المسرح التونسي تنهكه عقدة الريادة وتجهز عليه المحسوبية – حكيم مرزوقي

غالبا ما نسمع من المسرحيين التونسيين والسوريين ما يقولونه بصوتٍ خفيض عن تأثير المسرح التونسي في المسرح السوري أو العكس. وإن كان هذا التأثير والتأثر حقيقيا فإنه يخفي أهمية العلاقة التي نشأت بين المسرحين التونسي والسوري، والتي كان يمكن تطويرها بشكل كبير والخروج بالمسرحين إلى جماليات أخرى. لكن الواقع تغيّر بالنسبة إلى المسرحين، وخاصة مع تراجع المسرح التونسي الذي ظل حبيس ما قدّمه جيل الرواد من فرقة المسرح الجديد.

 لماذا يصر النقاد والمهتمون والمنشغلون بالفن الرابع في مشرق العالم العربي ومغربه على المقاربة والمقارنة بين التجربتين التونسية والسورية في المسرح، دون غيرهما، وعلى الرغم من الفوارق الزمنية والفنية، وحيثيات النشوء والتوجه والتأسيس؟

لعل أوجه التشابه تكمن في الاختلاف الذي أراده رواد هاتين التجربتين اللتين تزعم كل واحدة منهما وتفخر أنها تخطت المئة عام أمام مثيلاتها العربية، غير آبهة بالنسخة المصرية، والتي هي الأصل والمرجع في الريادة والرعاية والاحتضان، وكذلك الفضل في الانتشار.

الريادة والتلاقي

مصر التي يلتقي فيها اليوم مسرحيو تونس وسوريا في مهرجانها التجريبي ذي الصيت العالمي، ويتنافسوان فيها على الجوائز تباعا، يعود لها الفضل في تعلق التونسيين بالمسرح على إثر الزيارة التي قامت بها فرقة سليمان القرداحي، وهو سوري مقيم في القاهرة مع المصري سلامة حجازي، بداية القرن العشرين، وقد أقاما الاثنان فيها ونقلا عدوى هذا الفن إلى جيل واسع من الشبان الذين كانوا قد اكتشفوه عن طريق الفرق الإيطالية والفرنسية التي كانت تفد على تونس منذ منتصف القرن الـ19.

أسباب تراجع المسرح التونسي اليوم واضحة وجلية تماما، كما هي أسباب تقدم المسرح السوري رغم الأزمات

ومصر كذلك، هي التي لجأ إليها رائد المسرح العربي أبوخليل القباني (1833 ـ 1903) من دمشق، وعمل في مسارحها واستفاد من تجارب من سبقه منذ عصر الخديوي إسماعيل وهو المبدع يعقوب صنوع 1839 – 1912.

صفوة القول إن التجربتان التونسية والسورية تتقاطعان في ظروف التأسيس والمرور بالمرجعية المصرية بدايات التأسيس، وتلتقيان أيضا في التحرر من النمطية التي سجنت المسرح المصري لعقود طويلة، والبحث عن قيم جمالية وأساليب تعبيرية خارجة عن المألوف والمطروق.

في البداية سبق السوريون التونسيين على مستوى البنى والهياكل المنظمة والمحتضنة للفن المسرحي كالمسرح القومي الذي تأسس في ستينات القرن الماضي على يد المسرحي رفيق الصبان، الذي هاجر في ما بعد إلى مصر واستقر فيها (وهذا يبدو قدر فنانين سوريين كثيرين)، بينما تأسس المسرح الوطني التونسي في بداية ثمانينات القرن الماضي.

وكذلك الأمر بالنسبة للمهرجان المسرحي، إذ سبق السوري قرينه التونسي بقرابة العقد ونصف العقد (1969) لينتظر ولادة “أيام قرطاج المسرحية” عام 1983، ويصبح توأمه في ما بعد، إثر مذكرة تفاهم يتناوب فيها المهرجانان العروض العربية ويستحوذ البلدان المضيفان على الجوائز والتكريمات بحضور الشقيقة الكبرى مصر، وتحت تصفيق وإعجاب المشاركين العرب من الأقطار الأخرى.

أما عن مدارس التكوين المسرحي في البلدين، فإن الأسبقية تسجل دائما لصالح سوريا التي تأسس فيها المعهد العالي للفنون المسرحية سنة 1977 ودرّس فيه خيرة الأساتذة المشهود لهم من أمثال سعدالله ونوس وفواز الساجر ونبيل حفار وماري إلياس وحنان قصاب حسن.. وكذلك التونسي محمد إدريس، وهي حكاية أخرى عن تداخل وثراء التجربة المسرحية في كلا البلدين.

التأصيل والتعثّر

المسرح السوري يتجاوز هاجس التأصيل

الآن تغير الأمر، وأصبح الذين كانوا يصفقون على مقاعد المتفرجين، متوجين في حفلات الاختتام، خصوصا من بلدان الخليج التي عرفت في السنوات الأخيرة نهضة مسرحية أشبه بالانتفاضة على سنوات التعثر والتقليد والظهور المحتشم.

 وبالعودة إلى التجربتين المسرحيتين في كل من سوريا وتونس، فإن الأولى لم تستفد من قدمها وريادتها أمام التجربة التونسية، التي ضاعفت من خطواتها واتجهت إلى المنبع مباشرة دون أن تدخل في سراديب التأصيل وإعادة التأصيل التي انغمس فيها المسرح السوري، محاولا أن يلبس المسرح ثوبا عربيا، مستدعيا ظواهر فرجوية قديمة يحاول أن يراهن عليها في ما سماه توهما بـ”التأسيس”.

هذه النزعة حركتها شعارات قومية غذاها المشهد السياسي في سوريا، فاستنجدت بأطروحات وتنظيرات تزعم أنها تؤسس لمسرح بملامح وروح عربية مثل كتابات المغربيين عبدالكريم برشيد والطيب العلج، والعراقي يوسف العاني، والمصري محمود دياب، واللبنانية نضال الأشقر، والتونسي عزالدين المدني، والسوري علي عقلة عرسان، وغيرهم ممن انخرطوا في هذا المشروع الاسترجاعي المؤدلج.

في هذه الأثناء، وفيما كان المسرح السوري يضيّع شبابه ويسفح سنوات العمر في البحث عن مسرح بملامح وتقاسيم عروبية نصا وأداء وإخراجا، كان المسرح التونسي ينهل من أحدث ما توصلت إليه التجارب الفنية في العالم الأوروبي عن طريق جيل ممن تعلموا في مدارس الغرب. وكان كل ذلك بفضل توجه الزعيم الحبيب بورقيبة، وشغفه الخاص بالمسرح الذي جعله يرسل بعثات لتعلم هذا الفن، وهو الذي قال يوما “لو لم أكن رجل دولة لكنت رجل مسرح”.

أغلب جيل السبعينات بدوره، في سوريا، كان مواكبا لتجارب خلاقة في العالم، ويسعى للتطوير والارتقاء بالمشهد المسرحي نصا وإعدادا وإخراجا مثل سعدالله ونوس، فواز الساجر، وممدوح عدوان، لكن الأيديولوجيا قد كبلته وصار الهم السياسي ـ حتى وإن كان معارضا لنظام الحكم ـ هو الذي يقود قافلة التجربة المسرحية على حساب القيم الجمالية والفنية.

توالت العروض الوافدة إلى دمشق من تونس وقد أدمنها جمهورها وأوجدت لها عشاقا ومريدين ومقلدين أيضا

استخدام الفصحى في أعمال المسرح القومي السوري كان ثقيلا، ويزيد من الغربة بين المتلقي والعرض الذي يستند أصلا على نص مترجم يلوكه الممثلون بطريقة توسع المسافة بين المنطوق والمفكر فيه.

كان لدى المتفرج السوري خياران، إما جلد النفس أمام أحد أعمال المسرح القومي التي تتناول روائع المسرح العالمي بلا شك، بطريقة سمجة ومحنطة، وإما التفرج على المسرح التجاري الذي يعتمد النكتة المحلات ببعض الاستعراضات الأنثوية على الطريقة المصرية.

وإذا كان هناك من خيار ثالث لدى المتفرج السوري فهو مسرح دريد لحام الذي استمر إلى منتصف التسعينات معتمدا على الأسلوب التنفيسي ذي الطابع السياسي، والذي مله الجمهور العريض لأكثر من سبب معلوم ومجهول.

ما تقدم من هذا المسح البسيط لتاريخ وإرهاصات التجربة المسرحية في كل من سوريا وتونس، يجعلنا نتلمس الإجابة عن سؤال ظل يتردد بحياء أو بصراحة، لدى أهل الاختصاص أو غير الاختصاص، عن مدى تأثير المسرح التونسي في المسرح السوري. ولطالما أثّر الأخ الأصغر في أخيه الأكبر.

الحقيقة ـ وفي حدود معرفتي الشخصية وتجربتي الذاتية ـ أن سوريا لم تتعرف على المسرح التونسي إلا من خلال العروض الزائرة والمستضافة في مهرجان دمشق المسرحي، والتي تلعب فيها الصداقات الشخصية دورا في تزكية هذا العرض أو ذاك.

وكانت مسرحية “التحقيق” لفرقة المسرح الجديد التونسية، من أول الأعمال التي عرضت في دمشق، وتعرف إليها الجيل الأول من خريجي معهد الفنون المسرحية بدمشق، وانبهروا انبهارا شديدا بلغة جديدة عليهم في الأداء والتمثيل، حتى أن بعض الطلاب ـ وهم ممثلون معروفون الآن ـ يرددون عن ظهر قلب حواراتها على لسان جليلة بكار، الفاضل الجزيري ومحمد إدريس، على الرغم من صعوبة اللهجة التونسية التي لم تكن معروفة لدى الجمهور السوري.

Thumbnail

توالت العروض الوافدة وكرت المسبحة كما يقال، في أعمال أخرى لجماعة المسرح الجديد الذين كانوا في أوجه عطائهم آنذاك في مسرحيات كـ”العرس” و”غسالة النوادر”، بالإضافة إلى عروض مسرحية للراحل المنصف السويسي، مؤسس مهرجان قرطاج المسرحي، الوجه العروبي للمسرح التونسي والذي يتمتع بشبكة علاقات عالية خدمت زملاءه التونسيين، هذا بالإضافة إلى أعماله هو والمنجي بن إبراهيم كـ”أنا الحادثة”، “اسمع يا عبدالسميع” و”من أين هذه البلدية” وغيرها من أعمال فرق جهوية تونسية تراوحت بين الغث والسمين، لكن عشق المسرحيين لأعمال فرقة المسرح الجديد ظل استثنائيا.

تدعمت فكرة تأثير المسرحيين التونسيين في زملائهم السوريين بمجيء الفنان محمد إدريس، وهو من جماعة المسرح الجديد، للإقامة والتدريس في معهد دمشق. وهنا كان التأثير الحقيقي حين يتحول إلى منهج تكوين وتدريس.

عام 1986 حل محمد إدريس ضيفا مبجلا في مهرجان دمشق المسرحي الذي يتناوب في دوراته مع أيام قرطاج المسرحية، وعرض مسرحيته المبهرة “إسماعيل هاملت” من بطولة توفيق الجبالي، وقدم فيها نصا بصريا وصل حد الإعجاز، مستفيدا من كوميديا ديلارتي ومسرح الدمى الصقلية.

ظلت الصحافة السورية آنذاك تكتب عن العرض لمدة أسابيع، ساهم أساتذة معهد دمشق في تقريب التجربة التونسية إلى أذهان طلابهم مثل فواز الساجر زميل إدريس وصديقه، ثم جاءت الدورة التي تليها فعاد محمد إدريس بمسرحية “يعيشو شكسبير” التي عرضها في قاعة رياضية واستخدم فيها كل طرق الإبهار، لكنه وجد صديقه فواز الساجر قد مات، فأشعل له شموعا وترك مقعده فارغا في مقدمة الجمهور.

التجربتان التونسية والسورية تتقاطعان في ظروف التأسيس والمرور بالمرجعية المصرية وتلتقيان أيضا في التحرر من النمطية

وتوالت العروض الوافدة إلى دمشق من تونس وقد أدمنها جمهورها وأوجدت لها عشاقا ومريدين، ومقلدين أيضا.

جاء توفيق الجبالي بمسرحية “كلام الليل” و”النبي”، كما قدمت رجاء بن عمار والمنصف الصايم بـ”الأمل”.

ودأب عزالدين قنون على تقديم جديد عروضه في دمشق مستفيدا من صداقاته، مثل “حب في الخريف”، “نواصي” و”رهائن”.

ألفت خشبات المسارح في سوريا اللهجة التونسية والمزاج التونسي حتى صار الناس يتزاحمون أمام المسارح كلما سمعوا بقدوم عرض تونسي. هذا بالإضافة إلى ورشات العمل التي تقيمها الفرق المسرحية التونسية في المعهد كلما وفدت إلى دمشق، وشملت هذه الورشات تدريبات على المسرح الحركي مثلما فعلت إيمان السماوي ورجاء بن عمار وغيرهما.

طبعا كانت هناك بعض العروض المخيبة للآمال من طرف مسرحيين تونسيين امتطوا الصيت والسمعة اللتين تركهما الكبار والرواد.

أثار هذا الأمر بعض التململ وخيبة أمل خصوصا، لما تكاثرت العروض الرديئة ذات المضمون الساذج وتقهقر المسرح التونسي بعد سنوات العز وعصره الذهبي.

الجيل الجديد من مسرحيي تونس ساهم بدوره في هذا الانحدار عبر اللجوء إلى التقليد الأعمى لتجارب الرواد، بالإضافة إلى أن السوريين بدورهم، لم يعودوا كما قبل.

انحدار مسرحي

Thumbnail

كثفت إدارة المعهد في سوريا من استضافة الفرق والتجارب المسرحية الكبيرة في أوروبا، وأوفدت العديد من الخريجين إلى الخارج بقصد الاستفادة وكسب الخبرة.

حتى معهد الفنون الدرامية في تونس، استقبل بدوره، طلابا سوريين رغم أن العديد من هؤلاء قد عبر عن خيبة أمله وتهشم الصورة التي كانت مرسومة في ذهنه عن تميز المسرح التونسي. وفي هذا الصدد، اعتبر رجل المسرح التونسي سليم الصنهاجي حضور المسرح التونسي في المنطقة العربية “أقل تأثيرا مما كان عليه”، بالتوازي مع ظهور اقتراحات فنية مهمة من قبل شباب عربي، درس المسرح في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية وفرنسا.

ولا تقتصر هذه القفزة النوعية والمتألقة على المسرح السوري وحده، رغم الأزمة، بل على المسرح الخليجي أيضا، إذ اعتبر الصنهاجي التجربة الخليجية في غاية الأهمية قائلا إن “الدراسة الأكاديمية، وتوافر إمكانات إنتاج أعمال مسرحية مع التجوال في المهرجانات العالمية المختصة في فنون الفرجة، صقلا هذه المواهب، وجعلاها أكثر انفتاحا على التجارب الأجنبية”.

أسباب تراجع المسرح التونسي واضحة وجلية تماما، كما هي أسباب تقدم المسرح السوري رغم الأزمات، ذلك أن هذا الفن كثيرا ما ينتعش من الأزمات، ولكن أي أزمات؟ إنها حتما ليست أزمات تطول المسرحي في عيشه كما هو الحال في تونس الآن، والتي يستأثر فيها الفاسدون وغير الموهوبين بالامتيازات.

هذه مقاربتي الشخصية، وأنا الذي عملت طويلا في المسرح السوري كتابة وإخراجا وإشرافا وتدريسا، وأفخر بأني أضفت للمشهد المسرحي السوري ومكنته من نيل العديد من الجوائز والتتويجات في المهرجانات العربية والدولية.

حكيم مرزوقي

كاتب تونسي

https://alarab.co.uk/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح