المسرح… بين جدل الفناء والبقاء

785625-730x425

هل النص المسرحي ذلك الجسد الثانوي والفرعي والعرض الاشتغال الجمالي الأوليِّ والأصلي؟ أيهما الداخل والخارج: العرض أم النصّ المسرحي؟ ما الذي يصاحب النص المسرحي ويحيط به ويفارقه؟ هل يترك العرض أثرًا ما؟ وما الأثر الذي يتركه المسرح في [أل-هُنا] و[أل-هناك]؟
منجم من الأسئلة السابقة أعادتني إلى ندوة أقيمت في دورة من دورات مهرجان المسرح الخليجي. ولا يمكن أن تصدر تلك الأسئلة إلا عن قلق يختص بظاهرة التأليف المسرحي في واقع متغيّر تضطلع فيه الميديا ودراما التلفزيون والسينما بأدوار ووظائف غيرت على المدى الطويل جميع أشكال الفرجة ونواع التلقي.

إن لمقولة «المسرح كالقدّاس، ولا بد من الترّدد عليه للإحساس بآثاره» مذاقها الخاصّ. لأنها تَضمر بداخلها بهاء المسرح وفتنته وسحره. وما كان لهذا البهاء وهذه الفتنة أن يدفعان العاشق للارتماء في حضن المقدس (الرُّكح) إلا بارتباط المسرح في ظاهره وعَلَنيته بالعرض المتلاشي، وفي باطنه بالنص الثابت.
ولعلنّا هنا نرتكب حماقة كبيرة حين نجعل من النصّ (نصّ المؤلف) عنصر ثبات المسرح في باطنه الخفي غير الإشهاري إلا على غلاف دعّامة جلاّدة الكتاب، وكذلك عنصر ديمومته في التاريخ.
فمن أين تنبع قوة النص المسرحي؟ وهل تصاب النصوص مع التقادم بالغرور، فنقول مثلا: هذا نص مغرور، وذاك نص مغتر بخلوده!؟ ما الغرور الذي يتعرّض له النصّ؟ ألا تمنحنا بعض النصوص إشراقا ما؟
هذه الجدلية تقرّب [ني]- [نا] من اشتغال باحث النقد البنيوي جيرار جينيت متحدّثا عن مفهوم المناص التأليفي. ما المناص؟ هو «كل ما يجعل من النص كتابا يقترح نفسه على قراءه أو بصفة عامة على جمهوره، فهو أكثر من جدار ذي حدود متماسكة، نقصد به هنا تلك العتبة، بتعبير بورخيس البهو الذي يسمح لكل منا دخوله أو الرجوع منه…». وتعبير بورخيس يُحيل إلى الاتساع لكل شيء..
لقد توسع ج. جينيت في وضع نمذجة لأهداب النص معرفيا عبر المصطلح المشار إليه (بالمناص). ولا يوجد تعارض بين توسعهِ وبين ما سبقه إليه الباحثون المختصون من النقاد واللسانيين، لكن فضيلة جينيت المعرفية وعلى ما حفّها من قصور بسيط تبدو هي الأبرز لسببين؛ أولا لأنها، وبحسب وصف النقد اتسمت بالسيرورة وتميزت «بالاستمرارية والانتظام المعرفي والمصطلحي»، وثانيا أنها فتحت أفاق النقد فشملت فتوحاتها إلى جانب الرواية فنونا إبداعية أخرى كـ»المسرح والسينما والرسم والموسيقى» وهي استمرارية سأصفها باستمرارية النسق الدائري لكل مشروع نقدي جادّ؛ وهذا ما يتضح لدى ج. جينيت الذي يُحيلنا نقلا عن (عتبات: جيرار جينيت من النص إلى المناص، لعبدالحق بلعابد…) إلى مؤلفاته الثلاثة (مدخل إلى النص الجامع 1979، أطراس 1982، عتبات 1987) حيث تطرّق فيها إلى هذا الاشتغال المُتعمق.
حدد جينيت نوعان من المناص: مناص الناشر، ومناص المؤلف، أو النص المحيط التأليفي، والنص الفوقي التأليفي. يحتوي المناص التأليفي أو بتعبير فيليب لوجون على «أهداب النص» والمكونة نقلا عن (عتبات…) من «اسم الكاتب، العنوان (الرئيس والفرعي، العناوين الداخلية، الاستهلال، المقدمة، الإهداء، التصدير، الملاحظات، الحواشي، والهوامش»، أما مناص الناشر فيختصّ بعناصر أخرى مختلفة. ما ألاحظه على مناص التأليف بحسب جينيت ومحدداته السابقة هو تخلل المتن السردي مع العتبات أو المصاحبات النصيّة، وعندئذ يصعب التغافل عن وجود فكرة الجدل الخلاّق بين الثنائيتين: البقاء والفناء. ولكن هل ما يعزز من فكرة الجدل الخلاّق هو نصّ المؤلف أم عرض المخرج؟ وسأكون أكثر طموحا في سؤالي القادم: هل تتمثل [مأساة] أو [عبثية] أو [رومنسية] الإنسان المعاصر في فعل الكتابة ومعها وما تتضمنه من توثيق لزمنه؟ أم تتمثل في شعوره بالعجز حيال أيّ شيء لا يقدر على تحريره أو القبض عليه؟ إن لكلِّ من المأساة والعبثية والرومانسية جمالياتها الفنية الخاصة. إننا اليوم نشكو من قلة الوقت ولم يعد أحدا يهتم بشؤون الآخر لأن لا وقتا لديه لذلك، فهذه الشكوى التي يريد المؤلف توثيقها قبل أن تفلت لحظاتها بثوانيها ودقائقها هل تجعله يُدرك مأزق وجودنا البشري في الزمن أم أنها تأخذه إلى اتجاهات أخرى ليزاحم فيها سرعة التقنية ويجد نفسه قد دخل (بهو) بورخيس المتسع منقادا أو تائها أو ذليلا؟

(2)
على الرغم من أن العرض المسرحي بحسب تعبير الناقدة آن سيبر سفيلد (شيء مؤقت قابل للفناء. النص وحده آبدي) فإن العلامات المُسجلة لترجيح علو كفة العرض تظل هي الأقوى والأكفأ؛ لكونها الأظهر للمتلقين وللمنتجين وللإعلاميين المصدّرين للكلام.
كما أن العرض المسرحي لامتلاكه خاصية المتلاشي في جوهره إن لم تؤطره الفوتوغرافيا (كاميرا تلفزيون، هاتف محمول، يوتيوب، فيديو) فسيظل عُرضة للنسيان في حين يتمتع النص بخاصية (الميتا-سفر) بوصفه الأصل والمرجع، فهكذا تسنى لنا قراءة بجماليون وأوديب وحاملات القرابين وأنتيجون وفيدرا، بالقدر الذي تسنى للدراماتورجيين وللمخرجين أن يتأوّلوا الألفاظ والحوارات والمشاهد والفضاءات الدرامية والمصاحبات النصيّة في تلك الأعمال الخالدة.
في رحابتها الواسعة التي تتمتع بها آن أيبر سفيلد توجه لوما في مقدمة افتتاحية كتابها (قراءة المسرح) إلى أولئك الممثلين والمخرجين الذين يظنون أنهم يعرفرن المسرح أفضل من أي شخص آخر وينظرون بشيء من الاحتقار للمفسرين الجامعيين ويعتبرون تفسيرهم بلا جدوى، ثقيلا على النفس.
أما القراء البسطاء فيعرفون، ويلمسون، عند مجازفتهم بقراءة المسرح، صعوبة قراءة نص لم يوجد للاستهلاك الكتابي» ما يُحيلنا مباشرة إلى مقولة Jouvet لقد «اخترع البشر المسرح لأنه حُكم عليهم بتفسير لغز حياتهم»! حياتنا وصراعها الأزلي إما من أجل البقاء أو الفناء!.
إن هذه النبرة السوريالية كانت مدخلا من مداخل محاولة الملك الأعرج أوديب فك شفرة اللغز الذي حاصر المدينة، لتنتهي مأساته ضمن «انقلابات مفاجأة في المواقع» مصابا بالعميِّ بينما يتعرض أفراد أسرته (يوكاسته، أنتيجونا، إسمينا، إتيوكل، وفولونيقوس) إلى شتى أنواع الإهانات والشقاء والتشرّد والنفي.
هل بعد هذا من أهمية في التردد على المسرح للإحساس بآثاره؟ وهل من وقت متوفر لدينا لنعرف اليوم، ما هي الكيفية أو الكيفيات التي تتحكم في دينامية انشدادنا إلى المسرح؟ وأن نتعرف على الأنظمة الداخلية التي تجعل العرض المسرحي منسجم العناصر في صورته الخارجية التي يشاهدها المتفرّج ويُحس بها، في حين يتوارى نصّ المؤلف بمصاحباته كلها في بهو ضيق، وبالكاد يُرى..

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.