المسرح خارج النص ملاحظات تمهيدية حول مسرح أمين ناسور :ذ.بوسرحان الزيتوني

ناسور
أمين ناسور

المسرح خارج النص ملاحظات تمهيدية حول مسرح أمين ناسور بقلم : ذ.بوسرحان الزيتوني

ربما يعتقد البعض، وخاصة المتحذلقين الذين يمتليء بهم للأسف عالم مسرحنا الفقير إلى رحمة صناعه ، أن من السابق لللأوان الحديث عن مسرح أمين ناسور، إذ، يفترضون أن الرجل الثلاثيني من عمره، والذي ليس في جعبته سوى بضع مسرحيات (12 مسرحية)، لا يمكن أن تشكل ، في قاطع يقينهم، أساسا للحديث عن مسرحه، في وقت أن ما ينتجه أمين ناسور يسترعي الإهتمام، ويفرض البحث فيه لأنه صوت يتميز، بخيارات مسرحية، تناقض السائد، مستلهمة أفضل من يمكن اعتباره حقيقية المسرح وجوهره، بعيدا عن أية استعارات قاتلة، قد تفسد حلمه…

في بعض البحث المسرحي المغربي ، يحلو لبعض أبطاله، أن يجدوا فينا صدى مسرح آخر( عادة ما يبحثون عن ما قد نشبهه)، أو قد يريدون أن يحقق مسرحنا ما لديهم من استيهامات وفانتزمات خاصة، تجعل خلاصات مقروؤهم أساسا لفعل المسرحيين. وقد يدفعهم هذا إلى تكريس نماذج، والدعوة إليها، وتسليط الضوء على صانعيها، مقابل أن يدوسوا بأحذية التجاهل تجارب مسرحية لا تسجيب لسريرهم، ولا يسعها مكتبهم العامر. وإن اهتموا على غير العادة ببعض هذه التجارب، فيكون ذلك مؤقتا ، ومن باب رفع العتب، ونفي لتهم والدعوية.

من هذه التجارب التي لم تحض بالاهتمام النقدي اللازم ( الحقيقي وليس الانطباعي) ، ضمن تجارب مسرحية أخرى: تجربة امين ناسور، والتي رغم النجاحات التي تحققها أثناء المشاهدة، والانطباع الجيد الذي تخلفه خلال عرضها، تتعرض لهجوم في أكمام النقاد ومقصلات الشفهي في التبادل الهامس.

وهي اتهامات تتاسس على أمر رئيسي يعتبر من أهم ركائز الفكر المسرحي المتخلف الساكن أو المسكون بعلميته وعالمية أصوله : وهو كون العرض المسرحي هو تجل لنص يحكي قصة تتميز بوحدة أسلوبية واضحة ومركبة تركيبا سببيا مع تناسب في بين المكونات وتماسكها. ولعل خير تمثيل لهذا التوجه البئيس ما ورد بتقرير لجنة تحكيم مهرجان المسرح العربي في دورته 11 ،  من كون ” بعض المعالجات التي عنيت بالهجنة والتهجين وجمع مصادر ثقافية وشكلية وإشكالية مختلفة تحت شعار “مسرح حداثي وما بعد الحداثة” إلى ارتباك في بناء في العرض”، كما يمكن أن تقرأ في التعاليق والبحوث تاكيدا على الاختيار الذكي للنص المسرحي، والاهتمام بالفكر في العرض المسرحي، ووو الى غير ذلك مما يعطب العرض المسرحي، ويجعل من الإخراج مجرد تمرين من تمارين تحقق النص. ( نعني النص المسرحي والذي من المفيد أن نلفت الانتباه أننا نعني به ما يشكل مادة اشتغال للمخرج وقد تم ايجاده قبل العرض سواء كان شكله تقليديا أو غير تقليدي،، أو مجرد خطاطة – أي كل نص ينتظر أن يكون الإخراج بحث عن كيف تحقق مخصوص وخاص لنص هو المسرح الكامن .).

والحقيقة أن أمين ناسور لا يجد نفسه معنيا بتقديم نص/ هو قبل المسرحة، فكل ما هو خارج عن تفكيره في المسرح يكون بالضرورة غريبا عنه.. فالنص بالنسبة له هو فكرة لا صياغة ، فكرة تأتي عارية من كل مساحيق الانضباط المنهجي الأرسطي لنص المسرحية المعتبر محور الوجود المسرحي.

وهي فكرة تنجر الى غيرها من أفكار، تتعدد مصاردها، قد تكون في أغنية أو في نكتة أو في كلمة مرتجلة، أو مجرد لعب /  لهو، قد يكون هو أداة ركحية تصير ملون خطاب العرض. في مسرحية المبروك – مثلا – يصير “الطر” /  آلة الأيقاع هو الراحل والرحلة، حلبة اللعب واللعبة في الوقت نفسه. لا يتوافق لمبروك مع نص أنس العاقل ولكنه لا يغادره، لا يعكسه ولكن يتنفس روحه.

نفس الشيء يمكن التأكيد عليه في مسرحية شابكة عن نص على باب الوزير للكاتب المسرحي عبد الكريم برشيد[1]، ففي المسرح لن تجد من النص إلا بعض شخوصه الأساسية، ومن القضايا الا ما تمثله كل شخصية ، ومن “الأحكية” إلا جانبها الدلالي في صياغة خطاب العرض. دون أن يتناقض مع اتجاه ‘النص” او يصير العرض باروديا Parodie في محاورته للنص.

في جميع الأحوال، يتحول المؤلف بالرغم عنه إلى مجرد مساهم بأسهم في  تكوين العرض، لكنها مساهمة يحددها المخرج لا المؤلف، إذ أن هذا الأخير، يفتح محفظته ليختار منها المخرج ما يسمح به تصوره / حاجات بناء العرض، وقد يختار منها ما يناسبه حتى وإن كان مجرد ملمح ثانوي /  هامشي / عابر. ( الراديو في مسرحية شابكة ..)

قدرة أمين على التقاط الدال من بين “ركام دوال عديدة تتحرك في كلام النص وإشاراته، هو ما يحدد أضالة في رؤيا وعمق في صياغة الجمل المسرحية البلاغية.

وهذا يكسر بالضرورة منطق

ودون أن نتفهم هذا المنطق في صياغة العرض، سنسييء فهم تعاطي أمين ناسور مع النصوص، فهو لا يهملها بل يستوعبها بصياغات مسرحية لا في صياغاتها الأدبية.إنه لا يخضع للنص بل يخضعه للعرض دون أن يناقضه.

ومن هنا يمكن أن أؤكد أن أمين ليس في حاجة ل”نص” تقليدي، لا يحتاج لنص بالمرة، إنه يحتاج إلى حطب لإشعال نار الإبداع، حطب قد يتكون من العديد من المواد وتتداخل فيه الكثير من الاساسات. وهو منطق مفتوح لاستيعاب كل من يؤمن أن العرض المسرحي لا يوجد إلا بذاته وفيها وأن كل العناصر الأخرى هي ترد من حاجة العرض وإليه.

ولهذا عادة ما أجد أن العرض المسرحي عند أمين ناسور هو توليفة بين ألوان متعددة تعطي للعرض حيوية ودينامية خاصة، وتكسر كل ما قد يسبب الرتابة، وينتج بهجة في التلقي، ونقد سياسي وأيديولوجي يدفع المتلقي للتفكير، أو تدفعه للحفر في ماضي حياته الفردية ووعيه وذكرياته وشتاتها.

في العرض الناسوري، يتحرر الممثل من أن يكون شخصية ، إنه يبقى ذاته ممثلا، لا ترتبطه بالشخوص علاقات جسدية، إذ هو لا يعيش معها ، لا يخاطبها، لأن المخاطب، هو المتلقي، لذلك عادة ما يكون الممثل دائما في مواجهة كاملة مع الجمهور حتى في الكثير من محطات الحوار بين الشخوص. الممثل يصير في الآن نفسه الممثل والخطيب والتقني والمغني والراقص، وهذه المستويات لا ترتبط بالشخصية ” الدرامية ” بل بالممثل وفعله.

[1]  – أقدر عاليا د. عبد الكريم برشيد خلال مناقشة عرض شابكة بالقاهرة، وكيف أنه كان فرحا بالعرض لا متعصبا للنص.

ذ.بوسرحان زيتوني

(مساحات)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح