المسرحي العراقي د. جواد الاسدي في حوار تلفزيوني

زاهي وهبي: مساء الخير. منذ أكثر من عشرين عاماً وأنا أُحاور “جواد الأسدي”، ليس بالضرورة أمام الكاميرا، أُحاوره في المسرح والشعر والثقافة والحياة، وفي كلّ حوارٍ يقول هذا المسرحيّ العربيّ المتوهِّج ما يُثيرُ الجدل والنقاش وما يفتحُ نوافذ جديدة في الفِكر والوعي في زمنٍ نحن أحوج ما نكون  فيه إلى إعادة الاعتبار لكلّ ما يُخاطب العقل وينهض بالإنسان بعيداً من لغة العصبيات والغرائِز على أنواعها. لكن وللأسف، عوض أن نشهد ولادة منابر ثقافية ومسارِح جديدة رأينا ضيفنا يُسدِلُ ستارة “مسرح بابل” في “بيروت” ويُقفلُ أبوابه ويحمِلُ خشبة أحلامه ليعودَ مسرحياً جوالاً بين العواصمِ والمُدنِ، علّ ستارةً أُخرى تُرفع وعرضاً جديداً يبدأ وثلاثَ دقّاتٍ تُعلِنُ استفاقة أُمةٍ من سُباتِ كهفٍ لا يُشبه السورة الكريمة ولا أهلها بل كهفُ ظلامٍ وتكفيرٍ وجهلٍ وتخلُّفٍ وتطرّفٍ وكبتٍ وقمعٍ وتذابحٍ أهليّ. عن كلّ هذا، عن المسرح وعن “بيروت” و”دمشق” و”بغداد” و”قسنطينة” و”مراكش” و”فلسطين” المنسيّة ودور الفنّ والثقافة في إعلاء شأن الحياة حوارنا الليلة. “بيت القصيد”، بيت المبدعين العرب يُرحِّبُ بالمسرحيّ العربيّ العراقيّ الكبير “جواد الأسدي”، أهلاً وسهلاً

جواد الأسدي: مرحباً

زاهي وهبي: نوّرت “بيت القصيد”. دائِماً في حواراتنا نتمكّن من أن نُخرِج أشياء جديدة من حضرتك، وإن شاء الله هذه الليلة نُقدِّم لمُشاهدينا ما يُفيد وما يفتح ولو نافذة بسيطة

جواد الأسدي: أكيد. أنا سعيد جداً. على مدى سنوات طويلة، سنوات قريبة وطويلة شهدت تحولات كثيرة، كان بيننا أنا وأنت دائِماً هذا التلاقي، التلاقي لنبش أرض أُخرى وحياة أُخرى والبحث عن أسئِلة أُخرى. وفي مراحل انكسارات كثيرة، عندي أنا على أقلّ تقدير، الآن أنا آتٍ فعلياً لأتحدّث معك بشغفٍ كبير جداً

زاهي وهبي: على كلّ حال، للأسف الانكسارات تطالنا جميعاً، تطال بلادنا وتطال مُجتمعاتنا. قبل أن نبدأ بطرح أسئلتي عليك دعنا نسمعك ونُشاهدك في ربورتاج أعدّته زميلتنا “سحر حامد” بعنوان “علامة فارِقة”

جواد الأسدي: أوكي

علامة فارِقة

جواد الأسدي

— أنا في “بيروت” لأنني مسكونٌ بالشغف لهذه المدينة، بصراحة. هي مدينة مفصلية، مدينة عضوية، مدينة تسكن بي، داخل قلبي، داخل ذاكرتي، داخل وجداني. يُمكنكِ أن تقولي مثل شخص مدمن بشكلٍ جميل على مدينة ولا يستطيع أن يُغادرها

— فعلياً أنا نادم لأنني تركت “بيروت” لكن في نفس الوقت، عندما تركت “بيروت” أحسست مرّة أُخرى بأن أعود إلى فكرة الحرية. نادم لأنّ مسرح “بابل” راح، أُغلِق، ولستُ نادماً لأنني أحسست بأنني لستُ مديراً، لست مديرَ مسرحٍ ناجح. أُحاول أن أصنع عودة لي أنا كمُخرِج مسرحي وكشخص شغله الحقيقي وشغفه الحقيقي هو الإخراج

— القرار ليس في يدي في أن أقوم بإنتاج أعمالي المسرحية والاشتغال على شغلي المسرحي. هذا يُزعجني جداً جداً لأنّ المؤسسة الإنتاجية العربية في العموم تحوّلت إلى مؤسسة فيها الكثير من الضحالة ولا ينفع معها اسم هذا المُخرِج إذا كان مخرجاً خلاّقاً وكبيراً ومهماً أو إذا كان قليل القيمة وقليل الأهمية

— المسرح في الدول العربية وصل إلى حدود كارثية، هو فعلياً في حال من التفكّك وحال من الانكسار وحال من الهزيمة الكُبرى

— العمل، الشغل المسرحي، الدخول إلى التمرين، مُقاسمة الممثلين هذا الرغيف وهذه الشراكة الرائِعة هي التي تجعلنا ننتصر على الخسارة. هذا هو المعيار الأكبر والأخطر، الوصفة السحرية دعنا نُسمِّها

— عندي نيّة دائمة وأبدية للرحيل بصراحة، الرحيل بالنسبة لي هو مُفرَدة غجرية. أنا شخصياً مسكون بنار تغيير الأمكنة. في سفري الدائم الأبدي، دائِماً ثمة نصّ موجود في شنطتي الصغيرة، النصّ الذي يحمني في السفر والذي أتقاسم معه كلّ حياة السفر بشكلٍ دائِم

— أُقاوم فكرة الإنسان الساذج والبدائي وأُقاتل من أجل بناء إنسانٍ آخر حقيقةً

— كنت أنتظر دائِماً أن “العراق” يوماً ما سيكون في جنّة أُخرى وفي حياة مدنية وجمالية ومعرفية وإنسانية بشكلٍ آخر ولكن للأسف الشديد الذي وقع والذي جرى دفع “العراق” إلى منزلق خطير وكبير

— أندم كثيراً جداً لأنني بلا عائِلة. أولادي بعيدون عنّي جداً، عائِلتي بعيدة عنّي جداً، “العراق” بعيد عنّي، أصدقائي الذين أحبهم وينتشرون في العالم غير موجودين، ليسوا في متناول مُقاسمتهم طاولة ما أو لحظة ما، الإحساس بوحشة ندم حقيقية

— الليلة حواري مع صديقي العزيز “زاهي” أظنّ أنه سيأخذ مجرىً حارّاً وسيكون حواراً ساخناً جداً، سيسلّط الضوء على جحيم ما يجري حولنا من انهيارات ومن تصدّعات وفي الوقت نفسه عندي أشياء شخصية جداً، شيء شخصي أرغب في البوح به، أن أقوله بشكلٍ حرّ وفي طريقة صريحة جداً

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً أيضاً مرة أُخرى. أكيد سنعود لمُعظم العناوين التي طرحتها أُستاذ “جواد” ولكن، هلّ يُمكننا أن نتحدّث عن شتات عراقي يُشبه بشكلٍ أو بآخر الشتات الفلسطيني؟ وإن كانت “العراق” غير مُحتلّة حالياً

جواد الأسدي: أظنّ نعم. الشتات العراقي هو أكثر، أنا أظنّ هكذا، أكثر وعورة وأكثر مرارة وأكثر عذاباً من الشتات الفلسطيني. مفهومة المقارنة، الفلسطيني تحت سُلطة الاحتلال و”العراق” تحت سُلطة العراقيين الذين هم أسوأ من المُحتلّين. يتصرّفون كما لو كان ” العراق” مُقاطعة، كما لو كان

زاهي وهبي: ملكية خاصة

جواد الأسدي: أسوأ من المُلكية، شيء له علاقة بفكرة التملّك القذرة جداً. أيّ سلطان، أيّ شخص عراقي أتى إلى السُلطة سواء قبل الاحتلال أو بعد الاحتلال يتصرّف مع “العراق” وكأنه ملكيته الشخصية، كأنه هويته المدنية الشخصية ويتلاعب فيها ويكسرها ويلويها ويضربها ويؤذيها بناءً على وعيه الشخصي المتدنّي

زاهي وهبي: سأعود إلى الحديث عن “العراق” بعد قليل ولكن، هذا الشتات، المُدن الكثيرة، الأمكنة التي تنقلت فيها، كيف انعكست على نصّك المسرحي؟ هلّ تركت فجوات في هذا النصّ؟  في العرض؟

جواد الأسدي: أكيد، أكيد “زاهي”. أظن أنني شخص أُحاول بقوة شديدة ألاّ أنفكّ أو أنفصِل عن مُجريات ما يجري، على أقل تقدير، في بلدي، وبالتالي الآن صارت هناك مُدن تعرّضت إلى الهدم أكثر من بلدي مثل “دمشق”

زاهي وهبي: صحيح، وأنت ابن “دمشق” وابن “بيروت”

جواد الأسدي: “دمشق” قتلتني بشكلٍ فعلي. دعني أقول، لا أُريد أن اُقارِن بين فكرة أنني عراقي وبأنني أنتمي جغرافياً إلى هذا المكان وغير منتمٍ جغرافياً إلى ذاك المكان

زاهي وهبي: لا، تجربتك المسرحية تشكّلت بداياتها الفعلية في “دمشق”

جواد الأسدي: في “دمشق”، ولهذا أنا الآن يومياً عندما أُشاهد وأعيش حال علاقة قوية مع “دمشق” ومع ما يجري في “سوريا”، حقيقةً أشعُر بشيء من الظلم يقع على بلاد “الشام”، يقع على الثقافة السورية العظيمة، يقع على الشارع السوري، على المثقفين السوريين وعلى الحياة المدنية السورية

زاهي وهبي: ومن “دمشق” أصلاً أطللت حضرتك على “فلسطين”، من خلال المسرح الفلسطيني؟

جواد الأسدي: بالضبط

زاهي وهبي: وقدّمت أعمالاً باهرة، في “بيروت” أيضاً وكانت “دمشق” البوابة إذا أمكننا القول

جواد الأسدي: بالضبط

زاهي وهبي: هلّ تُفكِر في العودة إلى “دمشق” في محنتها

جواد الأسدي: جداً

زاهي وهبي: وأن تقدّم شيئاً من وحي الجلجلة السورية؟

جواد الأسدي: الآن، بعد هذا اللقاء أنا ذاهب إلى “الشام”، ودعني أقول لك أنني أنا أصلاً عندما رجعت من الدراسة في يوم من الأيام ذهبت إلى “دمشق” لأنني كنت أبحث عن “فلسطين”. كنت أبحث عن “فلسطين” ليس كجغرافيا

زاهي وهبي: عن قضية “فلسطين”

جواد الأسدي: بالضبط، عن إمكانية الاشتغال على “فلسطين” من زاوية النصّ المسرحي، من زاوية العرض المسرحي. وفي يوم من الأيام قلت، هذه هنا “دمشق”، لأنّ عند “دمشق” ميزة خطرة جداً، ميزة رائِعة جداً

زاهي وهبي: وهي؟

جواد الأسدي: هي أنّ الفلسطينيين ولا مرّة، وحتّى العراقيين بعد ذلك، حتّى هناك أشخاص صوماليين كانوا موجودين ومثقفين

زاهي وهبي: وسودانيين

جواد الأسدي: ولا مرّة كانوا يشعرون أنهم أبناء بُلدان أُخرى

زاهي وهبي: صحيح

جواد الأسدي: “دمشق” كانت تُعطيهم إحساساً أبدياً أنهم هم أهل هذه البلاد، حتّى في الحقوق، في التملّك

زاهي وهبي: تعرّفت على موريتانيين في “دمشق”، على سودانيين، من كلّ

جواد الأسدي: وإذا نريد نتحدّث أكثر عن الفلسطينيين باعتبارهم قضية حلميّة وكونية بالنسبة إلى كلّ إنسان مُثقف وغير مُثقف. الفلسطينيون يعيشون في “دمشق” وفي “سوريا” ويتمتّعون بامتيازات أكثر من السوريين أنفسهم حتّى

زاهي وهبي: كأي مواطن سوري، يعيشون كمواطنين

جواد الأسدي: حقيقةً

زاهي وهبي: باستثناء حقّ التصويت والانتخاب، والباقي كله مُتاح

جواد الأسدي: “زاهي”، هذا مُكتسب لم يحصل عليه الفلسطينيون في أيّة دولة أُخرى. لا توجد دولة تُعطي للفلسطيني إمكانية التملّك كالسوري

زاهي وهبي: هلّ في بالك عمل؟ أي أنت ذاهب إلى “الشام” هلّ في بالك عرض معيّن، نصّ مسرحي، عرض مسرحي أو فكرة ما؟

جواد الأسدي: شوف، الآن أنت تعرِف أنّ الوضع جداً حساس، ماذا تُقدِّم للإنسان السوري الآن في هذه اللحظة الراهنة؟

زاهي وهبي: أنت قدّمت الممثلين السوريين بطريقة رائعة على المسرح، رحمه الله “نضال سيجري”

جواد الأسدي: رحمه الله

زاهي وهبي: و”فايز قزق” و”غسان مسعود”

جواد الأسدي: الآن، قبل يومين، وأنا أُحضّر لهذا اللقاء مع حضرتك، كنت أجلس بالمصادفة في الأوتيل وفجأةً أجد “غسان مسعود” أمامي، فجلسنا وقلت له تعال إلى غرفتي ودعنا نتحدّث قليلاً، هذا الكلام قبل يومين، هو الآن ربما حين يُشاهد هذه الحلقة سيعرِف. فعلاً كانت الجلسة عبارة عن نبش حقيقي لكلّ ذلك الإرث، لكلّ ذلك الجمال، للمعهد المسرحي وكيف كنّا نتدرّب في المعهد المسرحي على “حمام بغدادي” وعلى ” تقاسيم العنبر” وعلى ” الاغتصاب” وإلى آخره من الكلام. واتّفقنا بشكلٍ نهائي أنّ ذهابي إلى “دمشق” الآن هو من أجل أن نعمل على مُقترحات نصيّة عدّة. هو طبعاً يُحبّ الملِك “لير” كثيراً، مسرحية “شكسبير”، وأنا في رأسي نصٌّ آخر وهو “البحث عن كارمن” لأننا اختلفنا قليلاً على فِكرة

زاهي وهبي: شاهدنا مؤخراً في “بيروت” “روجيه عساف” يُقدِّم “الملك لير”، كممثل قدّمها وليس كمُخرِج، وكانت المُخرجة “سارة عساف”

جواد الأسدي: لم يتسنَ لي أن أُشاهد العمل. فقط أقول لك جملة صغيرة وننتقل إلى شيء آخر كما تُحبّ

زاهي وهبي: نعم

جواد الأسدي: كنّا نختلِف أنا و”غسان” عن ماذا نُعطي للسوري الآن، للإنسان السوري، هلّ نُثقله بهموم تراجيدية ضخمة جداً أو نمشي معه في اتجاه القليل من الانفراجات؟ لأنّ “البحث عن كارمن” هو نصٌّ لي وهو يشتغل على الموسيقى، على استعادة “كارمن”، استعادة حياة “كارمن”، وموسيقى “الفلامينغو” هي موسيقى فيها القليل من الإمكانية لرفع سويّة الحزن

زاهي وهبي: “الفلامينغو” أكيد فيه شجن يفوق الشجن العراقي والحزن العراقي

جواد الأسدي: بالضبط

زاهي وهبي: سؤال أخير عن “فلسطين”. هلّ تعتقد أنّ جزءاً مما أصاب بلادنا، تدمير “العراق” و”سوريا” وما أصاب “لبنان” وما أصاب “الجزائِر” في يوم من الأيام، له أحد أسبابه أو أهدافه وهو طمس القضية الفلسطينية وتحويلها إلى قضية هامشية في ظلّ هذه النكبات العربية الكُبرى؟

جواد الأسدي: أظنّ أنه في أحد ملامح هذا الموضوع، هذا الكلام صحيح. أنّ “فلسطين” كانت هي المرآة الضخمة الكبيرة التي تتكسّر عليها وفي مراياها وفي جوفها الداخلي العميق كلّ القضايا العربية. هناك تبادل في الانكسارات بين القضية الفلسطينية والقضية العربية لاسيما

زاهي وهبي: صُرنا مرايا لبعضنا البعض

جواد الأسدي: مرايا مُكسرة

زاهي وهبي: مهشمة

جواد الأسدي: ومرايا مُهشّمة ومرايا فيها الكثير من التراجيديا والكثير من الألم والمرارة لاسيما أنّ المطبخ السياسي المصنوع والذي يُعمَل عليه أوروبياً وأميركياً، يُعمل عليه عبر كلّ هذه الأجندة حتّى العربية في الكثير من الدول العربية، الحلفاء الحقيقيين للأميركيين والحلفاء الحقيقيين للأوروبيين الذين يشتغلون

زاهي وهبي: ربما كلمة العُملاء أصحّ من الحلفاء

جواد الأسدي: حلفاؤهم في العمالة أعني، يشتغلون على فكرة هذا التهدّم التاريخي للمدينة العربية. المدينة العربية بكلّ معاييرها

زاهي وهبي: من أجل هذا شاهدنا تدمير الإرث الحضاري في “سوريا” وفي “العراق” وفي أماكن كثيرة، في المتاحف والآثارات

جواد الأسدي: بالضبط، “تدمر” والمتحف العراقي. جزء كبير من المتحف العراقي صار في “ألمانيا” وصار في الغرب. عدد كبير من الشخصيات العراقية وأصدقائي الشخصيين، عندما يدخلون إلى المتاحف الغربية يموتون من البُكاء

زاهي وهبي: دكتور “جواد”، على منصة “بيروت” المسرحية قدمت أعمالاً رائعة وأثرت جدالاً ونقاشاً، و”بيروت” احتفت بك دائِماً خصوصاً الجمهور المسرحي، وتقول أنّك نادم على مُغادرة “بيروت”. لماذا نادم ولماذا غادرت أصلاً؟

جواد الأسدي: أنا حاولت، أنا قمت بما يُشبه الـ Code حتّى نتمكن سوياً من الشُغل عليه ومن الكلام بهذا في شكلٍ أو في آخر لأنني أرسلتُ رسالة. حقيقةً أنا لستُ نادماً لكنني في الوقت نفسه نادم. لستُ نادماً لأنّك أنت تعلم بالذات، أنت كشخص كنت شاهداً على تجربتي عندما دخلت “بيروت” للمرة الأولى، من ” الاغتصاب” و”تقاسيم العنبر” و”الخادمات”، ونحن وأنت كنا لا نتفارق في تلك المرحلة

زاهي وهبي: صحيح

جواد الأسدي: وما زلنا لا نفترق لكن روحياً. “بيروت” أعطتني الكثير بصراحة، وأنا أول مرة بعد “الاغتصاب”، عندما خرجت ورأيت ذاك الجمهور، الذي سمح لي بإجراء مقارنة مع ما يجري الآن، ذاك الجمهور الهائِل، الجمهور الرائِع. في “الاغتصاب” كان الجمهور حتّى يشترون الممرات

زاهي وهبي: يشترون الممرات وعلى مسرح ليس ترفيهياً. مسرحك ليس المسرح المُسلّي المُرفِّه، مسرح يهُزّ

جواد الأسدي: أنا أظنّ أنّ مسرح “بيروت” كان نقلة نوعية حقيقية في بُنية العرض المسرحي اللبناني والعربي. فاميليا لـ ” فضل جعيبي”، “توفيق الجبالي”، جواد الأسدي”، “عصام بو خالد” من “بيروت” مجموعة من الشبان

زاهي وهبي: “روجيه عساف” و”نضال الأشقر” و”رفيق علي أحمد”

جواد الأسدي: و”ريمون جبارة”. أنا أظنّ أنّ مسرح “بيروت” شكّل نقطة جذب استثنائية بالنسبة إلى الثقافة، ولهذا، حين خرجت من “الاغتصاب” كنت أشعُر، صدّقني، كنت أشعُر كما لو كنت أطير على الأرصفة في شارع “الحمراء”

زاهي وهبي: لماذا لم تعد تطير على الأرصِفة؟

جواد الأسدي: لأنني كنت أشعر أنّ الجمهور مُختلِف

زاهي وهبي: تغيّر؟ أعني بين التسعينات وبين عام ألفين و

جواد الأسدي: جداً. الجمهور تغيَّر بشكلٍ كبير جداً، لأنني أظنّ أن الموزاييك المعرِفي أو التفاصيل المعرفية والحياتية واليومية تغيّرت من سنة 1990 إذا تذكُر، 1990 1994 أو 1995 إلى الآن. حدث شيء من التغيُّر حتّى في الثقافة اللبنانية

زاهي وهبي: نعود إلى مسألة خراب المدينة؟

جواد الأسدي: بالضبط

زاهي وهبي: بمعنى أنه حتّى المُدن التي لا تعيش الآن حروباً أهليةً وعنفاً، لكنها خرِبة بشكلٍ أو بآخر

جواد الأسدي: أنا أظنّ أنّ المدن العربية أصبحت كلها منخورة. أنت إذا تذهب إلى “بغداد” الآن، “بغداد” بلاد الرافدين وكلّ التسميات التي تُطلَق عليها، لا تجد ظلالاً ولا نوراً للثقافة بكلّ معاييرها، الثقافة المسرحية أو السينمائية

زاهي وهبي: مع أنّ أصدقاءك احتفوا بك عندما زرت “بغداد” مؤخراً

جواد الأسدي: أكيد هذا موضوع آخر، بيني وبينهم علاقة جميلة. أنا أظنّ أنّ التغيُّر الذي حصل هو تغيّران. التغيّر الذي حصل في بُنية مدينة “بيروت” هو تغيُّر على صعيد التخلّي المُطلَق والتخلّي النهائي عن المؤسسات الثقافية والبنكية ووزارة الثقافة عن المشروع الجمالي الثقافي اللبناني. تخلٍّ نهائي

زاهي وهبي: أي تقصد أنّ القطاع الرسمي يتحمّل مسؤولية

جواد الأسدي: كبيرة جداً

زاهي وهبي: ممثلاً بالدولة أو السُلطة

جواد الأسدي: هذا أولاً

زاهي وهبي: والقطاع الخاص المصرفي بشكلٍ خاص لأنه هو الذي يدعم الأعمال الثقافية

جواد الأسدي: صدّقني يا “زاهي”، سأقول شيئاً وأرجو أن يؤخَذ على محمل الجدّ. أنا منذ تسع سنوات لغاية الآن في مسرح “بابل” إلى أن أغلقت المسرح. ولا مرّة قدّمت File مسرح “بابل”، لإخراج هذا العرض أو ذاك ومُساعدة هذا المسرح لأنه مسرح في “لبنان” ولكن للدول العربية إلى آخر هذا الكلام، إلى أغلب المصارِف التي تعرِفها من “عودة” إلى “بيبلوس” إلى “فرنسا بنك” إلى آخره إلى كلّ الموجودين. صدّقني لم أجد أيّة استجابة. شعرت أنّ هناك

زاهي وهبي: لماذا، أليسوا مقتنعين بمسرحك؟ بفكرك؟ بما تُقدِّم؟

جواد الأسدي: لا. هناك نبض عُنصري، نبض شوفيني حقيقي

زاهي وهبي: لبناني؟

جواد الأسدي: لبناني

زاهي وهبي: طائفي بورجوازي طبقي، ما هو؟

جواد الأسدي: الشيعة غير مشغولين بالثقافة، نهائياً. السنّة أيضاً غير مشغولين بالثقافة إلاّ بشكلٍ نادر. المسيحيون هم المشغولون بالثقافة، ورؤساء البنوك كلهم والبنوك الكبيرة هي بنوك مسيحية، صحيح أم لا؟

زاهي وهبي: طبعاً لسنا نتحدّث في معنى طائِفي، نتحدّث بمعنى

جواد الأسدي: لا، ليس طائِفياً، بمعنى عملي

زاهي وهبي: بمعنى ثقافي سياسي إذا أردت

جواد الأسدي: بالضبط             

زاهي وهبي: أنا أردت أن أحكي، أنا قلت أنّ هناك تخلٍّ ليس فقط عن “جواد الأسدي” وعن مسرح “بابل”، هناك تخلٍّ عن مسرح “بيروت”. مسرح “بيروت” سُحِب من عنده المبلغ الذي كان الدينامو لكي يعيش مسرح “بيروت”. الكارثة الأكبر بخلاف أنّ هناك تخلٍّ من الدولة ووزارة الثقافة وتخلٍّ للمسارح اللبنانية، القصة الأخطر والتي آلمتني بشكلٍ كبير، آلمتني مرّتين

زاهي وهبي: وهي؟

جواد الأسدي: المرة الأولى عندما لم يجرِ أي احتفال ساخط عندما أُغلِقَ مسرح “بيروت” إطلاقاً، كأنما مرّت الحياة بشكلٍ طبيعي ولا أحد سأل، لماذا اُغلِق مسرح “بيروت”؟ أو قال أحدهم للمثقفين والصحافيين وللناس والأصدقاء، لماذا هذا المسرح الجميل يُغلَق؟ الشيء الثاني أنّ مسرح “بابل” حدث معه بالضبط ما حدث لمسرح “بيروت”. ماذا يجري يا أخي؟ هؤلاء المثقفون اللبنانيون الذين في قسم منهم أو أغلبهم كانوا شعراء ويكتبون في الصُحف وكان عندهم نارٌ تلتهب، أين ذهبت نارهم؟

زاهي وهبي: خبت

جواد الأسدي: خمدت نارهم. أظنّ أنّ هناك مشكلاً في تسويق الشخصية الثقافية اللبنانية والعربية

زاهي وهبي: نعم. دعنا نستعرِض أية مسؤولية يتحملها المثقف العربي اليوم تجاه النتاج الإبداعي في ظلّ ما يجري وربطاً بما يجري ولكن لو سمحت لي، بعد أن نتوقف مع موجز إخباري سريع ثمّ نعود إلى هذا الحوار الحيوي مع المسرحي العربي الكبير “جواد الأسدي”

المحور الثاني:

زاهي وهبي: الحوار شيّق ولكنه موجع في الوقت نفسه، هلّ تعتقد أنّ المُشكلة هي عند النُخب الثقافية العربية أو النُخب البورجوازية؟ لأنه في النهاية أي إنتاج إبداعي في حاجة إلى مال، أو قد تكون أيضاً المُشكلة في المسرح نفسه وفي النصّ الإبداعي الذي ليس في إمكانه أن يكون مُقنعاً لهذه النُخب لتتبناه وتُدافع عنه

جواد الأسدي: لا، هذا جزء ليس صحيحاً، ليس دائماً المخرجون في إمكانهم أن يسطّروا على مقاس الناس

زاهي وهبي: مسرحاً مغرياً

جواد الأسدي: نعم، ولكن المُشكلة، ماذا يريد الجمهور، ماذا يريد الناس من المُخرجين؟ هذا ليس وصفاً نهائياً لكلّ شيء وأنا أتحدّث عن وجهة نظري، ربما أكون مخطئاً أو شيء من هذا القبيل. أنا أظنّ

زاهي وهبي: وأسئِلتي أنا أيضاً هي علامات استفهام، حقائق

جواد الأسدي: بالضبط، أنا أظن أنّ هناك خطأين، بين الاثنين هناك خطأ. هناك أولاً تدنٍ في مستوى الإنتاج المسرحي العربي واللبناني، ونحن نتحدّث عن كلّ المنطقة العربية. في أيّ معنى؟ في معنى أنّ بعض المُخرجين وربما الآن صاروا هم في الواجهة. جسّوا وأحسّوا نبض الجمهور وفي أنّ هذا الجمهور لا يُمكن أن ينجذِب ويأتي إلينا إلاّ إذا قدّمنا له بضاعة سيّئة المعنى، إلاّ إذا قدّمنا له تهريجاً من نوع كذا، إلاّ إذا قدّمنا له زجاجة بيرة أو سمحنا له بالتدخين أو حوّلنا المكان المسرحي إلى ما يُشبه ملهى ليلياً تافهاً

زاهي وهبي: نعم. للأسف هذا الذي يحصل

جواد الأسدي: هذا الذي يحدث الآن في “بيروت”

زاهي وهبي: لا يذهب الناس إلاّ على أمكنة فيها ما يُشبه العرض المسرحي لكن فيها شرب وأكل

جواد الأسدي: شرب ولا أدري ماذا. يُضاف له يا صديقي، يا عزيزي، يُضاف له هذا الـ “شونسونييه” الذي يُعرَض في الليالي. أحياناً أُشاهِد على بعض الفضائيات مثل الـ LBC والـ MTV والفضائيات الأُخرى شيئاً يدعو إلى المرارة والعجب ويدعو إلى الإحساس بخيبة ضخمة جداً جداً، هذا المُستوى الهزيل من النُكات، المُستوى الضحل من الكلمات وهذا العدد الكبير من الفنانين الميّتين من الضحك. هؤلاء يقبلون أولئِك وأولئِك يسوّقون لهؤلاء، هذه الرداءة تطلب هذه الرداءة

زاهي وهبي: مثلاً، إذا أخذنا “بيروت” كمثال للمُدن العربية، “بيروت” التي احتضنت “نزار قباني” و”أدونيس” و”يوسف الخال” و”محمود درويش” و”ناجي العلي” و”غسان كنفاني” وكبار المُبدعين العرب و”غادة السمّان” وإلى آخره لم يعُد فيها مكان للمُبدِع العربي؟

جواد الأسدي: فيها مكان، أنا أقول لا يُمكننا أن نكون جازمين حول هذه الفِكرة ولكن ثمّة تغيُّر على الجغرافيا الثقافية، تغيُّر حقيقي جداً. هؤلاء  الناس الذين تتحدّث عنهم، “محمود درويش” ذاك الجميل عندما كان يقرأ قصيدته كان يقرأها أمام الشُعراء وأمام ثقافة لبنانية طليعية وحداثية وكبيرة وضخمة، وكان عند الجمهور زاد آخر عنده معارِف ومرجعيات ثقافية، يذهب وهو منتشٍ ويستمتع، وليس فقط منتشٍ حماسياً لأنّ جملته المعرفية والتاريخية كانت حاضرة وجاهِزة لأن تشتبِك مع جملة “درويش” أو “أدونيس” أو مع “أُنسي الحاج” وعدد غير قليل من الشُعراء

زاهي وهبي: اسمح لي، قبل أن نسأل عن مُدن أُخرى وقبل أن أسأل عن دور الفِكر الطائِفي السائِد اليوم في بلادنا، فكر التكفير والتطرّف وانعكاسه على النصّ الإبداعي، نستمع إلى رأي مُثقف عربي مرموق هو الدكتور والباحث “طاهر لبيب”، ماذا يقول في حضرة جنابك وفي تجربتك ثم نتابع

كلام يوصل

طاهر لبيب – باحث وكاتب: سمعتُ عنه كثيراً قبل أن آتي إلى “بيروت” وله حضور ومكانة في “تونس”، ومن مزايا “بيروت” أنها عرّفتني على “جواد الأسدي”. “جواد” كشخص وكفنان هو فعلاً شهم، كشخص عنده إحساس كبير وجداني وإنساني وحتّى ما يبدو عليه من شكل برّي، حتى لا أقول بوهيمي، وراءه قلب عصفور. أيضاً هو كريم، كريم بالمعنى أنه معطاء وكريم فعلاً فكراً ووجداناً وحتّى يداً، هذا الكرم هو سمة من سماته العليا تقريباً. الشهامة الفنية إذا جاز التعبير تتمثل بشكلٍ بارز وواضح وأكاد أقول متوتر عند “جواد” وهو التمسّك بمسرح قويّ له معنى وعدم قبول التدنّي إلى المسرح العادي أو المُبتذل. جاع مسرحه ولم يأكُل من هذه الرداءة أو ما يعتبرها رداءة. أن يُعطيَ المسرحُ حياته في رأيي أنا أعلى ما يُمكن أن يصل إليه أيّ فنان أو كاتب أو مُبدِع. المُشكلة الظرفية التي مرّ بها “جواد”، ولم يكن للأسف لها حل، هي أنه أحبّ أن تكون “بيروت” خيمته الأخيرة، لكنها لم تكن خيمته الأخيرة. لم تعُد “بيروت” للأسف أقول، الخيمة الأخيرة للعمل الإبداعي، إنما ستبقى نجمة أكيد، نجمة أخيرة ربما لفنٍّ جديد، ولكن مسرح “جواد” هو مسرحُ مرحلة. مرحلة كان فيها حُلم، كانت فيها مشاريع وكان لها جمهورٌ مُختلِف. “جواد” في رأيي يجب أن يُنظَر إليه كنموذج، كنمط أكثر مما يُنظر إليه كشخص. هو نمطٌ من الإرادة المسرحية في مرحلةٍ عربية مُعينة، يجب أن ننظر إليه على هذا الأساس. أريد أن أسألك سؤالاً، ولكن أتحاشى السؤال الذي يتبادر إلى ذهني تلقائياً وهو سؤال ” هلّ وجدت المدينة التي تبحثُ عنها”؟ لا أُلقي عليك هذا السؤال لأنني لا أُريد أن أورِّطك مع مدينةٍ أُخرى. أسألك، كيف ترى مُستقبل المسرح الذي أردتَ أن يكون؟ المسرح الذي اجتهدتَ من أجله واشتغلت وأبدعتَ وارتحلت إلى غير ذلك، هذا المسرح كيف ترى مصيره؟ هذا سؤالي إليك ولتسلم أينما كنت

زاهي وهبي: جزيل الشُكر للمفكّر والمُثقف الكبير الدكتور “طاهر لبيب ” تفضل. يلتقي، ما قاله في سياق مداخلته، مع كثير مما تفضّلت

جواد الأسدي: كثيراً، وكأنه يجلس معنا

زاهي وهبي: نعم، جواباً على سؤاله، كيف ترى مستقبل المسرح الذي اجتهدت من أجله وحلِمت أو أردتَ أن يكون؟

جواد الأسدي: لا أعرِف، أنا في طبعي الشخصي رغم ما يبدو عليّ من سوداوية ومن حُزن ومن كذا ومن قسوة وإلى آخره

زاهي وهبي: حزن كربلائي متوارث

جواد الأسدي: متوارث (يضحك)، يتبعنا هذا الفيروس، هذا الفيروس الجميل الذي أحبه

زاهي وهبي: جينات، جينات، نعم

جواد الأسدي: ولكن جرت العادة في نبضي وفي طبيعة شغلي أنّي لا أصنع الخسارة، بمعنى لا أُمهِّد للخسارات، ودائِماً في شغلي وفي حياتي اليومية سواءً عندما كنت في “دمشق” أو عندما كنتُ في أية مدينة أُخرى، أيّ انسحاب أو أيّة هزيمة صغيرة تتبعها مُحاولة لنهوض خطير جداً ونهوض كبير. لا أقبل نهائياً أن أُوافِق على فكرة أيّة خسران أو أي ارتحال سواءً من “بيروت” أو من

زاهي وهبي: محكومٌ بالأمل كما قال صديقك “سعد الله ونّوس” رحِمه الله

جواد الأسدي: أكيد، “سعد الله ونّوس” أكيد

زاهي وهبي: الذي اشتغلت واتّفقت واختلفت معه على قضايا كثيرة. هلّ وجدت مدينة أُخرى غير “بيروت”؟ أنتَ عائِد الآن من المغرب العربي، من “مراكش” صحيح؟

جواد الأسدي: نعم

زاهي وهبي: ماذا تفعل في “مراكش”؟

جواد الأسدي: شوف، أولاً “بيروت” بالنسبة لي، أنا لا أُجامل وأقول الحقيقة. قبل قليل قلت كلّ ما ينبغي أن أقوله

زاهي وهبي: فششت خلقك، ولك أن تقول ما تقول

جواد الأسدي: شيء عجيب يا “زاهي” أنه كلّما مضيت قليلاً على بعدٍ ما من “بيروت” كأنما ثمة جاذب فظيع جداً في سحبي مرة ثانية إلى هذه المدينة

زاهي وهبي: لا غنى لك عنها، لا غنى لك

جواد الأسدي: لا يُمكنك أن تكون بعيداً عن “بيروت” لأن “بيروت” مدينة، كما قلت قبل قليل، عندها رحم ثقافي كبير استوعب كلّ ثقافات الكبار، كلّ ثقافات الشِعر والمسرح والسينما إلى آخره من الكلام. المدينة الأُخرى، حقيقةً إذا تنظر وتراني جيداً، أنا دائِماً لستُ موجوداً في مدينة واحدة. دائِماً هناك ثمة ريح تدفعني إلى مُدن أُخرى

زاهي وهبي: السؤال بشكلٍ آخر، بصيغة أُخرى. هلّ المغرب العربي اليوم، المغرب العربي الكبير، “الجزائِر”، “تونس”، “المغرب” نفسه، لأنه لا توجد فيه حروب، هناك حروب، هناك أزمات ومشاكل لكن ليس كما يحصل في المشرق العربي. هلّ مساحة الاختبار والتجريب الإبداعي والثقافة أفضل؟

جواد الأسدي: لا أظن أنها أفضل أو غير أفضل، “بيروت” لا زالت

زاهي وهبي: ليس مُفاضلة لكن

جواد الأسدي: في المدن العربية “زاهي” ما زال هناك مُتّسعات كبيرة لضربات كثيرة ولشغلٍ كثير جداً في ما يخصّ الحفر في داخل النفس البشرية العربية

زاهي وهبي: ماذا تفعل في “مراكش”؟ ماذا كنت تفعل؟

جواد الأسدي: لكن أنا قبلت الذهاب إلى “مراكش” أولاً لأنني بعد سفرات عديدة شعرت إحساساً أولياً في أنّ الإنسان المغربي هو إنسان سلس جداً وبسيط، طيّب المعشر كثيراً، يستقبلك بلهفة وبمحبّة

زاهي وهبي: نمسيهم بالخير، عندنا أصدقاء ومُشاهدون كُثُر في المغرب العربي

جواد الأسدي: الشيء الثاني، هناك حياة في داخل الشارع المغربي، عندما تمشي في الشارع، تشعُر بأنك غير مُهدّد بأنك شخص عادي تمكث في هذا المقهى وتمضي إلى هناك وفي الليل تسهر مثلاً وتمكث في مكان تكتب نصك أو تمشي في الشارع وإلى آخره. هذا بالإضافة إلى أنّ المغاربة في طابعهم الشخصي، وهذا ما جرّبته أنا من خلال آخر ندوة أجريتها في “مكناس”. أتى عدد كبير من المغاربة، عندهم طبع شخصي استثنائي وهو الوفاء الحقيقي للمُبدع

زاهي وهبي: قدّمت “حمام بغدادي” عرضك المسرحي في

جواد الأسدي: قدّمت “حمام بغدادي” في “أغادير” في مهرجان دولي كبير، وتمّ استقبال العرض بطريقة رائِعة. طبعاً قدّمته مع ممثلين عراقيين باللهجة العاميّة العراقية لأن “نضال السيجري” رحمه الله بعد أن توفّى أصبحت غير قادر على الاستمرار إلاً بنكهة أُخرى وبفروع أُخرى. شعرت أنّ المغاربة عندهم شهية كبيرة لاستقبال عروض من طراز العروض التي أقوم فيها

زاهي وهبي: قبل سنة كنت أيضاً في “الجزائِر”، في “قسنطينة”

جواد الأسدي: بالضبط

زاهي وهبي: قدمت عرضاً بعنوان ” هذا هو بيتي” بمناسبة كون “قسنطينة” عاصمة الثقافة العربية لعام 2015. هذا العرض أثار نقاشاً وجدالاً على صفحات الصُحف الجزائرية. لماذا أثار

جواد الأسدي: هناك نُقطة واحدة تم توسيعها أو تكبيرها بشكلٍ أو بآخر

زاهي وهبي: دعني أوضِح أنّ هذا العرض كان يستند إلى قصائِد ونصوص  

جواد الأسدي: لـ “مالك حداد” و

زاهي وهبي: و”كاتب ياسين”

جواد الأسدي: و”كاتب ياسين”

زاهي وهبي: وشعراء آخرين

جواد الأسدي: وشعراء على أجيال متلاحقة

زاهي وهبي: من “الجزائر” ولكن اللُحمة الحقيقية، النار الحقيقية التي كانت تشبعك كانت مع “كاتب ” و”مالك”

جواد الأسدي: لكاتبين كبيرين جداً. الذي حصل أنّ أحد المترجمين الذين ترجموا “كاتب ياسين”

زاهي وهبي: نعم، من الفرنسية إلى العربية

جواد الأسدي: من الفرنسية إلى العربية، أنا في وقتها عرضوا عليّ ترجمته هو عندما قدموا لي ملفّ المشروع كلّه، لكن أنا لم أستطع أن أحكم إن كانت ترجمته سيّئة أو جيّدة لكنها لم تمُسّني، لم تعطني الإحساس نفسه لترجمة “مالك حداد” مثلاً

زاهي وهبي: فذهبت إلى مترجمٍ آخر

جواد الأسدي: إلى مُترجِم آخر. هو أقام الدنيا ولم يُقعدها واعتبر أن هذه إهانة وفي أنه كيف “جواد” يتسلّط على لا أدري ماذا وكبّر الشاشة، كبّر السؤال كثيراً جداً

زاهي وهبي: لكن أنت أينما تذهب تقوم بمشكلة (يضحك)

جواد الأسدي: (يضحك)

زاهي وهبي: حقيقةً، كأنك تنتشي

جواد الأسدي: لا، أنا أصنع مُشكلة داخل العرض

زاهي وهبي: ليس في العرض نفسه

جواد الأسدي: في ما يخص المُصادمة بيني وبين المتلقّي. أنا دائِماً في داخل صيرورة التمرين، داخل اختيار النصوص، والمعنى الجمالي أو البصري لا بدّ من أن أصل إلى درجة من المُصادمة بين التلقّي وبين حالات التلقّي في العرض المسرحي، وهذا جزء من شهية أنا أُحبها كثيراً جداً، ألاّ يبقى العرض فوتوغرافياً وبدائياً

زاهي وهبي: من أجل هذا دائِماً تصطدم بكتّاب النصوص التي تشتغل عليها، وأيضاً عندك ما يُسمّى نصّ المُخرِج المؤلِّف، الذي أنت حضرتك تقوم به

جواد الأسدي: صحيح

زاهي وهبي: سنتحدّث عن هذه القضايا ولكن مرّة أيضاً نتوقف مع استراحة سريعة ثمّ نُتابع “بيت القصيد”

المحور الثالث:

زاهي وهبي: دكتور “جواد الأسدي، قبل أن أطرح المزيد من الأسئِلة على حضرتك نستمع إلى رأي من “العراق” للشاعر والمُخرِج “رعد مشتت” ثمّ، من خلال ما يقول نطرح على حضرتك أسئِلة

جواد الأسدي: أوكي

كلام يوصل

رعد مشتّت – مُخرِج سينمائي: للحقيقة، “جواد الأسدي” رمزٌ في الحركة المسرحية العراقية. “جواد الأسدي” أحد الرموز التي يفخر بها “العراق”، تفخر به الحركة المسرحية العراقية. “جواد” أثره على المسرح العراقي كبير في الوسط المسرحي خاصّةً لأنّ مُعظم أعمال “جواد” المسرحية حقيقةً هي في الخارِج، بمعنى في البلدان العربية لأن “جواد” عاش في “سوريا” فترة طويلة من الزمن وعاش في “بيروت” وعاش في “الإمارات” وأخرج أعمالاً مسرحية مهمة للحقيقة، معروفة عربياً بالنسبة للجمهور حقيقةً أكثر مما هي معروفة للجمهور العراقي، لكن على النُخبة المسرحية العراقية المشتغلة على إثراء المسرح العراقي نجد أثر “جواد” كبير جداً عليهم. عودة “جواد” إلى “العراق” في عمل “نساء في الحرب” مثلاً، قدّم “نساء في الحرب” في ظرف “العراق” العصيّ والصعب، وكان أثره (مدهاً) للحقيقة لأنّ “جواد” فارق “العراق” لسنوات طويلة بسبب الظروف العصيّة التي مرّ بها “العراق” خلال سنوات الحروب والضيم. عندما جاء وقدّمَ أعماله في “بغداد” كان الحدث ككرنفال، كان احتفالاً حقيقياً في أن يرى الوسط العراقي هذا الإسم اللامع عربياً يُقدِّم عملاً في “بغداد”، يُقدِم عملاً لجمهوره الأصيل. “جواد” إنسان راقٍ جداً وعميق جداً ومهموم بشكلٍ مُذهِل في الحقيقة على خشبة المسرح. خشبة المسرح بالنسبة له شيء مُقدّس للحقيقة. “جواد” ليس فقط صديقاً وصاحباً، وهو صديق وصاحب حقيقي، إنما هو مُعلِّم أيضاً. “جواد” سؤالي للحقيقة يتعلّق بـ “كربلاء”، كيف أثَّر هذا المكان على تكوينك الأوّل؟ كيف أثَّرت هذه المدينة المليئة بالحُزن، على تجربتك. هذه الدراما التي تحملها أنتَ هلّ لـ “كربلاء” موقع في صوغها وصناعتها؟

زاهي وهبي: الشاعر والفنان “رعد مشتّت”. إذاً، طبعاً أنا لم أسألك لأننا سبق، في حوارات سابقة، أن تحدّثنا عن “كربلاء” وعن البدايات، ولكن لا بدّ من أن تجيبه على سؤاله. ما هو أثر “كربلاء” عليك؟

جواد الأسدي: أولاً، قبل أن أتحدّث عن هذا سأحكي باختصار شديد، لكن فقط أُريد أن اُلمِّح على أن “رعد” هو من أكثر أصدقائي قُرباً إلى روحي. شعراً، هو شاعر مهم جداً، يكتب شعراً جميلاً 

زاهي وهبي: طبعاً

جواد الأسدي: وفي الوقت نفسه، كسينمائي الآن عنده نهوض جمالي عالٍ جداً، حصل على جوائِز كبيرة جداً في “أوروبا” وفي الوطن العربي وإلى آخره. أحييه بقوة شديدة، وشكراً لأنه

زاهي وهبي: إن شاء الله نطلّ على تجربته في “بيت القصيد” ويكون ضيفنا، نُسعد به

جواد الأسدي: إن شاء الله، سيفرح كثيراً جداً بذلك. لكن في الوقت نفسه، في ما يخصّ مدينة “كربلاء”، فعلاً تحدّثنا معاً عنها كثيراً. سأختصِر بجملتين أو ثلاث. ما زالت، كانت وستبقى أبدياً هذه المدينة هي البئر الحقيقي لكلّ تجربتي الشخصية. هي النار التي فعلياً جعلت من نصّي ومن شخصي ومن شُغلي ومن مسرحياتي ومن تماريني ومن لهفتي وشغفي

زاهي وهبي: نعم

جواد الأسدي: شيء له معنى

زاهي وهبي: حتّى الشعلة التي فيك هي شُعلة كربلائية بشكلٍ أو بآخر

جواد الأسدي: جداً. أنا ما زلت كأنما أرتوي بذاك النبع، أرتوي من ذاك

زاهي وهبي: الوجدان

جواد الأسدي: لا أحكي لا طائِفياً ولا

زاهي وهبي: ثقافياً، روحياً

جواد الأسدي: بالضبط. وصلنا إلى مكان صار المرء يستحي إذا أراد أن يتحدّث عن الينابيع التي شرب منها!

جواد الأسدي: بالضبط. على العكس، هذا يُشرّفني جداً. ما زلت أنا شاهداً على كلّ الكرنفال العظيم الذي يجري في “كربلاء” في أيام “عاشوراء”، بعيداً عن اللمسة الدينية وكذا. هناك شيء في غاية السحر من حيث الملابس ومن حيث الموسيقى ومن حيث القدرة الجمالية والبصرية 

زاهي وهبي: دائِماً كنت تقول أنّك تحلم أن تُقدِّم عاشوراء أو الملحمة الكربلائية بعيداً من المذهبية ولكن في إطار مسرحي كبير. هل لا زلت تحمل هذا الحُلم، وهلّ ممكن في هذا الزمن المذهبي الطائِفي

جواد الأسدي: هذه خيبة أُخرى من خيباتي الشخصية. هذا أيضاً مسرحٌ آخر اُغلِقَ في وجهي لأنّ مُشكلة شخصية “الحسين”، هذه الشخصية الفذّة، هذه الشخصية

زاهي وهبي: هذا الثائر الإنساني العظيم

جواد الأسدي: هذه الشخصية التي فعلياً الآن التاريخ يشهد نضوج وصعود الانتماء الكوني المُطلق لهذه الشخصية. للأسف الشديد، أنا أشعر أنّ الذي يسجن هذه الشخصية في مكانها، والذين لا يسمحون لأن تتنفس هذه الشخصية من رئة جمالية ومعرفية شعرية هم الشيعة نفسهم. هو الجهل لعدد غير قليل من المتموّلين الشيعة ومن الناس المتنفّذين شيعياً في داخل “العراق” وخارِج “العراق” حتّى. لا يهمهم المشهد المعرفي، لا يهمهم المشهد الثقافي

زاهي وهبي: نعم، وأن يصل إلى البعد الإنساني، إلى العالم. من أجل هذا تجربتك في “النبطية”، أنت قدّمت عرضاً مسرحياً في “النبطية” في “عاشوراء” ولم تلقَ الاستحسان والتجاوب

جواد الأسدي: لسبب واحد، أتعلم لماذا؟ لأنّ الذي قدّمته في “النبطية” كان على درجة من الانحراف أو على درجة من        المُغادرة

زاهي وهبي: للمعتادين عليه والمألوف

جواد الأسدي: بالضبط، للاستعداد في تلقي الألم، في تلقّي الوجع. الجمهور الذي تدرب سنوات طويلة كان يُحبّ، وحتى أحدهم وهو مسؤول عن جانب الـ Production كان يأتيني ويقول لي، ” أستاذ نريد دمعة، نريد أن نبكي، من كذا؟  أين؟  لماذا فلان لم يقطع يد فلان؟”، وأنا كنت أموت من الحزن لأنهم كانوا يحدّثونني بهذه اللغة

زاهي وهبي: ما المانع أن يكون هذا الأمر موجوداً؟ له من يريدوه، وفي الوقت نفسه تُقدَّم أعمال تُخاطِب الآخرين، تصل إلى مُشاهِد أوروبي إلى متلقٍ أميركي، إلى أميركا اللاتينية

جواد الأسدي: بالضبط، نذهب إلى “ليون”، هذا المهرجان الخطِر في فرنسا” أو في “نانت” أو في دول أوروبية لأنني أظنّ أنّ الشعوب الأُخرى المدنية فهمت وعرِفت كيف تعيد الميثولوجيات، كيف تعيد النصوص الدراماتيكية الكُبرى. هذا “بيتر بروك” عندما قدّم ” المهابر هاراتا”، قدّمها بطريقة لائِقة، وهو الموروث الهندي العظيم، إلاّ نحن. نحن للأسف

زاهي وهبي: المسرح اليوناني ما هو يا عمّي؟ أليس ميثولوجيات؟

جواد الأسدي: ولكن يا “زاهي” صدّقني. هناك في الغرب، كلّ الكُتّاب والشُعراء والأُدباء وكذا يحاولون أن ينبشوا في النصوص لكي يقوموا بـ Adaptation، يقوموا بإعدادات وتأقلم. أنت عندك هنا، في هذه الشخصية العظيمة عندك نصّ، عندك معنى، عندك بطولة فذّة استثنائية وأنت لا تدري بسبب جهلك وبسبب غبائك وبسبب عدم قدرتك على تمثُّل هذه الشخصية. لا تدري ماذا تفعل وأموالك تذهب هباءً

زاهي وهبي: للأسف

جواد الأسدي: حتّى في “إيران” بالمناسبة اليوم الإيرانيون انتبهوا إلى هذه الفِكرة بشكلٍ كبير جداً، وأنا هنا في “بيروت” سمعت سيمفونية كبيرة جداً عن “الحسين” ولكنها سمفونية ضخمة، هائِلة. أعادوا كتابة الشخصية لكن موسيقياً

زاهي وهبي: نعم، ربما “رسالات” قدّمت، جمعية “رسالات” قدّمت هذا العمل. بما أننا نتحدّث عن الإمام “الحسين” وعن “كربلاء”، هلّ صحيح أنّه كنت حضرتك و”سعد الله ونّوس”، عندما كنتما في “دمشق”، كنتما تزوران مقام السيّدة “زينب”؟

جواد الأسدي: صحيح جداً

زاهي وهبي: لماذا؟

جواد الأسدي: لأقول لك، مثلاً، أنت تعلم  

زاهي وهبي: ربما للمرة الأولى يُقال هذا الكلام

جواد الأسدي: صحيح، للمرة الأولى. “سعد الله” شخصٌ علماني ومُفكِّر كبير

زاهي وهبي: طبعاً

جواد الأسدي: وكلّ الناس يعرفون هذا الشيء، ولكن كان هو دائِماً، حينما ننزل في أوتيل ” الشام” أو نذهب إلى منزله أو يأتي إلى منزلي أحياناً، كان مسكوناً بشكلٍ حقيقي في شخصيتين، في شخصية “الحسين” عليه السلام وفي شخصية “علي بن أبي طالب”. وحتّى في ما يخُصّ شخصية “علي بن أبي طالب” عليه السلام كان ينظُر إلى فكرة العلاقة بين “عليّ” وبين “ابن ملجِم” باعتبارها علاقة التباسية

زاهي وهبي: علاقة القاتل والمقتول

جواد الأسدي: بالضبط، فيها الكثير من البحث وإمكانية أن يُقدَّم عرضٌ شكسبيري خطر إذا كتبه هو. لهذا كنا نذهب معاً في كلّ “عاشوراء”، يأخُذ هو دفتره ونذهب ونقف، وأنت تعلم أنه في مقام السيّدة “زينب” لا توجد احتفالات عاشورائية كبيرة مثلما يجري في “البحرين” مثلاً أو مثلما يجري

زاهي وهبي: في “لبنان” و”العراق”

جواد الأسدي: في أعتقد “النبطية”، كانت مُصغّرة جداً، ومع ذلك كان يُخرِج قلمه وأنا أقف إلى جانبه، أنا أُشاهِد وهو يُشاهد، يكتب ويُسجِّل مُلاحظات بشكلٍ، طبعاً لا أدري ما هي المُلاحظات، ولكن هناك حوار آخر بيني وبينه حول هذه، حول فكرة هذا الموضوع

زاهي وهبي: الذي نتحدّث عنه، أن تُقدَّم “كربلاء” و”عاشوراء”

جواد الأسدي: بالضبط

زاهي وهبي: في إطار فِكري، إنساني، وروحي

جواد الأسدي: كان حزيناً جداً لأُميّة وجهل الناس الذين ينشغلون باللطم وينشغلون

زاهي وهبي: مع الاحترام لمشاعرهم

جواد الأسدي: مع الاحترام، أنا أتحدّث عن شيء آخر. ربما أنا لستُ مع اللطم ولستُ مع الدمّ، ولست مع كذا، أنا مع إعادة تمثُّل شخصيات من طراز “الحسين” تمثلاً جمالياً إبداعياً لكي نقول لكلّ العالم، نحن عندنا رموز عظيمة وخلاّقة

زاهي وهبي: وذات بُعد ثقافي وفكري وإنساني

جواد الأسدي: عظيم جداً، أعطني شخصية إصلاحية

زاهي وهبي: وهذه الثورة تُخاطب الإنسانية. هلّ مُمكن اليوم، في هذا المناخ الطائِفي في الوطن العربي، التكفيري، المتشدّد والمتطرّف، هلّ مُمكن أن نستطيع

جواد الأسدي: مستحيل

زاهي وهبي: أن نُقدّم عملاً بهذا النحو؟

جواد الأسدي: مستحيل، لأنّ الجهل صارت عنده حفريات أعمق، والجهل ذهب بعيداً في النفس البشرية العربية بشكلٍ أو بآخر. هلّ تُلاحظ المشهد الآن؟

زاهي وهبي: المثقف العربي هنا والمُبدِع العربي ما هي وظيفته؟ أين صوته؟ أين رأيه في مواجهة كلّ هذا الظلام وهذا الجهل وهذا التطرّف وهذا التكفير؟

جواد الأسدي: للحقيقة، هذه مِحنة كبيرة جداً الآن، أنّ الثقافة العربية توضَع بهذا المُنزلق القاتل، هذا المُنزَلق المُريع جداً. أنا أظنّ، ودائِماً أنا وأصدقائي، بعض الأصدقاء القريبين إليّ، عندما نلتقي ونتحدّث أنه الآن دور المثقف والمُبدِع الخلاّق، الروائي والسينمائي          والشاعر

زاهي وهبي: نعم، وكلّ أشكال الإبداع

جواد الأسدي: صاروا أخطر وأوسع وأكبر في إمكانية إنتاج نصوص جمالية تستطيع أنّ، لم أقل أن تُصدِر بروباغاندا غبية أو كتابة خطابية أو كذا

زاهي وهبي: وشعارات

جواد الأسدي: بالضبط، وإلاّ كيف يُمكن استلهام هذا الذي يجري بشكلٍ إبداعي وبشكلٍ جميل لمُدوّنات كبيرة تستطيع أن تقول أنّ المُثقّف العربي فعلياً الآن يدخُل في النزاع بشكلٍ أكيد ولو أنني أنا من أنصار أنه من غير اللازم للمبدع الكبير أو المُبدع المُهمّ، على درجة اختلافاتهم، أن يكتُب ما يجري فوراً وآنياً. لا بدّ وهناك أحياناً مسافات

زاهي وهبي: لكن مسرحك لم ينفصل في لحظة من اللحظات عمّا يجري، بمعنى لم ينفصل عن “فلسطين”، لم ينفصل عن “العراق”، الوجع العراقي، لم ينفصل عن الأسئِلة الكُبرى التي يعيشها الإنسان العربي سواء عندما كنت في “الإمارات” أو عندما كنت في “دمشق” أو عندما كنت في “بيروت” أو عندما كنت في أيّ مكان آخر

جواد الأسدي: صحيح. أنا مسكونٌ بهذا الشيء أصلاً، حتّى عندما عملت ” الخادمات”، أرسلتها إلى سكة أُخرى، بمعنى أنّ هذا “جان جينيه” التي كانت تمثل خادمات ذهبت إلى منطقة أُخرى. هي فكرة النزاع بين المتسلِّط والمُتسَلّطٌ عليه

زاهي وهبي: نعم، المُسيطر والمُسيطَر عليه

جواد الأسدي: بالضبط. لأنه لا يمكنك أن تقفز على هذه المرارة وهذا الوجع العربي وتقوم بسفاهات، تقوم بتفاهات. ماذا تقول لضميرك المهني الإنساني؟ أصلاً أنا الآن أكتب نصاً جديداً، أكتب نصاً أيضاً عن “العراق” وعن شخصية عراقية خطيرة أثّرت في التاريخ العراقي

زاهي وهبي: من؟

جواد الأسدي: لا داعي لأن أقول

زاهي وهبي: لا، من اللازم أن تقول

جواد الأسدي: عن “صدّام حسين” أنا الآن أكتب ولكن من دون أن أذكُر اسمه ومن دون أن أقول من هذا ومن ذاك. أردتُ أن أمشي نحو هذه النزعة الشكسبيرية بمعنى، في الكتابة من دون مقارنة

زاهي وهبي: أنا سألتك، هلّ تُفكِّر في العودة إلى “دمشق”، هلّ تُفكِّر في العودة إلى “بغداد”؟

جواد الأسدي: قطعاً

زاهي وهبي: أن تقيم في بغداد وتُقدِم عروضاً مسرحية وتقوم ببروفات وأن تكون المُنظِّر للبروفة المسرحية

جواد الأسدي: أكيد، طبعاً، وأقول لك لماذا. أنا الآن عندي إيمان، أنا على تواصل كبير جداً، أنا أذهب إلى “العراق” وأعود بين فترة وأُخرى وعندي تواصُل مع جيل الشباب. هناك جيل يا “زاهي” من الشباب والفتيان العراقيين المسرحيين تستطيع أن تتباهى فيه. تصوّر أنّه في هذه الشحّة الاقتصادية الخطرة هناك شبّانٌ صغار، خريجو أكاديميات الفنون وكذا ينتجون أعمالهم بأموالهم الخاصة أموال أولادهم، يأخذون من أكل البيت، من رغيف البيت ويذهبون إلى المُنتدى المسرحي كي يقدّموا عروضاً مسرحية ذات سعر وجمال

زاهي وهبي: رغم التفجيرات ورغم السيارات المُفخخة

جواد الأسدي: رغم هذا الهول الذي يجري

زاهي وهبي: ورغم المآسي التي يعيشها “العراق”. اسمح لي أن نتوقّف مع استراحة أخيرة ثمّ نُتابع “بيت القصيد”

المحور الرابع:

زاهي وهبي: مُشاهدينا الكرام، نُتابع في القسم الأخير حوارنا مع المسرحي العربي العراقي الكبير الدكتور “جواد الأسدي” ونُتابع أيضاً الاستماع إلى شهادات في تجربتك وفي حضرة جنابك، هذه المرة من المسرحي المغربي، كنّا نتحدّث عن “المغرب” وعن “مراكش” وعن “أغادير”، الأُستاذ “عبد الجبار الخُمراني”

كلام يوصل

عبد الجبار الخُمراني – مسرحي: “جواد الأسدي” عندما يُقدِّمُ عملاً و “حمام بغدادي” هو نموذج لذلك، يُقدِّمُ عناوين لمرحلة مُعيّنة. لا يُقدِّمُ المسرحية هكذا، من أجل أنه مسرحي وعليه أن يُقدِّم هذا العمل المسرحي، بل يعتصرُ أو يُقطِّرُ الحال السياسية والاجتماعية والثقافية الراهنة للعالم العربي ويُكثّفها في الشخصيات وفي الحوار وفي الحدث وفي الفضاء وفي علاقة الجسد بكلّ مُفردات العرض المسرحي بحيث لديه القدرة على أن يعرِف منسوب الإحساس لدى الممثل ومنسوب حدّة الحدث ومتى يصل الحدث إلى ضراوة واشتعال ومتى تكون هناك طراوة ما. بمعنى، بقدر ما يكتُب فوق الخشبة في كلّ هذه العناصر الجمالية بقدر ما لديه القدرة على المحو أيضاً وعلى الاختفاء وراء الحال المسرحية بحيث يدفع الممثل، وهو العُنصر الأساسي في العملية المسرحية عند “جواد الأسدي” إلى منطقة السحر المسرحي، بحيث أنه بجمالها يعكِس نقاش اللحظة الراهنة التي ينتمي إليها هذا العرض المسرحي عند “جواد الأسدي”. فإذا كانت المسرحية حقيقةً تُقدِّم عنواناً للمرحلة، للحال العراقية، للحال العربية، من خلال نصٍ متّقِد وحاد وفيه الكثير من مُناقشة الأفكار التي تروّج حال الحرب وحال ما يُسمّى بما بعد “الربيع العربي” وقبله وبعده وماذا سيأتي، إلى آخره من هذه الأشياء. “جواد الأسدي” يمتلكُ مسألة مُهمة تغيب عن كثير من المسرحيين في المشهد المسرحي العربي وهي أنه يوثّق لتجربته، يوثِّق لزمن البروفة، يوثّق لما بعد العرض المسرحي، يوثّق لعلاقته بالممثل، لعلاقته بكلّ مُفردات المشهد المسرحي وربما، وأنا أتحمّل مسؤوليتي في هذا، ربما هو المسرحي العربي الوحيد الذي يوثّق لتجارب مسرحية بترسانة من الكتابات ومن الحوارات ومن التسجيلات إلى آخره. إذاً، سؤالي له، من أين هذه المادّة الخام التي يشتغلُ من خلالها؟ وربما سؤالي أيضاً هو سؤال وطلب. أطلب من “جواد الأسدي” أن يوثِّق، أكيد تجربته موثّقة ولكن أُريده أن ينشُرَ، وطلبتُ منه في الكثير من المرّات أن ينشر مسرحياته مُسجّلةً، لأنّ الكثير من الشباب ومن المسرحيين ومن المُهتمين ومن جمهور “جواد الأسدي” ومن المتتبعين للحراك المسرحي العربي يبحثون عن مسرحيات “جواد الأسدي”. هي غير موجودة، لا في “اليوتيوب” ولا في الإنترنت ولا شيء. لديه هذه الرغبة وقد وعدني بذلك وأنا من هنا أُوجّه إليه الدعوة أن يمنح الشباب والمسرحيين هذه الفُرصة للاطلاع على تجربته لأنّنا الآن صرنا في عصر أصبح للصورة الكثير من التأثير، و”جواد الأسدي” له ربما العروض المُرتبطة بفترات معيّنة لكن من المُهم الآن أن تُشاهَد وأن تُداول وأن نجدها على “اليوتيوب” وعلى الإنترنت

زاهي وهبي: جزيل الشُكر للمسرحي المغربي الأُستاذ “عبد الجبار الخُمراني”، تفضّل

جواد الأسدي: “عبد الجبار” بالمناسبة أحد الشباب الذين الآن، في الفترة الأخيرة، ينهضون ويشتغلون على أنفسهم بشكلٍ رائِع، بشكلٍ جميل. عنده معارِف ويغرف من الثقافة الفرنسية والعروض الفرنسية والمغربية وناشِط بشكلٍ قويّ جداً في الساحة المغربية. جوابي على سؤاله أنه صحيح جداً، يُفتَرض أن يكون أكثر شغلي موثّقاً، على الصعيد التلفزيوني أو السينمائي

زاهي وهبي: على “اليوتيوب” على الإنترنت

جواد الأسدي: بالضبط، على “اليوتيوب” لكن للأسف الشديد “زاهي”، هذا التصدّع الذي أصابني أو التصدّع بسبب الترحال والذهاب من هذه المدينة إلى تلك المدينة وعدم الاستقرار والتشوّش الكبير الذي يجري في حياتي الشخصية، في البحث عن النصّ والحياة والمكان والبيت والأهل والذي لا أدري ماذا والبلاد والدنيا يجعلني تائِهاً في هذا الجانب. لم أستطع أن اُنجِز هذا التوثيق بشكلٍ طبيعي لأنني لستُ موجوداً في مكانٍ ما

زاهي وهبي: ولكن يجب

جواد الأسدي: ولكن يجب جداً

زاهي وهبي: يجب أن يكون متاحاً. الكثير من الناس يعرفونك، يعرفون شخصك ويعرفون اسمك وقرأوا عنك وقرأوا لك كتباً، لكن ربما لم يتسن لهم أن يُشاهدوا أعمالك وعروضك، من المهم أن يُشاهدوها

جواد الأسدي: هذه هي المُشكلة

زاهي وهبي: سؤاله الأول كان عن المادة الخام، من أين تأتي بالمادة؟

جواد الأسدي: عن الكتابة وجمالية البروفة والكتب التنظيرية. السؤال هو نفسه ولكن بوجهٍ آخر وهو أنه عندي إحساس أنّ كلّ العروض التي أُنتِجها والتي أقوم بإخراجها وأُقدِّمها على الخشبة ستذهب إلى التهدُّم، ستذهب إلى النسيان لأنّ المسرح ليس مثل الشريط السينمائي. الشريط السينمائي يُحفظ أبدياً

زاهي وهبي: ذاكرة أبدية السينما

جواد الأسدي: لكن في المسرح بمجرّد أن تُسدل الستارة ويذهب الجمهور تذهب المسرحية إلى مكانٍ آخر

زاهي وهبي: أنا للحقيقة لا أسألك عن البروفة المسرحية ومسرح الممثل ومسرح المُخرِج لأنني لا أُريد أن أتحدّث أكاديمياً ومسرحياً ونقدياً. أتحدّث من على التلفزيون وأتوجّه إلى جمهور عريض وأُحاول أن أطرح القضايا التي لها علاقة بحياتنا اليوم وما يجري في بلادنا. أثناء وجودك سواء عروضك في “المغرب” أو في “الجزائِر” أو في “تونس”، الحركة المسرحية في المغرب العربي الكبير كيف تجدها؟ حركة ناشِطة ومُزدهرة، خافتة؟ كيف وجدتها؟

جواد الأسدي: أنا أظنّ حتّى لا أكون مجاملاً وغير صريح

زاهي وهبي: من خلال المهرجانات على الأقل وأنت كنت عضواً في لجان تحكيم

جواد الأسدي: بالضبط. أنا أظنّ أنّ ما يُصيب مسارِحنا في “العراق” أو في “بيروت” أو في “سوريا”، وما أصابها من مرارة 

زاهي وهبي: و”مصر” أيضاً

جواد الأسدي: و”مصر”، وأصاب كلّ المُدن الأُخرى، لأن كلّ المُدن الأُخرى هي بمعنى من المعاني تشبه بعضها البعض بشكلٍ أو بآخر، وكلّ المُدن الأُخرى، مع القليل من الفروقات، دائِماً المؤسسات الثقافية على درجة من الانفكاك وعلى درجة من التصدع في العلاقة مع الثقافة وخصوصاً الثقافة المسرحية والسينمائية وإلى آخره

زاهي وهبي: بينما في الغرب يحصل العكس تماماً

جواد الأسدي: تماماً، هناك قصة أُخرى، الفنان بمجرّد أن يكون خلاّقاً ومُبدعاً يُسلّطون الضوء على تجربته ولكن، ما لاحظته على أقلّ تقدير في ما يخُصّ، لنقل مثلاً أنني كنت في العام الماضي في “الجزائِر” وقدمتُ مسرحية اسمها “هذا هو بيتي”

زاهي وهبي: نعم، تحدّثنا عنها

جواد الأسدي: قلنا “مالك حداد” وكذا، أحسست أنّ هناك جمهوراً ما زال عنده عطش حقيقي لنوع العروض التي ما زلنا نُنتجها نحن

زاهي وهبي: جيّد هذا الأمر، جيّد

جواد الأسدي:   وقبلها سبق وقدّمت “نساء في الحرب” أيضاً، وهي إلى حد الآن وإن كانت قبل ستّ سنوات، عندما ذهبت في العام الماضي، تشعر أنّ المتفرّجين ما زالوا يتذكّرون نفس العرض. لا يزال الجمهور في “الجزائِر” وفي “المغرِب” وفي “تونس”، لا يزال الجمهور عنده شهية الحضور، شهية الحوار وشهية التلاقي مع الجانب المسرحي على أقلّ تقدير والجانب الإبداعي

زاهي وهبي: من خلال عملك المسرحي، اشتغلت مع ممثلين رجال واشتغلت مع ممثلات نساء وعندك عروضٌ كانت فقط على الخشبة في العرض، فقط ممثلين رجال، وعروض أُخرى كانت فقط نساء أحياناً. من الأكثر طواعية ومرونة بين يديك كمُخرِج؟

جواد الأسدي: أنت تبتسم بشكلٍ جميل لأنك أنت أكيد ستعرِف أنني سأقول النساء

زاهي وهبي: أنا أُريد التمهيد لسؤال آخر، أنه لا تزال المدن بالنسبة لك هي نساء بشكلٍ أو بآخر؟

جواد الأسدي: شوف، أنا شهيّتي الشخصية أحياناً تتسلّق إلى مناطق عالية جداً عندما أشتغل مع امرأة مُبدِعة من طراز “نادرة عُمران” مثلاً، من طراز “كارول عبود”

زاهي وهبي: نعم، زوجتك السابقة والممثلة القديرة طبعاً “نادرة عمران”

جواد الأسدي: ممثلة رائِعة جداً. من طراز “نادين جُمعة”، من طراز “أمل عُمران” من طراز ممثلات مهمات جداً مثل “آسيا كمال” و”شذى سالم” العراقيات أيضاً و “سُهى سالم”  

زاهي وهبي: ومن الشباب؟

جواد الأسدي: لا، دعني أقول لك ما السبب. السبب ربما أنّ المرأة في وطننا العربي بإحساسها الحقيقي تبحث عن مكان وتبحث عن مكانة وتبحث عن ثغرة لكي تقول أوجاعها وتقول جنونها وتقول التباساتها مع المُجتمع الذكوري ومع الرجل على وجه التقدير. فهي أكثر

زاهي وهبي: اشتعالاً ربما على المسرح

جواد الأسدي: أكثر اشتعالاً وأكثر قابليةً لأن تتلقّى المُقترحات وأن تنجزها بطريقة فذّة، لكن هذا لا يعني أنّ هناك

زاهي وهبي: أنا أيضاً سؤالي أنّه من مِن الشباب، مَن من الممثلين الرجال الذي العمل معهم دائِماً يُغويك ويُغريك؟

جواد الأسدي: أنت تعرِف التجربة السورية

زاهي وهبي: تعني “فايز قزق”، “غسان مسعود”، “نضال سيجري” رحمه الله

جواد الأسدي: بالضبط. التجربة السورية بالنسبة لي شكّلت لي مأزقاً حياتياً كبيراً جداً بحيث أنني خارِج التجربة السورية

زاهي وهبي: “زيناتي قدسية” الممثل الفلسطيني

جواد الأسدي: “زيناتي قدسية”، “ندى أبو قاسم” “ندى حمصي”

زاهي وهبي: فليعذروني، “دلع رحبة”، أكيد هناك أسماء تغيب عن البال

جواد الأسدي: هؤلاء كلهم في “سوريا”، حتّى ” عبد الرحمن” و” زيناتي” كانا في “دمشق، يغرفان من عالم “دمشق” بشكلٍ أو بآخر

زاهي وهبي: معي دقائِق قليلة بعد، ماذا يبقى في وجدانك من والدتك الراحلة رحمها الله، من أخيك القتيل الذي قُتِلَ في “العراق”، ماذا يبقى؟ ماذا تحمُل معك منهما؟

جواد الأسدي: لا أدري، هذا هو السؤال الصعب، هذا هو السؤال الأكثر، بمعنى أنا الآن قبل رأس السنة، قبل أيام من رأس السنة، لم أستطع أن أخرُج من البيت ولا أدري لماذا كلّ رأس سنة يصير معي هذا المُشكل

زاهي وهبي: ربما لأنه في الأعياد تجتمع الأُسر والعائِلات

جواد الأسدي: للمرة الأولى في حياتي أسأل هذا السؤال. أين أنا؟ لماذا أنا وحدي؟ ما هذه الوِحشة؟ لماذا هذه الوِحشة؟ لماذا تفتح الباب ولا تُلاقي أحداً؟ لماذا في يوم من الأيام كنت تفتح الباب في “بغداد” وتجد جمهرة رائِعة من الأولاد والحبيبات والنساء؟

زاهي وهبي: كيف هي علاقتك بزوجتك السابقة “نادرة عُمران” وولديك “ليلى” و”عبد الله”؟

جواد الأسدي: عبد الله وليلى الآن كبِرا. عبد الله” الآن يشتغل على النحت والفنّ التشكيلي والسينمائي بشكلٍ حلو جداً، و”ليلى” تقفِز بشكلٍ مُذهِل في مُستواها وفي طبيعة عملها. هي في الجامعة أيضاً وتدرُس حقوق المرأة للدفاع عن المرأة وتتطوّر بطريقة فذّة

زاهي وهبي: تحدّثنا عن مُدن كثيرة ولم نتحدّث عن “عمّان” التي تُقيم فيها نادراً. أنت قدّمت عروضاً في “عمّان”

جواد الأسدي: لو سمحت لي، قبل أن ننُهي أودّ أن أُوجِه تحيّة، لأنه الآن في “الجزائِر” في مدينة “وهران” يُحتفى بالشخصية العظيمة، الشخصية الكبيرة المُخرِج الكبير الجزائِري الذي قُتِل على يدّ المتطرّفين السلفيين في “الجزائِر”

زاهي وهبي: نعم، وهو، من هو؟ الإسم؟

جواد الأسدي: “عزّ الدين مجذوبي” اسمه و”عبد القادر علّولة”

زاهي وهبي: طبعاً المثقفون والمُبدعون الذين قتلوا بالعشرات

جواد الأسدي: طبعاً، لكن الآن، الهيئة العربية للمسرح في “الشارقة” برعاية الشخص الجميل والرائِع “سلطان القاسمي” الذي هو يكاد يكون الحاكم الوحيد في الدول العربية الذي يعتني بهذا المسرح بهذه العناية الإلهية الجميلة. الآن، اسم “عزّ الدين مجذوبي” موجودٌ في هذه الدورة بشكل رائع وهناك عروض كبيرة جداً تيمّناً به. هذه أنا أعتبرها لفتة في غاية السحر، أنّ شخصاً قُتِلَ قبل فترة طويلة على يد الإرهاب وعلى يد المتطرّفين يتمّ الآن الاحتفاء به! أنا أعتبرها فكرة وأوجه لهم تحية كبيرة جداً

زاهي وهبي: قد يقول قائِل، وأنت تعرف أنني اليوم أضطر أحياناً إلى ترداد البديهيات، في أنه ما جدوى المسرح، ما جدوى الشعر، ما جدوى الفنّ والثقافة في ظلّ الموت والقتل والخراب الذي يعُمّ الكثير من بلادنا العربية؟

جواد الأسدي: أنا في كثير من الأحيان أُفكِّر في هذه الطريقة. الحدث الذي يجري الآن، هول الحدث الذي يجري الآن في الوطن العربي أعلى من الثقافة، أعلى من الإبداع، أعلى من المسرح، ولكن نعود ونقول أنّ كلّ ثقافات الشعوب في العالم، كلّ الكُتّاب والمُبدعين هم استلهموا هم تأمّلوا هم غرفوا من هذه الفجائِع. وهذا أمام عينك “غارسي لوركا” وأمام عينك

زاهي وهبي: هلّ ما زلت شغوفاً بـ “لوركا”؟

جواد الأسدي: جداً. أنا أعتبره هذا شاعري الأبدي، الشاعر الذي لا أستطيع أن أملّ من قراءته، هو دائِماً معي. أنا الآن في الشنطة التي أُسافر بها موجودٌ “غارسي لوركا”

زاهي وهبي: شاعر من أجمل شعراء العالم. سؤالي الأخير أُستاذي، في أحد كتبك وعنوانه “مسرح النور المرّ”، لماذا هذا النور المرّ؟

جواد الأسدي: حقيقةً، هذا الكتاب هو تجميع لكتابين، “المسرح جنتي” و”جماليات البروفة” ووضعتهما في كتابٍ واحد. “مسرح النور المرّ” لأنني أشعُر، بقدر ما هو المسرح جنة رائِعة بقدر ما هو شيء مُبهِج ويدعو إلى الابتهاج، هو عيد في معنى من المعاني. لكن أيضاً عنده مرارته عندما ينتهي. أكثر لحظة حزينة أكون فيها عندما الجمهور يبدأ في مُغادرة العرض، في لحظة انتهاء العرض

زاهي وهبي: عرضك المسرحي المقبل في أية مدينة سيكون؟

جواد الأسدي: عرضي المسرحي المُقبل سيكون أظنّ إمّا في “الشام”، والآن سفرتي إلى “الشام” ستؤكِّد هذا الشيء إن شاء الله وعندي توقيع عقد كامل مع مسرح “محمّد الخامس” في “الرباط” وعندي توقيع عقد مع مسرح في “مكناس” مُهمّ جداً

زاهي وهبي: أيضاً في “المغرب”

جواد الأسدي: رجلين لامرأة واحدة و”جان جينيه في عيون عربية – الخادمات” التي ستكون على مسرح “محمّد الخامس”

زاهي وهبي: بالتوفيق. سُعِدت بلقائك “جواد”

جواد الأسدي: شكراً أنا سُعدت كثيراً

زاهي وهبي: واستمتعت في الحوار مع حضرتك كالعادة

جواد الأسدي: أنت تُحرِّك لي الجيني الشخصي

زاهي وهبي: شرّفت “بيت القصيد”. شكراً لفريق العمل، لمُخرِج البرنامج “علي حيدر”، لمُنتِجة البرنامج “غادة صالِح”، لمًشاهدينا في كلّ أنحاء العالم نلتقيكم الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله  

—————————————————-

المصدر : مجلة الفنون المسرحية   

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.