المسرح علاج لكل علة

حب عبد القادر مسعودي للمسرح مثل تعلق العاشق بمعشوقته لا يمكن له أن يتخلى عنه ولو اعترضته هموم ونوائب، فمنه يستلهم ومنه يبدع، ولو كان باستطاعته لتفرّغ له بالكامل، إلا أن لظروف الحياة كلام آخر، ومع ذلك، يتمسّك المسرحي بحبه إلى آخر نفس له.

تحدّث عبد القادر مسعودي ابن مدينة شفة (البليدة)، لـ«المساء”، عن تعلّقه بالمسرح منذ أن كان طفلا، وبالضبط في المدرسة الابتدائية على يدي الأستاذ رشيد خرابي، فكانت الانطلاقة في هذا العالم الجميل، ليشرع الفنان في الإلمام ودراسة كلّ ما يتعلّق بالفن الرابع، مؤمنا بأنّ الدراسة ستمكّنه من إتقان هذه “المهنة”؛ الفن، وفي هذا السياق، التحق في سن المراهقة بالمعهد الموسيقي والفنون المسرحية بساحة الشهداء، ودرس هذه المرة على يدي بديش العاشق للمسرح هو كذلك، لكن ظروف الجزائر آنذاك لم تمكّنه من مواصلة دراسته رغم المستقبل الواعد الذي كان ينتظره، حسبما كان يعده به أستاذه.

الغطس في بحر الفن الرابع

هل فشل عبد القادر في تحقيق حلمه؟، لا، وإن لم يسر في الطريق التي كان يريدها والمتمثّلة في دراسة هذا الفن أكاديميا، فعمل في فرقة حرة مع بن شيكو الذي سبق له أن درس مع فريدة صابونجي وقريقش وتعلّم منه الكثير، حتى أنّه أعاد معه مسرحية محمد توري “زعيط معيط ونقاز الحيط” بقاعة توري سنة 2001، وقال عبد القادر بأنّه لم يستطع المشاركة في أيّ مهرجان لأنّه لم يكن منضما لأية جمعية أو تعاونية، ليقوم رفقة أصدقائه بتأسيس جمعية “ربيع الحياة”، فكانت الانطلاقة الفعلية، حيث شارك بمسرحية كتبها بعنوان “وين راهي الرجلة يا بني” في مهرجان مسرح الهواة بمستغانم وتحصّل بها على الجائزة الأولى التي سحبت من الفرقة بعد أسبوع بفعل الكولسة – حسب المتحدّث-.

❊ مسرح المدارس، الملاذ الناجع

أضاف عبد القادر أنّ أعضاء الفرقة افترقوا خلال فترة الإرهاب التي عصفت بالبلاد لسنوات، ولجأ هو إلى مسرح المدارس، حيث كان يقدّم مسرحيات مع بهلوانيين في المدارس وكان يتحصّل في اليوم الواحد على خمسة آلاف دينار، وهو ما كان يعتبره دخلا جيدا، خاصة أنّه لم يكن يسترزق من عمل آخر، ويضيف أنّ الوحيد الذي لم يفشل من أعضاء الفرقة، كان صديقه محمد عنون الذي أسّس جمعية “سندس” وفتحها على مختلف الفنون، فكانت خطوة ناجحة ما تزال تجني ثمراتها إلى اللحظة، الشيء الذي دفع بعبد القادر إلى الالتحاق بها وتنشيط فرعها المسرحي.

وتحدّث صاحبنا عن توجّهه إلى مسرح المدارس، وقال بأنّه طريق لا بدّ من المرور منه لمن لا “يأكل” من الفن الرابع، وهذا ما نصحه به الفنان حمزة فغولي (ماما مسعودة)، الذي يجول المدارس رفقة ابنه، حيث نصحه باتباع هذا المسار المربح وعدم الاكتفاء بالعروض المسرحية التي لا تغني من جوع.

وعاد عبد القادر إلى ظروفه الخاصة التي أجبرته على عدم احتراف الفن الرابع، خاصة حالته الاجتماعية التي لم تمكّنه في السابق من عرض مسرحيات في مختلف مناطق البلد، لكنه اليوم وبفعل مهنته في النجارة، يستطيع الاهتمام أكثر بالمسرح، رغم أنّه مدرك بأنّه لن يلتحق بمقاعد الدراسة في معهد المسرح، ومع ذلك فهو مصمّم على مزاولة هذا الفن إلى غاية آخر رمق من حياته.

❊ نكران للجميل

تأسّف عبد القادر عن كل الجهود التي بذلها لصالح شباب أحب المسرح وكاد أن يفشل بسبب الصعوبات والعراقيل التي اعترضت دربه، فكان لهم الناصح والصديق، إلا أن معظمهم تنكّر له بعد صعوده إلى سلم النجاح، مضيفا أنّ عادل الشيخ الذي يشارك في برامج فكاهية في التلفزيون، كان له المساعد الأمين في مسيرته الفنية، مضيفا أنّه تلقى اتّصالا منه مؤخرا.

وأكّد عبد القادر على أهمية المسرح في تربية الأجيال، بل عبّر عن تيقّنه من مهمة المسرح في إيصال رسائل تمسّ مختلف أطياف المجتمع، وتنقذ الشباب من السقوط في الهاوية، معتبرا أنّ المسرح يمثّل مرآة للمجتمع يرى من خلالها نفسه ويصلح عيوبه، ليعيد ويكرّر أنّ المسرح مهم جدا في “إنقاذ” المجتمع، وأنّه الحل الناجع لـ«هداية” الشباب.

وطلب عبد القادر من السلطات، الاهتمام بالمسرح الذي يصلح المجتمع، مؤكّدا أنّ المال ليس هو الحل، كما أنّ التربية لا تعود إلى الوالدين فقط، بل المسرح هو الذي يربي ويجب أن يكون في المدارس والمراكز الثقافية وحتى على مستوى العائلة، حينما يجتمع الأب بأطفاله ويلعب معهم، داعيا إلى أن يكون الاهتمام أكبر بالفن الرابع لأنه أب الفنون.

كتابات جسّدت وأخرى حبيسة الأدراج

كتب عبد القادر الكثير من النصوص المسرحية، بعضها تجسّد على الخشبة وبعضها لم ير نور بعد، من بينها مسرحية “وين راهي الرجلة يا بني” التي فاز عن طريقها بجائزة مهرجان مسرح الهواة، إذ تحكي قصة إنسان يفقد إنسانيته حينما يتغيّر جذريا لسبب ما، واختار عبد القادر شخصية رجل باع “رجلته” حينما تزوّج بامرأة متسلّطة ثرية، كي يعالج والدته المريضة، وأشار عبد القادر إلى أنّه أراد أن يسلط الضوء على حالات تفقد إنسانيتها بسبب المال.كما كتب أيضا مسرحية لم تر النور حول ظاهرة اختطاف البنات قبل أن تصبح شائعة في المدة الأخيرة، وثالثة عن الربيع العربي بعنوان “تدور الأرض وما يدورش عقلك” حول شاب يحاول أن يهرب من مرارة الواقع السياسي، فيلجأ إلى الخمر ويشعر بدوران رأسه، فيقول له والده؛ “تدور الأرض وما يدورش عقلك” أي لا تترك الناس يلعبون بك فتسبب أذى لبلدك.

❊ شيء من الدراما وأشياء من الفرجة

يهتم عبد القادر بغرس الفرجة في أعماله حتى يجذب بها الجمهور، لكنه يتناول أيضا نوعا من الدراما، فهو يأخذ الجمهور من البكاء إلى الضحك ومن الضحك إلى البكاء، ويرفض في المقابل دعوة البعض إلى عرض المسرحيات في “الحلقة”، لأنّه يعتقد أنّ المسرح له فضاؤه الخاص، مضيفا أنّ المسرحي ينتقل إلى الجمهور ليعرّفه بالمسرح، لكن في حال كان معتادا عليه فهو يفضّل أن يقدّم أعماله على الركح، ويأتي هذا الجمهور بطوعه، في المقابل اعتبر المسرحي أنّ للمسرح مهمة أخرى تتمثّل في تعريف العالم اللهجة المحلية.

وقال عبد القادر بأنّ مسرحياته تلقى إقبالا كبيرا من الجمهور، لكنه حدث أن عرض مرة واحدة أمام جمهور قليل، فتساءل عن سبب هذا العزوف، وقال أيضا بأنّ العرض الأخير لمسرحية “صورة الشهيد” عرف إقبالا كبيرا لمحبي المسرح، رغم أنّ الدخول حدّد بـ500دينار جزائري، كما تأسّف أيضا عن غياب الجمهور في قاعات العرض العاصمية، رغم أن العاصمة تضمّ مدرستين لتعليم المسرح، ليطلب من السلطات تزويد كلّ منطقة بمدرسة تعليم أبجديات الفن الرابع.

❊ أمل في ميهوبي

عاد عبد القادر للحديث عن أهمية المسرح وهذه المرة في علاج العقد النفسية للأطفال، فقدّم مثالا عن طبيب جراح يخاف طفله من المهرج، فلجأ إلى عبد القادر حينما كان سيقدّم عرضا في المدرسة التي يدرس فيها طفله، وأخبره بعلة ابنه النفسية، فما كان من عبد القادر، إلا أن دعاه وأشركه في عملية تغيير الإنسان إلى مهرج، ـ حيث كان يقدّم عرضا برفقة مهرج-، لتحل عقدة الطفل حتى أنّه شارك في العرض المسرحي أيضا.

في المقابل، أكّد عبد القادر أنّ المسرح له دور كبير في الكشف عن النقطة البيضاء التي يحملها كلّ إنسان ولو كان منحرفا والدليل بكاء مراهق سيء السلوك أثناء عرض مسرحية “وين راهي الرجلة يا بني”، كما وقف الجمهور مع الشخصية البريئة ووقف ضدّ الشخصية السارقة ولو أنّ من بين الجمهور نجد السارق أيضا. وقال عبد القادر بأنّه متفائل بوزير الثقافة عز الدين ميهوبي الذي حسبه، أتى بسياسة جديدة تهدف إلى فتح الأبواب أمام كلّ الفنون، وفي مقدّمتها المسرح، مضيفا أنّنا نعيش غزوا ثقافيا خطيرا يجب التصدي له وهو ما أبرزه في مسرحية “صورة الشهيد”، كما أعاب على القدامى عدم سردهم لتفاصيل حياتهم أثناء الاستعمار الفرنسي والاقتصار فقط على سرد جهاد الثوار، رغم أنّهم لم يستسلموا للغزو الثقافي الفرنسي، ليطلب من الوزير أيضا المساهمة في الاستقلال الثقافي.

كما كشف عبد القادر عن مشروعه الجديد والمتمثّل في كتابته لفيلم قصير من ثلاثة أجزاء، الجزء الأوّل بعنوان “البحث عن المال” والثاني “البحث عن الزوجة” والثالث “البحث عن السكن”، من بطولته رفقة كل من رفيق زروخي ومحمد عنون، ويحكي قصة ثلاثة شباب يهيمون بحثا عن متاع الدنيا، وهنا يكشف عبد القادر عن عدة حقائق مثل استفادة سكان الأحياء الهشة من مساكن لائقة وغيرها، في المقابل دعا المسرحي مصوري ومخرجي مدينة البليدة لمساعدتهم بمعدات التصوير.

 

لطيفة داريب

http://www.el-massa.com/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.