أخبار عاجلة

المسرحيون العراقيون الجدد يشرّحون أوضاع مجتمعهم المتأزّم #العراق

تحرير الأسدي مخرج يكرّس تجربته لاستنطاق الواقع ونقده بجرأة.
تحرير الأسدي مخرج يكرّس تجربته لاستنطاق الواقع ونقده بجرأة.

عانى الجيل المسرحي الجديد في العراق منذ بدء الاحتلال الأميركي للبلد عام 2003 من عوائق وأزمات سياسية واقتصادية وأمنية وثقافية جمّة دفعت بعضهم إلى الهجرة بطرق شرعية وغير شرعية، ومن صمد منهم ظل يحفر في الصخر ويبدع بروح شبابية عصامية محاولا تقديم تجارب جديدة رغم العوائق، ومن بين هؤلاء المخرج العراقي تحرير الأسدي.

على الرغم من شحة الدعم المالي وغياب الاهتمام الحكومي ووجود مواقف مناهضة للمسرح والفن على نحو عام من طرف جهات متزمتة ظلامية في المجتمع والتيارات السياسية والدينية، فقد استطاع العديد من مسرحيي الجيل الجديد في العراق إيصال تجاربهم إلى الجمهور العربي والدولي عبر المهرجانات المسرحية التي شاركوا فيها وانتزاع جوائز مهمة منها شملت الإخراج والتأليف والتمثيل وعناصر فنية أخرى.

وقد بات من الضروري أن يسلّط النقاد والكتّاب الضوء عليهم داخل العراق وخارجه، فهم أصحاب مشاريع حرصوا من خلالها على تطوير المسرح العراقي الذي احتل مكانة مرموقة في المشهد المسرحي العربي خلال نصف قرن مضى، كما أنهم أكدوا وفاءهم لمنجزات الأجيال التي سبقتهم، وسعوا إلى إثرائها بصيغ وأشكال فنية تنهل مما يشهده العالم من أشكال مسرحية جديدة، وتستثمر تقنيات حديثة في أساليب الأداء والسينوغرافيا، كالرقص التعبيري (الكوريغرافيا) والسينما والوسائط الرقمية.

تأليف وإخراج تحرير الأسدي
تأليف وإخراج تحرير الأسدي

وقت ضائع

تحرير الأسدي أحد مسرحيي الجيل الجديد في العراق وهو مخرج وكاتب وممثل، حصل على الماجستير العام الماضي عن رسالته “تمثلات العولمة في العرض المسرحي العراقي المعاصر”، وأخرج مجموعة من المسرحيات منها “شارع الواقعة”، “بس”، “مطلوب”، “وقت ضائع”، “المقهى” و”دخان”، ويتهيأ الآن لتقديم عرض أعده عن مسرحية “العميان” للكاتب البلجيكي الشهير موريس ميترلنك.

وقد أتيحت لي، أول مرة، فرصة مشاهدة أحد عروضه وهو “وقت ضائع” من تأليفه أيضا في مهرجان الأردن المسرحي الرابع والعشرين عام 2017. وكان رأيي فيه أنه تجربة جريئة في تناول قصة آدم وحواء وإسقاط مغزاها على عالمنا اليوم من خلال زوجين عراقيين طُردا من نعيم السكن في شقة بالطابق الأعلى وهبطا إلى الشارع بسبب خطئهما المتمثل في فتح باب حذرهما مالك الشقة من فتحه. هذان الزوجان أفقدتهما الحرب ذاكرتهما، إلا أنهما سرعان ما استعاداها وبدآ بسرد ذكرياتهما الحزينة والمآسي التي مرا بها، وفي نهاية العرض يصرخ الزوج قائلا “مللت من ذاكرتي.. مللت”.

وقد أثار العرض في ذهني يومها قضية “التابو” في المسرح والفن بشكل عام، فالمسرح، كما أرى، حقل إبداعي للمجازات والاستعارات، ومن حق أي كاتب أو فنان أن يتناول سرديات الكتب المقدسة، مثل قصة آدم وحواء وطردهما من الجنة وغيرها، ومقاربتها لإضاءة الحاضر، شريطة ألاّ يكون فيها إساءة أو إسفاف. وعلى هذا الأساس قرأت العرض مؤوّلاً إياه بأنه يشير إلى الاحتلال الأميركي للعراق الذي أسقط البلد إلى الهاوية أو الحضيض وترك شعبه يتخبط ويتقاتل ويعيش في متاهة وضياع وأسئلة ليس لها أجوبة قاطعة.

اجتهد الأسدي وحاول أن يسقط قصة طرد آدم وحواء من الجنة إلى الأرض على دور الإنسان نفسه في إشاعة الخراب والدمار والحروب في الأرض، وقد نزّه الذات الإلهية صراحة عما يجري في الأرض، ولا أرى ضيرا في تحويل ما هو ميتافيزيقي ومثيولوجي ومقدس متعال إلى صورة وفعل يمشيان، رمزيا، على الأرض.

 وكان أداء المبدعين آسيا كمال ورائد محسن لدوريهما متقنا ومتدفقا، إلا أن العرض كان بحاجة إلى اشتغال دراماتورجي أكثر وخلق علاقة بنيوية بين “الداتا شو” التي تعرض (مشاهد للنيران تلتهم العراق، والبحر رمزا للرحيل، والهجرة من أجل الخلاص، والمطر رمزا للأمل) وموضوع النص.

وذهب أحد النقاد إلى أن العرض شكّل وقفة تأمل للحالة العراقية، والآثار المدمرة للحروب والصراعات التي شهدتها، ولا تزال، أرض الرافدين وتداعياتها المختلفة، وانعكاس كل ذلك على الإنسان العراقي وآماله وطموحاته وتفكيره.

شارع الواقعة

أعد الأسدي مسرحية “شارع الواقعة” عن مسرحية “الواقعة” للكاتب الألماني هاينر مولر وقدمها في منتدى المسرح عام 2010. النص الأصلي يتألف من مشاهد مسرحية حول الحرب العالمية الثانية وبالذات عن دور النازية في ألمانيا وما أحدثته من دمار وخراب. صور وحالات ومواقف تعبر عن القسوة الشديدة التي مارسها النازيون في الحرب مع أنفسهم وضد الآخرين، وعن الازدواجية التي عانت منها النازية كأفراد وكنظام.

وفي إعداد الأسدي للنص جعله يجسد صراعا بين شخصين (أداهما وسام عدنان وأحمد صلاح) يحملان تشوهات في بنيتهما الأخلاقية وعلاقاتهما الاجتماعية والعائلية، ويشيران إلى طرفين طائفيين في الحياة السياسية والاجتماعية بالعراق، وكل منهما يحاول إقصاء الآخر وزعزعة ثقته بالمقربين منه، ويرى أن وجوده يشكل عائقا وعليه أن يرحل.

اعتمد الأسدي في صياغة البنية المشهدية للعرض أسلوب التقطيع واللعب بالإضاءة، كما تقول الكاتبة أطياف رشيد، فثمة تناوب بين الإضاءة والإظلام في تعيين مشاهد/ صور هي أقرب للقطات التي تكشف عن نقطتين أساسيتين، أولاهما التركيز على ما يعانيه الإنسان من غربة ووحدة، حيث يحزن ويبتسم وحيدا، أو تجمد جوارحه وتسكن ملامحه في صمت عميق، وذلك من خلال عزل الممثلين كصورة ضائعة في بحر من الظلام في محاولة لمحاورة المشاهدين عبرها من دون حوار. وثانيتهما الجزء الذي يوضح أسباب هذه الوحدة والغربة وكم الظلام المخيم على حياة الشخصية، إنها الحرب، لكنها ليست كأي حرب، بل مجموعة حروب متشعبة لها امتداد وتاريخ طويل من المعاناة والآثار المؤلمة. وترى رشيد أن أجمل ما في العرض ثلاثة مشاهد عكست بوضوح الفكرة العامة للمسرحية، وهي مشهد الشعائر حين تقابل كل من الممثلين في طقس ذي مدلولات دينية واضحة، ومشهد البكاء حين أسند كل منهما ظهره إلى الآخر في إشارة إلى الآثار السلبية المشتركة الناجمة عن صراعهما، ومشهد القتال حين تحول كل منهما إلى سلاح أو عدة أسلحة فتاكة.

كولاج مسرحي

 

تحرير الأسدي جعل مسرحياته أشبه بأعمال التشكيليين الذين يؤلفون من اللون والحركة والكتلة إنشاءهم البصري
تحرير الأسدي جعل مسرحياته أشبه بأعمال التشكيليين الذين يؤلفون من اللون والحركة والكتلة إنشاءهم البصري

 

وجمع الأسدي في عرضه “نشاز” الذي قدمه في مهرجان كلية الفنون الجميلة عام 2012، بين مجموعة مشاهد مسرحية عالمية من “هاملت” و”ماكبث” لشكسبير، و”كاليغولا” لألبير كامو” تصور القتل والعنف والدمار، ولّفها بأسلوب التقطيع واللصق، أو ما يمكن وصفه بـ”الكولاج” المعروف في فن الرسم، وأوحى من خلالها إلى ما يحدث في العراق من عنف ودمار.

 واتخذ العرض شكلا من أشكال الميتامسرح (أو الميتاثياتر) تتداخل فيه اللعبة المسرحية الانعكاسية. ففي البداية يحاول الممثلون (حيدر عبد علي، محمد ثامر، حيدر سعد، حسين وهام وآمنة خالد) إقناع المخرج بأن يقدموا مشاهِد عن الحب والسلام، لكنه يرفض ذلك لأنها في رأيه بداية غير واقعية، ويأمرهم بأن يقدموا مشاهِد سوداوية تجسد العنف والسوداوية التي تسود البلد، وتتناغم وواقع المتلقين.

وفي ذلك تأكيد لفكرة أن ثمة سلطة خارجية تريد من العراقيين أن يمثلوا (أو يدمنوا على) مشاهد القتل والدمار في حين أنهم يريدون تمثيل مشاهد الحب والإلفة تعبيرا عن طبيعتهم وروحهم التواقة إلى السلام والوئام، بوصفهم أبناء شعب متمدن في الأساس مثل باقي الشعوب، لكن إرادة الشر والخراب غرست في نفوس شرائح منهم القبح والحقد والكراهية.

مقبرة موحشة

حاول الأسدي في عرضه “المقهى”، الذي كتبه وأخرجه للفرقة الوطنية للتمثيل وشارك في الدورة السابعة لمهرجان المسرح العربي في الرباط عام 2015، أن يشرّح الواقع العراقي المتشرذم حاليا بمحاكمة مضمرة للماضي ونكباته، فالظلم تاريخ من التراكم، والقهر سردية متواصلة من المعاناة، والعراقي الذي ضاقت به بلاده اليوم واصطخبت سماؤها بأدخنة التفجيرات، وامتقعت أرضها بدماء الأبرياء، ليس سوى حالة من العود لعراقيي العقود الخالية الذين كممت أفواههم وصودرت حرياتهم واهترأت أجسادهم في الزنازين المعتمة.

 وقد اختار المخرج فضاء المقهى لتجري فيه أحداث العرض لأنه يحيل في الثقافة الشعبية العراقية إلى عهد ضج بالأحداث السياسية الفاصلة في التاريخ العراقي، حيث كان يمثل مجمعا للحركة الوطنية والتيارات الثقافية على اختلاف مشاربها، لكنه صار في ظل أنظمة الفساد والقتل على الهوية مقبرة مُشرعة في وجه رواده، وذاك ما انتهى إليه العرض، حيث تصير الكراسي والأرائك توابيت تحمل جثامينهم.

 وقد استقبل العديد من المسرحيين والنقاد داخل العراق وخارجه المسرحية باحتفاء كبير، وكان في مقدمتهم المخرج صلاح القصب الذي قال عنها “المسرحية أهم ما شاهدته منذ فترة، وهي أشبه بأعمال كبار التشكيليين الذين يؤلفون من بريق اللون والحركة والكتلة إنشاء بصريا كبيرا”.

كما كتب الكاتب عطيل الجفّال عن المسرحية مؤكدا أنها “تبعث رسالة احتجاج على الوضع السياسي والاجتماعي المتأزّم منذ عقود، وتحاول أن تجمع الزمن منذ تأسيس الدولة العراقية في عشرينات القرن الماضي حتى اللحظة، بلغة ومشهدية حداثية (…) كان صوت رقّاص الساعة نهاية العرض المفتوحة على بدايته، كأن العمل برمته تدوير للفاجعة التي لا تبدأ من نقطة حتى تنطلق مجدداً من ذات النقطة. هكذا ينتقل الزمن العراقي المتخثر في أقداح الشاي إلى رواد المقهى، ليصنع من رؤوسهم رقاصات ساعة متحركة بدلاً من البندول”.

 ورأى الممثل عبدالجبار الشرقاوي أنه عرض استطاع أن يعيد الحياة إلى شباب المسرح ودورهم في إحياء أمجاده، فأبطاله (مرتضى حبيب، ياس خضير، محمد بدر، وسام عدنان، حسين وهام وتحرير الأسدي) يمتازون بمخيلة واسعة، وقد جسدوا بنجاح أوجاع الوطن وهمومه، كما امتاز العرض بالأناقة في معالجته الفنية وحمل الكثير من الرسائل المهمة.

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح