المسرح العربي.. ماذا أخذ من العولمة وماذا رفض؟ -عواد علي

 

ينتهج الكثير من المسرحيين العرب التجريب على خطى المسرح الغربي، الذي عرف تحوّلات ثقافية وجمالية وفكرية عديدة، بينما لم يجد المسرح العربي طريقة لتحقيق خصوصيته، عدا الطرق الشكلية والسطحية، بينما في عمقه ما زال مرتهنا لمسارح الغرب ومدارسها. وقد عمّقت العولمة من انسياق المسرحيين العرب مع اتجاهات الغرب، كما راحت تمحو البصمة التي حاول البعض من المسرحيين تحقيقها، إضافة إلى خلقها لثورة تكنولوجية جعلت المسرح في خطر جدي.

شهدت الثقافة المسرحية في العالم العربي خلال العقود الأخيرة جدالا واسعا حول موضوع المسرح والعولمة، وقد خصصت له محاور بحثية ونقاشية في العديد من الندوات والملتقيات التي رافقت مهرجانات مسرحية محلية وقومية ودولية في بعض العواصم العربية، أسهم فيها نقّاد وباحثون ومسرحيون بأوراق تناولت الموضوع من جوانب مختلفة.

كما نُشرت في هذا الصدد دراسات ومقالات في دوريات ثقافية وصحف يومية قدّمت وجهات نظر متباينة حول حتمية الظاهرة، سلبياتها وإيجابياتها، من منظور تأثيرها على الخصوصية أو الهوية، فضلا عن إشكاليتها الاصطلاحية.

العولمة والعالمية  

العولمة في سياقها المسرحي جزء من العولمة في سياقها العام، الاقتصادي والتكنولوجي والسياسي والثقافي، فهي، في معناها الشامل، تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل العالم كله. وعلى الصعيد السياسي تعني الآن العمل على تعميم نمط حضاري، يخص بلدا بعينه أو قارة بعينها (أميركا والغرب تحديدا)، على بلدان العالم أجمع.

وليست العولمة مجرد آلية من آليات التطور “التلقائي” للنظام الرأسمالي، بل، أيضا، وبالدرجة الأولى دعوة إلى تبني نموذج معيّن يعكس إرادة الهيمنة على العالم، كما يقول محمد عابد الجابري. لكن العولمة شيء والعالمية شيء آخر. العالمية تفتح على العالم، على الثقافات الأخرى، مع الاحتفاظ بالاختلاف الثقافي وبالخلاف الأيديولوجي. أما العولمة فهي نفي للآخر وإحلال للاختراق الثقافي محل الصراع الأيديولوجي.

ماذا يمكن أن نستفيد به من إمكانات العولمة في المسرح؟

استثمار معرفي

يعتقد الباحث المسرحي الأكاديمي المصري أحمد صقر، في دراسة له بعنوان “المسرح بين التجريب والعولمة”، أنه “من الممكن الاستفادة من إمكانات العولمة الإيجابية، وأن ينعكس ذلك على إنتاجنا، لكن إن نحن أدركنا ما نحتاجه من العولمة في هذه المرحلة، التي أرى أن الكثير من المهتمين بالإبداع المسرحي لا يزالون في طور الاهتمام بالتجريب، وأنهم قد يتركون هذه المرحلة دونما حسم كما فعلوا في مرحلتي الحداثة وما بعدها”.

ويدعو صقر المبدع المسرحي العربي إلى تخطي مرحلة الإحساس بالهزيمة الداخلية والدونية الذاتية، التي ما انفكت تسيطر على شعوره، وتدفعه دائما للنظر إلى تجارب الغرب ليس فقط من أجل دراستها، وتعلم أسباب نجاحها، بل ليكتفي فقط بنقلها نقلا حرفيا دونما دراية بكيفية تحقيق مُثلها.

إيجابيات العولمة في مجال المسرح هي انفتاح المسرح على العالم، الذي أصبح صغيرا ومؤطرا من خلال وسائل الاتصال

ويرى الناقد المسرحي البحريني يوسف الحمدان، في سلسلة مقالات بعنوان “المسرح والعولمة: الواقع والملتبس”، أن العولمة متى ما استُثمرت من الجانب المعرفي الخلاق لدى المسرحيين من الممكن أن تكون أكبر وأهم بيئة ديمقراطية يتنفس فيها المسرحيون رؤاهم.

ويقتبس من الباحث الفرنسي ميشيل كورفان قوله “إن إيجابيات العولمة في مجال المسرح هي انفتاح المسرح على العالم، الذي أصبح صغيرا ومؤطرا من خلال وسائل الاتصال”، ويعلق على ذلك بأن كورفان قال انفتاحا وليس انصهارا أو ذوبانا كما تروق العبارة لكثير من منظري العولمة، الذين يريدون أن يتوصلوا إلى نتيجة مفادها، باختصار شديد، محو العولمة لثقافتنا وهويتنا تماما، حتى وإن تعددت مفاهيم هذه الثقافات والهويات في مجتمعاتنا العربية أو امتلكت قابلية التعدد.

ويذهب الحمدان إلى أن الميزة الأهم، التي أنتجتها العولمة، ربما هي التحول والتجدد اللحظيين الدائمين، الأمر الذي يجعلنا أمام تحديات غير عادية في المسرح، ذلك أنها تقترح علينا إيقاعا آخر للتعاطي مع المسرح، وعلينا أن نكون مهيئين له أيضا باستمرار.

ولا يوجد، في رأي الحمدان، مكان لوهم يطلق عليه عولمة تلغي الخصوصيات والثقافات، كما لو أن هذه الخصوصيات والثقافات واحدة وثابتة ولا تتغير.

لكن الحمدان لا يفرق بين العولمة والعالمية حين يقول “لا مكان لإصرار على أن العالمية تنطلق من الخصوصية وتكرسها، وبالتالي تأخذنا النوستالجيا نحوها بشكل بكائي غير عادي، فالعالم الآن انفتح على بعضه وعرفنا أكثر من أي وقت مضى خيره وشره، وصارت العولمة هي قارتنا، غرفتنا الكونية، ومن هذه الغرفة تتشكل رؤى المسرح والمسرحيين وتنطلق في أرجاء الكون”.

ويؤكد الناقد المسرحي المصري الراحل حسن عطية، في حوار أجري معه، أن العولمة تسعى إلى توحيد أفق التلقي بين المجتمعات الإنسانية في مجملها، غير أنها تعتمد، في سعيها هذا، على فكرة “تجاوز الثقافات” ما يعني إلغاء الثقافات الوطنية، ومحاولة إنشاء ثقافة واحدة “شمولية” لكل هذه المجتمعات الإنسانية.

ومن ثم فإن المطلوب، في رأيه، أن يتلقى العربي العمل الفني الواحد بأفق التلقي نفسه عند المواطن الأميركي، أي أن ينسى المتلقي العربي ثقافته وتاريخه وعقائده، وأن يتعامل مع الثقافة العولمية بنفس المنظور المفروض علينا من الولايات المتحدة.

ندوات بلا إجابات

                                                                                                                                                                                   المسرح الغربي له خصوصياته

 

بالعودة إلى منطلقات المباحث في قضية العولمة، وفي الندوة الفكرية التي أقيمت في متحف الشارقة للفنون، على هامش أيام الشارقة المسرحية عام 1999، قدم الناقد المسرحي المغربي عبدالرحمن زيدان مداخلة بـعنوان “الترويج للمسرح: المأزق الدائم للمسرح العربي” رأى فيها ان رواج المسرح العربي، وفق خصوصيات قومية محلية يجعل الهوية العربية محافظة على نبض المسرح العربي لمواجهة عولمة تريد خنقه.

وتحدث زيدان عن التخوم المحلية في السياق العالمي، موضحا أن عليها التحصّن بضوابط موضوعية تدرك أن السياق العالمي الذي فيه مسرحها تهيمن عليه العلاقات الإنتاجية الرأسمالية، وأن هذا المسرح مطالب في رواجه بطرح أسئلة مصيرية تنطق بالحكمة والشعر والأسطورة والتصوف والأيديولوجية والاقتصاد.

وإذا تتبعنا الندوات والملتقيات التي رافقت عددا من المهرجانات المسرحية المحلية والعربية والدولية، سنجد أن من أبكرها الندوة التي أقيمت خلال الدورة الثانية عشرة من مهرجان المسرح الأردني عام 2004، وكانت بعنوان “المسرح والعولمة”، تلتها ندوة بالعنوان نفسه نظمتها الدورة الثانية لملتقى الفن الرابع في مدينة الحامة بمحافظة قابس التونسية عام 2005، شارك فيها المخرجان توفيق الجبالي وصالح الجدي والشاعر منير هلال.

وفي عام 2006 نظمت دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة ندوة علمية حول “الزمن الثالث: المسرح ومتغيرات الألفية”، قدّم فيها باحثون عرب وأجانب أوراقا بحثية جرى نشرها لاحقا في كتاب أعده الدكتور يوسف عيدابي (السودان)، تناولت العديد من القضايا، منها صراع الهوية والعولمة في المسرح، وهو الجانب الذي عرض له رامندو ماجومدار رئيس المركز الوطني للمسرح في بنغلاديش، فيما عرض الباحث والشاعر الإماراتي خالد البدور الموضوع نفسه مؤكدا على أنه لا هوية من دون حرية، وحاول الكاتب المسرحي السوداني خالد المبارك استشراف آفاق قضية الصراع حول الهوية والعولمة في المسرح وإلى أين تسير؟

وعقد عدد من المسرحيين والنقاد في القاهرة عام 2008 ندوة على هامش المهرجان القومي للمسرح المصري بعنوان “المسرح في عصر العولمة”، ناقشوا خلالها تأثير العولمة ثقافيا على المسرح، والتحديات التي تواجهه، وقال الناقد محمد الشافعي إن المسرح والعولمة موضوع شائك لأن الجانب الثقافي للعولمة أخطر من الجوانب الأخرى.

وثمة العشرات من الخطابات الثقافية عبر الفضائيات والصحف التي تروج لفكر العولمة، وتبقى للمسرح خصوصية في تأثير العولمة عليه بوصفه العمود الفقري للتنمية الثقافية، حيث يتعرض حاليا للاضمحلال ومنافسة الوسائط الثقافية الحديثة كالإنترنت والفضائيات والفيديو كليب، وهو ما يدعونا إلى التساؤل: إلى أين يتجه المسرح العربي الآن؟

وأوضح المخرج هاني مطاوع أن إحدى نتائج العولمة المباشرة هي سهولة الاتصال والحصول على المعرفة، فالمنتجات الثقافية متاحة أمام الجميع، وهو ما يخلق تحديات عديدة أمامنا كدول نامية تستقبل العولمة من دون أن تكون مشاركة في صنعها.

وذهب الدكتور سيد خطاب، الأستاذ في المعهد العالي للفنون المسرحية بمصر، إلى أن المعلومات والمعارف في عصر العولمة أصبحت متاحة للجميع، وظهرت وسائط تكنولوجية متقدمة تنافس المسرح، وهو ما يجعله في حالة خصام مع هذه الوسائط التكنولوجية الجديدة.

وبين الناقد هشام السلاموني أن كثرة المعلومات والمعارف، التي تتيحها التكنولوجيا، ليست أمرا سيئا، فهي أداة متاحة لكل البشرية ويجب الاستفادة منها، وهذا جزء يخصنا نحن من غير أن يفرضه علينا أحد، إذ ينبغي أن تكون هذه المعلومات والمعارف سلاحا في أيدينا نستفيد منه. والمشكلة أن هذه العولمة محملة بقيم رأسمالية في غاية الخطورة، ولا يبقى أمامنا، في ظل الصراع الذي تفرضه العولمة، إلا الفن والمسرح والسعي للمواجهة بتقديم فنون جيدة تخصنا كأمة عربية بعيدا عن الابتذال والتحريض. ولسنا ضد التأثر بالعولمة، لكن مع الاستفادة من جوانبها الإيجابية.

وطالب الدكتور سامح مهران، بضرورة الحفاظ على هويتنا العربية بأخذ كل ما هو إيجابي من العولمة، مع الحفاظ على ثوابتنا، لأن العولمة الشرسة تفرض علينا قيما دخيلة، وتخلق حالة من الانفصام لدى البشر، وهو ما يدعونا، كمسرحيين، إلى الانتباه والسعي إلى خلق حالة مسرحية خاصة بنا، متستفيدين من القدرات التكنولوجية التي أتاحتها العولمة.

من الندوات الأخرى المتعلقة بالمسرح والعولمة نذكر: ندوة “المسرح الخليجي في مواجهة العولمة” ضمن مهرجان الشارقة المسرحي عام 2006، الندوة الفكرية للدورة 15 من مهرجان “الفرجاني منجة” للمسرح في تونس عام 2008، الندوة المصاحبة لمهرجان المسرح العربي في دورته الأولى 2009 التي نُظمت في القاهرة، ندوة “المسرح والعولمة وعولمة المسرح” التي حملت شعار المهرجان الدولي للمسرح الجامعي في الدار البيضاء بالمغرب عام 2010، ندوة “المسرح والعولمة” في الدورة الخامسة لمهرجان مراكش الدولي للمسرح الجامعي عام 2011، الندوة المصاحبة للمهرجان الأكاديمي المسرحي الثالث في الكويت عام 2013، وكان أحد محاورها بعنوان “المسرح العربي في عصر العولمة بين معطياته المحلية وتطلعاته نحو العالمية”، وندوة “المسرح العربي والعولمة” ضمن فعاليات المهــرجان الدولي الأول للمسـرح في مدينة فكيـك (أو فجيج) بالمغرب عام 2013.

ألم تتمكن هذه الندوات على كثرتها ونوعيتها من تمثل مستقبل المسرح العربي في ظل نظام عولمي يتعاظم يوما بعد آخر؟

العرب

https://alarab.co.uk/

 

                                                                                                                                                                                    تحديات غير عادية أمام المسرح 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح