المسرحية العراقية: شؤون وشجون

(1)- (2)- (3)- (4) -(5) -(6)
د. تيسير عبدالجبار الآلوسي

يشكل الركح المسرحي ميدان الحياة الإنسانية بتلوناتها وتنوعاتها؛ والمسرح بهذه الأرضية يمثل صرح الثقافة البشرية والخلاصة الفلسفية الفنية لمسيرة التمدن والتحضر.. فالمسرح وليد مجتمع المدينة، مجتمع تقسيم العمل، مجتمع تطور الوعي الإنساني ورقيِّه وهو المعبر الجمالي ببنيته الخاصة عن تلك التغيرات العميقة في مسيرة التعبير الإنساني عن رغباته وتطلعاته وأحلامه…

ولأنَّ أول ولادة لدولة المدينة كانت في أرض سومر وحضارتها، فقد كانت ولادة المسرحية هنا حيث شيدت المسارح الأولى وتمَّت كتابة النصوص التي مثلت البذرة المرهصة للمسرح العالمي. ولكن، من شجون الزمن ضعف الدراسات السومرية حتى أنّ المركز العالمي للدراسات السومرية المنتظر ما زال يحبو بعيدا عن أيّ شكل للدعم لانطلاق دراساته الجدية المؤملة..

ولأنَّ العراق الوسيط كان يخضع لعتمة تراجعت به لأزمنة الكهوف والبوادي فقد افتقد طويلا للتعبير المسرحي ولم يكن ممكنا ولا متاحا لأي شكل للتعبير والإبداع أن يوجد في ظلال تلك المرحلة من الحياة في العراق الوسيط، حتى جاءت النواتات الأوَل لنهضته الحديثة..

 

ففي منتصف القرن التاسع عشر كانت أجواء الحراك الاجتماعي قد بدأت أولى خطواتها، وإن بطريقة بطيئة متثاقلة بسبب من طول زمن السبات وطبيعة الحكم التي سادت على المستويين المؤسساتي الدولتي والاجتماعي العام بما تحكَّمت فيه من تقاليد مرضية مفروضة قسرا.. ويوم بدأت أولى لمسات التفاعل مع فن التعبير الدرامي المسرحي عبر أنشطة تنويرية معروفة، كانت ولادة فن التعبير المسرحي المعاصر…

أما أول النصوص فكانت بلغاتها الأصل “الأجنبية” كالفرنسية والأنجليزية وغيرها؛ ثم صرنا نترجم للغات المحلية وكانت العربية متأخرة في ما تمَّ الترجمة إليه من اللغات المحلية في العراق، إذ سبقتها السريانية في هذا الأمر.. ولابد لنا هنا من الاعتراف بما لتلك المسيرة من أهمية تأسيسية ومن إطلاقها شرارة البدء للكتابة بآليات التعبير الجمالي للبنية الدرامية..

ومن المفيد هنا أن نشير إلى أنه كانت كتابات ليست قليلة قد أنجزت ولم تصلنا مثلما وصلت النصوص الأولى للمسرحية العراقية وسنلاحظ ذلك عبر قراءة فهرس المسرحية العراقية، إذ أنه ليس من المنطق أن نقول: إنَّ المسرحية الأولى وُلِدت هكذا فكانت موثَّقة مسجلة ووصلتنا من دون مقدمات ومحاولات أخرى غيرها.. وحتى هذه المسرحية وهي مسرحية “لطيف وخوشابا 1892” قد جرى فيها سجال طويل وحتى زمن متأخر، فأشارت أغلب تلك الكتابات التي وصلتنا إلى أنها ليست إلا مسرحية مترجمة…

وكان سرّ الحديث عن تلك المسرحية كونها مترجمة أو في أفضل الأحوال مقتبسة بأغلب مادتها وكل تفاصيل بنيتها، يعود إلى تناقل التوصيف من كاتب لآخر ومن أبرز وآخر من كتب في الأمر كل من الأستاذين علي الزبيدي وعمر الطالب في كتابيهما بالعنوان ذاته “المسرحية العربية في العراق” وفيهما أكدا على كون “لطيف وخوشابا” هي مسرحية مترجمة، وكرر آخرون ما قالاه بالخصوص…

وحتى نأتي للتفصيل بشأن هذه المسرحية التي تمثل منطلق الأعمال الدرامية العراقية، ينبغي أن نشير إلى أن مسرحنا العراقي لم يولد في محيط سهل يتقبله.. إذ كانت طبيعة التقاليد السائدة تحظر التمثيل بل الفنون عامة وتسخر منه في حين وتقمعه في أحيان أخرى. ولهذا مثَّل المسرح ثورة اجتماعية فكرية مرادفا فعاليات التجديد في فنون التعبير الأخرى كما في الشعر العراقي…

وتحمَّل المسرحيون الأوائل متاعب ومطاردات ومحاصرة وأعمال همجية وصلت حدّ التصفية الجسدية. وفوق هذا وذاك كان المبدع العراقي يقبع خلف عتمة منعت عنه الكتاب وصلات التثاقف واكتساب المعارف؛ إلا أن ذلك كان مترافقا مع الشرارات الأوَل لنهضة المجتمع العراقي من سباته..

ومن الطبيعي في ظل توافر فرص السفر والاتصال بالآخر العربي والأوروبي ممثلين في الأعمال المسرحية بسوريا ولبنان  ومصر وإيطاليا وإنكلترا وفرنسا كان للآباء الدومنيكان ولعدد من أبناء الطيف العراقي المسيحي واليهودي أدوارهم الريادية المعروفة والموثقة في التاريخ المسرحي.. ولم يكن هذا إلا خطوة من أخرى تاليات نهض بها العراقيون بأطيافهم جميعها في كتابة النص الدرامي…

وقبل الدخول في صلب بدايات المسرحية العراقية الجدية نشير إلى أنه من الطبيعي وجود نشاط لها بين جدران بعض الملاهي الليلية وأماكن الاسترخاء والتسلية؛ حيث نمت أعمال تمثل طبيعة تلك الأماكن والمنتديات وتلائم طبيعة جمهورها والعاملين فيها. وقد كان لمثل هذه الأنشطة نتائج بوجهين أحدهما سلبي يتعلق بوصم الفنان المسرحي بكونه ابن النوادي الليلية الرخيصة وما كان يجرّه هذا التوصيف من متاعب وأوصاب ومعرقلات، وآخر إيجابي عبر مراكمة الخبرات في الأداء وفي الكتابة ورصيدها البنيوي الجمالي والمضموني…

لقد صرنا نقرأ ونستمع للقصيدة المتحررة بمضامينها وصار أديبنا ينظر ببواكير وعيه إلى طبيعة الصراعات الجارية ومنحاها والمتغيرات في البنية الاجتماعية بظهور طبقات جديدة من الشغيلة ومن الفئات المثقفة فضلا عن الاطلاع على النظريات التي شكلت وعي الإنسان المعاصر من مثل ما جاء به ماركس وفرويد وداروين وفريزر في الاقتصاد والسيكولوجيا والبايولوجيا والأنثروبولوجي..

إنَّ كلَّ ذلك كان المقدمة التي أوقدت شعلة التحرر من إسار الأشكال التقليدية في الكتابة.. وسنجد أول ثورة في مجال الشعر لاحقا بعد تراكمات إيجابية وافية عندما تنطلق قصيدة التفعيلة والشعر الحر من هنا من أرض الشعر والأدب والفنون. أما في مجال الكتابة الجديدة في مجالات السرد فتنطلق القصة بألوانها وتلحق بها بُعيد عقود قليلة الرواية العراقية.. ومن بين كتّاب فنون القول المتنوعة ومن رديفهم في إبداع النص الجديد تبزغ أولى خيوط فجر المسرحية العراقية…

لقد كُتِبت عشرات بل مئات النصوص منذ ولادة أول نص مسرحي عراقي في نهايات القرن التاسع عشر. واحتفظ إرشيف المكتبة المسرحية العراقية بعديد من تلك النتاجات؛ على الرغم من الخسائر الفادحة التي لحقت به غب حرب مارس- إبريل 2003 وانفلات الأوضاع وحرائق بغداد وأعمال السلب والنهب والاعتداءات التصفوية التدميرية التي تعرضت لها المكتبات ومؤسسات الثقافة والفنون من أصابع مرضية دخيلة كما حصل في حرق المكتبة الوطنية ومكتبة التوثيق المسرحي في مؤسسة السينما والمسرح وغيرهما…

إنَّ أبرز تلك الأعمال تمثلت في نمطين مسرحيين هما المسرحية التاريخية لما لها من دور في استعادة مجد التاريخ وزهوه والمسرحية الاجتماعية التي تمَّ توظيفها للتعاطي مع القيم الأخلاقية ومعالجة المشكلات التي عانى منها المجتمع بقيوده وتقاليده البالية التي تعرض لها المسرح العراقي بكل جرأة وروح تنويري.. وهنا ثبت بفهرس تلك المسرحيات التاريخية والاجتماعية:

فهرس المسرحية التاريخية في مرحلة النشأة

ت اسم المسرحية اسم المؤلّف عام الصدور
01 يوسف الحسن حنا حبشي 1883
02 نبوخذ نصر الخوري هرمز تورسو المارديني 1889
03 خراب بابل الخوري أنطوان زيوني 1908
04 الأميران الشهيدان المطران جرجيس قندلا 1910
05 النعمان بن المنذر محمد مهدي البصير 1919
06 دولة الدخلاء محمد مهدي البصير 1924
07 فتح مصر يحيى ق 1924
08 مشاهد الفضيلة سليمان الصائغ 1931
09 الزباء سليمان الصائغ 1933
10 الأمير الحمداني سليمان الصائغ 1933
11 الحسين (مسرحية شعرية) محمد الرضا شرف الدين 1933
12 القادسية يحيى ق 1935
13 فتح الشام يحيى ق 1936
14 شهامة العرب نسيم حلول 1938
15 صقر قريش عبدالله حلمي إبراهيم 1939
16 عودة سمير أميس عبداللطيف الشهابي 1939

                                        

      أما  النمط الرئيس الثاني فهي المسرحية الاجتماعية ومنها يبرز موضوعان أولهما يتعلق بالقضية السياسية المباشرة والمتعلقة بالثورة الوطنية والقومية ضد الأتراك وضد الاستعمار الجديد أما الموضوعة الثانية فتتعلق بهموم الشباب وطموحاتهم والمشاكل العائلية من علاقات وظروف محيطة بها.

وهذه المسرحيات هي:ــ

فهرس المسرحية الاجتماعية في مرحلة النشأة

ت
اسم المسرحية اسم المؤلّف التاريخ
01 لطيف وخوشابا نعوم فتح الله السحار 1892([1])
02 استشهاد نرسيس سليم حسون 1904
03 شعّو سليم حسون 1905
04 البرئ المقتول حنا رسام 1911
05 الفتاة العراقية نديم الإطرقجي 1925
06 الصرّاف أبو روبين نوري ثابت (حبزبوز) 1927
07 الإخلاص والخيانة سلمان يعقوب 1927
08 القرط الذهبي حنا رسام 1929
09 إحدوثة الباميا حنا رسام 1930
10 وحيدة علوان أبوشرارة (الشابندر) 1930
11 الجندي الباسل جميل رمزي القطان 1931
12 العائلة المنكوبة نديم الإطرقجي 1932
13 عاقبة الطيش إبراهيم حقي محمد 1932
14 مثلنا الأعلى عبدالمجيد عباس 1934
15 آباء السوء نعيم إلياهو 1934 (4)
16 ضحية العفاف جميل رمزي القطان 1934
17 جميل صدقي الزهاوي حسين الظريفي 1934
18 قيس ولبنى (شعرية) خضر الطائي 1934
19 أفندي من كذب نديم الإطرقجي 1935
20 طعنة في القلب سليم بطي 1936
21 الأقدار سليم بطي 1936
22 فلسطين المجاهدة حنا رسام 1936
23 الاعتراف نديم الإطرقجي 1938
24 تقريع الضمير سليم بطي 1938
25 أنا الجندي عبدالله حلمي إبراهيم 1938
26 كاترين صفاء مصطفى 1938
27 مسرحيتان رسول عبدالوهاب العسكري 1939
28 التضحية إلياهو خضوري 1939
29 الكشاف محمود لطفي 1939
30 غرام الفارس محمد طاهر توفيق 1939
31 ضحايا اليوم سليم بطي 1939

 أشرنا إلى طبيعة التطورات في بنية المجتمع العراقي نهاية القرن التاسع عشر وإلى جذور  المسرح في حضارة وادي الرافدين السومرية وعمق الانقطاع وحجم الفجوة بين تلك الجذور ومرحلة النهضة الحديثة وما كان يسود من حالات المنع وقوانين العيب وأشكال لغة التخلف التي عرقلت انطلاقة جدية للمسرح والمسرحية في عراق القرن التاسع عشر وما تلاه… ومع ذلك فإنَّ لذكاء الوليد الجمالي الجديد أسلوبا مناسبا اخترق جدران المصاعب والعراقيل عبر طبيعة الموضوعات وشكل التقديم المتناسب مع الطقوس العامة للمجتمع…

من هنا كان نجاح الأنماط المسرحية المختلفة آنذاك؛ فكان نجاح المسرحية التاريخية أمرا عائدا لجهة تضمّنها معطيات مرحلة النهضة والقيم الوطنية والقومية ومبادئ الثورة على الحكمين العثماني والأنجليزي.. ومثلها نجاح المسرحية الأخلاقية من جهة انعكاس أثر الثورة الاجتماعية ومتغيرات البنى الطبقية والقيم العامة لجديد الزمن…

ونحن هنا نسجل تعبير المسرحية العراقية الأولى عن مجموع الطيف العراقي وخلفياته المتنوعة ومثالنا على ذلك: مسرحيات نبوخذنصر وخراب بابل والزباء  التي تعود إلى التاريخ الرافديني القديم مستلهمة منه ما يناسب المرحلة ونماذج نظيرة في تأثيرها واختيارها مثل الأمير الحمداني وفتح الشام والقادسية وصقر قريش من تلك التي تعود للتاريخ الوسيط للبلاد… ومن الطبيعي أن يكون القصد في مفردة نجاح المسرحية يكمن في درجة تحقيق العلاقة بالمتلقي وتوفير القناعة المناسبة بالجهد الإبداعي المسرحي الوليد في ظروف تلك المرحلة…

ومن أجل ذلك وفي إطار المسرحيتين (التاريخية والاجتماعية) سنتابع اهتمام الأولى بشخصيات البطولة القومية والوطنية مثلما ركزت الأخرى على هموم الشخصية وأوصاب حياتها اليومية محاولة تحليل المتغيرات في ضوء القيم الاجتماعية الجديدة، فكانت موضوعات المرأة وتقويم العلاقات الاجتماعية وتطهيرها من أمراض التخلف كقضايا الزواج والعلاقة بين المرأة والرجل ومشاكل الغيرة والإغواء وموضوعة المساواة والقيم الأخلاقية،  مما شكل لبّ مسرحيات النشأة ومثال ذلك: لطيف وخوشابا، الفتاة العراقية، الإخلاص والخيانة، وحيدة، عاقبة الطيش، آباء السوء، تقريع الضمير وغيرها…

 إنَّ النظر في قائمتي المسرحيتين التاريخية والاجتماعية بجدية، يجعلنا أمام ضرورة الالتفات إلى القيمة الدرامية الحقيقية لمسرحيات القائمتين وهي قطعا ذوات مستويات متباينة وكثير منها محاولات أولى في الكتابة المسرحية. وسنحاول هنا الكشف عن الخصائص التي اتسمت بها هذه المحاولات متلمسين خصائص بنيتها الدرامية مثلما نحاول تسليط الضوء على تبادلها التأثير مع محيطها الواقعي عبر محمول دوالها الفنية وإن جاءت بمستويات بسيطة في ضوء معايير إنسانية واسعة لقراءة الصنف الدرامي..

ولأنَّ الشخصية تمثل واحدة من عناصر البناء الفني في المسرحية مثلما تمثل قيمة فلسفية مهمة في توجيه نظر المتفحص لأية مسرحية، فقد التفت كتّاب المسرحية لمسألة تقديم شخصياتهم على وفق المرحلة ومعطياتها في محاولة لجذب جمهور التلقي؛ وكان لـِغنى تلك الشخصيات وتعقيدات وجودها دافعا بدأ يفرض ضرورة تقديمها على وفق معالجات نوعية مختلفة استطاعت المسرحية العراقية أن تأخذ منها ما أتيح لها نسبيا في مرحلة نشأتها…

وفي أجواء تلك المرحلة كان من المؤكّد أنَّ التنوعَ في التعبير أعظم وأغنى عند الكشف عن الشخصية منه عند تطبيق مواقف [إنسانية دراميا] طالما استُعمِلتْ بخاصة في الكتابات السطحية للقرون الأخيرة أو الفترة التي سبقت مرحلة ولادة المسرحية في العراق،  فلأجل الكشف عن ثقل الشخصية الجديدة وعن إمكاناتها الكامنة، فإنَّ الوسائلَ الأدبية السائدة [الشكلية أو التي تتناول الظاهرة من الخارج] لم تعُدْ كافية وحدَها لاستقصاء هذه الشخصية والتعرف إلى دواخلِها، وسبر جوهرها وجوهر الظواهر العامة في حركتها في إطار العلاقات الجديدة.

وهكذا جاء توظيفُ أساليب إبداعية مركبة ليكون أكثر ارتباطاَ َ مع دواخل شخصية  المرحلة فكان توليف الغنائية والملحمية في تركيبة درامية قدمت مضمونا منصباَ َ على معالجة أعمق لتبادل التأثير بين الجوهر والمظهر.

وهذا التأثير المتبادل بين خطة العلاقات الشخصية وبين الخطة الأيديولوجية (العامة) في المسرحية يظل في نهاية المطاف تأثيرا مثمرا ومختلفا نوعيا حيث يؤدي إلى تحطيم الحدود بين مختلف التراكيب الصنفية وحتى النوعية [لأشكال التعبير الجمالي] ومن ثمَّ إلى الاندماج العضوي بين أسسها مشيرين في ضوء قراءتنا هنا إلى أن ظهور الغنائية والملحمية وغيرهما في البنية الدرامية للنص المسرحي العراقي تحديدا لم يكن دائما سببه تخلف البنية الدرامية للمسرحية العراقية أو بدائية النشأة بقدر ما كان في الحقيقة تعبير عن عمق المتغيرات التي تمظهرت في وعي كتّاب المرحلة وأشكال تعبيرهم في أحيان عديدة…

وبمتابعة استقرائية لمسرحية المرحلة، نتبيّن أنماطها متمثلة في: التاريخية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية؛ ونتبين فيها شخصيات متنوعة مختلفة؛ وأول أمثلتنا التي يمكن متابعتها تتجسّد بشخصيات أول مسرحية عراقية أي “لطيف وخوشابا” لنعوم فتح الله السحار؛ وثيمة المسرحية تكمن في القيم التربوية السلبية لحياة أبناء الفئة المترفة مادياَ َ وأثر العمل وخشونة الحياة في صقل تجربة الإنسان وحسن تربيته وهو ما يدخل في  ثيمة المسرحية الأخلاقية، التي قامت عقدتها على (الاستبدال)، بما قدم بوضوح أثر الشخصية وحركتها وعلائقها في بنيتها.

وفي المسرحية الأخلاقية بعامة؛ ظهرت عندنا شخصية تمثل المحور الخارجي للعمل أو تعليق المؤلّف بشكل غير مباشر وبتوصيف آخر مرجعية العمل وخلفيته أو بنيته في دائرتها الكبرى.. ولابد لمثل هذه الشخصية أنْ تكون موجودة في المسرحية الأخلاقية لأنَّها، في الحقيقة، تعدّ الوسيلة الموظّفة للإعلان عن غاية العمل ومن ثمَّ فهي ليست وجوداَ َ فائضا زائدا بل هي كينونة بنائية جوهرية ضرورية.. وعلينا أنْ نلاحظ كون مادة التعليق الذي تطلقه هذه (الشخصية) سيظلّ ممثلا  لجوهر هذا النمط من العمل الدرامي… ولطالما تعرضت المسرحية العراقية للقراءة المغلوطة حيثما تعلق الأمر بقراءة شخصية الراوي حتى مراحل متقدمة في حياة مسرحيتنا ونقدها المتخصص…

أما الشخصيات الأهم في المسرحية الأخلاقية فهي شخصيتـا البطل ونقيضه ولا نقول: خصمه لأنَّ فلسفة العمل هنا (في خطته الفكرية العامة) كانت تقوم في الغالب على أساس إصلاحي توفيقي وعلى أساس أنَّ سلوك البطل ليس أكثر من صفات فردية سهلة الانقياد أو عادية التغيير..

وكثيرا ما كان هذا التغيير يجري بشكلِ ِ آليّ .. إذ لا يتأخرْ البطل عندما يوُضِع في الاختبار عن تغيير سلوكه من دون أية مشكلات أو من دون تلك التعقيدات الحياتية الإنسانية النفسية والاجتماعية التي ترافق مثل هكذا تغييرات. وهذا أمر غير واقعي من جهة ولا يخضع لمنطق تطور الشخصية الإنسانية (ولا الشخصية الدرامية) الطبيعي.

وفي ضوء ذلك، فإنَّ ثغرة كهذه أثرت في بنية مسرحيتنا بشكل مباشر حيث رصدنا حالة من التطور غير المسوَّغ منطقياَ َ على صعيدَي الشخصية ومن ثمَّ البنية في نسبة من مسرحيات تلك المرحلة المبكرة…

وعلى صعيد الشخصيات الثانوية وعلاقتها بالبنية، وجدنا أنَّ استخدام الشخصيات الثانوية لتعميق دور الشخصية الرئيسة في مسرحية المرحلة قد جاء منسجما من حيث المبدأ [أو بصورة عامة] مع تصورنا للدراما بوصفها (فعلاَ َ) قبل أنْ تكون (وصفاَ َ) أو(سرداَ َ).. 

غير أنَّ ذلك لم يخلُ من ثغرات من الناحية العملية؛ فكان يمكن الاستغناء عن شخصيات ثانوية عديدة مبثوثة في المسرحية ممن كانت تؤدي المهمة الدرامية نفسها والاكتفاء بواحدة للتعبير عن سلوك البطل أو الشخصية الرئيسة؛ تحقيقا للتكثيف الدرامي المنشود.

ويهمنا هنا أنْ نسجل أنَّ المسرحية الأخلاقية عادة ما قدمت موضوعاتها وشخصياتها بطريقة وعظية إصلاحية تنتمي لثقافة المرحلة من جهة القيم التقليدية المحافظة  ومن جهة  تقديم القيم المثالية من التراث التربوي والنفسي  بسبب من مآس وانكسارات خطيرة أصابت المجتمع طوال قرون من الحكم العثماني الذي لم يخلف إلا حاضرا بائسا مريضا ما كان له إلا أن يتعكز في تباشير نهضته الوليدة على بعض من بقايا الماضي من دون أن يغفل تفاعله بل اقتباسه التعبير الجمالي الجديد مما وصلت إليه تجاريب الشعوب الأخرى، كما هو حال المسرحية في دراستنا هذه…

لقد كان جليا عمق علاقة ثقافة المرحلة بالماضي والتفات كتّابها لاستدعاء موضوعات التراث وشخصياته.. وكان هذا أوضح ما يكون في  تلك النصوص التي عالجت التاريخ أو استخدمته وسيلة تعبيرية لأداء مهامها المضمونية الوعظية والجمالية أيضا.

لقد جاءت المسرحية التاريخية تمثيلا لهذه الرؤية وسنتناول لتوضيحها نمطين: الأول يجسّد الشخصية التاريخية الحقيقية والتساؤل بصدد هذا النمط هو إلى أيِّ مدى استطاع الكاتب أنْ يوفِّقَ بين التوثيق التاريخي وطاقاته التعبيرية وبين جماليات المسرحية وطاقاتها التعبيرية المخصوصة الجديدة؟ فضلاَ َعن اختيار الكاتب للّحظة الأكثر دراميّة من حياة هذه الشخصية الواقعية منتهية الرسم؟ فيما شخصيات النمط الثاني التي نتناولها هي تلك المضافة من خيال الكاتب لتلعب دورا متميّزا من حيث البعد التاريخي للعمل الدرامي مع كل ما يحتاجه الكاتب من إسقاطاته المعاصرة.

وفي هذا الإطار أمامنا شخصيات من التاريخ العربي في عصوره المختلفة الممتدة، أنبياء، أبطال من سوح المعارك القومية الكبرى، شخوص من سِفْر التاريخ الطويل، هؤلاء جميعا يتم اختيارهم أولا وقبل كلّ شيء بناء على المعاني التي يحملونها وعلى مردود تقديم هذا التاريخ بوصفه نموذجا يُراد به أنْ يُحتذى…

 من هنا تتمحور ثيمات هذه الأعمال بين عرض تاريخي مجرد، القصد الأخير منه إحياء الماضي فقط وبين من يوظّف الماضي للتعليق على الحاضر مستهدفا الإفلات من قيود الواقع ذاهبا إلى حد ابتكار أحداث وشخوص تدور في ذاك الزمن الذي انقرض ولكنها في النهاية تصب في إطار معالجات حضارية معاصرة.

وفي إطار المعالجة التقليدية واتخاذ الشخصيات التاريخية المعروفة نموذجاَ َ مباشرا من دون تغيير يمكن الإشارة إلى شخوص مسرحيات “مشاهد الفضيلة” و “الزبّاء” و”شهامة العرب” وهي شخوص اطلعنا على قصصها في الغالب كما في تلك الشخصيات التي وردت في العهد القديم والقرآن والتفاسير والأخبار، ونحن لا نجد في الشخصيات الرئيسة من تغيير مهم يبتكره الكاتب؛ وكلّ ما نرصده هو تحويل الحكاية والتوصيفات السردية من طابعها القصصي إلى مظهر يحاكي  الدراما.

وصحيح أنَّ الشخصيات هنا تتحرك وتتكلم وتعمل ولكن ليس كلّ عمل ولا كلّ حركة يمكن أنْ يجسّد الدراما وقوانينها ولهذا فإنَّنا نجابه في قراءة مثل هذه المسرحية حالة من التضحية بالشخصية لصالح القصة.. التضحية ليس بالشخصية التاريخية لأنَّ هذه مجسّدة أمامنا ولكن التضحية هنا تكون في فنية الشخصية عنصرا بنائيا دراميا وبالقيم الدرامية والعلاقة بين الشخصية وهذه القيم أو مع البنية الدرامية ذاتها..

إنَّ الشخصية في المسرحية التاريخية التقليدية، تقدَّم منذ البداية ناضجة وليس فيها من تطور وغالبا ما تكون نهايتها مثل بدايتها فأيّ الأمور يمكن أنْ تُعدّ تغييراَ َ درامياَ َ فيها؟ لاشئ غير تلك الفطنة التي قد يمتلكها كاتب في ملاحظة الوجه الآخر لبنية الشخصية التاريخية المقطوعة المنتهية؛ فيربط منطقيا سلوك كل طرف ودوره في الحكاية مستثمرا الشخصية (دراميا) لتأكيد فكرة الإرادة الصلبة والسلوك المبدئي بخلاف ترك الحالة على أساس حبكتها القصصية فذلك ما يُضعِف كثيراَ َ من إمكان قبول تلك الشخصية في الإطار الدرامي بمعنى أنَّها (أي الشخصية) حافظت على سماتها القصصية على الرغم من انتقالها من السرد إلى الحوار.. إنَّ هذه التجربة هي ما يسمح لنا بصياغة التساؤل النظري الآتي:ـ هل يكفي تحويل الوصف والسرد إلى جملة حوارية لتكتسب الشخصية بعدها الدرامي؟

والجواب قطعاَ َ لا وإلا فإنَّ كثيراَ َ من القصص والروايات توظِّف الحوار في بنيتها ولكنها لا تتحول في أية قراءة نقدية إلى دراما. إنَّنا هنا إذن لا نناقش مصداقية الشخصية التاريخية فهي في غنى عن هذه المناقشة وذلك بسبب توافر المادة الإخبارية في بطون الكتب ولكننا نناقش دورها البنائي في عمل لا تقف مهمته عند العرض الإخباري بل يتعداه ـ ويجب أنْ يتعداه ـ إلى تقديم (الدراما). فإذا نحن حكمنا بعدم تطور الشخصية المحورية فأين ستكمن القيمة الدرامية في مسرحية تعتمد في بنائها على تلك الشخصية؟ وهل تعوض المسرحيةَ تلك الأحداثُ الدراماتيكية (المشحونة بالتوتر والإثارة)  والمفاجآت والمتغيرات التي تثيرها هذه الشخصية في محيطها؟

ونحن بتحليلنا هذا لا نريد أن نقول إنَّ الدراما التاريخية تخضع لقوانين الدراما الكلاسية بطريقة متماثلة. ومثالنا على ما نقول مسرحية “شهامة العرب” أو “السموأل وامرؤ القيس” وهو العنوان الذي يؤكد لنا قيام بنية المسرحية على أساس هاتين الشخصيتين ولأنَّ الكاتب يأخذ حادثة مقتل ملك كندة وخروج ولده امرئ القيس للثأر فإنَّه  إذ يعرض سيرة شخصية معينة فهو لا يغفل الإحاطة بالخلفية الإنسانية للشخصية وما تتصف به من سلوك وسمات أخلاقية محاولا هنا إبراز صفات الوفاء والشهامة من خلال موقف السموأل في الحفاظ على ودائع امرئ القيس على الرغم من إعدام ابنه أمامه ومن تهديده بالفناء.. داخل حصنه المسمى “الأبلق” وإذن فنحن أمام (دراما) توظِّف المسميات التاريخية شخوصاَ َ وأحداثاَ َ، مكاناَ َ وزماناَ َ من دون التجاوز لا على القيم التاريخية ولا على القيم البنائية الدرامية… فكيف نقرأ ذلك في مسرحيتنا؟

الإجابة تكمن في طبيعة نمو الشخصيات وتطورها فامرؤ القيس يبدو في الوضعية الاستهلالية غير عابئ بهموم الحياة ومسؤولياتها إلى الحد الذي يستقبل فيه نبأ مقتل أبيه بذهنية “اليوم خمر وغدا أمر” بينما تتغير الأمور حتى تصل قرار سفره إلى قيصر الروم والتفكير بجيش يعيد المُلْك إليه (وليس الثأر فقط) وبين الحالتين تعقيدات وعقبات كثيرة هي خلاصة لبنية الحدث الدرامي…

و (حادثة) السموأل التي يستقي الكاتب عنوان مسرحيته منها تستكمل وتعزز الأزمات المكوّنة للحدث الدرامي ولبنية العمل بأكمله. وعلى هذا فوجود شخصية السموأل على صعيد بنية الحدث أو التأثير في مساره لم يكن وجودا أو تأثيرا ينفرد بالأولوية ولكنه يبقى وجودا مهما لشخصية ذات أهمية حيوية في العمل..

 وهنا نريد التأكيد على أنَّ الحجم الذي تحتله الشخصية ليس هو الذي يحدّد أهمـيتها ودورها في الحدث فقد تكون الشخصية ستارية يكسبها المؤلّف ملامح معينة ثم يضع أمامها شخصية أخرى ذات ملامح مغايرة (أو مماثلة). وبهذا تتميّز الملامح الأخيرة عن طريق المناقضة (أو المماثلة) مع ملامح الشخصية الأولى. ومن نمط الشخصيات الستارية كثير من الشخصيات الثانوية التي وُضِعت في مسرحية النشأة على أسس تقابلية في محاولة للاتساع بتوضيح دوال الأعمال الدرامية  ومعطياتها…

وهذا التوصيف الدرامي ينقلنا إلى التدقيق في طبيعة الشخصيات وأدوارها في العمل وآليات دخولها في البنية حيث يجري مثلا تقديم الشخصيات الخيِّرة مقابلة للشخصيات الشريرة ليس بوضع تقابلي حاد مجرد بطريقة الأبيض والأسود وإنما بالعودة إلى بنية فنية أساسها أنَّ شخصية بعينها تعمّق من وضوح الشخصية المقابلة سواء بالتناقض أم بالتماثل وفي مثالنا سابق الذكر  السموأل حليف لامرئ القيس تتضح شخصيته من خلال نقيضها الطماح ودور الأخير سيكون أكثر أهمية في تحريك حدث المسرحية لأنّه لا يستهدف السموأل حسب بل يطارد امرئ القيس وهو بهذه المهمة الفنية البنائية معادل لكليهما في تحريك الصراع وإدارته.. أما الشخصيات الثانوية مثل هند، شريح وغريض ومريم في المسرحية ذاتها فإنَّها أغنت الحدث وظلت في الصورة حتى عند غيابها عن الخشبة عبر آليات منها آلية الشخصية الستارية التي مرّ توضيحنا لها.

وبعامة يمكننا القول: إنَّ اكتمال العمل الدرامي ذا الموضوعة التاريخية ووحدته ينبع من تكامل الشخصيات وانسجام أفعالها وتناسق حركتها الفردية والجماعية.. وإنَّ نجاح الشخصية في هذا النمط الدرامي هو الأساس في نجاح البنية لأنَّها تمثل الأساس التكويني للمسرحية التاريخية.  ومع ذلك فإنَّ ما كان يعتري هذه الشخصية التاريخية هو المبالغة في رسمها ما يحمّلها أنماطا من الحوار الفائض عن الضرورة أحيانا فضلاَ َ عــن إدخال السرد والوصف في الحركة على حساب الفعل الدرامي .. في حين أنَّ مكمن قوة الشخصية الدرامية فيما تفعل لا ما تتصف به.

لقد عرقلت هذه الثغرات الثانوية حركة الشخصية وتطورها واندماجها في بنية مسرحية المرحلة ولكنها لم تقطع الطريق أمام كل هذه الأمور ـ من حركة وتطور واندماج ـ  بمعنى أنَّ بداية المسرحية التاريخية من حيث بنية الشخصية ونموها كانت بداية فنية مشجعة ولو أنَّها صادفت النجاح نفسه في بقية عناصر البنية الدرامية لكانت هذه الأعمال في غير موضعها الحالي من المسرحيات التاريخية في البلاد العربية الأخرى.

وتبقى هنا ملاحظة مهمة ينبغي ذكرها تتعلق بقضية اختيار موضوعات وتجاريب إنسانية من أجواء تقع بين التاريخ الرافديني القديم (بشكل محدود) أو القومي العربي (بشكل أوسع) بما يؤكد طبيعة العلائق القومية وحالة الارتباط بين أقاليم المجتمعات العربية ودرجة تأثيرها في الثقافة العراقية السائدة وكل ذلك على حساب وضوح استقلالية النموذج الوطني العراقي؛  بسبب من قرب المرحلة من زمن ما زال يتحدث عن مشروع الدولة القومية  وامتداداتها فضلا عن تأثيرات الرؤى الفكرية والفلسفية للتجمعات السياسية الموجودة آنذاك…

من المفيد أن نشير إلى سمات مرحلة الانتقال إلى العراق الحديث الممثلة بطبيعة محافظة سادت الواقع الاجتماعي العراقي ممثلة الامتداد الطبيعي لعقود طويلة من الحكم العثماني، بخلاف كينونة المجتمع العراقي سليل الحضارة السومرية التنويرية المتفتحة التي مثلت تراث الإنسانية الصحي عبر منطقها العقلي المعتمد للمعارف والعلوم والقيم الإيجابية في مسيرة العلاقات الاجتماعية وتكوين الشخصية الإنسانية..ومن هنا فإنَّ سمات جنينية كانت تولد في حينها لم تأتِ من تعاظم تأثير الاحتكاك مع الحضارة الإنسانية المتفتحة حسب بل ومن استعداد المجتمع العراقي نفسه لهذا التفتح وصراعه ضد البالي القديم..

لقد انعكس هذا في المسرحية الاجتماعية بشكل واضح بيِّن سواء في معالجات موضوعاتها أم في بنية شخصياتها وخياراتها الفكرية الاجتماعية. غكثرا ما ركزت المسرحية الاجتماعية على موضوعات  التحرر والانعتاق من قيم وتقاليد بالية مثلما حصل مع مسرحيات نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مثل الفتاة العراقية ووحيدة..

وفي مسرحية وحيدة جاءت الثيمة حاسمة في كشفها للاضطهاد الاجتماعي المقترن بالاستلاب السياسي وعبرت عن إدانة صريحة لكل الأمراض الاجتماعية التي لا تنتج غير المآسي كما حصل مع شخصية وحيدة بطلة المسرحية وخطيبها… وهكذا فعلى  صعيد الشخصية في الأعمال الدرامية لهذه المرحلة يبقى الأمر مثيرا لكثير من الجدل، لأنَّ المسرحية الاجتماعية بموضوعيها المتعلقين بالسياسة أو بالعلاقات الاجتماعية ومنها بالتحديد العلاقات العائلية؛ تحتل مساحة (مكانة) أوسع بين مسرحيات النشأة في العراق.

إنَّ (الشخصية) في مسرحيات المرحلة تستوعب إمكانات تناول موضوعية واسعة تمثل قضايا الطبقات وصراعها والفئات الاجتماعية ومطالبها ومن ثمَّ رموز هذه الجماعات المجسدة في شخصيات نمطية أو رمزية ومع ذلك فإنَّ حالة مثل هذه [بالمعنى الجمعي] نجدها نادرة لأنَّ أسلوب التناول والمعالجة لا ينبعان من أساس واقعي هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنًَّ الاهتمام الكبير للمسرحية الاجتماعية ظلَّ في إطار الأسرة والعلاقات الفردية ذات الطبيعة الأسرية المحدودة فانعكس هذا البعد الإنساني على حدود الشخصية في هذه المسرحية ـ الاجتماعية وعلى طبيعتها ودورها في البنية ولا تخلو هذه القاعدة  ـ بالتأكيد ـ من استثناء في هذه المسرحية أو تلك مما سنشير إليه لاحقا.. بعد أنْ نقوم بواجب التأكد من الأثر الرومانسي في رسم شخصية المرحلة وحركتها.

لقد كان أبطال المسرحية الرومانسية الأوروبية فرساناَ َ بمغامراتهم المثيرة للعواطف وشحاذين وحثالات ترسم صورة مجتمع بلا أمل وهؤلاء جميعاَ َ أفراد منطوون على ذواتهم يتمنون بأنْ يحلموا يوماَ َ وهم نيام لكن أحلامهم الكبيرة الصغيرة هذه تتكسر دوماَ َ على صخرة الاكتئاب والكبت الشامل. هؤلاء بعض من أبطال الرومانسية التقليدية… فمن هم أبطالنا الرومانسيون في المسرحية الاجتماعية العراقية في بواكيرها؟

ليس المدخل أثر الرومانسية الذي مرَّ معنا للتو ولا التساؤل الذي انتهى إليه، بمعالجة فكرية شاملة للاتجاه الرومانسي بل هو مجرد مقدمة ضرورية مختزلة للكشف عن الخصائص الفنية للشخصية ومن ثمَّ للبنية داخل إطار هذا الاتجاه في إطار ما ظهر في مسرحية بداية القرن العشرين في العراق.

ونحن  نحاول هنا أنْ نستقرئها محللين تفاصيل سماتها عبر قراءة في مسرحية النشأة التي نشاهد فيها أنماطاَ َ متنوعة من الشخصيات إنَّنا نلاحظ سادة وخدماَ َ، طلبة، فتية، كهولاَ، موظفين ونساء يتظلمن.. الجميع يشكون من واقع الحياة ولكن الجميع يخضعون لآلة تشريح رومانسية ضمن القراءة الجمالية الدرامية لمسرحية المرحلة. ويمكن لنا أنْ نحصي آثار تلك القراءة بمتابعة الجدول التفصيلي الآتي:

جدول لقراءة وصفية للشخصية في مسرحية مرحلة النشأة

المسرحية عدد الشخصيات الرئيس منها صفات الشخصية الخلفية الاجتماعية العلاقات
1)      الإخلاص والخيانة 1927

سلمان يعقوب

 

2)    وحيدة1928

موسى الشابندر

3) تقريع الضمير 1931

سليم بطي

4)      أحدوثة الباميا1931

حنا رسام

14  + جماعات

 

(15)

(7)

(5)

ليلى

كامل

وحيدة

أحمد

حسن خان

مرغريت

وديع

عكوبي

شابة جميلة متعلمة

شاب متعلم

فتاة متعلمة

شاب متنور

رجل شرطة متهور

شابة متفتحة

شاب متعلم

شاب ألثغ

من الطبقة المتوسطة وتطمح لإشغال عمل ما

غني

طبقة متوسطة

طبقة متوسطة

ممثل السلطة الفاسدة ومتعاون مع التقاليد السلبية

طبقة متوسطة, لاتعمل

طبقة متوسطة, طالب

فقير

تحب كامل وتتعرض لمضايقة خليل

يحب ليلى ويدافع عنها

تحب أحمد ابن عمها

يحب وحيدة ويدافع عنها

يستغل منصبه للاعتداء على وحيدة وهو خصم أحمد

تحب وديع أخاها من دون تعرف

يحب مرغريت أخته من دون أن يعرف أنها أخته

زوج غزالة وابن مجودة وأخو نعيمة وبدور

المسرحية عدد الشخصيات الرئيسي منها صفات الشخصية الخلفية الاجتماعية العلاقات
5)      آباء السوء  1934

نعيم إلياهو

 

6)      الأقدار1937

سليم بطي

7)                ضحية العفاف 1932

جميل رمزي القطان

8)      الاعتراف 1938

نديم الأطرقجي

 

(9)

 

(25)

(11) +

جماعات

(16)

سعاد

كامل

إبراهيم

يوسف

زهراء

نجمة

عبدالرزاق

عبدالغني

 شابة متفتحة

شاب محبط

طبيب

شاب

شابة جميلة متنورة

شابة أمية

محامي

كهل

بنت الباشا

ابن الباشا

طبقة متوسطة

فقير

بنت شيخ العشيرة

من العشيرة

طبقة متوسطة

طبقة متوسطة

زوجة محمود بلا رغبتها

يعاني من بخل والده وتركه التعليم

يعاني من ألاعيب زوجته

يحب ابنة عمه زوجة إبراهيم

تحب أخوتها والخير.

صديقة زهراء ومن ثمَّ زوجة أخيها

يحب ابنة عمه الذي يرفض تزويجه منها

عم عبدالرزاق

المسرحية عدد الشخصيات الرئيسي منها صفات الشخصية الخلفية الاجتماعية العلاقات
9)      الجندي الباسل 1931

جميل رمزي القطان

10)  كاترين1938

صفاء مصطفى

11)  ضحايا اليوم   1939               سليم بطي

  (23) +

مجاميع

(5)

(26)

  قحطان

فرهاد

كاترين

حسن

سعاد

كامل

  شاب متنور

شيخ متعجرف

شابة متفتحة

شاب رسام

شابة متعجرفة

شاب مستهتر

 وطني غيور

متسلل دخيل

طبقة متوسطة

طبقة متوسطة

غنية

غني

  يحب ابنة عمه ليلى

يعمل لصالح الأعداء…

متقلبة في عواطفها  بين مَن يرفعونها إلى سلّم (الشهرة).

يتزوج كاترين التي تخونه مع المسرحي ثم مع الشاعر..

ترفض ابن عمها سليم وتقع في شراك كامل..

 

إنَّ قراءة الجدول في أعلاه يحيلنا إلى موضوعات الحب والعواطف النبيلة بمقابل الخيانة والغدر والانفعالات السلبية وقيم الرذيلة ممثلة لحبكات الأعمال الدرامية الاجتماعية ..  وتتقمص هذي الموضوعات شخصيات منفعلة مؤمنة بهذه القيم التي تحركها العاطفة نبيلة كانت أم رذيلة بما يدخلها في المعالجات الرومانسية فكريا وجماليا…

وخلاصة القول في هذه المسرحية (الاجتماعية بين 1992- 1939) إنها كانت في بنيتها خطوة نوعية طيبة في مرحلتها؛ وهي تلتقي تتبنى في معالجتها مادتها تعبيريا أسلوب المأساة الاجتماعية حاملة سمات الرومانسية من حيث الجو العام ومن حيث سيادة الحماسة والانفعال الرومانسيين. وهذا اللقاء بين القيم الفكرية والتعبيرية السلوبية للرومانسية  لا نذكره هنا عبثا بل لاتصاله الوثيق بمسار الحدث بكل ما يحكم به بنيته من قواعد صارت معروفة لدارسي المعالجات الرومانسية

في جميع الأنواع الأدبية والفنية في التجاريب الإنسانية عامة.. وليس للحالة العراقية فقط.

نصل في هذا القسم من دراسة المسرحية العراقية من جهة نصها الدرامي المكتوب او المنطوق إلى قراءة إجمالية للتجربة وتقويم عام فيها.. نسجل فيه ما لها وما عليها قبل أن ننتقل لقراءة تالية في مرحلة جديدة من حياة المسرحية العراقية..

إنَّ أكثر ما اهتم به نقادنا في تقويمهم للمسرحية عندنا بخاصة مسرحية النشأة هو موضوعاتها أو مضامينها فراحوا يعبرون عن الاختلاف في وجهات نظرهم مع مسرحية الأمس في أسلوب تناولها موضوعها وفي معالجاتها الفكرية غير الواقعية أو في (الروح الخطابي الفج) و ( التقديم المباشر للأفكار) و (حشو المساجلات السياسية والاجتماعية) وما شابه ذلك، وأصبح أمام قارئ هذه المعالجات النقدية أحد أمرين: أما أن يتفق مع هذه التوقعات والأحكام أو أنْ يبحث في ظل ظروف غير مهيأة للبحث سواء بضياع نصوص كثيرة  أم بصعوبة الوصول إلى ما تبقى من النصوص.. فضلا عن افتقار المرحلة إلى دراسات مساعدة تؤهل الوضع للبحث العلمي الدقيق.

وبما أننا استطعنا الوصول إلى نماذج من مسرحية النشأة كانت تعدّ في حكم المفقودة فقد أصبح لزاما علينا الكشف عن طبيعتها على وفق نظرة موضوعية وعلى أساس عدم إغفال العنصر الجوهري في القيم النقدية المستخدمة في التحليل وفي غايته، تلك الغاية التي تتجاوز المجال الفكري في الأعمال النقدية لتحلـِّل دراما الأمس بوصفها أعمالا أدبية فنية قبل كل شيء. من هذا المبدأ يمكن أنْ نخلص إلى بعض النتائج المتحصلة من قراءتنا هذه. وهي نتائج تتعلق بفنية الأعمال من جهة وبالتصورات التي أفدنا فيها من الدراسة نفسها:

1. أما بصدد التصورات التي نخلص إليها فتكمن في أن هذه قراءتنا تعترف بوجود الساذج من الأعمال إلى جانب المتميز منها مع الالتفات إلى حقيقة أن جميع ما وُجِد بين أيدينا يمتلك أهميته ليس بوصفه كمّا مجردا ولكن لما يحتويه من أهمية تاريخية أولا ولِـما يقدمه من قيم جمالية وفنية تعبر عن المستوى العام لتلك المرحلة. وهو مستوى يجب أن نحدد معالمه بدقة كافية لأن المرحلة تمثل المنطلق التأسيسي والمقياس الضروري لتسجيل التطور اللاحق لأية دراسة جدية  لمسار تطور المسرحية العراقية. إذن فالأهمية تكمن في وضع هذا النتاج المسرحي في سلسلة التطور.

2. تميزت مسرحية النشأة بتركيزها على (المشهد) أو (المنظر) من حيث الشكل الخارجي وإنْ اختلفت التسمية (أحيانا يُسمى المشهد فصلا كما حصل في “لطيف وخوشابا” … وهو أمر ناجم عن تخلف المعرفة الفنية…) ونقصد هنا تأثر المسرحية بالطريقة الفرنسية في بناء المشاهد. وقلّما كان المشهد يُبنى خارج هذه الطريقة التي يكون فيها دخول شخص من أشخاصها [شخصيات المسرحية] أو خروجه نهاية أحد المشاهد. بينما المعنى الذي يرى أنَّ المشهد يؤلف جزءا من الفصل عندما يُسدل الستار أو للدلالة على تغيير وضع ما أو مرور زمن أو كليهما معا… يبقى هذا المعنى مقصورا على الفصل من دون المشهد. لقد أدى التزام هذه الطريقة إلى حالة من الاضطراب في رسم الحركة وتخيل صورة تقديمها على (الخشبة\الركح) بما يجعلها أكثر انسجاما. وبهذا التصور يجد المرء نفسه أمام ضرورة حذف بعض المشاهد ودمج أخرى ببعضها وتقديم وتأخير أخريات، الأمر الذي يُعدّ ضرورة لإمكان عرض تلك المسرحيات. ومرة أخرى ألفتُ النظر إلى أن هذه الصورة ليست عامة شاملة أو مطلقة الوجود كما يبالغ في ذلك بعض النقاد.

3. نجد في عدد من مسرحيات النشأة حالة (هجينة) من السرد القصصي والدراما؛ ومن التكثيف الغنائي على حساب التكثيف الدرامي؛ والحبكة الروائية على الحبكة الدرامية؛ ولكن، من حالة كهذه أمكن ولادة نمط درامي جديد يوظف خصائص الأعمال الأدبية وإنْ كان في ظروف متعددة قد جانبه التوفيق في هذا التوظيف، فظلت ظاهرة المسرحية الهجينة واضحة في مرحلة النشأة.

4. سادت (الرومانسية) مسرحية النشأة بوصفها الاتجاه الغالب فيها، سواء من حيث المنطلقات الفكرية التي تعالجها أم من حيث طبيعة البنى الفنية؛ تلك البنى التي لم تكن – على الرغم من سيادة الرومانسية فيها – تخلو من تأثر باتجاهات أخرى أبرزها الواقعية الساذجة؛ ولم تكن هذه الرومانسية المشوبة بنمط من الواقعية إلا انعكاسا للقيم الفكرية والجمالية السائدة في الأدب بخاصة والفن بعامة، في هذه المرحلة. وقد تأكد في ضوء هذا الاتجاه – الرومانسية – دور الشخصية المتميز في بنية المسرحية، وتمَّ تأكيد صورة (الفرد) وليس (الفئة) أو (الطبقة) في تكوين الشخصية المسرحية ولهذا فلم نعثر على الشخصية الرمزية في إطار الصورة الفردية، ويمكن القول: إنَّ هذه الحالة أدت إلى الالتجاء إلى شكل فني محدد من دون غيره.. فمعالجة الآثار الاجتماعية وانعكاسات الوضع السياسي العام في (وحيدة) على  سبيل المثال جاء في مأساة اجتماعية إذ لم تتطلب المسرحية رموزا للفئات والاتجاهات وإلى تركيبة معقدة في خطتها الشخصية؛ وظلت في إطار حركة الأفراد وما يجابهونه في شكل (مأساة) وهو الشكل الأنسب في اعتقادي لمثل هذه المعالجة.

5. أبرزت مسرحية النشأة شخصيتين في إطار الأنماط السائدة.. الأولى هي: (البطل القومي التاريخي) في إطار المسرحية التاريخية. ولم يتم في معظم الأحوال إجراء أيّ تحوير فيم تقديم هذه الشخصية دراميا؛ وهو ما انعكس سواء في بناء الشخصية بوصفها مفردة درامية أم في بنية المسرحية التاريخية وآلية تكوينها أو بنائها… أما الشخصية الثانية المتميزة فهي شخصية (المثقف المتنور ابن الطبقة المتوسطة). وأفضل مثال تناولته المسرحية هنا هو الطبيب. ولهذا الأمر ارتباطه بالواقع الاجتماعي المحيط من جهة وبتأثير القراءات الأجنبية من جهة أخرى..

6. امتازت المسرحية في هذه المرحلة ( بكثرة عدد الشخوص) وكان هذا بسبب من التأثر ببنية الرواية ومن نتائج هذه الظاهرة مسألتان:

أ. تساوي أهمية عدد كبير من الشخصيات في العمل الدرامي؛ ويذكرنا هذا ببنية الشخصية عند تشيخوف، الذي كان يهمه الأجواء أكثر من أيّ عنصر آخر، ولكننا لم نرصد في هذا التعدد والتساوي في الأهمية أثرا سلبيا (مباشرا) على بنية الشخصية وتطورها داخل العمل المسرحي.

ب.  وجدنا أنَّ الشخصيات الثانوية قد انقسمت على نمطين الأول منهما تكون فيه الشخصية الثانوية موظفة في البنية الدرامية وفي تطويرها، أما الآخر فكانت الشخصية فيه كمالة عدد،  إلا أنَّ ظهور هذه الشخصية بعامة على الخشبة كان أكبر من قيمتها الحقيقية.

7.  كانت الشخصية وسماتها الخاصة هي التي تخلق الجو العام في العمل المسرحي، إلا أنَّ نشاطها الذي اكتسى بحلّة رومانسية – فضلا عن طبيعة المرحلة والظروف العامة – هو الذي خلق النهايات القاتمة والمأساوية.. وعلى الرغم من ذلك تبقى هذه الشخصية طموح ومتحركة لبناء عالمها الخاص.

8.      عنصر المفاجأة كان منطقبا في كثير من الأحوال؛ وإذا كان قد ساد هذا العنصر في مسرحية النشأة بصورة عامة فإنَّها لم تسرف على صعيد العمل الدرامي الواحد في توظيف عنصر المفاجأة هذا..

9.      في الوقت الذي كانت فيه النهايات تكشف عن تحطيم (ظاهري) للوضعية الأساسية، ونقول ظاهري لأنها تنصبّ على وضعية الشخصية، فإنَّها لم تكن تمسّ الوضعية البيئية المحيطة به وفي الغالب تبقى القوى المسيطرة على سيطرتها.. ويمكن أن نستنتج من ذلك ما يأتي:

أ.  إنها نهايات مغلقة(Closed end) إذ لا تترك المسرحية من دون حسم نهائي للأحداث ولمستقبل الشخصيات.

ب. إنَّ البنية الدرامية هنا هي بنية دائرية من حيث الخطة العامة أو الخلفية الفكرية والاجتماعية لأنها تعود إلى ما بدأت به، وهي بنية مفتوحة أو هرمية من حيث الخطة الشخصية، لأنها تنهي شخصياتها والأحداث كذلك.

10. حافظت مسرحية النشأة على تناسق وحداتها على وفق مفاهيم درامية جديدة ولهذا فإنَّنا لا نجد التزاما منها بالوحدات الكلاسية المعروفة فالزمن فيها يمتد إلى سنوات طويلة، حتى يبدو لبعضهم أنه يفكك وحدتها وهذا غير صحيح.. لأن مسرحيةَ َ تعتمدُ الشخصيةَ وحدةَ بنائيةَ َ يمكنها أنْ تستوعب حركة زمنية أو مدى زمنيا واسعا؛ كذلك فمكان الحدث كان يجري بين البيوت والمحلات والضواحي وفي الشوارع والأزقة وفي المؤسسات والأندية، وبين المحافظات والبلدان غير أن ذلك كان محسوبا بشكل مناسب.

وجملة القول: إنَّ مسرحية النشأة كانت مسرحية رومانسية هجينة، استطاعت أن تعبر عن ظروف مرحلتها وعن أبطالها بصياغة فنية اعتمدت نمط المأساة الاجتماعية التي شابها في بعض الأحيان اختلاط بالميلودراما، تأثرا بالمسرحيتين العربية والغربية. وإذا كان صحيحا أنَّ كثيرا من هذه الأعمال قد جاء ساذجا أو بسيطا في بنيته أو فكرته أو كليهما فإنَّ من الصحيح أيضا أن هذه الأعمال امتلكت بعامة فضلا عن أهميتها التاريخية – بقدر تعلق الأمر بالتوثيق للمسرحية العراقية – أهمية فنية جمالية انطلاقا من كونها مرحلة التأسيس والتجربة الابتدائية للمراحل اللاحقة في مسيرة المسرحية العراقية.

وقد حاولنا هنا تبيان هذه الأهمية الجمالية (متجنبين هنا الإكثار من التفاصيل والأمثلة من أجل أكبر فائدة نظرية لدارسي الدراما وتحديدا العراقية) من دون أنْ يُعدّ ذلك مبالغة بشأن دراما النشأة؛ لأن التوسع في تحليل تلك الأعمال جاء بالقياس إلى معطياتها وقيمها الخاصة وإلى أهميتها في حلقات التطور الفني (عراقيا) وليس بالقياس إلى علو شأنها، وبصورة أدق قياسا إلى معيار تاريخي نسبي.

إنَّ هذه المحاولة تزعم لنفسها أنها توصلت إلى نتائج مغايرة لما توصلت إليه دراسات سبقتها وهو ما يحفز على مواصلة الكشف عن المرحلة التالية التي ستمتد من نهاية مرحلتنا هذه (والفاصل بين المرحلتين هو الحرب العالمية الثانية) وحتى نهاية الستينات..

توطئة عامة لدراسة مسرحية مرحلة تعدد الاتجاهات

في القسم الجديد من دراسة المسرحية العراقية من جهة نصها الدرامي المكتوب أو المنطوق سنتعرض لمتابعة قراءتنا التي تركز على الجوانب الأدبية الفنية للنصوص في وقت تحاول ألا تغفل العناصر النقدية الأخرى في قراءة المسرحية من دون تغليب تلك المفردات التي تعرّج على المضامين وتنشغل بالاختلافات الفكرية معها كما أوضحنا في معالجتنا في القسم الأول من هذه الدراسة..

ومن المفيد هنا أن نشير إلى أننا في هذه المرحلة سنجد وفرة أكبر في عدد النصوص وفرصا أوسع في عملية الاختيار في إطار  ما تعكسه التطورات النوعية في البنية وفيما تناولته مسرحية المرحلة من مضامين وقضايا.. وهذا يعني أننا سننتقل إلى قراءة تتضمن إشكالات جديدة أبعد من قضية الأهمية التاريخية أو شهادة ولادة المسرحية في العراق كما كان الأمر في قراءة مرحلة الولادة والنشأة.. وهكذا فنحن أمام حلقة جديدة من سلسلة حلقات تطور المسرحية العراقية المعاصرة…

وسيكون من بين تساؤلاتنا في قراءة هذه المرحلة أن نعيد أسئلة المرحلة الأولى من باب المقارنة وتلمس درجات التطور والتغيير.. فهل سنتلمس أو نجد ظواهر مرت معنا في مرحلة النشأة من نمط طبيعة الشكل وتركيبته فيما يخص المشهد والمنظر وعدد الفصول على سبيل المثال، وظواهر من مثل السرد القصصي والحبكة الروائية وكثرة عدد الشخصيات مع تساوي أهمية عدد منها، وسيادة الرومانسية  وإبراز شخصيات البطل القومي التاريخي والمثقف المتنور ابن الطبقة الوسطى مع خطاب المأساة الاجتماعية بنهاياتها المغلقة المحسومة وبما حفلت به من استخدام لعنصر المفاجأة…

وسيكون من تساؤلاتنا أيضا أن نبحث إذا ما عبرت مسرحية المرحلة الجديدة بطريقة فنية مناسبة ومخصوصة الهوية عما يحياه أبطالها مثلما حاولت الأمر ذاته بنسبة من التوفيق والنجاح مسرحية المرحلة الأولى…  ومن المفيد القول هنا: بأننا زمنيا نحدد المرحلة التي نحن بصدد دراستها من نهاية مرحلة النشأة (والفاصل بين المرحلتين هو الحرب العالمية الثانية) حتى نهاية الستينات..

كما نذكـِّر هنا بأن دراستنا الدرامية الطابع تبقى مؤسسة أولا ومبدئيا على التفكير بحفلة العرض، وظروفها، والغاية من العمل الدرامي، بما يشكل عددا من محددات البنية الدرامية. التي ستساعدنا على الكشف عن المحتوى الدرامي من جهة، وعن العلاقة الجدلية بين المؤثرات الخارجية والمكونات الداخلية للبنية من جهة أخرى.. فآلية العلاقات الداخلية لهذه المكوّنات ليست انعكاسا فوتوغرافيا محضا لمصادرها الواقعية (الخارجية)، بل آلية حيوية لأنَّها تُعدّ بمثابة حياة مصغرة أخرى على الركح [الخشبة] أو بعبارة أدق محاكاة فنية للحياة الإنسانية..

وفضلا عن محددات البنية هذه؛ فإنَّ الاتجاهات والمذاهب الأدبية والفنية تُعدّ هي الأخرى عاملا آخر من المحدّدات المؤثرة في الدراما وبنيتها، ولكن تأثير هـــــــذا العامل غير مباشر، لأنّه يباشر تأثيره أولا من خلال علاقته بأساليب المعالجة الدرامية لكل من عناصر البنية الشكلية والمضمونية ومن ثمَّ في آلية البنية الدرامية وصيرورتها.

ونحن نشير لهذا المؤثر باستقلالية نظرا لاصطباغ المرحلة بتعدد الاتجاهات  والمذاهب  وكذلك لدور المذاهب الأدبية والفنية هذه في إبراز انعكاس طبيعة العصر ومعالجاته، يقول الدكتور جميل نصيف بهذا الشأن: “لقد جسَّد كل مذهب أدبي.. لاسيما الرئيسة منها… الحالة المزاجية والذهنية والنفسية والعاطفية لحياة مجتمعاتها، كل في عصره. إنَّ دراسة تاريخ أيّ أدب من آداب أقطار أوروبا الغربية، ومعها آداب كل الأمم السائرة في طريق العصر الحديث، لا تتم اليوم بمعزل عن تاريخ المذاهب الأدبية فيها وتعاقبها منذ أواخر عصر النهضة إلى اليوم”(1).

وفي ضوء تحكم الأوضاع العامة لبلد بعينه بهذه المحدّدات الدرامية، ومنها المذاهب الأدبية، ، يصبح من الضروري تقديم عرض مجمل للمرحلة من حيث طبيعتها وخصائصها، لمزيد من سبر غور المؤثرات الأبعد في المسرحية التي ندرسها.

في البدء لابد من القول: إنَّ اختيار الحرب الكونية الثانية حداَ َ فاصلا بين مرحلتين في دراسة المسرحية العراقية لم يأتِ عبثا، فهذه الحرب قد شملت في تأثيرها مجتمعنا مثلما شملت المجتمعات الأخرى في مختلف أرجاء المعمورة. ولقد كان هذا التأثير عميقا وشاملا  لنواحي الحياة كافة، فكان جمهور مرحلة ما بعد الحرب واقعا في كمّاشة من الاتجاهات المتناقضة، تحت تأثير إزدياد حدة الصراع الاجتماعي والفكري في مجتمع ما بعد الحرب، المجتمع الذي تجاذبته ظروف الفقر والجهل والمرض.

لقد كوّنت هذه الظروف الاجتماعية والفكرية مناخا ملائما لصياغة أساليب التعبير الجديدة، مثلما خلقت القاعدة الأساس لولادة المذاهب والاتجاهات المناسبة لأجوائها. وأول هذه المذاهب والاتجاهات الجديدة التي سادت في مسرحية ما بعد الحرب هي: (الواقعية).

وفي إطار المذهب الواقعي ركزت موضوعات المسرحية واهتماماتها على أجواء بلادنا ومجتمعنا والمشكلات التي جابهتهما. فبعملية إحصائية نجد أن الموضوع السياسي شكّل نسبة تزيد على ثلث الأعمال الدرامية التي ظهرت بين عام 1940 وعام 1967.. وهذا اللون الدرامي يمكن أن يخضع لجنس نطلق عليه اسم الدراما التعليمية أو الوعظية (Didactic drama). ويتسم هذا اللون الدرامي بمميزات يلخصها قول سام سمايلي [Sam Smiley] بأنها مسرحية”تختلف عن الأشكال التقليدية الثلاثة أي المأساة، الملهاة، والميلودراما (المشجاة) مكتسبة وجودا مستقلا. والاختلاف الأساس بين المسرحية الوعظية والأخرى التقليدية بأجناسها يكمن في جعل الفكرة جزءا نوعيا في تكوين المسرحية بما يجعلها تتخذ وضع العنصر التنظيمي الرئيس والأكثر أهمية فيها، العنصر الذي يسخِّر الأجزاء الأخرى في المسرحية الوعظية لخدمة تقديم الفكرة ؛ بينما الفكرة في المسرحية التقليدية ليست أكثر من مادة للشخصية والخطة”(2).

إذن فكون المسرحية الوعظية (Didactic) تـُخضِع بنيتها لسياق الفكرة (Thought)، أو الموضوع الذي تقدمه، يسوِّغ لنا بل يَفرض علينا أنْ نناقش هذا الموضوع وخطة حركته من خلال تتبع خطة البنية الدرامية بعموم الاتجاهات ومدى المرحلة التي نحن بصددها.

ونحن لا ننظر إلى المسرحية الواقعية وحدها ممثـِّلة لهذا الاتجاه الذي ساد الدراما العراقية بعد الحرب العالمية الثانية؛ فنظرة فاحصة على المسرحية الرمزية من شأنها أنْ تقنعنا بأن ظروف ولادتها ليست مشابهة لظروف ولادة هذا الاتجاه في أوروبا، حيث كانت الغاية في مسرحيتنا تقديم موضوعات ومعالجات سياسية تختفي وراء رموز وإبهام هي وسيلة للهروب من جور السلطات طوال هذه المرحلة.

وهذا ينطلق من كون زمن المسرحية هو ما يحدِّدُ نمطها. تقول مارغوري بولتن: “وعلى هذا فلابد من أنْ نربط جميع التمثيليات بالبيئة التاريخية التي كُتِبت فيها – هذه البيئة تشتمل على مسرح زمن التمثيلية، ومقاييس هذا الزمن الفنية والجو العام الذهني والأدبي – وبالأحرى الخلقي، … “(03). حيث يحيلنا هذا الاقتباس فيما يتعلق بمسرحيتنا إلى تأكيد العلاقة الجدلية العميقة بين أجـــواء المرحلة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا من جهة وبنية المسرحية العراقية فنيا من جهة أخرى. وبقدر تعلق الأمر بهذه العلاقة فإنَّ الباحث هنا يؤجل التفصيل في هذا إلى حين عرض المداخلات التطبيقية، حيث يمكن عندها البرهنة عليها ومنحها أفقا علميا دقيقا.

إنَّ كل ماهو فكري وسياسي في أيّ مسرحية يعدّ دلالة لها، فليست هناك مسرحية من دون دلالة تمتلكها. وإنَّ فكرة المسرحية تكتسب قيمتها من تطابقها كليا مع طبيعتها الخاصة وفي علاقاتها القائمة أو الموجودة فعلا، وهذه لا تعدّ مسألة فكرية بحتة بمعنى أنها تعبير عن دلالة، تعبير عن رمز حيث يتحول الشيء المادي إلى دليل يعكس، في حدود معينة، واقعا معينا من وجهة نظر بعينها.

وعلى سبيل المثال، يتحول الخمر والخبز من بضاعة تداولية تعبر عن حاجات بشرية بعينها إلى رمز ديني عند المسيحي مثلا، فالخمر والخبز ليسا دليلا [مشفرا] في ذاتهما وإنما في التحول أو في العلاقة التي يدخلان فيها. أيّ أن لكل ما هو فكري قيمة دلالية (سيميائية) تعتمد وجود القيمة الاجتماعية وليس الأفراد مجتمعين من دون هذه القيمة؛ هذا من جهة الموضوع،

ومن جهة ثانية يعدّ النتاج المسرحي دلالة بالقياس إلى مادته التي يقدمها؛ فكلّ تحدث أو قول هو مكوّن لكل، ترتبط به دلالة ومعنى محددان أطلقنا عليهما الثيمة(Theme) أو الغرض الذي تكتسب فيه المسرحية قيمتها السيميائية، فإذا اتفقنا على أن الثيمة نسق معقد وحيوي من الأدلة، يخضع لشروط لحظة من التطور بعينها وأنَّ الدلالة هي الوسيلة(Instrument)التقنية لتحقيق هــــذه القيمة، فإنَّنا سنجابه حالة من التطابق بين المسرحية بوصفها نتاجا والدلالة بوصفها وسيلة أو الوجه الشكلي في مقابل تطابق المعنى أو الأيديولوجيا فكرةَ َ ومعالجةَ َ والثيمة التي تلخص مضمون المسرحية أو بعبارة أخرى وجهها المضموني.

وبعدُ، فليس الغرض من هذه المداخلة إضافة مسوِّغات للكشف عن العلاقة بين البنية الدرامية والمؤثرات الخارجية فيها، فنحن هنا لسنا بحاجة إلى مسوغات بقدر حاجتنا للكشف عن هذه العلاقة من ناحية وعن دور الكلمة في البنية من ناحية أخرى؛ إذ أن الكلمة هذه قد تكون مجردة بنفسها وقد تكون دالة مطابقة لتسمية معينة، ولا معنى للدلالة بحد ذاتها هنا لأنها ليست سوى قدرة أو إمكان على أن تؤشر معنى معينا ضمن ثيمة محسوسة.

وفي ضوء دراستنا هنا نلاحظ اتجاهين أحدهما يسير نحو الثيمة وبنيتها وفي هذه الحالة فإن الأمر سيتعلق ببحث الدلالة السياقية لكلمة معينة في شروط القول الملموس بالمعنى الواسع للعبارة أي بالمعنى التركيبي البنائي الداخل في العمل الدرامي وبنيته الكلية – ويسير الاتجاه الآخر نحو الدلالة وفي هذه الحالة سيتركز الأمر على بحث دلالة الكلمة داخل نسقها المعجمي بالمعنى الضيق لهذه العبارة أي في إطار دراسة بنية الحوار وانعكاس العواطف والانفعالات وطاقات الفعل الإنساني فيه أو في الكلمة المعجمية.

إنَّ ما يدعو إلى مثل هذا النحو من البحث أنَّ المسرحية لم تعد في هذه المرحلة تركز على الشخصية الإنسانية الفردية بل على الشخصية – المجتمع أو الفئة أو الجماعة – بما يعكس من خلالها الجو الاجتماعي العام من جهة وما يضفي على الكلمة قوة دلالية أبعد من وجودها المعجمي بل دخول هذه الكلمة في علاقات متشابكة يكون لها قوة بنائية (Structural power) ترفعها إلى مستوى بنيوي (Structural level) تركيبي جديد.

تبقى مسألة أخرى ستساعدنا [مثلما نقترحها أداة تحليلية درامية للآخرين] في بحث مسرحية المرحلة هي أقرب إلى المذاهب والاتجاهات. إنها أساليب وألوان فرضت وجودها على طبيعة المعالجة الدرامية فانقسمت المسرحية الجديدة على أبعاد تقع بين مفهوم المسرحية الاجتماعية والمسرحية السياسية على وفق خصائص محلية متميزة، فيما انحسرت المسرحية التاريخية إلى الظل لأسباب ذاتية وموضوعية. وأصبحت المسرحية التاريخية مادة موجهة إلى الأعمال المدرسية ومنحصرة فيها مع استثناءات جد محدودة، وبالمناسبة فإن هذا الواقع الجديد في توزيع الأعمال سيدعونا إلى تكثيف التفاتنا إلى الألوان الأكثر اتساعا مع إعطاء الألوان صغيرة الشأن، من حيث حجم وجودها النسبي داخل مسرحية المرحلة، نقول: إعطاؤها ما تستحقه من مناقشة.

مع ذلك فإنَّ هذا التقسيم البحثي سينطلق من دراسة الشخصية في تحولاتها الجديدة. ودراستنا هذه التي تبدأ بالشخصية تستند إلى سببين: فنحن نبدأ أولا بالشخصية بسبب الأهمية البنائية المتميزة لهذا العنصر الدرامي؛ وثانيا: بسبب تركيز مسرحيتنا العراقية على مناقشة هموم الشخصية \ الفرد أو الشخصية النمطية التي ترمز لفئة أو فكرة.

ولا يلغي هذا أهمية العناصر البنائية الأخرى حيث لا يقابل فهمنا للبناء الدرامي هنا الشكل المسرحي منفصلا عن مضمونه.. وإنما يقابل العمل المسرحي بالكامل، من حوار وصراع ومن فكرة وحدث وإيقاع وحبكة فضلا عن أمور بنائية كثيرة وَجدْتُ من المناسب إدراجها ووضعها في مبحث شامل بقصد الكشف عن كل منها، ليس مُجتزَءا منفصلا بل في علاقته مع العناصر كافة.. وطبعا بالمجمل تمثل هذه الآلية توكيدا لمسارنا الذي اعتمدناه في تحليل المسرحية كما ورد في القسم الأول من هذه الدراسة…

هوامش:

01) د. جميل نصيف، المذاهب الأدبية، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1990، ص7.

02)Sam Smiley, Play Writing, The structure of action, Printice Hall, INC, New Jersey, P.49.

03) مارغوري بولتن، تشريح المسرحية، دريني خشبة، الأنجلو المصرية، القاهرة، 1962، ص 283.

——————————————————————–

المصدر : مجلة الفنون المسرحية –  ألواح سومرية معاصرة

 

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.