المسرح العربي يعيش مرحلة جديدة بكل المقاييس

 

المسرحي العراقي حليم هاتف: المهمش أطاح بالمركز وخلق جمالياته المسرحية الخاصة.

كان مفهوم المركز والهامش سائداً منذ الأزل إلا أن تناوله فكرياً اختلف من عصر إلى آخر، حيث سعت المجتمعات المهمشة إلى تثبيت ذاتها مع وجودها الإنساني، وذلك بالوقوف بوجه السلطة التي تنال من طموحها، في المقابل نجد المركز قد تعددت أنواعه وأخذت أشكالاً متعددة بالتسلط “السلطة السياسية، السلطة الاجتماعية، السلطة الدينية”، وإن هذه المسميات شكلت حضوراً لكل أنواع الحيف والاضطهاد التي مورست على الإنسان المستضعف والمضطهد. وهو ما حاول الفن المسرحي تجاوزه من خلال التركيز على المهمشين والهامش.

ظل الفكر السائد والمتسلط تحكمه ما يسمى بـ”النخب” هذه النخب هي من يدير أمور المجتمعات بأفكارها المركزية، حتى جاء الفكر الفلسفي الحديث الذي اهتم بتناول موضوع المركز والهامش والذي تجسد بآراء الفلاسفة، ذلك الفكر الساعي إلى الإطاحة بالمركزيات الكبرى وإعلاء الهامش، والفلسفة الحديثة بوصفها نتاج الواقع.

انطلاقا من هذه الرؤية وكون المسرح ركناً مهما من ذلك الواقع يقدم المسرحي والناقد العراقي حليم هاتف في كتابه “جماليات المهمش في العرض المسرحي”، الصادر عن دار الفنون والآداب، رؤية تنظيرية وتطبيقية متكاملة، وفق تلك الآراء الفلسفية التي ساهمت في تفعيل دور المهمش والاطاحة بالمركز، مستهدفا الكشف عن جماليات المهمش في العروض المسرحية، متسائلا: إلى أي مدى استطاع المخرج أن يوظف المهمش في تغيير العرض المسرحي وبنائه؟

توظيف المهمش

 

فنون ما بعد الحداثة اعتمدت استحضار الغائب أو المهمش في كل أنواعها وذلك ضمن قراءة متنوعة متعددة المعاني
فنون ما بعد الحداثة اعتمدت استحضار الغائب أو المهمش في كل أنواعها وذلك ضمن قراءة متنوعة متعددة المعاني

 

يستعرض هاتف الرؤى الفلسفية لمفهوم الـ”المهمش” انطلاقا من نيتشه وماركس وميشيل فوكو وجاك دريدا وانتهاء بجان بوديارد وجيل دولوز، لينقلنا بعد ذلك إلى “المهمش” في مقولات ما بعد الحداثة وفنونها، حيث اعتمدت فنون ما بعد الحداثة استحضار الغائب أو المهمش في كل أنواعها وذلك ضمن قراءة متنوعة تشكل معان متنوعة هي الأخرى سواء أكان ذلك في الأدب أو الفن فهي ثورة على التقاليد الفنية السائدة.

 والعرض المسرحي هو واحد من تلك الفنون، حيث بدأ العرض المسرحي يتحول إلى خطاب جديد في فلسفة ما بعد الحداثة معتمدا الصورة وحركة الجسد في تجسيد العرض المسرحي. ويتناول في الفصول التالية المهمش في المسرح العالمي متوقفا عند مسرح: البرازيلي أوغيستو بوالو والإيطالي أوجينو باربا والأميركي روبرت ويلسون، والمهمش في المسرح العربي، والمهمش في المسرح العراقي، وقدم في الأخير نماذج تطبيقية على عدد من أعمال المسرح العراقي.

يرى هاتف أن التغيير السائد في المجتمع يؤدي إلى تغير في شكل الوعي، فالواقع المادي في تفاعل مستمر مع الأفكار والمتغيرات التي تحدث نتيجة لتلك التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي لها تأثيرها الملموس على الوضع الإنساني والاجتماعي، وكون المسرح يمثل مرآة الواقع الاجتماعي فقد اعتمد المخرج المسرحي العالمي على تفعيل دور “المهمش” وذلك من خلال استحضاره العناصر المغيبة بالنص وتفعيلها في إعلانه موت المؤلف، حيث المخرج هو مؤلف آخر للنص، معتمدا التشكيل الصوري المتمثل بالحركة والإيماءة والتمثيل الصامت والرقص الشرقي والعادات والتقاليد الشرقية المهمة التي تمثلت بالمسرح الياباني “النو والكابوكي” والمسرح الهندي والصيني، واستخدام التقنيات الحديثة والمعاصرة في العرض المسرحي، كذلك استخدامه للمكان في الخروج عن العلبة الإيطالية، في محاولة للخروج من القواعد الكلاسيكية وما هو سائد ومألوف وتقليدي.

ويقول إن الفكر الثقافي العربي جزء من الحركة الثقافية العالمية المتمثلة في مفهوم ما بعد الحداثة، والمسرح العربي هو نتاج فكر المجتمع لأنه يمثل واقع المجتمع الذي يحمل ذلك الفكر، وقد ظهر مفهوم “المهمش” في المسرح العربي كونه نتاج تجربة غربية تحمل ثقافة وافدة، متأثرا بكل طروحات المسرح الغربي المعاصر، مقلدا تلك الثقافات في عروضه المسرحية، حيث ظهر جيل جديد من المخرجين الذين انطلقت رؤاهم وطروحاتهم مع التوجهات الفنية التي تحدث في العالم.

ويلفت هاتف إلى إن فكرة توظيف “المهمش” في العرض المسرحي جاءت من قراءات ما بعد الحداثوية معتمدة الإطاحة بالمركزيات حتى أصبح “المهمش” جزءا من فعاليات الفنان المسرحي في معالجته الجمالية سواء كانت تلك المعالجة سمعية أم بصرية أم حركية لعناصر الدراما في العرض المسرحي التي لها علاقة بالشكل والمضمون.

ويشير إلى أن فن الأداء الجسدي ودخوله إلى المسرح فتح المجال أمام المخرجين والعاملين ضمن العرض المسرحي الراقص، لتبني رؤى وأفكار تغور عميقا في التعبير عن دواخل الذات الإنسانية وتحرر قيودها البيولوجية والاجتماعية، والمنطلقة من التابوات التي فرضت القيود وعملت على أن تكون مصدات

“كونكريتية” تقف حائلا ما بين الانطلاق والتحليق والسمو، وما بين الجسد المكبل بالأعراف والتقاليد التي تحاول تهميشه وفرض سلطتها عليه أيا كان نوع تلك السلطة وهو بدوره يحاول أيضا الخلاص من تلك السلطة، ولذلك نرى أن الجسد في هذه الحالة يكون وفق

مفاهيم “الهامش والمركز” وقد أطاح بكل تلك المهيمنات، وانتقل إلى أن يكون الأداة المهمة في التعبير عن الفكر الإنساني المعاصر، ولهذا فإن المتلقي هو الآخر قد تغيرت وانتقلت آلياته، فالمتلقي هو الآخر امتلك حيوية وفاعلية في التناغم مع العرض الراقص وموسيقاه وفق عالم اليوم، عالم الصناعة والاستهلاك.

مغادرة المألوف

 

تفعيل دور المهمش والإطاحة بالمركزيات
تفعيل دور المهمش والإطاحة بالمركزيات

 

يؤكد هاتف أن المسرح المعاصر عمل على مغادرة كل ما هو مألوف وتقليدي مستحضرا ألم وهم ولوعة المجتمع ومعالجته لطبقاته المسحوقة والمهمشة، هذه الطبقة التي فرضت عليها السلطة بكل أنواعها، كذلك الاتجاه الآخر الذي اعتمده المسرح الحديث، مستندا إلى تعددية ثقافية شرقية هي الأخرى تخضع للتهميش، فقد اعتمد الكثير من المخرجين أمثال باربا وبوالو وروبرت ولسن وبيتر بروك وأريان منوشكين ثقافة مجتمعات شرقية مرتكزين في ذلك على عادات تلك المجتمعات وتقاليدها، متخذين من جسد الممثل العامل الأساس في شكل الأداء الذي يحمل الطابع الصوري العلاماتي، متأثرين بمسرح “الكابوكي والنو” الياباني والمسرح الصيني.

المسرح العربي يشهد من التسعينات إلى يومنا هذا تحولات نوعية متعددة نظرا إلى ما مر به العالم العربي

ويضيف أن تجربة المسرح العالمي هي التجربة المصدرة لكل ما هو جديد من التجارب المسرحية والمسرح كونه جزءا من ثقافة غربية خاضعة لأنماط التجديد والتحول الفكري، فقد ظهرت أشكال جديدة في المسرح الغربي تنبذ كل أشكال المناهج التقليدية للمسرح، اعتمدت الرقص والجسد في تكوين الصورة المسرحية التي حولت لغة الحوار إلى صورة بصرية خاضعة للتأويل، ويتضح ذلك من خلال أعمال كبار المخرجين الذين كان لهم الدور البارز في تقديم مسرح جديد يرفض كل القواعد السائدة والتقاليد المتعارف عليها، والاهتمام بالوجه الآخر للمجتمع، الذي يهتم بالمضطهدين والمهمشين في تلك المجتمعات.

وظهرت أنماط مسرحية جديدة ومن هذه الأنماط مسرح “الصم” في أميركا، عالج مشكلات الإعاقة، إذ تشكل مسرح خاص للصم “المسرح القومي للصم” بعد تجمع عدد من الممثلين الطرشان الذين أخذوا مكانهم على الخشبة المسرحية، بعد أن كان يأخذ أدوارهم بعض الممثلين الذين يسمعون جيدا، كذلك ظهور أعمال عالجت قضايا الأقليات كالزنوج والهنود، كذلك في بريطانيا ظهور صورة لما يقدم صورة أنانية غربية، أو شاذة أو معوقة ولعل السبب الرئيس، أن هذا النوع من المسرح كان يهز الاستقرار السياسي ويبيّن الوجه الآخر للمجتمعات.

مسرح عربي مغاير

 

مغادرة كل ما هو مألوف وتقليدي
مغادرة كل ما هو مألوف وتقليدي

 

يلاحظ هاتف أن المسرح العربي يشهد في المرحلة الممتدة من التسعينات إلى يومنا هذا، تحولات نوعية متعددة نظرا لما مر به العالم العربي من تغيرات سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية، ألقت بظلالها على الخطاب المسرحي.

ويوضح أن “المسرح العربي يرتبط بمفهومه للمهمش من خلال تأثره بالمسرح الغربي، فقد ساير المسرح العربي كثيرا من التجارب الجديدة، وقد ظهرت دعوات لتأصيل المسرح من خلال الخوض في التراث العربي، وتعدد الرؤى، والعمل على الهامش وهدم المركزيات، فقام ألفريد فرج بتطعيم مسرحياته بالتراث،

وفي المغرب عمل الطيب الصيقي على المقامات ومنها ‘مقامات الهمداني’ وفي العراق قاسم محمد ليقدم ‘بغداد الأزل بين الجد والهزل’ وفي تونس عزالدين المدني وعبدالكريم برشيد الذي عمل ‘الاحتفالية’، وفي الجزائر عبدالرحمن كاكي ومسرح ‘الكراكوز’ وفي لبنان روجيه عساف ‘مسرح الحكواتي’ والأردن مسرح الفوانيس ‘خالد الطريفي’، كل هذه الأشكال إنما هي استدعاء للمهمش من التراث في محاولة لتأصيل المسرح العربي، وما يميز هذه الأعمال التي اتخذت من التراث متنفسا للتجديد والتأصيل أنها اعتمدت اللغة الشعبية ‘العامية الدارجة’”.

ويتابع أنه مع ظهور اتجاهات الحداثة، التي أفرزت جيلا مغايرا ومختلفا تماما عما سبقه في ستينات القرن الماضي، كون هذا الجيل أغلبه من خريجي معاهد الفنون وأكاديمياتها في لبنان ومصر والعراق وتونس والمغرب والخليج العربي، إنها بداية لظهور مرحلة هامة في المسرح العربي، ذلك لأن هذا الجيل واكب التطور التقني، وعمل على توظيفه في المسرح ومع انتشار مفاهيم العولمة وانعكاساتها الاقتصادية والثقافية وما اقتضته من انفتاح حضاري وثقافي في الآداب والفنون عموما، ومن توجه نحو تخطي طابع المحلية والخصوصية، ظهر هذا الجيل الذي سعى إلى إثبات هوية المسرح العربي.

وقد عمل بعض المخرجين العرب ومنهم الطيب الصديقي، عبدالكريم برشيد، قاسم محمد على ربط المسرح بالتراث كخطوة لتأصيل الظاهرة المسرحية العربية ومن خلال الموروث الشعبي أو الحكاية الشعبية وتعد هذه الخطوة الأهم في تاريخ المسرح العربي.

وفي التسعينات جاءت تجارب مسرحية لمخرجين عرب استطاعوا التأسيس لحركة مسرحية لها خصوصيتها الفكرية والثقافية التي بشرت بواقع مسرحي عربي يرفض كل أنواع المسرح التقليدي التي كانت سائدة في ذلك الوقت، فبدأت العروض تأخذ الطابع التجريبي غير المألوف، في الخروج من العلبة الإيطالية، متمثلة بمسرح الشارع ومسرح المقهى والمسرح الاحتفالي، إنها ملامح جديدة لضرب القيم السائدة البدائية التقليدية، مع ولادة صيغ تواكب العصر وتنتمي إليه، كذلك تجربة مسرح الصورة التي عمل تأسيسها في الوطن العربي “صلاح القصب”، في التشكيل البصري للعرض المسرحي لخلق عوالم الحلم والطقوسية والغرائبية على شكل حلم سريالي.

ومع التطور الحاصل واتساع تجليات الحداثة لتشمل ثقافة ما بعد الحداثة، وذلك من خلال المهرجانات المسرحية والترجمات الكثيرة والجديدة والأبحاث المتعلقة بالمسرح الغربي التي أدت إلى التعريف بما بعد الحداثة.

 كانت السمة الأولى لمعظم التيارات المسرحية التجريبية العربية هي محاولة التخلص من الكلمة “موت المؤلف” فتارة يؤلف المخرج العرض على المسرح أو الممثلون بشكل جماعي في ارتجالات يغربلونها بموازاة استطلاعات ريبورتاجية واسعة النطاق عن موضوع عملهم مثل ما فعل “روجيه عساف” وتارة يعيد المخرج والممثلون تركيب نص معروف عن طريق تفكيكه وإعادة بنائه حتى لو اقتضى ذلك تغييرا في الرؤى الفكرية للنص، على فرض أن المخرج مؤلف جديد للنص مثلما فعل جواد الأسدي، وتارة أخرى يعمل مخرج على إعداد نص غير درامي من خلال توليف قصائد شعرية كما فعل وليد قوتلي. إن ما مر بنا كله موجود في تجارب عالمية بل هو موروث عنها، كذلك الأداء الجسدي هو الآخر هيمن على المسرح العربي في إنتاج صور لها إيحاءات ودلالات مستلهمة من مسرح غروتوفسكي وجوزيف شاينه حتى بيتر بروك في محاولة لخلق لغة مسرحية بعيدة عن الأدب.

المسرح العراقي

العرض المسرحي بدأ يتحول إلى خطاب جديد في فلسفة ما بعد الحداثة معتمدا على الصورة وحركة الجسد

يلقي هاتف الضوء على المسرح العراقي في علاقته بالمهمش متوقفا عند مسرح: يوسف العاني وقاسم محمد وصلاح قصب وعزيز خيون وعباس الحربي وفلاح إبراهيم ورحيم ماجد وهادي المهدي ومنعم سعيد وطلعت السماوي، مؤكدا أن الهم العراقي أصبح متناولا من أغلب المخرجين وخاصة الشباب منهم الذين يملكون النفس التحريضي بالضد من النظام القمعي.

ويخلص من تحليله التطبيقي على نماذج مسرحية عراقية تمثلت في “حمام بغدادي” تأليف وإخراج جواد الأسدي، و”حظر تجول” تأليف وإخراج مهند هادي، و”الخروج من دائرة الجنون” إخراج خالد إيما، و”شواطئ الجنوح” إعداد وإخراج منعم سعيد، يخلص إلى عدد من النتائج منها أن المخرج العراقي في العرض المسرح المعاصر اعتمد القراءة المتعددة وإعلانه موت المؤلف بعد أن كان النص متمثلا بالمركز المهيمن، فعمل المخرج على استدعاء العناصر المهمشة من خلال القراءة العميقة والحفر في استحضار تلك العناصر التي تمثل رؤى المخرج في مواكبة العصر.

 وجاء المهمش محملا بالرموز والعلامات والدلالات التي يمكن للمتلقي قراءة أفكار العرض من خلالها، كما تميز المخرج العراقي المعاصر بالجانب البصري في العرض من خلال إشراكه جميع عناصر العرض لتشكيل الجانب الصوري، أي اعتماد الصورة في العرض والمونتاج الصوري، واهتم أيضا بحركة الجسد والإيماءة والتمثيل الصامت في إبراز جماليات المهمش.

ويستنتج هاتف أن العرض المسرحي العراقي المعاصر اعتمد “المهمش” في محاولة لضرب كل مفهوم تقليدي وكلاسيكي وسائد متأثرا بالنظريات الإخراجية المعاصرة التي تسعى إلى تفعيل دور المهمش والإطاحة بالمركزيات. كما اعتمد التشكيل الصوري بدلا من الحوار المنطوق في محاولة لتفعيل دور المهمش واستدعائه من خلال استحضار العلامات والدوال التي تمثل العنصر المغيب للحوار المنطوق. أيضا اعتمدت العروض التي تناولت المهمش اللهجة العراقية المحلية بعد أن كانت مغيبة في العروض المسرحية الجادة.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح