

التغير الاجتماعي:
أعدت الصين برنامجا اجتماعيا بهدف التغيير في بدايات القرن الماضي، يرنو الى الاعتراض على كل تدخل خارجي في نمط الحياة الصينية. امتد هذا البرنامج حتى منتصف القرن لخمسين عاما ليتغذى على عاملين رئيسين في التغيير. الأول هو تعديل حق المواطنة، والثاني إرساء الاستقلال القومي في الحفاظ على مسيرة تاريخ الصين، ومع هذا البرنامج تسقط حركة الإصلاح عام 1898م، وتنبثق عام 1912م بإصلاحاتها الجديدة التي وضعت في سُلَّم اولوياتها اصلاح التعليم وتطوير الإدارات. ويعتبر عام 1919م هو عام التحرك الفعلي نحو التغييرات الاجتماعية المنشودة. وفي الرابع من شهر مايو من نفس العام تحديدا تنطلق شرارة الدفع القوية نحو إرساء قواعد الحياة الثقافية، بدءاً من اللغة المعبرة عن روح الاستقلال القومي وانتهاءً ببرنامج ديمقراطي يمس كل المواطنين، وفي غلبةٍ على لغة الحديث قبل اللغة المكتوبة.
وبرز «المسرح» كواحد من اعمدة الثقافة الحديثة، فقدمت مسارح الصين الاوبرات التراثية التي تعبِّر في كل اقليم عن حياته المحلية، واكتظت المسارح في احتفالات اعياد السنة الجديدة بكل الفلاحين والبسطاء. كما قدمت مسارح المدن الكبرى عروضاً اكثر رُقيا لجماهيرها.
وتضمنت نظريات الايديولوجي ليانج تشي تشاو مجموعة نظامية من المفاهيم في موضوعات الحياة والثقافة البشرية لمحتوى تفكير مميز ينم عن اهداف متكاملة تشكل قوام البرنامج السياسي والثقافي والاجتماعي الجديد نظريا. أما تطبيقاً في المسرح فقد حوّل الاغاني والاشكال التراثية الى موضوعات عصرية تقترب من الموضوعات الأوروبية. وبذلك سبق المسرح ثورة اللغة وثورة الأدب معاً.
كان الرابع من مايو 1919م نقطة انطلاق كُتاب الآداب نحو شعار جديد اسموه «شباب يافع» هِسِنْ تشنج نيان Hsin csing nien شبابية في المجلات، وانذار للغة القديمة العالمية. وكان لا بد ان تنبثق حركة الترجمة من آداب اوروبا الغربية، واحيانا باللغة العالمية القديمة. وسادت حركة الترجمة هذه وباللغة الجديدة البسيطة كل اقاليم الصين ومسارحها، وسرعان ما قدّم مؤلفون صينيون درامات محلية باللغة السهلة السائدة.(2)
 
 
قفزات تجاه الثقافة المسرحية
حاولت الصين تحقيق ثقافة مسرحية عبر برنامج لتطوير الفرق المسرحية جاء على النحو التالي:
1 ارسال مبعوثين الى الخارج لدراسة فنون الدراما والمسرح. توجهت هذه البعثات الى اليابان واوروبا وامريكا. روّج طلاب المسرح المبتعثون في اليابان لشعار شباب يافع عارضين وبإخراجهم درامات تحمل اللغة الصينية السهلة التي نقلت صورة لتطور الثقافة الصينية «الإعداد لدرامة كوخ العم توم» على مسارح اليابان، والتي تنتهي بانتصار الزنوج.
وبعد انتهاء دراسات المبعوثين نشطت حركة المسرح في شنجهاي وعدة مدن صينية اخرى، وتألفت عدة فرق مسرحية من الهواة تحاول بالتجريب في مسارح عصرية، وقُدمت عروض ارتجالية كشكل من اشكال التجريبي الحديث. وكلها جهود مخلصة ناحية انعاش حركة المسرح الصيني الحديث.
2 النشر الصحفي
انتشر محبو جماعة شباب يافع في معظم وسائل الإعلام المقروءة. لنشر الدراسات المسرحية، ومقالات قيِّمة تهدف الى نشر رسالة المسرح الحديث، واقتراحات الاصلاح العاجلة، وقدّم هوشي Hu sa احد دارسي المسرح في امريكا منهجا لغويا للغة المسرحية، وآخر للغة الكلام والحديث المنتشر بين العامة، ومسرحية نموذجية للغة العامة تحتضن الدرامية الصينية المأمولة والمرتقبة في عالم المسرح الجديد.
كما قدّم كيو موجيو Kuo Mo zso الدرامة الشعرية الأولى التي تجمع بين اللغتين الأدبية والعامة.
3 الهواة والأدب الدرامي الكلاسيكي
اشتغلت فرق الهواة وأغلب أفرادها من المثقفين على إحياء الآداب الدرامية الغربية، وهو ما اتاح المجال لزيادة حجم الدرامات العالمية على خشبة المسارح الصينية «تقديم أعمال هزيك إبسن، جورج برناردشو، موريس ما ترلنك، وهي درامات نرويجية وانجليزية وبلجيكية» قام بها طلاب الجامعات في شنجهاي وبكين.
4 في عام 1925م يتكون اول مسرح يعمل في استمرارية في مدينة شنجهاي، اول مسارح الجنوب الذي اخذ على عاتقه ايضا تخريج دفعات تحفظ علمية المسرح من ممثلين ومخرجين ودراماتورج.
كما تعهد كاتب القصة ماأو تون MAO TUN جماعة باسم دراما الجماهير اصدرت مجلة باسم «الدراما» هي تشي HSI CSU عملت على نشر النص الدرامي الاصلي بلغته الاجنبية اضافة الى نفس النص مترجماً الى الصينية.
5 تتعمق جهود المبعوثين الى الخارج عندما يتولى هانج سن HUNG SEN «1894 1958م» المخرج العائد من جامعة هارفارد الامريكية وأحد خريجي استوديو الامريكي جورج بيكر تنفيذ فكرة استوديو المسرح الامريكي «المعمل 47»)1( في الصين للتخصص في انتاج التجارب المسرحية. اشتغل المعمل على دائرة ضيقة من جماهير الصفوة وطلاب الجامعات.
وأمام هذه الاتجاهات العديدة في الثقافة المسرحية العصرية وتأثيرات الاوبرا الصينية ظل المسرح مخلصا للاوبرا التقليدية التراثية التي كانت في اوج ازدهارها تقوم برحلات فنية ناجحة في اوروبا وامريكا، وداخل المدن الصينية.
وعندما حدث العدوان الياباني على الصين والذي استمر بين اعوام 1937 1945م كان المسرح وباللغة الصينية العامة لغة حديث الجماهير هو الدعاية الوطنية لنشر الفكرات والمعلومات وفن الترويج لقضاياه واعلان دعاياته واستخدامها اعلاميا وفنيا، الأمر الذي ابلت فيه العروض المسرحية بلاءً حسنا لا يزال محفورا في التاريخ الوطني الكفاحي الصيني حتى اليوم. ونظرا للتوسع الكبير في الدرامات التجريبية والعصرية فقد افتتحت معاهد للفنون المسرحية العصرية تدرس أسس فنون التمثيل الحديثة.
طبيعي ان يؤثر اجتياح اليابان للصين، ووضع يدها على أغنى الأراضي الصينية في الثقافة الواعدة آنذاك. ظلت تشانج كنج العاصمة الصينية اثناء الاحتلال، كما هي نفس العاصمة في الجنوب. وكان من جراء ذلك هرب المثقفين وفرق مسرحية بأكملها الى هونج كونج. وكان ذلك ايذانا بتراجع الثقافة الصينية لبعض الوقت. لكن الاصرار الصيني لم يتأثر كثيرا. اذ يتضح تقدم تقني هائل في المسارح العصرية.. في الأزياء والمناظر وفنون التمثيل رغم كل الأحداث العصيبة، التي مسّت مشاعر الفلاحين فحركتهم الى فدائيين واعلت من الدعاية داخل القرى والنجوع، وخرجت الأوبرات المعروفة باسم يانجكو JANGKO اغانيها ورقصاتها لتكون اكبر دعاية فاضحة للاستعمار الياباني.
المسرح الصيني المعاصر
مسرح واسع عريض يمتد افقيا ورأسيا في كل جنبات البلاد واسعة الارجاء «961،596.9 كيلومتر مربع بتعداد سكان يبلغ «000.220.072.1 نسمة، يتحدثون لغات الماندارين اللغة الصينية الشمالية لغة البلاط والطبقات الرسمية في عهد الامبراطورية، لغة كانتون، لغة شنجهاي، لغة فُوكْيِنْ، لهجة هاكّا HAKKA، لغة التبت، فيجس».
يعمل في العاصمة اليوم بكين 14 مسرحا كلاسيكيا، الى جانب مسارح عصرية تداني المسارح الاوروبية «بعض المسارح العصرية لا يعمل بنظام الاستمرارية». اهم مسارح الصين مسرح الفن الحكومي في بكين. مبنى خاص به، وتفرع عنه عدة فرق مسرحية، تتبعه المدرسة العليا لفنون التمثيل بالعاصمة بكين. يقدم المسرح المؤلفين الدراميين الجدد، وبهذا البرنامج المتنوع يتيح لكل طبقات المجتمع الصيني مشاهدة ما يستهويهم ويتناسب مع ثقافتهم وهواياتهم.
جاءت الخطة الثقافية بعد التحرير «1945م» لتفصح عن اقتناع الحكومة لتطوير المسرح، والحركة الثقافية ككل. وفي تركيز على انتاج المسارح الشعبية. فانتعش مسرح خيال الظل احد المسارح الهامة التي تستهوي جماهير الصين «هناك 30 مسرحا من هذا النوع في بكين وحدها». وهناك اكثر من فرقة مسرحية عاملة في المدرسة العليا للفنون التطبيقية اضف الى ذلك مسارح للعرائس تجوب اقاليم الصين وتعرض عروضها سنويا في اليابان وكويا.
ويربو عدد هذه المسارح على 70 مسرحا في بكين. عام 1953م يُنشأ مسرح العرائيس الحكومي في العاصمة ليجمع كبار لاعبي العرائس ويُعلم الفن العرائسي للشباب والهواة.
كما ازدهر فن الرقص الشعبي وخُصصت اموال كثيرة لتصميم الازياء وتنفيذها، سواء في الرقص التعبيري او الرقص الشعبي الذي يرضي جنسيات آسيوية تعيش على ارض الصين «من كوريين ومنغوليين ومن التبت».
ويبقى المسرح الصيني المعاصر يحمل في العصر الحديث مختلف الانواع الثقافية والوطنية والترفيهية والعصرية في القارة الآسيوية، تستهلكه الملايين لتجد فيه متعة ذات مذاق آسيوي خاص، قلّ ان نعثر عليه في بقية قارات العالم.(4)
 
 
الهوامش

1- الفكر الصيني , تأليف ج.ه. كريل, ترجمة عبد الحميد سليم,الهيئة المصرية,1998 ,ص 24 -26
2- جذور الأدب العالمي,المسرح الصيني المعاصر,أ . د . كمال الدين عيد, صحيفة يوميةتصدرهامؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر, الخميس 19 ,جمادى الاولى 1422 , العدد:10542
3- الأرديس نيكول , المسرحية العالمية ,هلا للنشر,2004الجزء الرابع,ص 104-115
4- جذور الأدب العالمي,المسرح الصيني المعاصر,أ . د . كمال الدين عيد.مصدر سابق.

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.