أخبار عاجلة

المسرح البلدي وجه من وجوه تونس الفريدة – حذامي خريف #تونس

المسرح البلدي وجه من وجوه تونس الفريدة – حذامي خريف #تونس
المسرح البلدي أغلق أبوابه بسبب حالة الحجر الصحي المفروضة، ولكن مدرّجاته ستبقى خشبة لمسرح واقع التونسيين وحياتهم.

تحفة شارع بورقيبة التي تروي الحكايات
بينما كنت أبحث عن صور لموضوع حول تعامل تونس مع أزمة كورونا، استوقفتني صورة لا ترتبط بالموضوع بشكل مباشر، لكن شدتني من بين عشرات الصور في الوكالة. يظهر في هذه الصورة المسرح البلدي بالعاصمة.
لا أدري لماذا جذبتني هذه الصورة بالذات. ظللت أتأملها للحظات. صمت رهيب يخيم على المكان. انعكاس لون السماء الرمادي زاد الصورة رهبة. فراغ يبدو كأنه جزء من سير أحدث مسرحية لبريخت.
فجأة، بدأت أسمع أصواتا. ألمح أناسا جالسين على الأدراج. وآخرون يعبرون إلى بهو المسرح. حركة كثيفة. أصوات متداخلة: غناء، صراخ، عروض مسرحية، مظاهرات، حفلات تكريم، وقفات احتجاج، وافتتاح مهرجانات. هكذا أتذكر المسرح البلدي بالعاصمة. مسرح في الداخل يعرض الفنون والمسرحيات والحفلات، ومسرح في الخارج يعرض حكايا التونسيين ويعكس واقعهم.
الحياة أمام هذا المعلم التاريخي هي مسرحية أيضا، أبطالها من صميم الشارع التونسي، بعض أحداثها رفع عنه الستار الأحمر الشهير وتحول إلى مسرحية صفق لها الجمهور، وبعضها الآخر قد يجد طريقه في يوم ما إلى الخشبة.
بدا لي المسرح البلدي بتفاصيله تلك، وكأني أراه لأول مرة. ربما هي تهيّئات العزل الصحي، لكن الأكيد أن لهذا المبنى تاريخا راسخا وحكايات حقيقية عن قصة واحد من أشهر معالم تونس العاصمة.
علبة الحلوى

الحياة أمام هذا المعلم التاريخي هي مسرحية أيضا، أبطالها من صميم الشارع التونسي، بعض أحداثها رفع عنه الستار الأحمر الشهير وصفق لها الجمهور
معلمان رئيسيان يتبادران إلى الذهن أول ما نذكر شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة، تمثال ابن خلدون المقابل لكاتدرائية تونس، والمسرح البلدي، “لا بونبونيار“ أو ”علبة الحلوى“، التي تضفي حلاوة خاصة على أشهر شوارع تونس الذي يوجد فيه وللمفارقة وعلى بعد خطوات من المسرح مبنى وزارة الداخلية، بكل ما يحيل إليه من سطوة وسلطة، كان المسرح أحد أبرز المنابر التي علا منها صوت انتقادها.
أجريت سنة 2015 دراسة فنية حول حالة بناية المسرح. بيّنت الدراسة أن هيكلة المبنى، المصنّف على قائمة التراث الوطني منذ سنة 1992، بحاجة إلى تدخلات عاجلة. بعد سنة، أطلقت بلدية تونس أعمال الترميم. تمت تقوية الأعمدة التي تحمل المبنى على مستوى الطابق السفلي، وتغيير البلاط بآخر مطابق للقديم وإعادة بناء المدارج الأساسية عند المدخل وتهيئة القاعات الداخلية وقبو المسرح والشرفة وقاعة التشريفات وغرف الملابس وقاعة العرض.
كان هناك قلق من أن تغير هذه الأعمال من هندسة المسرح ورونقه المعماري. وبعد أن فتح المسرح أبوابه، عقب أشغال دامت حوالي 15 شهرا، زال هذا القلق وبدا أن هذه التحفة المعمارية والفنية ستواصل تحديها الذي خاضته منذ أن قرر المعماري الفرنسي جان إميل رسبلندي بناء ”كازينو تونس“، الاسم الأول للمسرح البلدي.
مرد التحدي أن الأرض التي اختار رسبلندي أن يبني عليها المسرح كانت قريبة جدا من بحيرة تونس ما يجعلها أرضا رخوة لا تتحمل بنايات ضخمة. توقع كثيرون أن المبنى سينهار مع مرور الوقت.
خاض رسبلندي تحديه. وبمساعدة مقاولين ومهندسين إيطاليين وفرنسيين خرجت التحفة المعمارية في نسختها الأولى في خريف 1902. ليكون المسرح زينة شارع ”جول فيريي“، وهو الاسم الفرنسي لشارع الحبيب بورقيبة قبل استقلال البلاد، مثلما هو اليوم أهم تحفة فنية معمارية تزين الشارع الذي كان يزخر بقاعات السينما وأستوديوهات التصوير والعشرات من المعالم التاريخية التي أهمل عدد منها وتحول عدد آخر إلى محلات ملابس وعطورات وبنوك ومطاعم ومقاه. ولا يمكن الحديث عن المسرح وشارع الحبيب بورقيبة دون التوقف عند المقاهي، التي يرتبط بعضها روحيا بالمكان، سواء من حيث تاريخيتها أو من حيث أنها شهدت ولادة أعمال عرضت على خشبة المسرح.
“لونيفير”، “الكوليزي”، ”البرناس“، ”مقهى باريس“، و”دار الصحافي”، مقاه تزخر بذكريات الماضي والحاضر. كانت ولا تزال ملتقى مثقفي تونس وكتّابها، وأيضا هي استراحة جمهور المسرح، قبل أن يفتح أبوابه للعرض، وبعد أن ينتهي تتحول إلى منابر نقاش وتحليل ونقد.

خشبة الفن الحديث


المعماري الفرنسي جان إميل رسبلندي مصمم المسرح البلدي، اختار أن يتحدى الأرض التي اختارها لمشروعه، فتوقع كثيرون أن المبنى سينهار بسببها
جاء التصميم والديكور على الطراز الأوروبي الفاخر بلمسات من فن جديد بدأ يظهر في أوروبا في تلك الفترة، بداية القرن الثامن عشر. كان المسرح كالفن الذي خرج منه، ثوريا وجديدا ومختلفا عن المسارح التي عرفتها البلاد من قبل.
في الداخل تتزين الجدران والأسقف البيضاء بخطوط منحنية ومجسمات لبشر وحيوانات ورسومات وأشكال مستوحاة من الطبيعة والتاريخ منقوشة باللون الذهبي، وأعمدة رخامية فاخرة وتماثيل تزيّن مداخل القاعات والدرج، فيما تمنح كراسي قاعة العرض والمغلفة بقماشة القطيفة الحمراء الفاخرة دفئا وإحساسا مضاعفا بالمتعة.
ووسط الزخارف والأشكال المتعددة، يختبئ رسم نادرا ما ينتبه إليه زوار المسرح، وهو مجسم لمسجد وضريح الوليّ الصالح محرز بن خلف. وقصة وجود هذا المجسم، وسط منحوتات أوروبية أن المجلس البلدي لمدينة تونس طلب من المعماريين أن يضفوا لمسة عربية إسلامية على المسرح، فجاء اختيار ضريح محرز بن خلف الذي يمتلك حظوة كبيرة بين التونسيين ويلقّب بـ”سلطان المدينة” كناية عن شهرته الواسعة والدور الذي لعبه في عهد الدولة الحفصية في القرن الثالث عشر.
المتعة ليست مقتصرة فقط على من يدخل المسرح، فواجهته أيضا تحمل جمالية خاصة، من الأشكال المتوّجة والأقواس والخطوط ذات المنحنيات المختلفة والمتداخلة والألوان الزاهية على المبنى، والتي تضفي حركية تكسر ضخامة المبنى، فيما يبدو الحصان، وراكبه، فوق باب الدخول الرئيسي في حركة مستمرة وكأنه لم يصل مبتغاه بعد وسيبقى يركض من أجل حركة مسرحية متواصلة في تونس، تتبعه حوريات تتطلّع إحداها بشغف إلى راكب الحصان، فيما تشيح الأخرى بوجهها ناحية الشارع، تتابع ما يجري في مسرح حياة التونسيين، أما الوجهان الآخران فيتلوّنان، فمرة تراهما مسرورين ومرة يكسوهما الحزن، وكأن تعابيرهما تنطق بحال البلاد وعبادها.
شاهد على العصور
بعد فترة قصيرة من تاريخ الافتتاح الأول، أغلق المسرح لكن ليس بسبب التحذيرات التي قالت إن الأرضية الطينية لن تتحمل المبنى، بل لإدخال تعديلات كبيرة عليه من الداخل والرفع من طاقة الاستيعاب من 800 شخص إلى حوالي 1000 شخص.
فتح المسرح من جديد بعد سنوات، ومنذ ذلك الوقت لم يعد مجرد تحفة معمارية هندسية بل كان منبرا ثقافيا وسياسيا. ودارت بسبب بعض العروض التي احتضنها معارك بين التونسيين والمستعمر الفرنسي الذي بنى كازينو تونس في البداية من أجل الجالية الفرنسية لكنه فوجئ بإقبال التونسيين في ذلك الوقت على مشاهدة الأعمال المسرحية في عصر كان فيه الفن الرابع أبا الفنون.
في أول عرض له، قدم المسرح أوبرا ”مانون“ لجول ماسينيه. وبعد مئة وست عشرة سنة، افتتحت أبوابه، بعد الإغلاق للترميم، الأوركسترا السيمفونية التونسية بقيادة حافظ مقني. خلال الوصلة الأولى عزفت الأوركسترا قطعة من أوبرا فتاة إيطالية في الجزائر للإيطالي جواكينو روسيني.
الخطاب الشهير الذي يذكره التونسيون جيدا حتى اليوم، والذي ألقاه بورقيبة مطلع الستينات أمام حشد من المسرحيين، كان فريدا وغريبا، فلا يذكر التاريخ أن رئيس دولة عربية خصّص خطابا كاملا للحديث عن دور المسرح في نهضة البلاد الشاملة
جاء اختيار هذه التحفة الموسيقية بالتحديد، ليس فقط لشهرتها وجمال قصتها، لكن أيضا لأنها ترتبط بقصة أول أوركسترا فيلارموني تأسست في تونس سنة 1872 على أيدي موسيقيين إيطاليين ومالطيين. كانت الأوركسترا تريد عزف المقطوعة لكن المحتل الفرنسي منعها وضيق الخناق عليها، حيث اعتبر أن ذلك رفض للتواجد الفرنسي في تونس.
وتروي القصة التي ألفها روسيني حكاية الشابة إيزابيلا التي تبحر إلى الجزائر بحثا عن حبيبها ليندورو الذي يقبع هناك في السجن تحت ظلم الحاكم التركي المستبد، إلا أن السفينة التي تقلها تتعرض للاختطاف من قبل القراصنة. نجح المسرح البلدي في التحدي وبقي صامدا إلى اليوم، عاصر مختلف الأحداث التي شهدتها البلاد. تلوّن ركحه بمختلف المسرحيات والأعمال الموسيقية التي خرجت بروح الفترة التي ظهرت فيها.
عرضت أول مسرحية تونسية على خشبة المسرح البلدي سنة 1909 وكانت من إنتاج الجوق التونسي المصري وحملت عنوان “صدق الإخاء”. ومن خلال المسرح تعرّف التونسيون على أعمدة الفن المصري، سلامة حجازي ويوسف وهبي وجورج أبيض وزكي طليمات الذي أدار فرقة مدينة تونس للمسرح، هذه الفرقة التي شهدت أوجها بعد استقلال البلاد، ومن رحمها ولدت فرقة بلدية تونس.
بعد الاستقلال، لم يعد المسرح نخبويا وخاصا بالأجانب وأفراد العائلة البرجوازية، بل أصبح مفتوحا لكل التونسيين، وأساسا الطلبة، وإن حافظ على خصوصيته من حيث اللباس، حيث كان يمنع دخول المسرح بغير اللباس الرسمي. وبتنوع الجمهور تنوعت الأعمال والأفكار.
وقد جعلت فرقة بلدية تونس من المسرح قبلة كل الناس، استمتعوا بكلاسيكيات الأدب والموسيقى العالميين، وتعرفوا على مراد الثالث وعطيل وكاليغولا وصاحب الحمار وغيرهم من الشخصيات التاريخية التي استحضرتها الفرقة بقيادة علي بن عياد رائد الفن الرابع والمجدّد الذي سار على دربه كثيرون.
بورقيبة والمسرح

العروض التي يحتضنها المسرح تدور حولها معارك عديدة، منذ افتتحه المستعمر الفرنسي خصيصاً للجالية الفرنسية ففوجئ بإقبال التونسيين عليه.
لا يمكن الحديث عن فترة الاستقلال والمسرح دون أن نستحضر الخطاب الذي ألقاه الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة يوم 7 نوفمبر سنة 1962 أمام حشد من المسرحيين. كان خطابا فريدا وغريبا، في ذلك الوقت، وحتى اليوم، فلا يذكر التاريخ أن رئيس دولة عربية خصّص خطابا كاملا للحديث عن دور المسرح في نهضة البلاد الشاملة. وقد قال الباحث التونسي عبدالحليم المسعودي، في كتاب له بعنوان “بورقيبة والمسرح”، إن ذلك الخطاب “أقل ما يوصف به أنه بيان أو مانيفستو مسرحي”، حث فيه بورقيبة على تنشيط الحركة المسرحية. مضيفا أن “المسرح هو أساس بناء مجتمع جديد والارتقاء بالتونسيين من مرحلة التخلف التي سادت خلال فترة الاستعمار (1881 – 1956)”.
بورقيبة كان يؤمن بمقولة “أعطني مسرحا أعطك شعبا مثقفا”. وكان هذا المسرح في وقت ما معبرا عن ذلك. لكن الحال تغيرت على مر السنوات. وغابت معاني تلك المقولة، حيث أصبح المسرح، في ملمحه النهضوي، مسرح نخبة تعدّ على الأصابع، يمثلها بضعة طلبة وبعض مثقفين يؤمنون بقدسية المسرح لكن يعجزون عن إيصاله إلى العامة، التي تكتفي بالمسرح الكوميدي التجاري.
اليوم، يغلق المسرح البلدي أبوابه من جديد، لكن ليس لعملية ترميم أخرى، بل بسبب حالة الحجر الصحي المفروضة في كامل البلاد. وسينتهي الحجر لكن قد
تبقى أبواب المسرح مغلقة نظرا لأنه مخصص للعروض الشتوية، فيما تستفيق مسارح الهواء الطلق من سبات الشتاء لتتولى هي المهمة في الصيف.
ورغم أن أبوابه ستغلق، ستبقى مدرّجاته خشبة لمسرح واقع التونسيين وحياتهم، يحجّون إليها، ويقف عليها وقبالتها المتظاهرون للاحتجاج. شباب يهتف ضد غلاء المعيشة، وضد سياسات التعليم والتهميش والإقصاء. ومظاهرات ضد الإرهاب والتطرف وسياسات الحكومة، علمانيون ضد الإسلاميين، وإسلاميون ضد العلمانيين، عائلات شهداء الثورة ضد الدولة، نساء يطالبن بالمزيد من الحقوق، وتلاميذ ثانويات ضد قرارات نقابات التعليم، ورجال أمن يطالبون بالمزيد من الحقوق، وغير ذلك من المواضيع التي يلعب دور البطولة فيها المواطن التونسي في قصص مستمدة من مسرح الحياة.
حذامي خريف – تونس
(العرب)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح