المسرح التسجيلي في مصر: توثيق الحادثة الواقعية ومسرحتها

د. حسن عطية 

مما لا ريب فيه أننا سنلتقي اليوم بكم وافر من الدراسات الجادة حول تاريخ ونظريات المسرح التسجيلي وتجليات افكاره وتقنياته بفضاء المسرح خلال نصف القرن الفائت من الزمان، تأكيداً على الجذور، وتفتيشاً عن التجاوزات، وقد فضلت في مداخلتي هنا ان اقف عند حضور المسرح التسجيلي او الوثائقي في مرأة المسرح العربي بمصر، متوقفاً عند ابرز من كتب وترجم وتحاور حول رؤيته وأعماله، ومتمهلا عند نموذجه في كتابة نص مسرحي مصري، يوثق فيه ما حدث من اهانة للعقل الانساني وللضمير البشري في سجن ابو غريب بالعراق، مستفيداً في ذلك بكل ما طرحه هذا المسرح من أفكار وما قدمه من تجليات، وما تطور به في مساره الطويل منذ ستينيات القرن الماضي، حينما بدأ نتعرف في مصر على المسرح التسجيلي، بقلم الشاعر والكاتب والمترجم واستاذ الطب البيطري د, «يسرى خميس»، حينما قام في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي بعرض وترجمة ومناقشة ابرز ما طرحه فارس هذا المسرح الكاتب الالماني «بيتر فايس»، وفي عام واحد؛ هو عام 1967 المرير، قرأنا في مارس من هذا العام، وفي سلسلة (المسرح العالمي) مسرحية «بيتر فايس» الهيرة (اضطهاد واغتيال جان بول مارا كعرض قدمه نزلاء مصحة شارنتون) والشهيرة ب (مارا/صاد) اختصارا والتي كتبها صاحبها قبل ذلك بأربعة اعوام فقط، وقبل ان ينصرم العام، وفي ديسمبر، طالعنا على صفحات مجلة (الآداب) البيروتية مسرحيته الأخرى (انشودة غول لوزيتانيا) المعروفة باسم (انشودة انغولا) او (الغول) فقط كما عرضت بالقاهرة من اخراج المخرج المسرحي احمد زكي.

ومنذ ان ترجم د. «يسرى خميس» هذين النصين في ستينيات القرن الماضي، ورغم كل التيارات المسرحية التي وفدت الينا من تعبيرية وعبثية لما بعد حداثية اليوم، ما زال للمسرح التسجيلي حضوره الطاغي في مناقشاتنا، فهو ابرز هذه الاتجاهات المتعلقة بعلاقة الفن بمتغيرات الواقع الراهن والماضي معا، ليس بهدف توثيق ما يحدث في الأمس القريب او البعيد بصورة فنية، وانما سعيا للكشف عن القوانين التي تحكم الحدث، والحقائق المختبئة خلف تفاصيله.

ان نموذجنا الذي نتوقف عنده هنا هو نص مسرحية (المسلخ) الذي كتبه د. «يسري خميس» عن مذابح العراقيين على يد المحتل وقواته من مرتزقة (البالك ووتر) وأتباعه من العملاء الوطنيين، خلال الغزو الاميركي للعراق عام 2003، انما يعيد طرح القضية التي أثيرت وتثار دائماً حول قدرة المسرح التسجيلي على البقاء والخلود، فاذا ما كان هذا المسرح مؤسسا على فعل توقيق الحاضر، ورصد تفاصيله الآتية، وتحليل وقائعه المعيشية، فما هي امكانياته في البقاء ومخاطبة أزمنة أخرى وجماهير قادمة في المستقبل؟

فحينما كتب «فاس» مسرحيته (مارا/صاد)، ستينيات القرن الماضي، كان هذا العقد يصطخب بالثورات الوطنية التي اجتاحت العالم، وصاغت رموزها التي كانت صورها ايقونات لفعل التحرر من قوى الاحتلال السياسي والاقتصادي، كصورة الثوري المناضل خارج الأنظمة «تشي غيفارا»، الذي عادت صوره اليوم معلقة برقاب شباب وعلى جدران بيوتهم وأسطح موبايلاتهم مثيرة الدهشة حول جيل لم يعش ولم يعرف هذا المناضل الذي ترك كرسي الوزارة ليموت بغابات بوليفيا وسط الثائرين!!. غير ان هذه الثورات الوطنية، التي نشدت الحرية لمجموع الشعب، أجلت في مسيرتها التقدمية وفعلها في تحقيق العدالة الاجتماعية تحقيق حق الفرد في ان يكون حراً في ذاته، وفي ان يعبر عن ذاتيته هذه بحرية قد تنفق وقد تختلف مع حرية الجماعة، والتي تملك بقوتها الخاصة اكتساح الفرد وهرسه في طريقها، لذا نشأ الصراع الفلسفي والاقتصادي بين حرية الفرد المطلقة وحرية المجموع الكاملة، وسعى «بيتر فايس» لصياغة هذا الصراع دراميا في مسرحيته المذكورة، عائدا بنا لتاريخ اوروبا الذي يعرفه، منطلقا من شخصية «جان بول مارا» كنموذج ثوري من نماذج الثورة البورجوازية الفرنسية، والمؤمن بضرورة تحقيق الحرية الكلية لجماعة المجتمع، في مقابل شخصية «المركيز دي صاد» الساعي لتحقيق حريته الفردية، بغض النظر عن حرية المجتمع الذي يعيش فيه، ومنطلقا مسرحيا من زيارة تقوم بها مجموعة من الارستقراطيين لمصلحة (شارنتون) العقلية، والتي تقدم لهم عرضا مسرحيا، يقوم به بعض المرضى من تأليف واخراج المركيز دي صاد، المعتزل بذات المصحة، ويتمحور الحدث الدرامي حول الزعيم المغدور به من زعماء الثورة الفرنسية «جان بول مارا»، والمغتال بيد «شارلوت كوردي»، طارحا طوال مسيرة العرض المسرحي مناقشة جادة حول العلاقات بين السياسة والجنس والعنف، مركزاً على ذلك التضاد بين الحرية الفردية والحرية المجتمعية.

دخائل الشخصيات

وبالجدل بين الموقفين المدعومين بأقوال موثقة للشخصيتين الحقيقتين تاريخياً، وان لم يلتقيا ابدا الا في فضاء مسرحه المتخيل، وبتصور تحقق ذلك اللقاء في مصحة تزدحم بالشخصيات الحقيقية والمتخيلة، وتبيح بطبيعتها، كمصحة عقلية، ان تكشف عن دخائل الشخصيات المتحدثة والفاعلة في حركة الدراما التسجيلية، وتجعلنا نتعاطف مع هذه الشخصيات المتألمة من أجل ذاتها ومجتمعها وانسانيتها، يترك «فايس» للمتلقى المحتوى الدلالي للمسرحية ليستخلصه دون مباشرة من ذلك التعانق بين الموقفين، الذي يقف هو شخصيا موقف الحائر بينهما، لذا يعلن انه كالواقف بين مقعدين، لا يعرف بالضبط على أيهما يجلس، وربما كان يأمل في أن يجد له، مع البشرية، يوماً مقعداً ثالثاً يجلس عليه محققاً التناغم بين حرية الفرد وحرية المجتمع، فلا معنى لحرية فردية وسط مجتمع يعاني القهر والذل والانغلاق، ولا معنى لحرية مجتمعية تسحق حرية الفرد في أن يكون باختياره ذاتاً مبدعاً داخل هذا النسيج الجمعي المتحرر. لهذا إمتزج ما هو تسجيلي (آني) بما هو مستمر و(خالد) بهذا الطرح لموضوع التناقض بين رؤيتين للعالم، أطاحت واحدة منها بالأخرى منذ ما يقرب من عقدين من الزمان، من دون أن تنجح في إبادتها، ومن دون أن تحقق للحالمين بحلم الحرية الفردية يوتوبيا العدالة الاجتماعية، بل وحق هذا الفرد الحر في أن يتعلم ويعالج ويعمل ويتزوج بصورة تحمي كرامته من الهرس تحت أقدام عجلة «آدم سميث» الاقتصادية.

لهذا ترك هذا النص واتجاهه بصمات واضحة على المسرح العالمي عامة، والمسرح العربي في مصر، خاصة في هذه الفترة الحرجة ما بين عامي 1867 و1973م، فحاول «عبدالرحمن الشرقاوي» الاستفادة من تقنيات المسرح التسجيلي في مسرحيته (وطني عكا) الدائرة حول القضية الفلسطينية، وظهرت المسرحية السياسية الوثائقية (النار والزيتون) لـ«ألفريد فرج» على المسرح القومي، مثيرة جدلاً حاداً في الساحة الفنية حول علاقة المسرح بقضايا الواقع الساخنة، خاصة القضية الفلسطينية، والتي أشعلت حركة المقاومة للفلسطينيين أنفسهم، وتماست مع حركات التحرر الثورية التي اجتاحت العالم خلال عقد الستينات، وتشابكت مع توجهات الأنظمة العربية المتباينة، والتي كانت تحاول أن تلملم أطراف ثوبها الممزق منذ هزيمة 67، وترتق الثوب بأفكار محافظة، وبتراجع عربي خافت الصوت عن ثورية الخمسينات وأوائل الستينات، فبدت المقاومة الفلسطينية وقتذاك شعلة تضيء للثوري المجروح طريق الخلاص، وتزيل الأقنعة عن المتقاعسين والمرتدين عن الخط الثوري، خاصة ومعارك الاستزاف ضد العدو الصهيوني في سيناء المحتلة قد حققت نتائجها المرجوة منها، والشارع يغلي بالرغبة في «إزالة آثار العدوان» بالقوة التي تحقق بها.

وظلت القضية الفلسطينية قابعة في عمق المسرح التسجيلي، فكتب اللبناني «عصام محفوظ» مسرحية بعنوان يماثل في طوله مسرحية «فايس» وهو (لماذا رفض سرحان بشارة سرحان ما قاله الزعيم عن فرج الله الحلو في ستيريو 71؟)، كما كتب «يسري الجندي» مسرحيته (ماذا حدث لليهودي التائه مع المسيح المنتظر؟). غير أن الزمن تغير، واختصر الصراع العربي/ الإسرائيلي، الى خلاف فلسطيني/ إسرائيلي حول «أراض محتلة»، وفي عمقه برز صراع فلسطيني/ فلسطيني مثيراً للشقاق بين الثوار، وارتفع الاحتلال الأميركي للعراق ليحتل مكان الصدارة جانبه، وأحياناً أقوى منه لتشابك قوى دولية على الأرض العراقية، وانفجرت ذات يوم فضيحة سجن «أبو غريب»، وانفعلنا كلنا بها، وانتفض الشاعر بقلب المسرحي د. «يسري خميس»، وأرتج عقله غير مصدق لما يراه على شاشة التلفاز، عبر متابعة دؤوبة لكل ما انفجرت عليه هذه الحادثة التي جرت في زمن الصراخ بحقوق الإنسان في الحياة والمقاومة، وتبلورت الفكرة خلال أبرز متابعاته لأسرار ما حدث، وبخاصة متابعته اليومية لأكثر من عامين (2004 و2005) حتى الانتهاء من كتابة المسرحية منتصف عام 2006 لباب (أزمة السجون العراقية) على موقع BBC arabic.com بالإنترنت، ومشاهدته المواجهة المباشرة على «قناة الجزيرة» الفضائية مع البريجيدير جنرال جانيس كاربنسكي BG janis Karpinski قائد اللواء 800 للشرطة العسكرية الأميركية والمسؤولة آنذاك عن إدارة سجون العراق ومن بينها سجن (أبو غريب)، وكذلك المواجهة المباشرة على «قناة الجزيرة» الفضائية مع السيد «عبدالجبار العزاوي» أشهر المعتقلين العراقيين في سجن أبو غريب، الذي تحولت صورته وهو مغطى الرأس بكيس أسود، فاتحاً ذراعية كالمسيح لتلقي الصدمات الكهربائية، الى رمز للفضيحة التاريخية. فضلاً عن الصور التي نشرها الصحافي الأميركي «سيمور هيرش» Seymour Hersh في مجلة (ذي نيويوركر) New Yorker Magazine وتناقلتها كل صحف ومجلات العالم، والوقائع المريرة التي نشرها في كتابه (القيادة الأميركية العمياء أو الطريق من 11 سبتمبر الى سجن أبو غريب). فجاءت مسرحيته هذه، التي إنتهى من كتابتها في صيف 2006، لتكون توثيقاً لهولوكست أميركي وقع ذات يوم على الإنسان العربي، غير القادر حتى على إثبات تدمير إنسانيته تحت نعال الأميركان.

التقرير الرسمي

ولأنها مسرحية تسجيلية كان لا بد وأن تعتمد ـ الى جانب المتابعة الحية المستمرة ـ على التقرير الرسمي للتحقيق الذي قام به ماجور جنرال «أنطونيو تاجوبا» MG Antonio M. Taguba لتقصي الحقئق في أحداث سجن (أبو غريب) ببغداد في يناير 2004، والواقع في 53 صفحة، والذي خلص فيه الى حدوث «وقائع متعددة لانتهاكات إجرامية سادية وجنسية واضحة». في السجون العراقية، ومنها سجن (أبو غريب)، الذي نشرت صوره وصارت صوره كالأيقونات الدالة على فظاعة الاحتلال، ونص (تقرير تاجوبا) على «إن المحتجزين في سجن أبو غريب في بغداد أجبروا على ارتكاب ممارسات جنسية وتعرضوا للتهديد بالتعذيب وللاغتصاب أو مهاجمتهم بالكلاب وتم إخفاؤهم عن الزيارات التي يقوم بها الصليب الأحمر «في خرق للقانون الدولي».

تعيدنا هذه الصياغة الدرامية لوقائع حدثت بالفعل للسؤال الجوهري الذي طرحناه في بداية مداخلتنا هذه حول قدرة المسرح التسجيلي على البقاء والخلود، ككل تيارات المسرح الخالدة من الإغريق حتى اليوم، إذا ما كانت طبيعته البنائية مؤسسة على فعل توثيق الحاضر، ورصد تفاصيله التي تدخل مع الزمن حقل التاريخ؟

فمن المسلم به أن الدراما المسرحية، وغيرها من فنون الدراما المرئية، تقوم على مبدأ إعادة صياغة الفعل الواقعي، ماضياً كان أم آنياً، في بناء جمالي يتأسس داخل السياق الاجتماعي القائم، ويستهدف التأثير في المجتمع الحي، فيخاطب جمهوراً يعرفه، ويكون حاضراً في هذه البناء الجمالي بزمنه وقيمه ورؤيته للعالم؛ شاء مبدعه أو تصور أنه ينفلت منه لعوالم فانتازية يبتدع معها أفعالاً خيالية سابحة في سماوات طوباوية، فحتى الفعل المتخيل له قاعدته الواقعية، ويصاغ لغاية واقعية، والمدن الفاضلة ما هي إلا موقفاً نقدياً من الواقع الراهن.

إذن فالإبداع في مجال المسرح التسجيلي، يمنح الوثيقة بعدها الجمالي، ويحول الراهن الزائل لمستمر خالد، ويحضر التاريخ فيصير بفضاء المسرح واقعاً معاشاً، وذلك لأن الفعل في حقل الدراما حاضر بطبيعته، لا يروى بلسان (راو) خبير كما في حقول التاريخ والسياسة، ولا يحكى بلسان (سارد) يعرف كل شيء عن موضوعه وشخصياته كما في حقل الرواية والقصة، بل هو يحدث الآن ويسير حتى نهايته أمامنا، خلال سويعات قليلة يتتبع عبرها المتلقي مسار الفعل ومصير المتعلقين به، ويتفاعل معهما بوجدان مشتعل وعقل يقظ، ويقتطف في النهاية الفكرة المبثوثة عبر هذا العمل بأكمله. وهي في جوهرها رسالة موجهة للجمهور المشاهد اليوم، وحاملة رؤية المبدع له فيما يتعلق بقضاياها التي يعيشها، وينتظر من الفنان أن يشاركه الرأي فيها، باعتباره مثقفاً فاعلاً في مجتمعه، تعلم و تثقف وخبر الحياة، لا ليدفن رأسه في رمال الأمس، بل ليلعب دوره في تنوير عقل المجتمع والعمل على تغيير واقعه الى ما هو أفضل.

النص الدرامي في المسرح التسجيلي هو توثيق جمالي لوقائع حياتية، ومسرحة فنية لأحداث وقعت في الماضي البعيد أو القريب، يأخذ من هذه الوقائع الحياتية ارتباطها الوثيق بلحظتها الزمنية، ويأخذ من الدراما قدرتها على الخلود والتجدد من كل زمن تقدم فيه، وكمكل مجتمع تخاطبه، ومن ثم سيظل المسرح التسجيلي قادراً على البقاء، طالما قابعاً في حقل المسرح، مستخدماً أدواته الجمالية لتواصل مع جمهور أتى إليه لا لكي يتلقى درساً في السياسة أو محاضرة تاريخية، بل لكي يتحاور مع مسرح ساخن وثائر ومثير للجدل.

———————————————————————————————————-

المصدر : مجلة الفنون المسرحية –  الندوة الفكرية لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته الحادية والعشرين

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.